ماذا حـــــدث يـــــــوم الخــــمــــيــــــــــــ ـس ؟!!
عاد مينا الى بيته بعد انتهاء يومه الدراسي فى مدرسته يوم الخميس… ولكنه كان عائدا وهو منكسر ومحبط للغاية، لم يلقى التحية على والديه كما تعود .. بل دخل مخدعه واحنى راسه وخر على الأرض وانخرط فى البكاء والصلاة بنبرة مكتومة قائلا: يا الله، هل رأيت ما حدث لى؟! لقد كان أسوأ يوم مر عليّ .. لقد كرهت يوم الخميس بسبب ما حدث لى اليوم!
لقد خاننى أعز صديق لى .. خاننى ولا أعلم لماذا .. لقد نال صديقي جائزة من مدير المدرسة اليوم لأنه قدم مذكرتى التى أكتب بها أشعارى وقصائدى منذ طفولتى .. لقد قدمها وكأنها ملكه وصدق الكل انه هو الذي كتبها!!
لماذا الخيانة؟! لماذا الخداع؟ لقد اعطيتها له لكى يقرأها ويعيدها لى كى أقدمها انا فى مسابقة الشعر المدرسية .. كنت أحلم بها منذ زمن .. هذه هى هوايتي .. هذه هى غايتى .. لماذا تضيع منى ويسرق غيري فرحتى ؟ّ!! لماذا لا تفعل شئ يارب ..؟؟
سمع الوالد هذه الشكوى التى رفعها الابن الى الله منذ بدايتها .. فطرق الباب ودخل بابتسامته المعهودة .. ثم دار هذا الحوار بين الأب وابنه:
الأب: عزيزى مينا .. لماذا انت حزين هكذا ؟؟ لقد سمعت صلاتك وشعرت بألمك .. لكن ما قلته لا يستحق كل هذا الحزن ولا يستحق دموعك !!
يمكننى ان أقدم لك هدية قيمة عوضاً عن التى نالها صديقك بدل منك .. أما اشعارك .. فايمكنك استرجاعها فيما بعد من صديقك بالهدوء وبالنقاش .. وحتى وان لم تستردها .. انت موهوب ويمكنك كتابة ألف مذكرة بدل منها!!!
الإبن: أبى .. انت تعلم كم كنت أحب صديقي وأثق به .. اذا كنت ستعطينى هدية أو سترد لى مذكرتى .. لكنك لن تستطيع ان تعطيني شئ عوضاً عن مشاعرى المجروحة!!
كيف ستعوضني عن صديقي الخائن!!
ماذا افعل عندما اتذكر كل لحظات السعادة والفرح التى كنت اعيشها مع صديقي!! لقد كان كامثل أخ لى .. كنا نقضى الوقت سوياً فى الدراسة وفى العطلة .. انه معى حتى فى الكنيسة .. معى حتى فى فصل مدارس الأحد!! كيف انسي سنين والقى بها فى بحر النسيان !!
الأب: نعم يا بني معك حق قيما قلت .. احزن ولا تعطي لعينيك راحة .. ابكى حتى تتذكر هذا اليوم لآخر حياتك .. لا تنساه ابداً ..
حينئذ رفع مينا وجهه ونظر لأبيه بنظرة غريبة .. وبدت على وجهه علامات التعجب!!
الإبن: ماذا تقصد يا أبى ؟؟ لماذا تغيرت نبرة كلامك معى ؟؟ أهل تدعونى كى استغرق فى حزنى ؟؟ كيف تغير موقفك فجأةً ؟
حينئذ طرق الأب اليه بابتسامة ممزوجة بألم وكأنه يسترجع لحظات صعبة فى ماضيه … ثم قال له: نعم يا بنى لقد تغير موقفى كما ذكرت .. تغير موقفى لأنى تذكرت يوم الخميس ..
الإبن: أى خميس يا أبى ؟؟ أهل عانيت انت ايضاً فى يوم خميس ؟؟ اخبرنى
الأب: لا يا بنى .. ليس انا بل أبى .. لقد كان يمر بضيقة عظيمة .. كان يركع يصلى مثلما فعلت انت .. لأن أحدهم قد خانه ايضاً!!!
