تفاسير الكتاب المقدس العهد الجديد

متى 7 – تفسير انجيل متى دستور الملك (ج) – المبادئ الملوكية

عالج السيّد المسيح بعض المبادئ الأساسية الخاصة بملكوت السماوات لتكشف عن الفكر السماوي والحياة السماويّة.
1. عدم الإدانة 1-5.
2. الحفاظ على المقدّسات 6.
3. السؤال المستمر 7-12.
4. الباب الضيّق 13-14.
5. الأنبياء الكذبة 15-23.
6. خاتمة الدستور 24-27.
7. اندهاش الجماهير 28-29.
1. عدم الإدانة

مادام الرب يحدّثنا عن نقاوة القلب الداخلي حتى نستطيع بالعين البسيطة أن نُعاين ملكوت السماوات، ونحيا لله لا لمحبّة المال، ونعيش بلا همّ، وفي نفس الوقت بلا تواكل حتى في الأمور الزمنيّة، فإن هذه الأمور في جملتها تمثّل حياة خفيّة لا يمكن إدراكها بالمظاهر الخارجيّة وحدها. إن كان الإنسان يحتاج إلى عمل روح الله القدّوس لكي يكشف له ذاته مع إرشاد أب اعترافه، فكيف يمكننا أن نحكم على الغير إن كانت قلوبهم نقيّة من عدمه. فالمظاهر الخارجيّة، حتى العبادة، قد تخفي من ورائها ما لا يمكن إدراكه. إن كنّا نطلب لأنفسنا الحياة النقيّة الداخليّة يليق بنا ألا نحكم على الآخرين وعلى قلوبهم التي لا يراها سوى الله نفسه. هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن الحكم على الآخرين أو إدانتهم يسحب قلوبنا من التركيز على ما هو لخلاصنا وبنياننا إلى إدانة الناس والحكم عليهم، فنكون كمن يترك ميّته في بيته لينوح على ميّت أخيه. والإدانة أيضًا تفقدنا طبيعة الحب نحو إخوتنا فنخسر نعمة محبّة الله لنا الساترة علينا، ففيما نحن نحكم على الغير يُحكم علينا. وكما يقول السيّد المسيح: "لا تدينوا لكي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تُدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم، ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك، وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها؟" .
* إن كان يُحسب شرًا ألا يرى الإنسان خطاياه، فإن شرّه يكون مضاعفًا إذ يجلس على كرسي إدانة الآخرين بينما يحمل خشبة في عينيه.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
* أظن أننا نتعلّم من هذه الوصيّة ضرورة افتراض أحسن قصد ممكن لأعمال الآخرين التي يمكن لنا أن نشك في نيّتها.
القدّيس أغسطينوس
* لو سقط أخوك في خطيّة الغضب تسقط أنت في خطيّة الكراهيّة (بإدانتك له). وهناك فرق شاسع بين الغضب والكراهيّة كما هو بين القذى والخشبة، لأن الكراهيّة هي غضب مزمن. فبطول الزمن اشتدّ القذى فصار بحق خشبة. فإنك إن غضبت على إنسان ترغب في رجوعه إلى الحق، أمّا إذا كرهته فلا يمكن لك ذلك.
القدّيس أغسطينوس
* أصل الإدانة عدم المحبّة، لأن المحبّة تستر كل عيب؛ أمّا القدّيسون فلا يدينون أحدًا، لكنهم يتألّمون معه كعضو منهم، ويشفقون عليه ويعضّدونه ويتحايلون في سبيل خلاصه، حتى ينتشلونه كالصيّادين الذين يرخون الحبل للسمكة قليلاً قليلاً حتى لا تخرق الشبكة وتضيع… فإذا توقّفت ثورة حركتها حينئذ يحرّكونها قليلاً قليلاً.
الأب دوروثيؤس
* الذي يدين فقد هدَم سوره بنقص معرفته.
الأنبا موسى الأسود
* كما أن النار والماء متنافران… هكذا إدانة الآخرين لا تتّفق مع من يريد التوبة… إن رأيت إنسانًا يخطئ في اللحظات الأخيرة قبيل موته فلا تدنه، لأن قضاء الله مخفي عن البشر، فقد سقط البعض في خطايا جسيمة جهرًا لكنهم أدوا أعمالاً مجيّدة سرًا…
* الحكم على الآخرين يعتبر سلبًا للحق الإلهي بوقاحة، أمّا الانتهار (بغير حب) فيهدم نفس الإنسان.
القدّيس يوحنا الدرجي
* يوم تدين أخاك، تنقطع عنك نعمة الروح القدس، فتتعثّر بأخيك وتكون سبب عثرة.
الأنبا برصنوفيوس
عدم الإدانة لا يعني السلوك بلا تمييز، فكما يقول النبي: "ويل للقائلين للشرّ خيرًا وللخير شرًا، الجاعلين الظلام نورًا والنور ظلامًا، الجاعلين المرّ حلوًا والحلو مرًا" (إش 5: 20). فالمؤمن الحقيقي إذ هو مسكن للروح القدس يحمل روح التمييز، فيرى سقطة أخيه ولا يقدر أن ينكرها أو يتجاهلها، لكنّه وهو يدرك في السقطة مرارتها إنّما يشعر بها تصدر عن الضعف البشري الذي يتعرّض هو له. أخوه يسقط الآن، أمّا فهو فمعرّض للسقوط إن لم يكن الآن فغدًا، لذا عِوض أن يدين يترفّق ويصلّي في أنّات صادقة. هذا الأمر يبرز بصورة واضحة في حياة الآباء الروحيّين والجسديّين، فالأب لا يقدر أن يتجاهل أخطاء أولاده وسقطاتهم، ولا يصمت تحت دعوى عدم الإدانة، وإنما في أبوة صادقة يفتح لهم قلبه ليسندهم على القيام من سقطاتهم. لهذا يحذّرنا القديس يوحنا الذهبي الفم من إساءة فهم "عدم الإدانة" فيصير ذلك علّة لتجاهل أخطاء الغير، والسلوك بلا تدبير أو حزم مع الساقطين، وإذ يقول:
الحب الذي يبعث في المؤمن روح عدم الإدانة ناظرًا إلى ضعفات أخيه أنها ضعفاته، هو بعينه الذي يهب الحكمة في التصرّف مع المخطئين، لندين الخطيّة لا الخاطي، منتشلين إخوتنا من مرارة الضعف، لا كمن هم أقل منّا أو نحن أبرّ منهم، وإنما كمن يسند أخاه مدركًا أنه شريك معه في ذات الضعف.
2. الحفاظ على المقدّسات

