بدع وهرطقات

موقفنا من السبتيين



موقفنا من السبتيين

موقفنا
من السبتيين

ردّاً
على بدعة السبتيين

الآب
إيليا متري

 

الفهرس

من هم السبتيّون؟

الرد على رفضهم يوم الأحد وتقديسهم للسبت

الرد على رفضهم للصلاة من أجل الراقدين

ضلالات السبتيّين حول الإيقونة والقديسين وذخائرهم

ضلالات السبتيّين حول القداس الإلهي

في الحقيقة والرمز

في فريضة غسل الأرجل

في مادتي العشاء (الخبز والخمر)

في قولهم إن هذه الخدمة تقام “أربع مرات في السنة”

ضلالات السبتيّين حول أبدية شريعة العهد القديم

ضلالات السبتيّين حول المجيء الثاني

المملكة الألفيّة

السبتيون ومناجاة الأرواح

السبتيّون أنبياء كذبة

هل من حوار مع السبتيّين

 

من هم السبتيّون؟

السبتيّون
(
The Adventists) هم شيعة أميركية (لها مراكز عدة في بلادنا) أسسها وليم ميلر
(1782-1849)، وذلك بعد انفصاله عن “المعمدانيين”. بدأ ميلر حياته
التبشيرية عام 1833، وأسس في العام 1844 أول جماعة، اتخذت، في العام 1860، اسمَ
كنيسة “حلول اليوم السابع” أو “السبتية” اسماً رسمياً لها.
جاء بعده أشخاص عديدون أهمهم السيدة إلن. ج. هوايت (1827-1915)، وهي التي نظّمت
أحوال هذه الجماعة ووضعت قوانينها. ويبدو أن السبتيين يعتبرونها الرسولة الملهَمة
نظير “أنبياء التوراة”، إذ يقولون فيها: إن عطيّة النبوّة تجلّت في خدمة
هوايت “فبصفتها مرسَلة من الرب تُعَدّ كتاباتها مصدراً مستمراً وموثوقاً به
للحقّ الذي يزوّد الكنيسة عوناً وإرشاداً وتعليماً وتصحيحاً…” (المعتقدات
الأساسية، 17).

 

 يعتمد
السبتيون على التنظيم، ففي قمة الهرم تأتي “الندوة العامة” يديرها رئيس
لجنة مقرّها واشنطن، يقولون في “العقائد الأساسية”: “إن عاقبة
الخطيئة الموت. لكنّ الله… سيمنح المفتَدَين الحياة الأبدية. وحتى ذلك اليوم
يكون الموت حالة لا واعية لجميع الناس” (25، راجع ايضا: 26؛ وإلن هوايت،
“الصراع العظيم”، صفحة 64 و65). وهم ينادون بقيامتين، الأولى للأبرار
فقط، وأما الثانية “قيامة غير الأبرار، فستحصل بعد ألف سنة”. وهذا، بلا
ريب، خليط من اليهودية وبدع قديمة، ويليها اثنا عشر قسماً في العالم تنتظم في
وحدات، وتتبعها الندوات، وأخيرا تأتي المجموعة المحليّة او “الكنيسة”
يديرها القساوسة بمعاونة المجلس. ويركزون تركيزاً كبيراً على الإعلام، فهم يملكون
دُوراً عديدة للنشر تنشر الدوريات، ويبثّون الى العالم برامج إذاعية من محطات
راديو عدة يملكونها، كما ينظّمون دروساً إنجيلية بالمراسلة.

 

 من
المعلوم ان معتقدات السبتيين غير ثابتة وهي تختلف حسب الظروف، ولقد عدلوا عن
تعاليم كثيرة أطلقوها في بدء ظهورهم. تهمّنا، في هذا المقال، التعاليم التي ما
زالوا يتمسّكون بها ويروّجونها، ومنها:

 

 1-
إيمانهم بأن الرب يسوع سوف يعود ثانيةً في فترة قريبة يحددونها (نقرأ في
“المعتقدات الأساسية”: “ويشير الإتمام الكامل لمعظم خطوط النبوءة،
بالإضافة الى الوضع الحاضر للعالم، الى أن مجيء المسيح وشيك”، 24). ولا يخفى
أن ميلر تنبأ، ولمرّات عدة، عن وقت مجيء الرب ثانية، فحدد العام 1843 عاماً
مرافقاً لحدوثه، ولمّا لم يُوفَّق في ادعائه، أجّل التاريخ سنةً واحدة، ثم عاد
فأجّله سنة أخرى. وهذا بالتأكيد يخالف الكتب المقدّسة التي دعت الى انتظار يوم
الرب بسهر وتيقُّظ، من دون تحديد وقته ولا قالت “بمراقبته” (مرقس 13؛
لوقا 12: 35-40، 21: 5-36؛ متى 24 و25؛ أعمال 1: 7؛ و2 تسالونيكي 2: 1-12).

 

 2-
تكريسهم يوم السبت بدلاً من يوم الأحد (العقائد الأساسية، 19). وهذا سوف نعالجه في
مقالة خاصة… يكفي أن نشير هنا الى بعض الآيات التي تفضح انحرافهم، وتُظهر ان يوم
الأحد هو اليوم الذي كان المسيحيون الأولون يجتمعون فيه لعبادة الله (1 كورنثوس 16:
1-2؛ رؤيا يوحنا 1: 9-11؛ أنظر ايضا: لوقا 24: 28-43؛ يوحنا 20: 19-26؛ أعمال
الرسل 2: 1-2، 20: 7،11).

 

 3-
قولهم إن كل ما في العالم هو مادة، وليس للروح أو النفس أي وجود بعد الموت، وأن
الموتى لا شعور لهم. وهو يخالف التعليم الصريح الذي أكّد فيه الرب أن الله إله
إبراهيم وإسحق ويعقوب هو “إله أحياء وليس إله أموات” (متى 22: 32؛ راجع
ما قاله الرب للص: “اليوم تكون معي في الفردوس”، لوقا 23: 43؛ وانظر
ايضا فيلبي 1: 21،23 ؛ 1 تسالونيكي 4: 14،17)، وأن القيامة العامة بآنٍ فجائية
وواحدة، غير أن الأبرار والقديسين سيأخذهم الرب “معه” متى ظهر، وسيفصل
الأشرار عنه الى نار أبدية (راجع متى 25: 31-46؛ 1 كورنثوس 15…).

 

 4-
رفضهم لمعمودية الأطفال، إذ تقتصر معموديتهم على البالغين فقط، ويشترطون أن
“يسبقها تعلُّم الكتاب المقدس وقبول تعاليمه” (المعتقدات الأساسية، 14).
يقولون في كتابهم: “إيمان الأدفنتِسْت السبتيين”: “ليس الأطفال
والأولاد الصغار مهيَّئين للمعمودية لأنهم لا يستطيعون اختيار التجديد (اي التعلّم
والتوبة)” (صفحة 325). وهذا شطط كبير عولج في “رعيتي” (3/1997)،
وذلك أن معمودية الأطفال لا تفترض تعلّما أو توبة، لأنها تبنى على خلاص الله الذي
وهبه مجّانا لكل مولود في العالم.

 

 5-
احتفالهم بالعشاء الشكري (السري؛ ويعتبرونه رمزيا) بعد غسل الأرجل (المعتقدات
الأساسية، 15)، وذلك مرة كل ثلاثة شهور. نقرأ في كتابهم “إيمان الأدفنتست
السبتيين”: “لم يحدد الكتاب المقدس كم مرة يجب الاحتفال بعشاء الرب…
وقد اتّبع الأدفنتست ممارسة العديد من البروتستانت بإجراء هذه الفريضة الإلهية
أربع مرات في السنة…”. ويبدو لهم أن: “الخطة الرباعية حلاّ وسطاً بين
الاحتفال البعيد المدى كمرة واحدة في السنة مثلا” (أنظر الحاشية رقم 19، صفحة
349؛ ولا يخفى أن نبيّتهم إلن هوايت، في كتابها الآنف ذكره، تسمّي ذبيحة القداس
“الذبيحة الوثنية”، صفحة 65). وهذا تشويه للتراث، إذ إن المسيحيين
الأوائل كانوا يجتمعون، بخاصة كل أحد، ليأكلوا جسد الرب ودمه الحقيقيين (أعمال 2: 42؛
1كورنثوس 11: 17-34…)، ومما قاله القديس باسيليوس الكبير في هذا الباب: “إننا
نتناول أربع مرّات في الأسبوع -وليس في السنة- ونشعر أن هذا قليل”.

 

 لا
تتوقف أخطاء هذه الشيعة عند هذا الحدّ، وذلك أن انحرافاتهم الكثيرة يضيق المجال
لذكرها هنا -منها: أنهم يمتنعون “عن الأطعمة النجسة المحددة في الكتاب
المقدس” (ويعتمدون على لاويين 11؛ وتثنية 14)، وهذا يخالف قرارات الرسل في
مجمع أورشليم (أعمال 15: 5-21)؛ أنظر أيضاً: رومية 14: 14-17؛ تيطس 1: 15 و16؛ 1
تيموثاوس 4: 1-5)؛ ويعتبرون أنّ الذين سيَخْلُصون عند مجيء الرب ثانيةً هم 144
ألفاً (راجع: “إيمان الأدفنتست السبتيين”، حاشية رقم 3، صفحة 635)، وهم
برأيهم حَفَظَة السبت؛ ويدّعون أنهم وحدهم حصلوا على موهبة النبوّة، وانهم معلّمو
العالم، ولقد دعوا الى توجيه الإنذار الى العالم، وأنّ لا أحد سواهم يحيا بالروح
في هذا الزمن… وهذا كبرياء فارغ يخالف الحق ولا يستحق الإجابة عنه… -، هذه
الانحرافات، وغيرها، تبيّن أنّ الذين آثروا “الكتاب المقدس وحده”
Sola Scriptura، وبنوا عقائدهم على أنقاض بدع وهرطقات ظهرت في التاريخ وأدانتها
الكنيسة، هم يخالفون الحقيقة التي يعلنها هذا الكتاب. ولا يخفى أنّ كل “بناء
روحي” لا يمكنه أن يقوم ويرتفع إن لم يؤسَّس على حقيقة يسوع المعبَّر عنها في
الإيمان الأرثوذكسي. فتحذّروا من انحرافاتهم وأضاليلهم.

 

الرد على رفضهم يوم الأحد وتقديسهم للسبت

يَتّهم
السبتيّون، زورا وتهوّدا، المسيحيّين بأنهم يخالفون الشريعة بإهمالهم فريضة
“السبت” كما حُدِّدت قديما (خروج 20: 8-11)، لأنه (السبت)، كما يقولون: “علامة
الله المستمرّة لعهده الأبدي بينه وبين شعبه” (المعتقدات الأساسية، 19).
ويعرف من اطّلع على فكرهم أنهم يحرّفون الحقيقة باقتطاعهم آيات تناسب تعاليمهم، اذ
يذكرون مثلا أن المسيح قال: “إن السبت جُعِل للإنسان”، وإن “ابن
الإنسان هو رب السبت”…، ويهملون ما يفضحهم، فلا يذكرون انه قال: “وما
جُعِل الانسان للسبت” (مرقس2: 27و28)… وتأكيدا للسبت واستمرارية معناه
ومتطلباته يقولون إن يسوع كان يدخل “المجمع حسب عادته في السبت” (لوقا 4:
16).