الإبن: لكنك لم تخبرنى يا أبى بها مسبقاً .. ماذا حدث لوالدك .. كيف خانه احدهم ؟ ألعل الخائن كان صديقاً له أيضاً مثلما حدث معى
الأب: بلى يا بني .. لم يكن مجرد صديقه فقط!! بل كان كإبن له .. كان حبيبه .. كان تلميذه .. لكنه خانه وآخذ الجائزة نظير خيانته!
أبى الذي أتحدث عنه هو يسوع .. تذكرته الآن لأنى تذكرت مدى معاناته فى ذاك الخميس المؤلم .. لقد عانى الكثير من آلام نفسية قاسية .. لا يستطيع احداَ أن يوصفها ابداَ
قال يسوع لتلاميذه وهو متكئ معهم: "الحق اقول لكم ان واحد منكم يسلمني"، وحزن الجميع وقال كل واحد: "هل انا هو يا رب" .. كان يسوع يعرف مسبقاً بأن احد تابعيه وتلاميذه سايخونه .. كم هو مؤلم ان تعرف مسبقاً ان احداً سايخونك!!
وقال لهم ايضاً: " كلكم تشكون فيا في هذه الليلة لانه مكتوب اني اضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية" .. يا له من موقف محزن ومؤلم حينما يشك الجميع فى السيد فيمن احبهم بكل قلبه وكان فى طريقه ليبذل نفسه عوضاً عنهم!!
فهو بسابق علمه الغير محدود يعلم بأن جميع تلاميذه سايشكون فيه انه هو المسيح ابن الله المنتظر!!
ولما ذهب لبستان جسثيمانى، يقول الكتاب انه ابتدأ يحزن ويكتئب لدرجة شديدة للغاية .. حيث لم يراه أحد قط فى مثل تلك الحالة من قبل!!
وصار يصلى بلجاجة شديدة حتى ان عرقه صار يتصبب كاكطرات دم!!
وهذا ما يسمى طبياً بـHematidrosis .. انها حالة نادرة جداا تحدث فقط عندما يواجه الإنسان درجة مروعة من الضغط النفسى .. فيه يحدث ارتفاع شديد فى ضغط الدم (Severe Hypertension) يؤدى الى اختلاط العرق بالدم ويتصببا من كل الجسم وليس الوجه فقط وذلك كانتيجة لإنفجار الشعيرات الدموية المحيطة بالغدد العرقية.
يقول الكتاب: "ثم تقدم قليلا و خر على وجهه و كان يصلي قائلا يا ابتاه ان امكن فلتعبر عني هذه الكاس و لكن ليس كما اريد انا بل كما تريد انت" .. لم يكن المسيح خائفاً على الاطلاق من آلامه الجسدية التى يعلم مسبقاً انه سيتحملها .. او حتى خائفاً من الموت .. بل كان مكتئباً ومنزعجاً لأنه قدوس وطاهر من كل خطية ولكنه سايحمل خطايا كل العالم (فى جميع الأجيال) التى لايطيقها والتى نفر بسببها من العالم منذ سقوط آدم وحواء وحتى تلك اللحظة!! كان مكتئباً للغاية لأنه اصبح ملعون فى الأرض وأمام الآب لأنه –ومع انه برئ- لكنه سيُحاكم بدلاً منا .. يقول الكتاب "صار لعنة لأجلنا" .. ومكتوب ايضا: "ملعون كل من عُلق على خشبة".. حمل المسيح هذا وبكامل ارادته لأن محبته ورحمته مطلقة لا حدود لها .. واختار الموت لناسوته لأن عدله ايضاً مطلق ولا حدود له .. فاختار هو الموت عوضاً عنا .. حتى يكون غفران لخطايانا عند توبتنا .. فكان هو يعلم انه مقبلاً على الموت الأرضى، وهو الحياة نفسها!!