"لا تعطوا القدس للكلاب،
ولا تطرحوا دُرَركم قدام الخنازير،
لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزّقكم" .
لما كان جوهر عبادتنا وغايتها هو "نقاوة القلب"، حيث ننعم بالعين البسيطة القادرة على معاينة الله وإدراك أسراره ومعاملاته معنا، خشيَ السيّد المسيح لئلا تُفهم البساطة بمعنى "الجهالة" أو "عدم الحكمة"، لهذا يمزج السيّد البساطة بالحكمة. هذا ما أكّده في حديثه مع تلاميذه: "كونوا حكماء كالحيّات، وبسطاء كالحمام" (مت 10: 16). فإن كان الله يطالبنا بالبساطة فلا ندين أحدًا، ففي نفس الوقت يسألنا السلوك بحكمة بقوله: "لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا دُرَركم قدام الخنازير". كأنه يقول لنا: اعرفوا ماذا تقدّمون؟ ولمن تقدّمون؟ يعرف الإنسان قيمة المقدّسات والدرر الثمينة فلا يهبها في سذاجة لكل إنسان، وإنما يعرف لمن يقدّمها وكيف يقدّمها
السيّد المسيح نفسه الذي لم يبخل علينا بشيء، مقدّمًا حياته فدية لأجل خلاصنا، أحيانًا يخفي بعض أسراره مقدّمًا لنا ما يناسبنا فقط، إذ يقول: "إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن" (يو 16: 12). إنه يشتاق أن يقدّم كل أسراره لكنّه لا يقدّم ما لا نستطيع احتماله، حتى لا يصيبنا ضرر. على هذا المنهج سلك الرسل أيضًا، فيقول معلّمنا بولس: "وأنا أيها الاخوة لم أستطع أن أكلّمكمكروحيّين بل كجسديّين كأطفال في المسيح، سَقيْتكم لبنًا لا طعامًا، لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون بل الآن أيضًا لا تستطيعون" (1 كو 3: 1-2). وبنفس الروح عاشت الكنيسة الأولى تقدّم للموعوظين ما يناسبهم ولا تكشف لهم عن الأسرار المقدّسة إلا بقدر احتمالهم، وفي الطقس الأول كانت أبواب الكنيسة تغلق بعد قداس الموعوظين بعد خروجهم فلا ينعم بسّر الإفخارستيا إلا المؤمنون المستعدون للشركة المقدّسة. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم:
يقول القدّيس أغسطينوس:
وإذ يتحدّث القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص عن البتوليّة كأمر ثمين للغاية وكحياة سماويّة، يعتبر أن من يحيا كبتول جسديًا دون أن يسلك في حياته العمليّة بما يتّفق ببتوليّته يكون كمن ألقى بالدُرَر تحت أقدام الخنازير.
3. السؤال المستمر