 

 لا
يجوز، بدءا، في ما نتكلّم على يوم الأحد في تقليد الكنيسة، أن نفهم أن المسيحيين
أبدلوا يوما بيوم (السبت بالاحد) كما يقول السبتيون (انظر: إلن هوايت، الصراع
العظيم، صفحة 58). ذلك أن المسيحيين يؤمنون بأن الله قدّس بتنازله الزمان كلّه،
وبات كل يوم بالنسبة اليهم فرصة جديدة للتوبة واكتشاف محبة الله. وأما تقديسُهم
يوم الأحد -وإهمالُهم “عقيدة السبت” القديمة- فيعود الى كونهم أدركوا أن
الله، في العهد الجديد، صنع فيه (الاحد) “كل شيء جديدا” (يقول القديس
يوحنا الذهبي الفم، في إحدى عظاته: إن المسيح تمّم الاحداث الخلاصية كلها يوم
الأحد). ولا يخفى أن المسيح -المولود في مجتمع يهودي- (والرسل بعده) الذي نقض
مفاهيم اليهود المتحجّرة (متى 12: 9-14)، كان يحافظ على عبادة الأجداد، إلا أن
ذهابه الى المجمع في السبت لم تكن غايته تكريس سبت قديم، وإنما دعوة الناس (اليهود
اولاً) الى قبول ملكوت الحرية والمحبة. ولا يخفى تاليا أن المسيحيين الأولين فرض
عليهم وعيُهم مشيئة الله الجديدة ومتطلّباتها، وتاليا غباءُ اليهود الذين رفضوا
الرب المتجسد وخلاصه، والاضطهادات التي عانوها منهم او بسببهم، أن يميّزوا أنفسهم
عن كل تهوّد، وأحد أوجه هذا التمايز انهم تخلّوا عن بعض الممارسات القديمة التي
كانت “ظلا”، ومنها تكريم يوم السبت (انظر: كولوسي 2: 16و17؛ غلاطية 4: 9و10).

 

 بيد
أن انحراف السبتيين يزيد لمّا يدّعون غياب أية “بيّنة كتابية” تفيد
“أن المسيح او تلاميذه بدلوا يوم العبادة من اليوم السابع”، ويتساءلون
باستهزاء: “فكيف جرى اذاً أن مسيحيين عديدين بلغ بهم الأمر الى قبول يوم
الأحد بدلا منه؟”. ويتابعون: “ليس ثمة من كاتب في القرن الثاني والثالث
استشهد ولو بآية واحدة من الكتاب المقدس تسمح بحفظ الأحد مكان السبت لا برنابا ولا
اغناطيوس ولا يوستينوس ولا ترتليانوس ولا كليمنضس الإسكندري ولا اوريجانس…”
(إيمان الأدفنتست السبتيين، صفحة 438و439). وهذا يقتضي الرد والإيضاح.

 

 لا
ريب أن ثّمة نصوصا عدّة، في العهد الجديد، تدل على أن يوم الاحد هو اليوم الذي كان
فيه المؤمنون الأوائل يحتفلون بذكرى قيامة الرب ويجتمعون ليأكلوا جسد ابن الانسان
ويشربوا دمه (لوقا 24: 28-43؛ يوحنا 20: 19-26؛ أعمال الرسل 2: 1-2، 20: 6-11؛
1كورنثوس 16: 1-2؛ رؤيا يوحنا 1: 9-11). إن هذه الذكرى (ذكرى قيامة الرب وكل
التدبير الخلاصي) هي، في تراثنا، أساس تقديس يوم الاحد، وذلك انها أعطت المسيحيين
أن يطلّوا -فيه- على فرح اليوم الأخير (“اليوم الثامن” كما يسمّيه يوحنا
في إنجيله 20: 26)، ويتذوّقوا “الآن وهنا” طعام المائدة التي سيتّكئ
حولها المختارون في “ملكوت الآب”.

 

 سنورد
أقوال بعض آباء القرون الثلاثة الأولى الذين يدّعي السبتيّون أن تعاليمهم حول يوم
الاحد لا تستند على الكتب المقدسة، تاركين للقارئ الحكم:

كتب
القديس أغناطيوس الانطاكي (+107) في رسالته الى اهل مغنيسية: “أولئك الذين
عاشوا وفقا للنظام القديم واحتضنوا النظام الجديد لا يحفظون السبت بل الاحد الذي
أشرقت فيه شمس حياتنا بواسطة المخلّص وموته” (9، 1). ونقرأ في كتاب
“الذيذاخي” (راجع رعيتي، 40/1998): “إِجتمِعوا نهار أحد الرب
واكسروا الخبز وقدِّموا الشكر لله” (41،1). وفي رسالة برنابا (دوّنها كاتب
مجهول حوالى العام 521ب.م)، يقول: “اليكم ما يريد قوله، رؤوس الشهور والسبوت
لا أحتملها ولا أقبلها الآن، بل السبت الذي أضعُهُ وأضعُ نهاية الكون وسأضع يوما
ثامنا بدايةً لعالم جديد. لذلك نعّيد اليوم الثامن بفرحٍ، اليوم الذي قام فيه
المسيح من الأموات وظهر وصعد الى السماء” (15، 8و9). اما يوستينوس الشهيد
(+165) فيصف اجتماع المسيحيين بدقة في يوم الاحد، بقوله: “في اليوم المدعوّ
يوم الشمس (الاحد)، يُقام اجتماع في مكان واحد لجميع الساكنين في المدن والأرياف،
وتُقرأ… مذكّرات الرسل وكتب الأنبياء…، (و) يقدَّم خبز وخمر وماء، فيرفع
المترأس، ما استطاع، صلوات وإفخارستيات، ويجيب الشعب قائلا: آمين. ثم تُوزَّع
القرابين على المشتركين واحدا فواحدا…” (الدفاع الاول: 67، 3-7). ويقول
كليمنضس الاسكندري (+215): “راحة الروحيين في يوم الرب” (مقتطفات من
تيودوطس: 63،1). وترتليانوس (+225): “إن للوثنيين عيداً واحداً مرة في السنة،
اما لك ففي كل يوم ثامن” (في الوثنية: 14، 7). اما أُوريجانس (+253) فيستفيض
في تفوّق يوم الرب على سبت اليهود، بقوله: “..اما السبت فهو اليوم السابع.
اِسألْ اذاً في اي يوم بدأ المنّ يُعطى من السماء، وأُريد أن أقارن بين يوم الرب
عندنا وسبت اليهود. انه لواضح من الكتب الإلهية أن المنّ أُعطي في الارض لأول مرة
في يوم الرب. لانه اذا كان قد جُمع، كما يقول الكتاب، في ستة ايام متتالية، وانقطع
في اليوم السابع الذي هو سبت، فقد كان بدؤه بغير شك في اليوم الاول الذي هو يوم الرب.
فاذا ثبت من الكتب الإلهية أن الله يُمطر المنّ في يوم الاحد ولم يمطر في السبت،
فليفهم اليهود أن يوم الرب عندنا هو أفضل من السبت اليهودي، لأنه قد تبّين أن نعمة
الله لم تنزل عليهم من السماء في يوم سبتهم، ولا أتاهم الخبز السماوي الذي هو كلام
الله… أما في يوم الرب عندنا، فالرب يُمطر دوماً المنّ من السماء” (مواعظ
حول سفر الخروج: 7، 5).

 

 وأما
ادّعاؤهم بأن هذا اليوم لم يصل “الى مركز الكرامة في العالم المسيحي”،
قبل اهتداء قسطنطين الكبير الى المسيحية في القرن الرابع (هوايت، م.ن.، صفحة 622
و623)، فهو يناقض الحقيقة التي كشفنا مقتضياتها أعلاه، وذلك لأن قسطنطين شرّع
-مدنيا- ما هو مكرَّم في العالم المسيحي كله، اذ أصدر مرسوما دعا فيه الحكام
والشعب (والجنود) الى التوقف عن العمل يوم الاحد (والأيام التي تحمل اسم المخلّص)،
تاركا “للعاملين في الزراعة” حرية متابعة سعيهم “وفقا
للقانون”. وهذا أكده افسافيوس القيصري (+340)، وزكّته المجامع الكنسية، فقد
أمر آباء المجمع المسكوني الاول (325) المؤمنين بعدم الركوع أثناء الصلاة “في
يوم الرب” (الاحد)، لأنه يوم ذكرى قيامة الرب (قانون20). كما نهى مجمع
اللاذقية (القرن الرابع)، في قانونه ال29، “المسيحيين” عن التهوّد
(“الراحة في يوم السبت”)، ودعاهم الى “أن يشتغلوا في ذلك اليوم وأن
يكرّموا يوم الرب ويستريحوا فيه من العمل -اذا استطاعوا- لأنهم مسيحيون”،
وأما كل مَن خالف هذا الأمر ففرزه “من المسيح” (انظر ايضا القانون ال38
لمجمع أورليان المنعقد في العام 538، الذي يدعو المزارعين الى التوقف عن عملهم يوم
الأحد “حتى لا يحال دون حضور الشعب الى الكنيسة”).

 

 لا
بدّ من القول أخيرا إن اليهودية لا تقوم فكرا في ذاتها وحسب، وإنما في مَن يقول
قولها. فلا يشك المسيحيون بما أُعلن صدقا وخلاصا للعالم، او يبدلوا الحقيقة بما لا
نفع فيه (انظر: كولوسي 2: 8).

 

الرد على رفضهم للصلاة من أجل الراقدين

تشير
الكنيسة الارثوذكسية في صلواتها الى الموت ك “رقاد”، لأنها تؤمن
“بالوجود الشخصيّ بعد الموت”، وهي ترجو لجميع الراقدين النهوض (القيامة
من بين الاموات) عندما يبزغ النهار”الذي لا يعروه مساء”، وفي ما
تَذْكُرهم في كل ذبيحة إلهية تتضرع الى الله الآب أن يرحمهم: “حيث يُفتقد
نورُ وجهه”.

 

السؤال
المطروح هو: على ماذا تسنتد الكنيسة عندما تصلّي للذين رقدوا بالإيمان والرجاء؟

 

ثمة
مبدأً وأوّلي ننطلق منه لنجيب عن هذا السؤال، وهو أن فاعلية أية صلاة غير قابلة
للتفسير العقلي. فإذا كانت الصلاة واجبة من أجل “بعضنا البعض”، كما يقول
يعقوب الرسول (5: 16)، وهي حياة الكنيسة في كل عصر، لأنها تُرفع من أجل “كل
شيء” – مرض، شدة، ضيق، سجن، كرازة رسولية…- (راجع 2 تسالونيكي 1: 11 –12: أفسس
6: 18 – 19…)، فهي واجبة، تاليا، من أجل الذين سبقونا. ذلك أن وحدة الشركة في
جسد المسيح لا يَفْصم الموت عُراها (يوحنا 10: 28 – 30؛ رومية 8: 38 – 39)، وإلا
يكون الموت المغلوب على الصليب غَلَبَ قوة الله وأعني قيامته التي نالها المؤمنون
سريا في المعمودية. فنحن، اذاً، نصلّي للآخر الذي نحبّه ونحن وإيّاه أعضاء في جسد
المسيح الواحد، وهذا يتجلّى بشكل رائع في الحياة الليتورجية في ما أَسْمَتْهُ
الكنيسة الارثوذكسية ب”شركة القديسين”، حيث الكنيسة جمعاء تصلّي – وليس
فقط الأحياء – وهذه الشركة هي “سلسلة”، كما يصفها القديس سمعان اللاهوتي
الحديث، من الصلاة والمحبة المتبادلة. الأب ألكسندر شميمَن في كتابه “الصوم
الكبير” يركّز على السبب الذي تدعو الكنيسة فيه أعضاءها الى الصلاة من أجل
الراقدين بقوله: “هي تعبير جوهريّ عن الكنيسة كمحبة”، ويتابع قوله: “اننا
نطلب من الله أن يذكر الذين نذكرهم، ونحن نذكرهم لأننا نحبّهم. وإذ نصلّي من أجلهم
فنحن نلقاهم في المسيح الذي هو محبة، والذي بما أنه محبة يغلب الموت الذي هو ذروة
الانفصال واللا محبة. في المسيح لا فرق بين الأحياء والأموات لأن الجميع هم أحياء
فيه. انه الحياة وهذه الحياة هي نور الناس. واذ نحب المسيح نحب جميع الذين فيه،
وإذ نحب الذين فيه فنحن نحب المسيح”.