نفسه كانت حزينة حتي الموت لأن احباءه سيشكون فيه وفى إلوهيته .. لأن من سايسلمه هو واحد من تلاميذه .. لأن الذي ساينكره هو تلميذ آخر .. لأن سايرى مريم أمه واقف تبكى وسيف الألم سايخترق أحشائها ولكنه لن يتنازل عن آلامه وموته لكى تستطيع هى وكل البشر أجمعين ان يدخلوا ملكوت السموات كأبرار .. لقد انكسرت نفسه لأن الجميع سايتركونه وهو فى الأصل كان محاط بكل الأمجاد والطغمات السمائية .. والأعظم ان اليهود هم الذين سايطالبون بموته و عذابه على الصليب!! وبهذا لن يصبحوا بعد شعبه أو أهله إنما سايخسرهم .. سايخسر شعبه المختار الذي عاش معهم طيلة أسفار العهد القديم وفعل لهم آيات ليس لها مثيل … ساينقلب الجميع ضده وسايشك فيه هؤلاء الذين فرشوا الأرض بالزعف واستقبلوه بهتاف "أوصنا يا ابن داود"!!
سايقابل اعظم خيانة عرفها التاريخ وهو طبيعته المحبة المطلقة .. سيقابل كره وحقد وغل أعظم عندما يصرخ الجميع فى وجهه أمام الأمم (اي الرومان آنذاك): "دمه علينا وعلى أولادنا"!!
سايقابل الخزى والعارويصلب مع اللصوص كأنه واحد منهم أمام الأرض (لأنه امامهم كالمخطئ) وامام السماء (لأنه ملعون كونه قد قبل حمل جميع نجاسات العالم كى لا يحملها اى انسان، حيث ان أجرة واحدة منها فقط تساوى الموت)!!
سايتعرض لأعظم مؤامرة باطلة، وهو مدبر الكون والخليقة البار .. سايضربوه وسايجلدوه وهو قد شفى مرضاهم واخرج شياطينهم .. وأخيرا سايُعذب ويُترك على الصليب حتى يموت وهو الذي أقام موتاهم من الموت حتى بعد أن أنتن بعضهم!!
صدقنى يا بني إن عذابه النفسي كان أعظم بكثير من عذابه الجسدي .. فكان عرضه للموت حقا وهو يصلى منهاراً للأب متمنيا أن يحول عنه هذه الكأس المرة .. فإنه لا يطيق خطية واحدة فكيف سايحمل كل انواع الخطايا فعلها كل انسان على وجه الأرض!!
كيف يتحول أعظم قدوس لأعظم خاطئ !!
ولهذا ارسل له الآب ملاكاً ليقويه ليسنده كى لا يموت قبل ان يتمم الفداء .. لقد تعجب الجميع عندما مات المسيح على الصليب فى ذات اليوم .. كان من المتوقع ان يبقى معلقاً ليومين او ثلاثة او ربما اكثر!! لكن آلامه النفسية المبرحة عجلت بموته!!
هل تعلم يا بني ان كل خطية تفعلها هى بمثابة خيانة جديدة ليسوع .. فبعد اعلانك انك مسيحيا وانك ساتحيا فى محبته وتخدمه كيف تكسر هذا الوعد وتضيف على جراحه النفسية جرح آخر بسبب خطيتك! انظر كيف حزنت بسبب خيانة بسيطة قد تعرضت لها .. فأنا ادعوك انت تتذكرها جيداً وتضعها نصب أعينك حتى لا تفعل مثلها تجاه المسيح!!
حينئذ نظر مينا لصورة الصلبوت التى فى حجرته وعيناه قد امتلآت بالدموع ليس على خيانة صديقه انما على خيانته لربه المتمثلة فى جميع خطاياه ..
أخى القارئ، ليتك تجلس الآن امام صورة الصلبوت التى فى بيتك وتندم على كل خيانة فعلتها فى حق يسوع وتعده بأنك لن تعود فتفعلها .. صدقنى سايتحول حزنه عليك إلى فرح عظيم، لأنه مكتوب: "هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب اكثر من تسعة و تسعين بارا لا يحتاجون الى توبة"