إذ يسمع المؤمن الوصيّة الإلهيّة: "لا تعطوا القُدس للكلاب، ولا تطرحوا دُرَركم قدّام الخنازير" ربّما يسأل: ومن أين لي القُدس والدرر؟ لذا يكمل: "اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم، لأن كل من يسأل يأخذ ومن يطلب يجد ومن يقرع يُفتح له" .
* لكي تفهم ما يقصد بالسؤال والطلب والقرْع، نفترض وجود رجل أعرج، فمثل هذا يُعطى له أولاً الشفاء، أي القدرة على المشي، وهذا ما قصده الرب بالسؤال. ولكن ماذا ينتفع بالمشي أو حتى بالجري إن استخدمه في طريق منحرف؟ لذلك فالخطوة التالية هي أن يجد الطريق المؤدّي إلى الموضع المطلوب… وهذا ما قصد بالطلب. لكن ما المنفعة إن صار قادرًا على المشي وعرف الطريق، بينما كان الباب مغلقًا… لهذا يقول: "اقرعوا".
القدّيس أغسطينوس
* إن داومت السؤال فإنك ستأخذ بالتأكيد حتى وإن لم يكن في الحال… هكذا يمثِّله الرب على القرع. إنه لا يعطيك فورًا حتى تداوم على السؤال. إذن لتستمر في السؤال والطلب فبالتأكيد ستأخذ.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
* إن كان الذي لا يرغب في العطاء (قاضي الظلم لو 18: 2)، قد أعطى بسبب اللجاجة، فكم بالأكثر يعطي ذاك الصالح وحده الذي يحثّنا على الطلب منه، والذي لا يُسر عندما نطلب منه؟! قد يبطئ الله في العطاء لكي نُقَّدر قيمة الأشياء الصالحة، وليس لعدم رغبته في العطاء. ما نشتاق إلى نواله بجهادٍ نفرح جدًا بنواله، أمّا ما نناله سريعًا فنحسبه شيئًا زهيدًا.
القدّيس أغسطينوس
* لنقرع على باب المسيح الذي قيل عنه: "هذا هو باب الرب والصدّيقون يدخلون فيه" (مز 118: 20)، حتى متى دخلنا يفتح لنا الكنوز المخفيّة بالمسيح يسوع الذي فيه كل العلم: "المُذخّر فيه كنوز الحكمة والعلم" (كو 2: 3) .
القدّيس جيروم
لكي يؤكّد السيّد نوالنا ما نسأله يقول: "أم أي إنسان منكم إذا سأله ابنه خبزًا يعطيه حجرًا؟ وإن سأله سمكة يعطيه حيّة؟! فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيّدة فكم بالأحرى أبوكم الذي في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه؟!"
يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم:
يختم السيّد حديثه عن استجابته لسؤالنا بوصيّة تخص علاقتنا بإخوتنا هي مفتاح أيدينا لاستجابة طلبتنا: "فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضًا بهم، لأن هذا هو الناموس والأنبياء" لم يضعها كوصيّة شرطيّة نلتزم بها لنوال سؤالنا من الله، إنّما تُفهم كذلك بطريقة غير مباشرة (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لقد أراد أن تكون علاقتنا بإخوتنا تقوم لا على أساس المنفعة، وإنما على طبيعة الحب الداخلي دون مقابل، نحبّهم لأجل الحب، وبهذا يتحقّق فينا غاية الناموس. لكي نتفهّم حكمة هذه الوصيّة نقول بأن الآب يطالب أولاده أن يحب أحدهم الآخر، ويخدم بعضهم البعض، من أجل الأخوة في ذاتها. لكنّه كأب، إذ يراهم محبّين يطمئن لنضوجهم وحبّهم، فيفتح خزائنه ويعطي بلا كيل، مدركًا أن أولاده قد صاروا أهلاً لمحبّة أبيهم خلال طبيعة الحب التي لهم. حقًا إن انفتاح قلبنا لإخوتنا بالعطاء – أيّا كان نوعه – دون مقابل هو الطريق الذي به نرى يديّ الله مفتوحتين لتهبا بسخاء.
4. الباب الضيق