 

بيد
أن كلمة الله التي هي متَّكلُنا ترشدنا الى الحقيقة الكاملة، فنرى الرسول بولس
نفسه يصلّي من أجل أحد الإخوة الذين رقدوا بالرب، اذ يقول: ” ليعُطِ الرب
رحمة ً لبيت أُنيسيفورس لأنه مراراً كثيرة أراحني ولم يخجل بسلسلتي، بل لما كان في
رومية طلبني بأوفر اجتهاد فوجدني. ليعطِه الرب أن يجد رحمة في ذلك اليوم” (2
تيموثاوس1: 16- 18). اسم “أنيسيفورس” يَرِدُ في الرسالة ذاتها مرة ثانية
وهو مضاف الى “بيته”(4: 19). على الغالب هو راقد بالرب، ويطلب الرسول له
الرحمة َ” في ذلك اليوم” اي في يوم الدينونة. فنحن، اذاً، أمام مسلَّمة
رسولية لأجل الصلاة للراقدين. في احدى عظاته يقول فيلاريت متروبوليت موسكو(القرن
التاسع عشر) بأن الصلاة من أجل الراقدين جارية في الكنيسة منذ القدم “منذ أن
مورسَتِ العبادة علناً… وهي مفروضة فيها كجزء كان دائما متمِّما لها. وكلّ الخدم
القديمة للقداس الإلهي تشهد بذلك، ابتداء من قدّاس يعقوب أخي الرب…”، ويؤكد،
في ختم قوله، أن الصلاة من اجل الراقدين ” كانت من التقاليد الرسولية”.

 

تصلّي
الكنيسة الارثوذكسية من أجل المؤمنين الراقدين وتعتبر أن الصلاة تساعدهم (يوحنا
الذهبي الفم، غريغوريوس اللاهوتي، كيرلّس الأورشليمي…)، وفي حين يرفض معظم
اللاهوتيين الارثوذكسيين فكرة “المَطْهَر” بالشكل الذي تطرحه الكثلكة
(تذهب الارواح الى المَطْهَر لتُكفّر عن ذنوبها فيه بالعذاب) وتؤكّد غالبيتُهم بأن
الاموات لا يتعذّبون، يقبل البعض منهم (اللاهوتيين الارثوذكسيين) بطابع الجهاد
التطهيري بعد الموت. الآباء القدّيسون صوّروا الحياة بعد الموت وكأنها فترة يخلع
فيها تدريجيا جميع الذين أدركوا أن كل شيء قد أُكمل لأجلهم كلَّ خِرَقِهم البالية
في طريقهم الى ملء استعلان القيامة.

 

 يقول
كوستي بندلي في كتابه “الله والشر والمصير”: “إن الموت يقيم جدارا
رهيبا من الصمت بين المحبّين، ولكن حاجز الموت، مهما علا، لا يصل الى الله الآب،
وهو وحده يُسقط المسفات والحواجز و”يُعِين ضعفَنا” ومحدوديتنا
و”يشفع فينا بأنّات لا يُنطَق بها”. ما لا شك فيه أن صلاتنا من أجل
أحبائنا الراقدين ليست هي تدخُّلا بقرار الله وقضائه الأخير، فنحن نؤمن بأن حكمته
الأزلية ليس للإنسان مهما علَتْ قداستُهُ أن يخترقها”، وإنما أن خضع لها. غير
أن المسيحية لكونها ديانةَ المحبة، ونحن جميعا أعضاء في جسد المسيح الحيّ الذي لا
يستطيع الموت ولا اي شيء آخر أن يُبطل عضويتنا فيه، فالصلاة التي هي لغة الحبّ –
اولاً وآخراً – هي التعبير الامثل على أن “المحبة أقوى من الموت”، واننا
فيها نتمم الغلبة الأخيرة، لأن الموت المهزوم بات وراءنا، وليس أمامنا سوى الكنيسة
الحيّة الأخيرة التي نحن فيها منذ الآن.

 

ضلالات السبتيّين حول الإيقونة والقديسين وذخائرهم

يعتقد
السبتيون انهم أطهر الناس طرّا، فهم-كما يعتبرون انفسهم- لم يتوهوا كما تاه
مسيحيون كثيرون، اذ “طلّقوا” هم -وحدهم- تعاليم عديدة لا تتوافق والكتاب
المقدس. ولعل ما يفضح كبرياءهم ويجعلك تعتقد انهم أقفلوا نهائيا على انفسهم وما
يعتقدونه صحيحا، هو انهم رفضوا اي حوار مع الكنائس، وبقوا أنقياء ومحافظين على
العهد الاول، كما يدّعون. ومن الأمور المضلّة التي يفتخرون بها أنهم يجدّفون على
تكريم القديسين وذخائرهم وصورهم… والصلاة من اجل الراقدين والمسحة المقدسة،
وغيرها… (انظر: إيمان الأدفنتست السبتيين، صفحة 273).

 

 الموضوعان
الاخيران (الصلاة من اجل الراقدين وسر الزيت المقدس) عولجا سابقاً. سنحاول، في هذا
المقال، أن نفنّد انحرافهم حول عدم تكريمهم القديسين وصوَرَهم وذخائرَهم، على أن
نتناول، في مقالات لاحقة، بعض انحرافاتهم الاخرى.

 

 ليس
تكريم القديسين (او الابتهال اليهم) وصوَرِهم وذخائرِهم عبادةً لهم، ولا هو
“بضلال” او “مِن حِيَل الشيطان”، كما يقول السبتيون (إلن
هوايت، الصراع العظيم، صفحة 65 و617). فالعبادة لغير الإله الواحد لم نرفعها يوما،
وذلك أن شهادتنا ظاهرة جليّا، ولا نحتاج الى مَن يفسر عقائدنا ويحاربنا على أساس
توهّماته. وهذا ما حاولَتْه، في هذا السياق، نبيّة السبتيين (هوايت)، اذ اعتبرت أن
ما أقرَّه المجمع المسكوني السابع (787) لجهة تكريم صُوَر القديسين (وذخائرهم)،
عملٌ غايته إعطاء “المهتدين من الوثنية الى المسيحية شيئا كبديل من عبادة
الاوثان” (م.ن، صفحة 58). لا نعلم من اين استوحت هذه السيدة هذا التفسير
المنحرف، ولكننا نعرف تماما أن آباء المجمع أبرياء منه، وذلك انهم أمروا بتكريم
صور الرب وقديسيه (وذخائر القديسين)، باعتبارها مسلّمة إلهية تؤكد حقيقة التجسد
الإلهي (انظر وقائع جلسات هذا المجمع وقرارته).

 

 والحال
أن القديسين هم ثمرة حب الله، ووجه من وجوه حضوره وتغلّبه على الخطيئة والموت. وكل
إنكار لهم هو إنكار لدعوة الله: “كونوا قديسين لأني انا قدوس” (أحبار 11:
45؛ 1بطرس 1: 16). هذا الكلام الإلهي، وإنْ عنى الكنيسةَ “المجاهدة” في
هذا الدهر، فهو يبقى يخصّ الذين أحبوا الله بصدق كبير ورقدوا على رجاء القيامة،
لان الذي قهر الموت هو غالبه فيهم ومقدّسهم في كل حال ووقت. يقول بولس الإلهي: “اني
واثق بأنه لا موت ولا حياة… بوسعها أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع
ربنا” (رومية 8: 38و39)، وهذا الكلام يخرج على الحقيقة والتعزية إن لم يُفهم
أن الله يحفظ أحباءه في حضرته الأبدية (الكنيسة المنتصرة)، وعلى هذا الأساس يجب أن
نقبل كلام السيد: “حيث أكون انا يكون خادمي” (يوحنا 8: 26، 14: 3 و17: 24).
وهذا يدفعنا توّاً الى القول إن العلاقة بين الكنيسة المنظورة وغير المنظورة قائمة
على أساس وحدة جسد المسيح. فتكريم القديسين وطلب شفاعتهم، في تراثنا، يبنى على
الإيمان بوحدة الكنيسة، اذ اننا نثق بأن القديسين الذين “تبرَّأوا من
الخطيئة” التي ما زالت تحاربنا، وباتوا أقوى من المدى والزمان، هم، في المسيح
يسوع، معنا ونحن معهم، وتاليا يحفظونا ويشدّدونا بأدعيتهم وتسبحتهم غير المنقطعة
التي تعلّي الله وملكوته وترفض كل شر في العالم (رؤيا 6: 9-11). وذلك أن الذي
“أَحنى السموات” وخلَّصنا، ألغى ما هو فوق وما هو تحت، وأقام لنا
القديسين، في مسيرتنا الجهادية، عضدا ودعوة جدّية وإنجيلا حيا مفتوحا ومقروءاً
ومطاعا. ولذلك كل ابتعاد عنهم أو إبعاد لهم (او لصورهم وذخائرهم) هو تقزيم لجسد
المسيح الواحد وإنقاص لغلبته. يقول القديس نيقولا كاباسيلاس: إن “قداسة
القديسين هي أعظم عطايا الله للإنسان، والكنيسة تضحي شريرة وجاحدة إن لم تشكره
عليها” (انظر كتابه: “شرح القداس الإلهي”، صفحة 132 و 133).

 

 ثمة،
في الروحانية المسيحية، علاقة وثيقة ما بين تكريم القديسين وتكريم صوَرهم وذخائرهم.
فالايقونة والذخيرة هما بمثابة حضور مَن يمثّلان، ويُعتبران “كنقطة اتصال بين
أعضاء الكنيسة والذين سبقوهم”، وهما تاليا يساعدان المؤمنين على الصلاة
واعتبار القديسين “اشخاصا معاصرين وأصدقاء حقيقيين” (المطران كاليستوس
وير). ولا شيء يفسّر تحريف السبتيين -ومن لفّ لفّهم- لهذا الأمر، إلا جهلهم
الحقيقة وتلهّيهم بالقشور، فهم اذ ركنوا الى حروف الوصايا، لم يعوا، مثلا، أن
تحريم التصوير، الذي هو وصية قديمة (خروج 20: 4 و5)، أبطله مجيء ابن الله الى
العالم. وايضا، وفي السياق عينه، يمكن القول ان رفضهم ذخائر القديسين -وهي عادة
قديمة تعود الى الأزمنة المسيحية الاولى- هو، بالحقيقة، رفض للقداسة وعمل الله في
التاريخ، وتاليا تحريف لتعليم الكتاب المقدس الذي يدّعي السبتيون الركون اليه
“وحده”. فثمة آيات كتابية عدة تبيّن فائدة ذخائر القديسين وتستدعي واجب
تكريمها. نقرأ في كتاب الملوك الرابع: “فبينما هم يقبرون رجلا أبصروا الغزاة،
فألقوا الرجل الميت في قبر أليشاع، فلما هبط الرجل ومس عظام أليشاع عاش وقام على قدميه”
(31: 21، 20: 7؛ انظر ايضا 3ملوك 13: 25-31؛ ويعلّمنا العهد الجديد أن قوة الرب
تكمن حتى في ثيابه: متى 9: 20-21، 14: 36؛ او في ظل رسله: اعمال الرسل 5: 15، وفي
أشيائهم الخاصة 19: 11-12). وقد حصل ما يشبه هذه المعجزات في حياة عدد من القديسين
بعد انتقاهم، ففي يوم رقاد القديس نكتاريوس “وبينما جثمانه الطاهر لا يزال في
المستشفى، أُلقيت قطعة من ثيابه بالصدفة على مريض مجاور فشفي في الحال” (راجع
كتاب: زاد الارثوذكسية، صفحة 286)… غير أن البحث، على إيجازه، لا يكمل إن لم
نؤكد بشدّة أن تكريم ذخائر القديسين واجب يتطلبه حدث تدبير الله الخلاصي. فالله
الذي كرَّم البشرية بتجسده وقهرِهِ -في الجسد- الخطيئةَ والموتَ، رفع الإنسان الى
الأُلُوهة. ولعل هذا ما دفع الآباء القديسين في المجمع المسكوني السابع الى أن
يدافعوا بآن عن الايقونة وبقايا القديسين (القانون ال 7).

 

 لا
تُفهم المسيحية بأنها ديانة رجائية وحسب (اي أن عطاءاتها تختص بالعالم الآتي فقط)،
وإنما ايضا هي “كليا” ديانة الحاضر. فالمسيح الرب الذي أتى وخلَّصَنا
ووعدنا بالحياة الأبدية أعطانا “الآن وهنا” أن نتذوّق فرح القيامة
العظيم، وهو يقول هذا صريحا، في هذا الدهر، في أجساد القديسين الذين غلبوا الموت
وباتوا مقرّاً للروح القدس وعمله.

 

ضلالات السبتيّين حول القداس الإلهي

تذكر
السيدة إلن هوايت, في كتابها: الصراع العظيم, أن مارتن لوثر (1482-1546), وهو أول
دعاة الحركة البروتستانتية, قال: ” إن القداس شيء رديء والله يقاومه وينبغي
إلغاؤه ” (صفحة 209). ولعلها أرادت من الرجوع إلى هذا الكلام, أن تستند على
ما يساعدها في نشر انحرافها. ذلك أن هوايت -والسبتيّين جميعا –تكره القداس الإلهي
كرها ً عظيماً, وهذا يظهر, بوضوح ليس مثله وضوح, بوصفها إياه ” بالذبيحة
الوثنية “, وبأنه “الهرطقة الرهيبة المهينة للسماء ” (المرجع نفسه
صفحة 65و66).

 

ومن
المعلوم أن السبتيّين يَدْعون إلى “ممارسة العشاء الربّاني, كما جاء في
الكتاب المقدس”. وهم, لا شك, يقصدون العشاء الذي أتمه يسوع في علّية صهيون
كان “رمزيا” (المعتقدات الأساسية , 15: إيمان الأدفنتست السبتيّين, صفحة
215 و342), وأن الكنيسة ضمّنته حقيقة لا تقولها الكتب المقدسة, بخاصة أنها أهملت
فريضة “غسل الأرجل” (ويسموّنها ” خدمة التواضع”) التي تشكل
وعشاء الرب ” خدمة واحدة” , كما يدّعون (إلن هوايت, مشتهى الأجيال, صفحة
618). وهم يقيمون هذا العشاء (الرمزي) مرة كل ثلاثة شهور (إيمان الأدفنتست
السبتيّين, صفحة 349, الحاشية 19), ويستعملون فيه خبزاً فطيراً وخمراً غير مختمر,
فالخمر محرّم عندهم, والخميرة ” رمز للخطيئة” (من صفحة 334 و341؛ مشتهى
الأجيال , صفحة 129و 622؛من همْ الأدفنتست السبتيّون؟ , صفحة 20).

 

تدل
هذه الأفكار التي يعلّمها السبتيّون على أن احتفالهم ” بالعشاء الرباني”
لا علاقة له بمقصد الله. سنحاول , في هذا المقال, أن نردّ على نقطتين في تعليمهم ,
هما 1) رمزية الخبز والخمر ؛ 2) وفريضة غسل الأرجل؛ على أن نفنّد , كما أشرنا
أعلاه, مرة ثانية, سيئات تعاليمهم المتبقّية وانحرافهم عن الحق.

 

في الحقيقة والرمز:

تؤكد
العبارات التي فاه بها يسوع في علّية الطهر أن الخبز والخمر المقدّمين في
الأفخارستيا هما حقيقةً جسد الربّ ودمه, إذ قال في الخبز: “هذا هو جسد(ي),
وفي الخمر: ” هذا هو دم(ي)”. فالرمز (والكلمة أضافها السبتيّون على كلام
التأسيس), نقضه يسوع الذي أبطل كل رمز (ظلّ) قديم بظهوره, في العالم, إلهاً
متجسّداً, وأعطانا , بغلبته أن نذوق, في هذا الدهر, الفرح الحقيقي وعربون ”
الحياة الأبدية” (راجع: يوحنا 6). وذلك أن القرابين المقدسة (جسد المسيح
ودمه) –وليس رمزها- التي هي تذوق للمائدة التي سيتّكئ حولها الأبرار في ”
ملكوت الآب” (متّى 8: 11و 12, 26: 29, مرقس 14: 25 ولوقا 22: 18؛ رؤيا 19: 9)
– أو كما يقول المطران جورج (خضر) في تعليقه على (متّى 26: 29), هي ” نشوة
الفرح السماوي” جريدة النهار, السبت 10 تموز 1999) –هي التي تحقّق
“الكنيسة” (1كورنثوس 11: 18),وتقيم المؤمنين” جسدَ المسيح”
(1كورنثوس 10: 16-17), وهي التي “تغفر الخطايا”, وتدين من كان ”
غير أهل لها” (1كورنثوس 11: 27). ما من شك في أن السبتيّين, وكل من لا يعتبر
أن الرب يعطي المشتركين في عشاء الله, كما يسمّيه ترتليانوس, أن يتذوّقوا , في هذا
العالم, جسده ودمه الحقيقيّين , والقداسة (انظر: رسالة القديس كيرلّس إلى
نسطوريوس), هو يحرّف الكتاب المقدس ويبقى أسير رمزٍ غير نافع.

 

في فريضة غسل الأرجل:

يمارس
السبتيّون عادة “غسل الأرجل” قبل الاقتراب من العشاء الربّاني (…ينفصل
الرجال عن النساء, فيجتمع الرجال في مكان خاص, وكذلك النساء, ويغسل الجميع أرجل
بعضهم البعض, ثم يعودون إلى الاجتماع فيكسر الوعّاظ الخبز وبعد توزيعه يُقدَّم
الخمر, وتنتهي الخدمة بترنيمة), وذلك بهدف التنقية. يقولون في كتابهم “إيمان
الأدفنتست السبتيّين”: عند الانتهاء من خدمة الغسل يؤكد لنا إيماننا أننا
أنقياء لأن خطايانا قد غُسلت” (صفحة 337 ؛ انظر أيضا: مشتهى الأجيال, صفحة
619). وغسل الأرجل عمل قام به الرب في لقاء العلّية الأخير (يوحنا 13: 1-16),
ولسنا هنا بوارد الخوض في معانيه, والهدف الذي أراده الرب منه (على أهميّة هذا
الأمر). ما يهمّنا , في هذا السياق, هو أن نؤكد أن ” فريضة غسل الأرجل
“,كما رتّبها السبتيّون, تجعل المعمودية المقدسة أمراً ثانوياً, بخاصة أنهم
يوهمون أنفسهم – بها- بنقاء هو مسعى الأبرار في هذه الحياة, ولا يُكشف صدقُه إلا
في اليوم الأخير. واستطراداً أقول إن الذين نالوا نعمة الله, في معموديتهم, لا
يحتاجون إلى نعمة أخرى قبل اقترابهم من ” المناولة المقدسة”, وذلك لأن
المعمودية التي تبقى مفاعيلها أبداً, وما تفترضه من محبة وتوبة دائمين, هي وحدها
تكفل الصادقين وتدفعهم دائما إلى التقدم إلى ” عشاء عرس الحَمَل” (رؤيا
19: 9).

 

في مادتي العشاء (الخبز والخمر):

يقول
السبتيّون إن الرب يسوع المسيح استعمل, في عشائه الأخير, خبزاً فطيراً, وعصير
العنب غير المختمِر (إيمان الأدفنتست السبتيّين, صفحة 334, 341, 348 – 350). وهذا
ببساطة كلّية, يخالف الكتب المقدسة التي تكلّمت على أن يسوع استعمل, في عشاء العهد
الجديد, خبزا مختمِراً (أنظر: متى 26: 26؛ مرقس 14: 22؛ لوقا 22: 19؛ يوحنا 6؛
1كورنثوس 10: 16 و17, 11: 23, 26 – 28). وتكلّمت, تاليا, على أنه استعمل خمراً
مختمِراً, وذلك أن عبارة “عصير (أو “نتاج”) الكرمة” التي
لفظها الرب في العشاء الأخير, لا تعن “عصير العنب غير المختمِر”, وإنما
“الخمر”. واستطراداً أقول إن الرب يسوع (الذي يعرف أن الشريعة تشترط أن
يشرب الناس الخمر باعتدال وقناعة) بارك الخمر في عرس قانا الجليل (يوحنا 2: 1 –
11), واستعمله, في أمثاله, كمادة تشفي (لوقا 10: 34؛ أنظر أيضا 1 تيموثاوس 5: 23),
وقد قيل فيه إنه كان يشرب الخمر (متى 11: 19). وهذا, لا شك, له معانيه, وذلك أن كل
ذِكْر للخمرة (الجديد), في العهد الجديد, هو قبل كل شيء, يذكّر المؤمنين أو يقودهم
إلى الإفخارستيا (كونه جزءاً من عشاء الرب).

 

في قولهم إن هذه الخدمة تقام “أربع مرات في السنة”:

الخدمة
الإلهية, كما فهمها التراث الأرثوذكسي, خدمة واحدة لا تكرر، لأن حَمَل الله قدّم
نفسه (ذبيحة) “مرة واحدة…إلى الأبد” (عبرانيين 7: 27 و 28, 9: 11-13
و10: 11-14). يصف القديس يوحنا الذهبي الفم الخدمة الإلهية الواحدة التي تقام في
غير مكان, بقوله: “هل هناك مُسَحاء كثيرون, لأن الإفخارستيا تُقام في أماكن
كثيرة؟ كلا….فكما أن الذي يُقَدَّم في أماكن عديدة هو جسد واحد, وليس أجساداً
متعددة, كذلك ليس إلا الذبيحة واحدة “. ويؤكد اللاهوتي الأرثوذكسي بول
إفدوكيموف هذا المعنى, بقوله: “جميع العشاءات السرية المقدسة ليست سوى عشاء
سري واحد أزلي فريد, عشاء المسيح في العلية. فالفعل الإلهي ذاته وقع مرّة في فترة
محدّدة من التاريخ, ويعاد إحياؤه دائما في السر المقدس”. وزيادة في توضيح
معنى الخدمة الإلهية أردّد ما قاله الأب بوريس (بوبرينسكوي), وهو: أن الذبيحة
الإلهية ليست “تذكاراً لذبيحة المسيح الفريدة وحسب,بل هي عبور من هذا العالم
إلى العالم الآتي”. فالذبيحة سر يَستحضر الأبدية في الزمن “فتجتاحه
وتتجاوزه” (دون أن تلغيه). وهذا يبيّنه الخدمة الإلهية ذاتها, وذلك أنها توضح
أننا, في القداس, نتذكر (أي نقبل هنا والآن) أن ابن الله قد أتم كل تدبير الآب
الخلاصي: “الصليب والقبر والقيامة ذات الثلاثة أيام والصعود إلى السماوات
والمجيء الثاني الرهيب” (أنافورا القديس يوحنا الذهبي الفم), وهذا له
مدلولاته في الكتب المقدسة (انظر: متى 8: 11, 26: 29, مرقس 14: 25 ولوقا 22: 11,
رؤيا 19: 9). ومن النافل القول إننا قد تسلّمنا أن نقبل عشاء الرب, كلما عُرض
علينا: في كل يوم أحد (لأنه يوم القيامة), وفي أعياد الخلاصية (وهي الفصح في تعدد
وجهه), وفي أعياد الشهداء والقديسين (لأنهم أظهروا استمرارية قوة القيامة وفعلها
في التاريخ), وأن نقبله, كل مرة, بحب وإخلاص كاملَيْن, متذكرين أن “يسوع
المسيح الذي قام من بين الأموات” (2 تيموثاوس 2: 8), هو محيينا الآن وفي كل
وقت. فنحن, إذاً, لسنا أمام “عمل” تنطبق عليه مقولة العدد, ولا أمام
ذكرى قديمة نعود إليها “بالفكر والتصوّر” (تقول إلن هوايت, في كتابها
مشتهى الأجيال: “ونحن إذ نتناول من الخبز والخمر….فإننا بالفكر والتصور
ننضم إلى مشهد العشاء في العلّية”, صفحة 629)، وإنما أمام خلاص الله الذي يتم
من أجلنا “الآن وهنا”. وهذا يجعلنا نفهم ما هو معنى كلام القديس
باسيليوس رئيس أساقفة قيصرية كَبَدوكية, لمّا قال: أنه وتلاميذه يتناولون القرابين
الإلهية”أربع مرّات في الأسبوع, ونشعر أن هذا قليل”, فهو، من دون ريب,
لم يرد أن يعدّ المرّات التي تقيم فيها كنيسته الخدمة الإلهية, وإنما أن يدل على
أن حياته – وحياة كنيسته – مصدرها هذا القداس الذي يفيض منه حضور المسيح وألوهيّته.