حياة النقاوة التي تؤهّل القلب لمعاينة الله ليست إلا شركة آلام مع المسيح المصلوب، لهذا يقول الرب نفسه: "ادخلوا من الباب الضيق، لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدّي إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون منه. ما أضيق الباب، وأكرب الطريق الذي يؤدّي إلى الحياة، وقليلون هم الذين يجدونه" .
* دُعي الطريق كربًا وضيقًا لكي يخفّف من أتعابنا، ولكي يُعلن أن الأمان عظيم والمسرّة عظيمة… الطريق كرب والباب ضيّق، لكن المدينة التي ندخلها ليست هكذا، لهذا لا نطلب هنا الراحة كما لا تتوقّع ألمًا هناك.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
* كرب هو الطريق الذي يدخل بنا إلى الحياة، وضيّق أيضًا، لكن المكافأة رائعة وعظيمة إذ ندخله في مجد!
القدّيس كبريانوس
* الباب الواسع هو الملاذ العالميّة التي يطلبها البشر، والباب الضيّق هو الذي ينفتح خلال الجهاد والأصوام كالتي مارسها الرسول بولس: "في ضربات، في سجون، في اضطرابات، في أتعاب، في أسهار، في أصوام" (2 كو 6: 5)، "في تعبٍ وكدٍّ، في أسهارٍ مرارًا كثيرة، في جوعٍ وعطشٍ، في أصوامٍ مرارًا كثيرة في بردٍ وعُرْيٍ" (2كو11: 27). وقد شجّع الرسول بولس تيموثاوس على ممارستها: " فتقوَّ أنت يا ابني بالنعمة التي في المسيح يسوع، وما سمعته منّي بشهود كثيرين أودِعه أناسًا أمناء يكونون أكفّاءً أن يُعلِّموا آخرين أيضًا، فاشترك أنت في احتمال المشقّات كجندي صالح ليسوع المسيح. ليس أحد وهو يتجنّد يرتبك بأعمال الحياة لكي يرضي من جنَّده، وأيضًا إن كان يجاهد لا يكلّل إن لم يجاهد قانونيًا." (2 تي 2: 1-5)
لاحظ بتدقيق كيف يتكلّم عن كِلا البابين. فالغالبيّة العُظمى تدخل من الباب الواسع، بينما قليلون هم الذين يكتشفون الباب الضيق. إننا لا نبحث عن الباب الواسع، ولا حاجة لنا مطلقًا أن نكتشفه، إذ هو يعرض نفسه علينا تلقائيًا. أمّا الباب الضيّق فلا يجده الكل، وحتى الذين يجدونه فليس جميعهم يدخلونه، إذ كثيرون بعد اكتشافهم باب الحق تجتذبهم ملاذ الدنيا ويرجعون من منتصف الطريق.
القدّيس جيروم
يقول العلاّمة أوريجينوسأن الطريق الرحب يحوي زوايا كثيرة، عندها يقف المراءون للصلاة كي يراهم الناس فينالون أجرتهم (مت 6: 5). وعلى العكس الطريق الكرب لا يحوي زوايا شوارع يقف عندها المؤمن، بل يسرع منطلقًا إلى الحياة الأبديّة خلال الباب الضيق. لا يجد المؤمن في الطريق ما يبهجه فيستقر عنده، لكنّه يتّجه نحو السيّد المسيح سرّ بهجته وحياته.
الباب الضيّق هو باب الملكوت الذي لن يدخله إلا رب الملكوت يسوع المسيح الذي بلا خطيّة وحده، والطريق الكرب ليس إلا صليبه الذي لا يمكن لأحد أن يعبر فيه سوى المصلوب. لهذا لن ننعم بالدخول من الباب الضيّق، ولا السير في الطريق الكرب، إلا باختفائنا في يسوع المسيح المصلوب وثبوتنا فيه. بهذا يتحوّل الكرب والضيق إلى بهجة اتّحاد مع المصلوب.
5. الأنبياء الكذبة