 

إن
انحراف السبتيّين – ومن قال أقوالهم – يشّوه الحقيقة التي يعطينا الله إياها كل ما
اجتمعنا معاً,والحقيقة (جسد ابن الله ودمه الحقيقيّين) التي حاولنا أن نُظهر
مضمونها, في مقالتين متتاليتين, هي التي تعتق الكنيسة من بعثرة الوجود والموت,
وذلك أنها “دواء الخلود”, كما يقول القديس إغناطيوس الانطاكي (+107),
وهي: تقدمة معدّة لتحفظنا من الموت وتؤمّن لنا الحياة الدائمة في المسيح”
(انظر: رسالته إلى الكنيسة أفسس 20: 2).

 

ضلالات السبتيّين حول أبدية شريعة العهد القديم

يعتبر
السبتيّون أن شريعة العهد القديم “مطلقة وغير قابلة للتغير” (إيمان
الأدفنتست السبتيّين, 404). ويعرف مَن قرأ كتاباتهم أنهم يشوّهون الحقيقة الخلاصية
بقولهم إن: “الوصايا العشر” التي أُنزلت على جبل سيناء هي “مقياس
البرّ” (طريق الحياة، 53؛ الصراع العظيم, 633), وهي تجزي من يطيعها (إيمان
الأدفنتست السبتيّين, 397و 398) وتؤمّن له “حرية مطلقة” (م.ن, 402)
“والفرح والسعادة” (مشتهى الأجيال, 284), “والتمتع بالحياة
الأبدية”. ويعلّلون انحرافهم بقولهم: إن الشريعة (القديمة) هي “الكلمات
الوحيدة التي نطق بها الله على مسمع أمة بكاملها (تثنية 22)” (إيمان
الأدفنتست, 98). ويدّعون أنّ حفظها (ويسمّونه: “المبدأ العام”), يجب
“اليوم”, لأن نعمة الله” لا تلغي الشريعة” (إيمان الأدفنتست,
403), وذلك أنهم يعتقدون بأنّ الشريعة هي: “قانون عالمي يُلزم كل الأجناس
والشعوب التي على وجه الأرض…” (من هم الأدفنتست السبتيّون؟، 17؛ المعتقدات
الأساسية, 18). وما يثير الضحك حقا ويبيّن سخافة هؤلاء المبدعين, هو قولهم إن مجيء
ابن الله إلى العالم ليتألم ويموت لم يكن لمجرد فداء العالم, فلقد أتى
“ليعظّم الشريعة ويكرّمها” (م.ن, 413؛ الصراع العظيم, 546؛ مشتهى
الأجيال, 385). هذا, وغيره, له صداه في الفكر اليهودي الحديث. ففي حوار أقمته مع
رجل يهودي, سألني: لماذا تيشّرون بيسوع, ونحن – كما نوّه – لا نؤمن بأنه أتى,
ويسوعكم نفسه ما طلب هذا, وإنما كلّف أتباعه بأن يبشّروا بالشريعة (ويقصد: العهد
القديم)؟

 

ولا
يخفي أن هذا التهوّد هدفه التهجّم على الكنيسة, لأنها, كما يدّعون, تعدّت الشريعة
لكونها حذفت “الوصية الثانية التي تنهي عن تقديم العبادة أو السجود للصور أو
التماثيل”, والوصية الرابعة التي تطلب حفظ “يوم السبت” (الصراع
العظيم, 488؛ راجع رعيتي 48 و50/1998, حيث خصّصنا مقالتين للرد على هذين
الانحرافين). وترى نيية السبتيين إلن هوايت أن هذا “التعدي” يسيء إلى
“أبدية” شريعة الله التي هي “ثابتة ثبات عرش الله” (مشتهى
الأجيال, 285 و727). وتجد تبريرا لادّعائها هذا, بقولها: إن شريعة الله المكتوبة
“في القدس السماوي” (وتقصد ما جاء في رؤيا يوحنا 11: 19) هي “الأصل
العظيم التي كانت الوصايا مكتوبة على لوحي الحجر… صورة طبق الأصل عنها”
(الصراع العظيم, 475). وتزيد أن معلّمين كثيرين يؤكدون “أن المسيح أبطل بموته
الناموس فتحرر الناس من مطالبه. وبعض الناس يتصوّرونه نيراً مكدّراً محزناً…
ويقدّمون الحرية التي يمتّعهم بها الإنجيل”. وتعود (هوايت), كعادة المبتدعين,
إلى آيات كتابية (مزمور 109: 45؛ يعقوب 2: 8, 1: 25 ورؤيا 22: 14), فتستنتج أن هذا
الكلام “لا أساس له من الصحة” (م.ن, 508).

 

ما
من شك في أن هذه الانحرافات يحتاج الردّ عليها إلى صفحات وصفحات. أنا لا أريد أن
يعتبر قارئي أن الكنيسة هي, لا سمح الله, ضد العهد القديم, فهو الكتاب الذي قرأه
يسوع وفسّره في غير موضع ومناسبة, واستند إليه الرسل ليؤكدوا حقيقة سرّ المسيح
وخلاصه. غير أن ما يجب أن نعرفه, في هذا السياق, هو أن الكنيسة التي دعت المؤمنين
إلى قراءة العهد القديم (لأنه كتاب الله) لم تقف, في تفسيرها إياه, عند حدود حروفه.
وذلك أن الحرف, الذي قال عنه الكتاب إنه “يَقتل” (2 كورنثوس 3: 6), يجعل
الكنيسة في نطاق الديانة اليهودية التي أبطلها يسوع “لضعفها وقلّة
فائدتها”. فالناموس القديم هو إعداديّ وقتيّ هدفه حصراً أن يؤدبنا لنصل إلى
المسيح الذي هو “الغاية” (غلاطية 3: 24 – 26). نقرأ في الرسالة إلى
كنيسة كولوسي: فلا يحكمَنّ عليكم أحد في المأكول والمشروب أو في الأعياد والأهلة
والسبوت, فما هذه إلا ظل الأمور المستقبلية, أما الحقيقة فهي جسد المسيح” (2:
16 – 17: اقرأ ما جاء في الرسالة إلى العبرانيين, ومنه: أن “الشريعة لم
تُبلِغ شيئا إلى الكمال, وأُدخل رجاءٌ أفضل نتقرب به إلى الله”, وأنه: “لمّا
كانت الشريعة تشتمل على ظل الخيرات المستقبلة, لا على تجسيد الحقائق, فهي عاجزة
أبد الدهور… أن تجعل الذين يتقرّبون منها كاملين…”, الإصحاحات 8 – 11؛
وأيضا: رومية 6: 14, 9: 4؛ غلاطية 4: 7, 5: 4 و18….). ويعرف المسيحيون أن العهد
الجديد اعتبر أن الوصايا القديمة صالحة لزمانها (متى 5), وإنه بمجيء يسوع أتى زمن
النعمة التي هي “ينبوع الخلاص لجميع الناس” (تيطس 2: 11؛ وأيضا: 1 بطرس
1: 10 – 12؛ رومية 10: 4؛ عبرانيين 3: 1 – 16). ومن النافل القول إن السبتيين في
اتهامهم الكنيسة بأنها أهملت بعض الوصايا القديمة التي قال فيها الرسول إنها
“نسخت” لا ينحرفون عن الحق وحسب, إنما يقدّمون “إنجيلا آخر”
(غلاطية 1: 6 – 9, 3: 3, 4: 9 – 10) ينفي نعمة المسيح وخلاصه وحريته. فهم يهود
يدّعون أنهم مسيحيون.

 

لا
أعلم كيف يستطيع السبتيّون أن ينادوا بأبدية الشريعة القديمة, وهم يوافقون على أن
ناموس الفرائض الذي أُبطل بموت المسيح, لا يقدر على أن يقدّم للإنسان الخاطئ
“علاجا”, ويعرفون تاليا أن “إنجيل المسيح وحده هو الذي يستطيع أن
يحرر الإنسان من دينونة الخطيئة ولوثاتها” (الصراع العظيم, 510), ويبقون على
موقفهم المنحرف, لو لم يكونوا في خدمة الديانة اليهودية. إن هذا التناقض (القول إن
الشرعية القديمة أبدية وبآنٍ إنها لا تشفي الخطأة) لا يقع فيه سوى المغرضين الذين
يتعدّون الشريعة. لا يهم أن يعترف السبتيّون بتهوّدهم, وإنما المهم أن لا يسمع
المؤمنون لهم (انظر: رسالة القديس إغناطيوس الإنطاكي إلى كنيسة فيلادلفيا 6: 1,
ورسالته إلى كنيسة مغنيسية 8: 1 و 10: 3), وأن يحفظوا أنفسهم بحق المسيح.

 

ضلالات السبتيّين حول المجيء الثاني

أحس
المسيحيون الأوائل بأن يسوع الذي ارتفع إلى السماء إنما هو آتٍ سريعاً (أعمال 1: 9
– 11). وكان الرب قد كلّفهم بأن “يُتلمذوا جميع الأمم ويعمّدوهم…”(متى
28: 19). وكانت المسؤولية كبيرة على بشر لا يملكون إمكانيات التنقل ووسائل الاتصال
التي يعرفها عالم اليوم. غير أن رجاءهم بيسوع الحيّ كان كاملاً, فوثقوا بوعده بأنه
“لن يفارقهم”, وحملوا, بقوة الروح القدس, هذا الخبر السار, خبر موت
المسيح وقيامته ومجيئه الثاني, إلى العالم (1 تسالونيكي 4: 13 – 18), وكانوا
يردّدون, بثقة وفرح, في هدأة الدعاء: آمين! تعال, أيها الرب يسوع” (1كورنثوس
16: 22؛ رؤيا 22: 20).

 

بيد
أن لا شيء في الكتب المقدسة يمكنه أن يوحي للناس بأن يحدّدوا ما يجهلونه (وقت مجيء
الرب ثانية). فالرب الذي قال لأخصائه إنه آتٍ ثانية لم يُطلع أحداً منهم على الوقت
الذي سيعود فيه ليدين العالمين (متى 24: 42و 43؛ مرقس 13: 33؛ لوقا 12: 40, 17: 20
و21: 34؛ أعمال 1: 7؛ 1 تسلونيكي 5: 1- 3؛ 2 بطرس 3: 10؛ رؤيا 3: 3) ولا يخفى أن
الوصية التي تركها لهم, في ما دعاهم إلى انتظار يومه, هي: “اسهروا”,
فألمح إلى كيفية التهيّؤ لهذا اليوم من دون أن يحدد وقته. وحذّرهم من ظهور أنبياء
كذبة سوف “يأتون بآيات عظيمة وأعاجيب” ويوهمون الناس أن المسيح
“هنا أو هناك” (متى 24: 23 – 28).

 

وواقع
الحال أن السبتيّين خرجوا على الحق الإلهي, وذلك أن مؤسسهم “ميلر” حدّد
وقت مجيء الرب مرات عدة (ما بين العامين 1842 – 1844), ودعا الناس إلى انتظاره
(الصراع العظيم, ص 334 – 473, 448), فخذل وفق رأيه, وأتى بعده من صحّح تعاليمه
فازدادت الانحرافات. أما ماذا قال (ميلر), في هذا الباب, فهذا يحتاج إلى بعض السرد.

 

لا
بدّ من أن نعرف بدءاً أن ميلر كان يستقي تعاليمه من مفهومه من مفهومه الخاطئ
للكتاب المقدس, فأوحت إليه دراسته المنحرفة ب”أن الفرصة المحدّدة لبقاء الأرض….
كانت موشكة على الانقضاء”, وذلك أن علامات المجيء (زيادة الجريمة في العالم,
الحروب والويلات, الكوارث الطبيعية والمجاعات…) التي أنبأ عنها الربّ, كانت, كما
يدّعي, قد كملت (الصراع العظيم, ص 339 – 345و 370؛ إيمان الأدفنتست السبتيين,ص 584
– 586). وبدا له أن “النبوّة” التي “تعلن بأجلى وضوح وقت المجيء
الثاني هي الواردة في دانيال (8: 14)”, والتي تقول: ” إلى ألفين وثلاث
مائة صباح ومساء فيتبرأ القدس”. وقد قَبلَ أن ” تكون الأرض هي المرموز
إليها بالقدس… وفهم أن تبرئة القدس… أو تطهيره يرمز إلى تطهير الأرض بالنار
عند المجيء الثاني…”. ولذلك حاول أن يكتشف من الكتاب ” النقطة التي
منها تبدأ ال 2300 يوماً ” (أو ال 2300 سنة حرفية “، كما فسّر هذا
الرقم) ليعرف ” وقت المجيء الثاني”، ويعلنه (الصراع العظيم، ص 359-366,
439-441). فأقر الرأي على أن هذه النقطة تبدأ في الوقت عينه الذي بدأت فيه السبعون
أسبوعا التي ذكرت في نبوءة دانيال, أي في العام 457 ق.م ز (9: 24-27؛ وعزرا 6: 14
و 7: 12-16). وقد أجرى ميلر حساباته هكذا 2300-457= 1843؛ فأعلن أولا هذا التاريخ
وقتا للمجيء الثاني، وبعد إخفاقه أعاد النظر في تحديده, فطلع, بعد البحث، بنظرية
جديدة، وهي: أن المجيء سيتم وفق السنة العبرية وروزنامة الكتاب المقدس, أي بين
ربيع 1843 وربيع 1844، مستخلصا أرقامه الجديدة استنادا إلى (خروج 12: 1 ولاويين 23:
5). وبعد فشل توقعاته ثانيةً أجّل هذا التاريخ, بمساعدة أحد مشايعيه (صموئيل سنوو)،
إلى خريف العام 1844، وتحديداً إلى ” يوم الكفّارة” (22 تشرين الأول),
وذلك بعد أن لاحظ أن اليهود قد أبدلوا تقويمهم، إذ إنهم جعلوا سنتهم تبدأ في
الخريف بدلا من الربيع، فخُذل من جديد.

 

وما
يثير الضحك هو أن السبتيّين اعتبروا أن حركتهم، في نشأتها وانتشارها, هي ”
واحدة من أوضح العلامات على أن عودة المسيح توشك أن تتم”، ولم يقف كبرياؤهم
عند هذا الحد, وذلك أنهم شبّهوا أنفسهم بيوحنا المعمدان الذي أعدّ الطريق لمجيء
المسيح (إيمان الأدفنتست السبتيّين، ص 580، الصراع العظيم، ص 377 و 408). ولا يخفي
أن هوايت قارنت بين تلاميذ المسيح الذين أعلنوا البشارة وبين ميلر الذي أعلن (حدّد)
وقت المجيء الثاني (م.ن، ص 389). ولقد تبنّت آراء أحد أقطاب دعاة حركة السبتيّين
وهو حيرام أدسون الذي اعتبر أن ميلر أخفق في تحديده موعد ” يوم الرب ”
لأنه ترجم لفظة ” القدس ” بالأرض، وكان عليه أن يترجمها، استنادا إلى
(عبرانيين 9: 24, 6: 19و 20, 9: 12), بالمقدس السماوي, ومما قالته: ” وهكذا
رأى أولئك الذين اتّبعوا نور الكلمة النبوية أن المسيح بدلاً من المجيء إلى الأرض…
في عام 1844 دخل إلى قدس أقداس المقدس السماوي ليكمل عمل الكفارة الختامي
استعداداً لمجيئه” (م. ن، ص 408 و 464؛ المعتقدات الأساسية، ص 23؛ من هم الأدفنتست
السبتيّون؟، ص 22). وهذا انحراف آخر, وذلك لأن هوايت، في تبريرها خطأ ميلر (أو
قبولها تفسير أدسون)، أجّلت غلبة المسيح التي تمّت بموته وقيامته, وأوحت بمجيء
خفيّ ليس له سند في الكتب المقدسة.

 

لمّا
قال يسوع: ” ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي حدّدها الآب بذات
سلطانه ” (أعمال 1: 7)، منع الناس – أياً كان حالهم ووعيهم الروحي – من أن
يفتّشوا عمّا لم يُعطَ لهم. وهو, بكلامه هذا, لم يقصد أن يقول (كما فعل السبتيّون):
إن هذا الحدث ” في نظر المنصرفين إلى شؤون الدنيا سيكون غير متوقع ”
(إيمان الأدفنتست السبتيّين، ص 571)، ليوحي: أن السبتيّين لا يخفى عنهم شيء. ويعرف
المطّلعون أن التلاميذ لمّا سألوا يسوع عن وقت مجيئه, أخفى نفسه – كما يقول
المطران جورج (خضر) – ” وراء بشريته” بقوله: ” أما ذلك اليوم وتلك
الساعة، فما من أحد يعلمهما, لا ملائكة السموات ولا الابن إلا الآب وحده (متى24: 36).
وهذا يفضح انحراف السبتيّين – ومن قال أقوالهم – لأنهم يدّعون معرفة ما لم يقله
يسوع ويتطاولون على الحق…,

 

إن
ضلال السبتيّين ساطع في تعليمهم وليس لنا أن ندينهم, وإنما ” نرثي لهم على
خوف “, وأن نذكّر المؤمنين بأن يحصّنوا قلوبهم بمحبة الرب الحاضر الآتي,
وتاليا باستقامة العقيدة التي هي وحدها نور الحياة، وبأن يبتعدوا عن الهراطقة
” ويبغضوا حتى القميص الذي دنّسه جسدهم ” (يهوذا 23).

 

المملكة الألفيّة

المملكة
الألفيّة هي فكرة يعتقد بها اليوم بعض الفرق المبتدعة، ومضمونها – باختصار كلّي-
أن الأبرار القائمين من الموت، في نهاية الزمان، سيملكون مع المسيح في مجيئه ثانية
على الأرض مدّة “ألف سنة”، وذلك قبل القيامة العامّة والدينونة (راجع: رؤيا
يوحنا 20: 1-6).

لا
بدّ من القول بدءاً إن اليهود عرفوا، في أوضاع ضاغطة (سياسية واجتماعية…)، بعض
الأفكار المنحرفة (المملكة الألفيّة، والمناداة بالمُلك لإسرائيل…)، وقد وردت
هذه الأفكار، عندهم، في الأدب الرؤيوي، ولا سيما في كتاب عزرا الرابع. ويبدو، في
نظر المؤرخ إفسافيوس القيصري، أن أول من أنضم إلى مذهب “المملكة
الألفيّة” ودافع عنه هو متهوّد يدعى كيرنثوس (أواخر القرن الأول الميلادي)،
أنْكَرَ لاهوت المسيح ولم يتردّد بوعد الأبرار بالتمتع بالملذات الجسدية. ولا يخفى
أن فكرة “المملكة الألفيّة” قد تسرّبت، إلى المسيحية المبكرة، وذلك قبل
أن تحدّد الكنيسة، رسمياً، ما يجب على المسيحيّين أن يعتصموا به في سبيل وحدة
الإيمان والعقيدة. ذلك أن بعض الآباء القدماء فسّروا ما جاء في رؤيا يوحنا (20: 1-6)
تفسيراً مادياً، ومنهم: ترتليانوس القرطاجي، وإيريناوس أسقف ليون وهيبّوليتوس…

 

ويعرف
المطّلعون أن هذا المفهوم الطارئ لم يثبت إلى زمن طويل، وذلك أن الكنيسة حاربته
بشدّة، حتى تلاشى تماماً، في نهاية القرن الرابع، في معظم بلاد الشرق. ولعل أول من
ساهم في القضاء على هذه الفكرة وأثّر تأثيراً بالغاً في انتشال الإيمان من لوثة
التفسيرات اليهوديّة، هو العلامة أوريجانس، وذلك بفضل مفهومه الرمزي التمثيلي
للكتاب المقدّس (اعتبر أن الألفيّة لا تتحقق في المجتمع الأرضي ولكن في القلب)،
وتبعه، في الشرق والغرب، آباء كثيرون.

 

غير
أن فكرة “المملكة الألفيّة” استيقظت من جديد ابتداء من القرن التاسع،
وردّدها، في هذه الأيام الأخيرة، بعض البدع الخطرة (السبتيّيون وشهود يهوه)
وجعلوها من عقائدهم الأساسية. هذا الظهور الجديد حمل معه تفسيرات عديدة جديدة (لم
يقلها المسيحيون يوماً) ومتناقضة، ولعلّ أخطرها أن هؤلاء المبتدعين اعتبروا أنّ
المسيحية فرقة من الفرق اليهودية، فخلطوا بين ما هو يهودي وما هو مسيحي، وبين
الدين والأحداث السياسية… ويبدو أن بعض مشايعي هذه الفكرة يعتقدون بأن العام
ألفين هو العام الموافق لتحقيق – أو بدء تحقيق – المملكة الألفيّة. ولعل من
الأهمّية بمكان أن نشير إلى ما نشرته جريدة النهار، في مقال بعنوان: ” أتباع
طائفة ألفيّة مسيحيّة أميركيّة…، وقد جاء فيه: أن أفراداً من أتباع هذه الطائفة،
وصلوا إلى القدس، و”قد يكونون ميّالين (مع اقتراب السنة الألفين) إلى القيام
بانتحار جماعيّ”. وذكرت النهار، نقلا عن صحيفة نيويورك تايمز، أن 75 فرداً من
طائفة الكونسيرند كريستشن (مسيحيون قلقون) مع أولادهم قد “اختفوا أخيراً من
دنفر (كولورادو) وباعوا جميع ممتلكاتهم، وأوضح هؤلاء أنهم يريدون التوجّه إلى
الخارج، على الأرجح إلى إسرائيل، في رفقة زعيمهم مونتي كيم ميللر. ويقول ميللر أنه
سيُقتل في شوارع القدس في كانون الأول 1999، وأن هذا الحدث سيعلن نهاية العالم.
ويرغب ميللر لأن يقيم أتباعه في القدس، لأن نهاية العالم، بحسب نظريّته، ستحل نهاية
السنة 1999، ووحدهم أتباعه سيحصلون على الخلاص في المدينة المقدسة” (الثلاثاء،
24 تشرين الثاني 1998).