كما حذرنا السيّد المسيح من الحروب الخفيّة وحب الظهور التي تفسد نقاوة القلب، وتنزع بساطة العين الداخليّة، يحذّرنا أيضًا من الحروب الخارجيّة، خلال الأنبياء الكذبة والهراطقة وضد المسيح… هؤلاء الذين يحملون مسحة التقوى الخارجيّة، بينما قلوبهم ذئاب خاطفة. يقول السيد: "احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب حملان، ولكنّهم من داخل ذئاب خاطفة"
يُعلن السيّد أن الأنبياء الكذبة واضحون، يمكن تمييزهم عن أولاد الله الحقيقيّين، بقوله: "من ثمارهم تعرفونهم. هل يجتنون من الشوك عنبًا؟‍ أو من الحسك تينًا؟‍ هكذا كل شجرة جيّدة تصنع أثمارًا جيدًا، وأما الشجرة الرديّة فتصنع أثمارًا رديّة. لا تقدر شجرة جيّدة أن تصنع أثمارًا رديّة، ولا شجرة رديّة أن تصنع أثمارًا جيّدة. كل شجرة لا تصنع ثمرًا جيدًا تقطع وتلقى في النار، فإذًا من ثمارهم تعرفونهم" .
استخدم بعض الهراطقة هذه الكلمات الإلهيّة للادعاء بوجود طبيعتين متعارضتين فالبعض بطبعهم صالحون والآخرون أشرار، ولا يمكن للصالحين أن يصنعوا شرًا وللأشرار أن يصنعوا خيرًا، وكأن الإنسان مسيّرا لا يدّْ له في اختيار الطريق، إنّما طبيعته هي التي تملي عليه سلوكه. هذا الأمر يتنافى مع محبّة الله وتقديسه لحرّية الإرادة الإنسانيّة، كما يتنافى مع عدله إذ كيف يجازينا عن تصرفات ليس لنا حرّية السلوك بها أو الامتناع عنها؟
نقتطف هنا بعض كلمات القدّيس جيروم:
إن كنّا شجرًا رديًا فقد جاء السيّد المسيح التفاحة الصالحة، الذي قيل عنه: "كالتفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبي بين البنين، تحت ظلِّه اشتهيت أن أجلس وثمرته حُلوة في حلقي" (نش 2: 3). نتطعَّم فيه، فنصير أغصانًا صالحة، تأتي بثمر كثير. لهذا يقول: "أنا الكرمة وأنتم الأغصان، الذي يثبت فيّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير، لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو 15: 5). إذ نثبت فيه نحمله داخلنا، كسرّ صلاحنا وبرّنا، وكما يقول القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص:
كنّا أشجارًا رديّة تحمل شوكًا وحسكًا، لا نقدر أن نثمر عنبًا أو تينًا، لكننا في المسيح يسوع ربّنا تحوّل شوكنا إلى كرم يثمر عنبًا جديدًا، وحسَكنا إلى شجرة تين جديدة. خارج المسيح تكون لنا طبيعة الأرض الساقطة تحت اللعنة فتنتج حسكًا وشوكًا (تك 3: 18)، هذه التي نخلعها في مياه المعموديّة لنحمل الطبيعة الجديدة التي صارت لنا في المسيح يسوع لنحمل فينا عنبًا وتينًا. بهذا نفهم كلمات السيد: "اجعلوا الشجرة جيّدة وثمرها جيدًا" (مت 12: 33).
وللقدّيس يوحنا الذهبي الفم تعليق جميل على العنب والتين،
في اختصار أقول أننا في المسيح يسوع ربّنا نخلع أعمال الإنسان القديم من شوكٍ وحسكٍ، أي الأعمال الأرضيّة، لكي نحمل فينا العنب والتين الروحي. يصير كل منّا أشبه بحبة العنب التي ترتبط بإخوتها خلال الصليب (الفرع الخشبي) والتي يلزم أن تجتاز المعصرة وتحتمل الضيّق مع ذاك الذي قال: "قد دست المعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن معي أحد" (إش 63: 3). وليدرك كل واحد منّا – مهما بلغت مواهبه أو قدراته أو مركزه الروحي أو الاجتماعي أو رتبته الكنسيّة – أنه ليس إلا بذرة في التينة المقدّسة، لا قيمة لها في ذاتها خارج الجماعة المقدّسة، ولا عذوبة لها إلا بثبوتها في غلاف المحبّة الحلو الذي الحلو الذي يضم الجميع معًا بروح الاتفاق والسلام!
هذا هو ما يفرِّح قلب الله أن نصير له خمرًا روحيًا اجتاز المعصرة، وأن نسلك بروح الحب الكنسي الحق، وليس أن نحمل مجرّد شكليّات العبادة أو ألفاظ الإيمان النظري، لهذا يقول السيّد مؤكّدًا: "ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب أليس باسمك تنبّأنا؟ وباسمك أخرجنا شيّاطين؟ وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟‍ فحينئذ أصرِّح لهم أني لا أعرفكم قط. اذهبوا عنّي يا فاعلي الإثم" .
يحدّثنا السيّد عن يوم مجيئه الأخير، حيث فيه يلتقي مع الأشرار لا كعريس مفرح بل كديّان مرهب، لا تشفع فيهم صلواتهم الطويلة الباطلة، ولا كرازتهم باسمه، ولا إخراجهم الشيّاطين وصنعهم قوات باسمه… فهو لا يعرفهم لأنهم فعلة إثم.
الله يعرف أولاده وخدّامه المقدّسين، ولا يعرف الأشرار فعلة الإثم، لهذا عندما سقط آدم في الخطيّة سأله: أين أنت؟ وكما يقول القدّيس جيروم: فالله لا يرانا في نوره عندما نطيل الصلوات باطلاً أو نكرز باسمه أو نصنع قوّات وإنما حينما نحيا معه وبه ونسلك طريقه. وفيما يلي بعض تعليقات للآباء في ذلك:
* إنهم يتعجّبون لأنهم يعاقبون مع أنهم صنعوا معجزات، أمّا أنت فلا تتعجّب لأن كل المواهب إنّما أُعطيت لهم كهبة مجّانيّة لم يساهموا فيها من جانبهم بشيء، لذا فهم يعاقبون بعدل، إذ هم جاحدون مَن أكرمهم… لنخف أيها الأحبّاء ولنهتم بحياتنا جدًا فلا نُحسب أشرارا لأننا لم نصنع معجزات الآن. لأن المعجزات لا تفيدنا في شيء وكما أن عدم صنعها لا يضرّنا، إنّما نهتم بكل فضيلة.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
* كتابة أسمائنا في السماء برهان على حياتنا الفاضلة، أمّا إخراج الشيّاطين فهو هبة من المخلّص، لذلك يقول للذين يفتخرون بعمل القوات دون ممارسة الحياة الفاضلة: "لا أعرفكم"، إذ لا يعرف الله طريق الأشرار.
القدّيس أثناسيوس الرسولي
6. خاتمة الدستور

يختم السيّد المسيح دستوره بالقول: "فكل من يسمع أقوالي ويعمل بها أشبِّهه برجل عاقل بنى بيته على الصخرة، فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبّت الرياح ووقعت على ذلك البيت، فلم يسقط، لأنه كان مؤسّسًا على الصخر. وكل من يسمع أقوالي هذه ولا يعمل بها يشبّه برجل جاهل بنى بيته على الرمل، فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبّت الرياح وصدمت ذلك البيت فسقط، وكان سقوطه عظيمًا".
ما هذا الصخر الذي تتأسّس عليه نفوسنا كبيت يسكنه الله، إلا شخص السيّد المسيح نفسه؟ وكما يقول القديس اوغسطينوس
يرى القدّيس أغسطينوس الصخرة الحقيقيّة التي يُبنى عليها البيت الروحي هي كلمة الله المكتوبة كما هي كلمة الله المتجسّد، إذ يقول:
ويُعلّق القدّيس جيروم على العبارات السابقة، قائلاً: هكذا إذ نشعر أننا صغار في حاجة إلى صخرة نلتجئ إليها نتقدّم إلى المسيح يسوع صخر الدهور نحتمي فيه، وعليه يقوم بناؤنا الروحي، هاربين من الحيّة التي لا تقدر أن تجد لها موضعًا في الصخرة الحقيقيّة فلا تقترب إلينا.
ليتنا لا نبني إيماننا على الرمل، أي الهرطقات، لئلا يقوم البناء سريعًا وينهدم أيضًا سريعًا. إنه الطريق السهل الواسع ونهايته الهلاك.
7. دهشة الجماهير

"فلما أكمل يسوع هذه الأقوال، بهتت الجموع من تعليمه، لأنه كان يعلّمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة" . حقًا ما أحوجنا أن يمسك السيّد نفسه بأيدينا لنحفر ونعمِّق في كتابه المقدّس، فنكتشفه أمامنا بل وفينا، نراه لا كمن يقدّم وصايا مجرّدة إنّما يعطي قوّة وسلطانًا. يتكلّم فينا عاملاً في حياتنا بروحه القدّوس ليتجلّى ببهائه في حياتنا الداخليّة ويحوّل سلوكنا إلى شهادة حق للحياة السماويّة المجيدة فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

معاني الكلمات في الأصحاح

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

Please consider supporting us by disabling your ad blocker!