 

ما
من شك أن فكرة “المملكة الألفيّة” التي تعزّز المقولة اليهودية
(المناداة بمملكة أرضيّة) تناقض الوحي الكتابي؛” أني هأنذا خالق سمواتٍ جديدة
وأرضاً جديدة فلا تُذْكَر الأولى ولا تخطر على بال”(إشعياء 65: 17)؛
“ولا يقولون هوذا ههنا أو هوذا هناك لأن ها ملكوت الله في داخلكم” (لوقا
17: 21)؛ “أجاب يسوع: مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا
العالم لكان خدامي يُجاهدون لكي لا أُسْلَّم إلى اليهود ولكن الآن ليست مملكتي من
هنا” (يوحنا 18: 36)؛ كما تناقض عقيدة الكنيسة. ذلك أنها توحي بوجود قيامتين،
واحدة للأبرار في بدء الحكم الألفي والثانية للأشرار في نهايته، وتالياً بتخريب
الأرض مرتين وتعميرها مرتين…، وهذه أفكار ماديّة وتخريفات تُناقض الحقيقة
الخلاصية وتسيء إليها (1تسالونيكي 4: 14-17). وما يحدّ من تدبير الله أن السبتيين
خصوصاً يعلّمون أن الرب سينتصر على الشيطان ويقيّده في مجيئه ثانية. وهذا يقزّم
خلاص الرب المتجسد الذي قهر إبليس وملائكته وأطلق عليهم حكمه النهائي (لوقا 10: 19؛
يوحنا 12: 13، 16: 11)…

 

إن
كل تفسير مادّي للأحداث الإلهية التي ستتم في المستقبل يشوّه الفكر المسيحي الحق
ومقاصد الله الخلاصية، ذلك أنه ينزع عن “يوم الرب” الجدية والهالة التي
وصفه بها المسيح ويفرّغ القضاء الأخير من أسمى معانيه. ويعرف أصفياء الله أن الربّ،
الذي قال: “الأرض والسماء تزولان” (متى 5: 18)، هو بآنٍ حاضر وآتٍ، وأنّ
لقاءهم به، في اليوم الأخير، سيكون معه وفيه، ولن يقطعه يوم أو سنة أو ألف سنة،
وإنما يدوم فرحهم إلى أبد الدهور.

 

السبتيون ومناجاة الأرواح

ما
كنّا أدرجنا – في سياق الكلام على ضلالات السبتيّين – هذا الموضوع (مناجاة الأرواح)،
لو لم يتّهم السبتيّون الكنيسة زوراً بأنها ” تستخفّ بالمسيح ” وتحتقر
” كلمته وشعبه ” بقبولها هذه الآفة (إلن هوايت, الصراع العظيم ص 654-
655).

 

ويعرف
من قرأ كتابات السبتيّين المشوّهة أنهم يربطون بين مناجاة الأرواح والصلاة التي
تقيمها الكنيسة من أجل الأخوة الراقدين. تقول إلن هوايت: إن ” تعليم الخلود
الطبيعي للنفس, الذي أُخذ أولا من الفلسفة الوثنية… أُدخل إلى العقيدة المسيحية
“، وقد ” احتل مكان الحق الذي علّم به الكتاب بكل وضوح والقائل إن
الموتى لا يعلمون شيئا “. وتزعم هوايت أن جماهير كثيرة بدأوا يعتقدون بأن
” أرواح الموتى هي الأرواح الخادمة…” (وتقصد: الملائكة), وتزيد إثما ً
بقولها: إن الصلاة من أجل الراقدين هي التي مهّدت الطريق أمام ” عقيدة مناجاة
الأرواح العصرية “.

 

ما
يجب أن نؤكده, بدءاً، هو أن ما يسمّيه السبتيّون ” عقيدة مناجاة
الأرواح” أمر لا تقول به الكنيسة قطعاً, وهي تكرهه كرهاً شديداً, ولقد شجبته
– وكل أنواع السحر والعرافة…_ في غير مجمع وقانون (انظر مجمع أنقرة, العام 314,
القانون 24؛ مجمع اللاذقية، القرن الرابع, القانون 36؛ قوانين القديس باسيليوس
الكبير، القانون 65و83؛ رسالة القديس غريغوريوس النيصصي التي ذكرت في المجامع
المسكونية: الرابع والسادس والسابع, القانون 3؛ مجمع ترولّو، العام 692, القانون
61)، وأن هذه ” العقيدة”، تاليا, لا علاقة لها, في التعليم المسيحي,
بالتضرّع إلى الله من أجل الأخوة الذين سبق رقادهم، فتلك غير ذاك, ولا رابط بينهما
(راجع”رعيتي” 32/1996، حيث خصّصنا مقالة عنوانها: “الصلاة من أجل
الراقدين”). ويعرف المطّلعون أن الكنيسة التي تنهي المؤمنين عن كل الطرائق
الوهمية التي يُراد بها اتّصالا ً حسّياً بالأرواح أو النفوس الراقدة بغية الحصول
” على أخبار أو مساعدات”، هي توصيهم بأن يتّكلوا على الله في كل حال,
ويستلهموا كلمته ليكونوا حكماء ويبلغوا ” الخلاص بالإيمان الذي في المسيح
يسوع ” (2 تيموثاوس 3: 15؛ انظر أيضا لوقا 16: 19-31).

 

ونعرف
قصة استحضار روح النبي صموئيل التي لجأ إليها شاول الملك بعد أن نفى ”
مستحضِري الأرواح والعرّافين من الأرض”، كيف أنه خالف الرب وكلمته, وذلك بعد
أن يئس من الحصول على جواب منه (” سأل شاول الرب فلم يجبه الرب, لا بالأحلام
ولا بالأوريم ولا بالأنبياء “). فسرى متنكراً في رحلة خطرة على مقربة من
معسكر الأعداء في شونم، ليستشير ” امرأة تستحضر الأرواح” في عين دور…
(1 صموئيل 28: 3- 25)، فتسبّب هذا العمل برذله وموته (1 أخبار الأيام 10: 13-14).
وهذا, وما يشبهه: الفن الخاص بالحواة واستخدام العقد والأربطة… كان محظورا على
شعب الله. يقول الرب: ” لا تلتفتوا إلى مستحضري الأرواح, ولا تقصدوا
العرّافين فتتتنجَّسوا بهم ” (أخبار 19: 31؛ تثنية الاشتراع 18؛ خروج 23؛
ارميا 8: 17؛ حزقيال13: 17-23؛ حكمة 4: 12). وذلك لأن الرب أقوى من قوى العالم
الشرير (تكوين41؛ خروج7: 8-24؛ دانيال 2: 4 و5: 14)، وهو يريد شعبه أن يطلبوا منه
وحده كل ما ينفع خلاصهم, وأن يتّكلوا عليه, ويؤمنوا بحكمته… ويعرف قرّاء العهد
الجديد أن الرسل حافظوا على هذا التعليم الإلهي, فرفضوا جميع أنواع السحر وفنونه
(أعمال 8: 9-24, 13: 6-12, 16: 16-18, و19: 11-20, 2 تيموثاوس 3: 8).

 

لقد
بيّنّا أعلاه أن الكنيسة التي تملك إرث الحق تنبذ الخرافات (مناجاة الأرواح
والعرافة), وهذا ينطبق على كل فنّ هجين يحرّف الطبيعة ويشوّه الإيمان, وأعني ما
يفتن العالم اليوم: حظوظ الأبراج التي تطالعنا بها الجرائد والمجلات؛ قراءة الكفّ
أو فنجان القهوة… وتالياً على كل ما يعطي الإنسان اطمئناناً كاذباً لمواجهة
مصائب هذه الحياة ومصاعبها. ذلك أن كل اتّكال على غير الله شرك وضلال. فالله حيّ
وحاضر بقوته

(بالأسرار
المقدسة, والكلمة الإلهية والصلاة…), وفي هذا الحضور – وحده – يمكننا أن نعرف
مشيئته التي دعانا يسوع, في الصلاة الربّية, إلى أن نستسلم لها (قال: صلّوا ”
لتكن مشيئتك”). ويبقى أن المؤمن الحقيقي الذي يأتي من كلمة يسوع هذه: “يكفي
اليوم شرّه”, “وتعالوا إليّ جميعاً أيها المرهَقون المثَقَلون, وأنا
أُريحكم” (متى 6: 34, 11: 28)، لا يخاف الغد وثقله ومتاعبه. ذلك أن ثمّة
فرقاً جوهرياً بين من آمن بالمسيح, وبين الذين يفتّشون عن راحة واطمئنان خارجين
عنه, فالمسيح هو واحة المؤمن في صحراء هذا الوجود, ونوره المكشوف يهدي الصادقين
إلى “الحياة الأبدية” التي هي الله نفسه (يوحنا 17: 3؛ 1 يوحنا 5: 20).
أما المتّكلون على العالم وأوهامه فيخسرون أنفسهم ولا ينتفعون شيئًا.

عيب
السبتيّين إنهم يفسّرون ما لم يفهموه بما يناسب مقاصدهم التي لا تخفى عن الذين
عرفوا الحقّ وآمنوا به. هذا هو الاستخفاف الحقيقي بكلمة الله الذي يَخجل به المسيح
الرب ويدين مروّجيه.

 

السبتيّون أنبياء كذبة

يشوّه
السبتيّون عطايا الروح القدس بادّعاءاتهم الوخيمة, ويتطاولون على الحق بقولهم إن
الكنيسة لم تصل “إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله…”, وهي لا تملك
كل مواهب الروح (بخاصة موهبة النبوّة), وإنهم وحدهم أُعطوا أن يعلنوا أسرار الدهر
الآتي ويتنبّأوا بالمستقبلات (في كتابهم ” إيمان الأدفنتست السبتيّين، شبّه
السبتيّون أنفسهم بيوحنا المعمدان الذي تنبأ عن مجيء المسيح وادّعوا أنهم أُعطوا
أن يتنبّأوا عن مجيئه ثانية).

 

ولا
يخفى أن السبتيّين الذين رأوا أنهم أنبياء بهذا المعنى الذي بينّاه أعلاه اعتقدوا
بأن إلن هوايت (1827-1915) نبية الكنيسة بامتياز (قالوا: إنها ” أوُتيت أكثر
من 2000 رؤيا”، وأن بعض نبوءاتها تمّت، وأن ” بعضها في طريقه إلى أن
يتمّ…). ويعرف من قرأ كتابات هوايت أنها ساهمت شخصيا بهذا الاعتقاد، ذلك أنها
ذكرت مرارا أنها ” تحلم” وأنها “ترى” إلى ما هنالك من أفعال
تدل على أنها تملك موهبة النبوّة – نظير أنبياء التوراة -… ولقد كُتب عنها أنها
لم تكن تجادل الذين ينادونها ب”هذا الاسم”(نبيّة), رغم أنها كانت تفضّل
صفة “رسولة الله”, وتعتبر أن عملها “ينطوي على أكثر بكثير مما
تعنيه كلمة نبي” ويفسّر السبتيّون اعتقادهم هذا بقولهم: “لأن اختباراتها
المسيحية وأحلامها ورؤاها وتنبؤاتها وكتاباتها مرّت كلها بامتحان دقيق وناجح, وهو
الذي كان يميّز أي نبيّ حقيقي من أنبياء الله في عهود الكتاب المقدس القديمة”.

 

ولا
يخفى أن السبتيّين الذين “انتفخوا من الكبرياء” (1 كورنثوس 4: 18)
واتّهموا الكنيسة زورا ً بتهم شتى, لا يقبلون أن يناقشهم أحد بإيمانهم ومفاهيمهم.
ولعل أسخف ما يقولونه, في هذا السياق, هو أن المسيحيين لا يؤمنون بالأنبياء لأنهم
لا يعترفون بهم (السبتيّين). وهذا تشويه للحق ويفترض الرد عليه.

 

ما
لا يحتاج إلى تأكيد أن أنبياء الله تكلّموا بالروح القدس (2 أخبار الأيام 20″
20؛ أفسس 2: 20؛ 2 بطرس 1: 21), ونحن – ليس كما يتوهّم السبتيّون – نعترف بهم
ونؤمن بأن نبوءاتهم ورؤاهم… تحقّقت كلها في المسيح الذي بإتمامه تدبير أبيه ختم
تاريخ البشر (عبرانيي 1: 1-2). ولكننا, والحق يقال, لا نؤمن بأنبياء يدّعون بأن
خلاص الله لم يبلغ تمامه, ويجعلوننا نشعر أن ثمّة شيئا يعرفونه هم ولم يكشفه الله
بابنه يسوع. هؤلاء هم “الأنبياء الكذبة” (متى 24: 11 و24), الذين
“يسلكون سبيل الهلاك” ويتفاخرون بأنهم يحافظون على” المسلّمات
“, وهم, في الحقيقة, يعلّون كلماتهم ومعتقداتهم فوق الله وكلمته الحيّة (اقرأ:
2 تسالونيكي 2: 9-15؛ وأعمال 20: 29-30).

 

ما
من شكّ في أن كتب العهد الجديد طبّقت على كنيسة العنصرة نبوءة يوئيل القائل: “سيكون
في الأيام الأخيرة, يقول الرب, أني أُفيض من روحي على كل بشر, فيتنبأ بنوكم
وبناتكم ويرى شبّانكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاماً. وعلى عبيدي وإمائي أيضا أُفيض من
روحي في تلك الأيام فيتنبّأون…” (يوئيل 2: 28-32؛ أعمال 2″: 16-21).
وهذا, في الحقيقة, كان ردّ بطرس الهامة على المستهزئين الذين قالوا في الرسل (الذي
حلّ عليهم الروح القدس): “إنهم قد امتلأوا سلافة” (2: 13). وهذا التطبيق
يدين تعليم السبتيّين الذين يدّعون أن الكنيسة لم تعطَ الموهبة كاملة (وكأن تدبير
الله لم يتمّ) ويخلطون بين معنى النبّوة في العهد القديم (التي تحققت في يسوع)
وبينه في العهد الجديد, ويريدوننا أن نعتقد بأن الرب انتظر ثمانية عشر قرناً ونيف
بعد تجسده (وهو وقت ظهورهم) حتى يحقّق عطاياه. ويعلم المطّلعون أن مواهب الروح
(النبوءة والرؤى والأحلام…) هدفها “بنيان الكنيسة” في “كل
شيء” فالله وزّع عطاياه على الكل من أجل بناء الكل. وفي سياق الكلام على
“موهبة النبوة” لم يخرج الرسول, في تحديدها, عن هذا الهدف, إذ أنه رسم
أن النبي (في العهد الجديد) هو الذي “يكلّم الناس بكلام يبني ويَحُثّ
ويشدّد” (1 كورنثوس 14: 1-4؛ أعمال 15: 31-32), فالكلام الذي “يبني
ويحثّ ويشدّد” هو كلام يسوع وكنيسته, وليس افتراضات السبتيّين التي هي ضدّ
الله وما كشفه كاملاً بابنه يسوع وذكّرنا به بروحه القدوس. وزيادة في التوضيح أقول
إن أنبياء العهد الجديد هم الذين يعلنون أن الله جعل يسوع (الذي صلبه اليهود)
“ربّا ومسيحاً” (أعمال 2: 36), أي هم الذين يكشفون حقيقة الله التي
كُشفت في ابنه يسوع. هذا هو إنباء الكنيسة في كل زمان ومكان, وهو الذي يميّز النبي
الحقيقي من النبي الكذّاب الذي حذّرنا منه على لسان رسوله, بقوله: “لا تركنوا
إلى كل روح, بل اختبروا الأرواح لتروا هل هي من عند الله, لأن كثيراً من الأنبياء
الكذّابين انتشروا في العالم. ما تعرفون به روح الله هو أن كل روح يشهد ليسوع
المسيح الذي جاء في الجسد كان من الله وكل روح لا يشهد ليسوع لم يكن من الله. ذاك
هو روح المسيح الدجّال الذي سمعتم أنه آتٍ, وهو اليوم في العالم” (1 يوحنا 4:
1 – 3).

 

إن
كنيسة المسيح تحيا في زمن يكثر فيه الغرباء عن الحق والخارجون عليه, وفق عطيّة
الروح الكاملة, ورسالتها أن تحفظ دائما الوديعة سالمة إلى ذلك اليوم الذي سيدين
فيه الله “بيسوع المسيح ما خَفِي (وما ظهر) من أعمال الناس” (رومية 2: 16).

 

هل من حوار مع السبتيّين

قلنا
في مقالة آنفة, إن السبتيّين يعتقدون بأنهم أطهر الناس طهراً, وأنهم “البقية
الباقية” التي “طلّقت” كل التعاليم التي لا تتوافق, حسب زعمهم,
والكتب المقدسة. هذا, وغيره مما يرسمه كبرياؤهم, دفعهم إلى أن يرفضوا كل حوار مع
الكنائس المسيحية, لا مع الكنيسة الشرقية أو الكنيسة الغربية وحسب, وإنما أيضا مع
الكنائس الإنجيلية التي قبلت أن تحاور الكنائس (الشرقية والغربية) وأخذت تتفهم بعض
مواقفها وتعاليمها, فشنّوا عليها أشنع هجماتهم واتّهموها بالانحراف وخيانة الله.

 

هذا
الانغلاق والتعجرف أظهره السبتيّون في غير موضع ومناسبة, وبخاصة في ما خلّفوا من
كتابات هي الأسوأ بما تحمل من تشويه للحقيقة وشتم للغير. فتراهم يطربون بجهلهم(وقد
أثبتنا هذا في غير مقال), ويكيلون للذين ينتمون إلى الإيمان الحقّ التهم فوق
التهم, وكأن الله كلّفهم بأن يجلسوا مكان ابنه الوحيد, قبل نهاية الزمان, ليحكموا
على غيرهم ويدينوا العالم. ولا يخفى أن عداءهم الأكبر هو ضد كنيسة روما (وهذا له
أسبابه التاريخية…), فهم يعتبرون أن “الإثم والظلام الروحي” سادا
“تحت سيادة روما”, وأن بابا رومية هو” نائب الشيطان”
و”ابن الهلاك”…غير أن ما لا يخفى على أحد هو أن السبتيّين, بالقدر
عينه, أعداء الحق وكنيسته في كل مكان.

 

ولا
نزيد شيئا على ما هو شائع إن قلنا إن السبتيّين – نظير بدع كثيرة – يعمدون على
بساطة بعض الناس أو تغرّبهم عن الإيمان الحق….حتى ينفثوا سمومهم. اختصاصهم أن
يصوّروا للناس الأبيض أسود والأسود أبيض. هذا يعني أن يشوّهوا الإيمان الحق
ويبينوا أنهم وحدهم مالكوه. وتجد عندهم كل ما يفصل الناس (الضعفاء أو المهملين) عن
أصولهم, مثالا على ذلك تهجمهم الكبير على الاكليروس: الأساقفة أو الكهنة والرهبان,
(وهذا للأسف يسمعه بعض الناس بانبساط), ومما قالوه جهلا في الرهبنة: “إن
المسيح لا يقدم نفسه مثلا للناس, الرجال منهم أو النساء, ليحبسوا أنفسهم في
الأديرة فيصيروا أهلا للسماء”, وهو “لم يعلم أن المحبة والعطف ينبغي
كبتها”…. وهذا يدل, بوضوح ليس مثله وضوح, على أنهم لم يفهموا تكليف الرب,
ولا قوة الملكوت الآتي التي يعيشها, في هذا الدهر, بعض الذين اختاروا الله سيدا
وحيدا على القلب. إن هذا التشويه المريع والسام سببه الحقد وجهل الحقيقة الخلاصية…,
ويفتخرون بأنهم يحافظون – وحدهم – على تعليم الكتاب المقدس, وهم, من دون أدنى شك,
لم يعرفوا إرادة الله, ولكنهم حبسوا أنفسهم بمفاهيمهم المنحرفة.

 

نحن
أيضا لا نريد أن ندعو السبتيّين إلى حوار, وذلك لأن الهراطقة أعداء الحق لا
تحاورهم, كما يقول الكتاب الإلهي, وإنما تنذرهم مرة أو مرتين, وتعرض عنهم إذا لم
يتوبوا إلى الحق (تيطس 3: 10). فهذا من المسلّمات. وهذا ما قاله بولس الإلهي وأكده
في غير موضع ومناسبة, ونجد أن ما جاء في رسالته الثانية إلى تلميذه تيموثاوس ينطبق
على السبتيّين خير انطباق, يقول: “واعلم إنه سيأتي في الأيام الأخيرة أزمنة
عسيرة يكون الناس فيها… صلفين متكبرين شتامين…. نمامين مفروطين شرسين أعداء
الصلاح, خوانين متهورين. أعمتهم الكبرياء…يظهرون التقوى ولكنهم ينكرون قوتها.
فأعرض عن أولئك الناس” (3: 1 – 5). الحق, إذا, يفرض علينا أن لا نحاور
السبتيّين (وأن لا نسمعهم أو نزور مراكزهم ونقرأ كتاباتهم…), لأن كل حوار يفترض
أن يحترم المتحاورون بعضهم بعضا وأن يقبل كل طرف فرادة الآخر واختلافه عنه, وهم لا
يحترمون أحداً ولا يسمعون إلا أنفسهم ولا يقبلون أن يتراجعوا عن مواقف وتعاليم
منحرفة كثيرة انطبعوا عليها, ولا يهمهم تاليا, الحوار مع أحد, وإنما تشويه الحقيقة
الإلهية التي سلّمها الربّ “دفعة واحدة” للكنيسة. ولا نفتري أن زدنا بأن
السبتيّين – نظير أتباع بدعة “شهود يهوه” – يهود يدّعون أنهم مسيحيون؛
وكل ما يريدونه هو خطف ما تيسر لهم من المؤمنين ليخونوا عهد الله ويزداد الكفر
الذي يعمل الشيطان من أجل أن يكثر ليعظم وَهْم انتصاره.

 

ما
من شك في أن الدينونة هي الله, ونحن ما كنا نريد, في هذه المحاولة, أن ندين
السبتيّين (فهم لهم من يدينهم), وإنما أن نبين أن حمقهم مكشوف “لجميع
الناس” (2 تيموثاوس 3: 9), وأن نذكر المؤمنين بأن الحق الإلهي يفرض على كل
واحد أن يعرف أولا تعليم كنيسته وأن يغرف من كنوزها, وذلك أنه من العيب جدا أن
يصغي الإنسان إلى الغرباء عن الحق, وهم – وأمثالهم – ما كان بمقدورهم أن يتكاثروا
لو لم يتساهل بعضنا بإهماله تراثه المقدس وانتماءه إلى الحق. فلنحذر منهم.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى