علم

كتاب الراعي لهرماس The Shepherd of Hermas



كتاب الراعي لهرماس The Shepherd of Hermas

كتاب الراعي لهرماس The Shepherd of Hermas

يُدرج
كتاب الراعي لهرماس بين كتابات الآباء الرسوليّين، لكنّه في الحقيقة ينتمي إلى
الرؤى الأبوكريفا. هو كتاب رؤيوي قدّم الرؤى لهرماس خلال رمزين سماويّين: الأول
امرأة عجوز كشفت له الرؤى الأربع الأولى والثاني ملاك التوبة ظهر في شكل راعٍ في
الرؤية الخامسة قدّم له الوصايا والأمثال.

هرماس

جاء
في القانون الموراتوري
Muratorian
Fragment on the Canon

الذي يعود إلى القرن الثاني أن هرماس صاحب كتاب الراعي هو أخو بيوس الأول أسقف
روما (١٤٠-١٥٠م)، وارتأى أوريجينوس
[1] أن صاحب
هذا الكتاب هو هرماس المذكور في روميّة ١٦: ١٤.

ما
يقوله صاحب كتاب “الراعي” عن نفسه يصعب فيه التمييز بين ما هو رمز وما
هو حقيقي. يقول عن نفسه أنّه كان عبدًا. بيع في روما إلى سيّدة رومانيّة تسمى روده
Rhoda؛ فأحس في بادئ الأمر بعاطفة الأخوة من نحوها، ثم تطلّع إلى جمالها
فاشتهى أن تكون له امرأة (رؤيا ١: ١). أطلقت سبيله، فاشتغل بالزراعة
والتجارة، فصار غنيًا. تزوّج من امرأة ثرثارة، وأغفل أمر عائلته، فانغمس أولاده في
الشر (رؤيا
١: ٣)، وافتقر بسببهم (رؤيا ١: ٢؛ ٢: ٣؛ ٣: ٦).

يصوّر
نفسه أحيانًا رجلاً فاضلاً عنيفًا بعيدًا عن كل الشهوات الشرّيرة، بسيطًا مجانبًا
للشر (رؤيا
١: ٢)، وأحيانًا أخرى، كاذبًا متكلّمًا بالرياء (رؤيا
٣).

إذ
حدث اضطهاد، تمسّك هو وزوجته بالإيمان، بينما أنكر أولاده الإيمان، وتحمس للتوبة،
فوضع كتابه “الراعي” ليبحث عن التوبة، مظهرًا أن نقاوة الكنيسة في خطر
بسبب استفحال الخطيّة، وأن النهاية قد اقتربت.

ضياع
أولاده لم يحطمه بل أثار فيه الرغبة في الكرازة مشتاقًا أن يراهم تائبين ومعهم كل
نفسٍ بشريّة، وقد فرح بتوبة أهل بيّته فعلاً (مثل ٧: ٤)، كما أعلن له
الملاك أنّه سيعيد إليه حاله الأول الذي كان عليه قبل دماره ودمار أولاده.

تاريخ
كتابته

جاء
في الرؤيا الثانية (٤: ٣) أن الكنيسة قد أمرته أن يُعد نسختين لما
يراه، وأن يضع إحداهما تحت تصرّف إكليمنضس ليرسلها إلى المدن التي في الخارج. هنا
يوجد نوع من التناقض، إذ كيف يمكن أن يكون هرماس أخًا لبيوس أسقف روما الذي لم
يجلس على كرسي روما قبل سنة ١٤٠م بينما كان إكليمنضس واضع
الرسالة إلى كورنثوس أسقفًا من سنة ٩٠ إلى ١٠٠م؟
يعالج البعض هذا التناقض بالقول أن هذا العمل بدأ في زمن إكليمنضس وانتهى في عصر
بيوس
[2].

نظرة
الكنيسة الأولى لكتاب الراعي[3]

توجد
شهادات من القرن الثاني، إذ يستشهد به القدّيس إيريناؤس
[4] والقدّيس
إكليمنضس السكندري
[5] والعلاّمة
أوريجينوس
[6]، وينظرون
إليه كسفر قانوني. ووُجد في المخطوطة الإسكندرانيّة للكتاب المقدّس مع رسالة
برناباس بعد الكتب المقدّسة (ربّما ككتابٍ كنسيٍ هام).

يعترف
العلاّمة أوريجينوس أنّه يوجد في عصره من حطّ من قدر الكتاب. ويجعله يوسابيوس
في عداد الكتب المضادة للكتاب المقدّس
[7]. وأما القدّيس
أثناسيوس
[8] فمع
اعتباره كتابًا نافعًا، إلاَّ أنّه يجعله من الكتب غير القانونيّة.

أما
بالنسبة للغرب فقد اعتبره العلاّمة ترتليان كتابًا يحبّذ الزناة
[9]. ويقول القدّيس
چيروم
[10] أن هذا
الكتاب كان منسيًا في الغرب في القرن الرابع.

سماته

1.
يمكننا القول بأن هرماس كان إنسانًا تقيًا ومتمسّكًا بالإيمان، ثبت وسط الاضطهاد.

2.
لم
يكن هرماس مدرّبًا في العقيدة، وإن كان حسن النيّة. نراه يخلط بين ابن الله والروح
القدس (قابل المثل ٩: ١ بالمثل ٦: ٥).

3.
لم
يكن الكاتب أديبًا، فقد جاءت لغته بسيطة وعاميّة؛ وبالنظر إلى طابعه النبوي نجد
صعوبة إن لم نقل عدم إمكانيّة فهم بعض الأمور. يقتبس الكاتب من الكتاب المقدّس من
غير أن يورد آية بحرفيّتها، كما يقتبس أيضًا من الكتب المنحولة ومن كتب المسيحيّين
والوثنيّين على السواء، ومن اللاتينيّة والكتبة اللاتين. ويُشتم ممّا في الكتاب من
الكلمات والتعبيرات اللاتينيّة أنّه كُتب في بلاد تُستعمل فيها اللغة اللاتينيّة
بجانب اللغة اليونانيّة، ويجوز أن يكون قد كُتب في روما. وبالنظر إلى العبريّة
التي فيه فقد يجوز أن يكون الكاتب من أصل عبراني.

4.
ما أحبّه آباء الكنيسة الأولى فيه ليس فكره اللاهوتي وإنّما تعليمه السلوكي
الأخلاقي وفهمه للحياة المسيحيّة
[11].

5.
كتاب
الراعي غزير المادة، جمّ الفائدة لمؤرّخ الكنيسة في النصف الأول من القرن الثاني.
فإنّنا نلتقي فيه بجميع طبقات المسيحيّين، بالصالحين والأشرار. فهناك أساقفة وكهنة
وشمامسة أتقياء أمناء، وهناك أيضًا كهنة مهملون طامعون وشمامسة أكلوا أموال
الأرامل واليتامى. وفيه يبهر نور الشهداء الثابتين في الإيمان كما ينبو البصر عن
الجاحدين المجدّفين. وفيه المسيحي المخلص، والمرائي، والغني الذي لا يكترث بالفقراء،
والمؤمن الحقيقي الذي يبذل بسخاء، وإهمال بعض المسيحيّين وطمعهم وتمسّكهم بحطام
الدنيا. يعتبر هذا الكتاب أشبه بمراجعة كنيسة روما لنفسها أو فحصها ذاتيًا
[12].

الخطوط
العريضة لكتاب الراعي

يحوي
كتاب الراعي ثلاث مجموعات: خمس رؤى، واثنتي عشر وصيّة، وعشرة استعارات أو أمثال أو
تشبيهات
similitudes، غير أن واضع الكتاب يقدّم تقسيمًا آخر وهو:

1.           
القسم الأول يحوي الأربع رؤى الأولى التي
أعلنتها الكنيسة له.

2.           
القسم الثاني يبدأ بالرؤيا الخامسة حيث يقدّم
الراعي الوصايا والأمثال، وهو القسم الأطول والأهم.

الرؤى
الخمس

تظهر
الكنيسة في أربع رؤى متعاقبة:

في
الرؤيا الأولى تظهر الكنيسة كامرأة عجوز ضعيفة جالسة على كرسي،
تحضّه على التوبة عن خطاياه وخطايا عائلته.

في
الرؤيا الثانية تستعيد الكنيسة قوّتها. رأى المرأة تنتصب على
قدّميها بوجه أكثر فتّوة وإشراقًا، إلاَّ أن جسدها وشعرها كانا جسد وشعر امرأة
مسنة. إن هذا يشبه المثل الآتي: إنسان شيخ أقعدته همومه وأحزانه واستولى عليه
اليأس، وكان ينتظر يومه الأخير تخلّصًا من اليأس الذي استولى عليه، وفجأة سقطت
عليه ثروة لم يكن يحلم بها، وبسبب هذه الثروة نسي ضعفه، وسرت فيه الحياة من جديد،
وتجدّدت قواه التي أنهكتها الأشغال السابقة، فخرج من سريره فرحًا، ووقف على قدميه.
كذلك أنت عندما تسمع إعلان المخلّص لك. فقد تراءف بك وتحنن عليك، وعادت إليك
القوّة بعد أن طرحت الضعف جانبًا، وتركّزت في الإيمان…

في
الرؤيا الثالثة ظهرت المرأة شابة فرحة وجميلة، كان شكلها رائعًا.
كما أن إعلان الخير ينسي الرجل الحزين أحزانه وأتعابه الماضية، ولا يفكر إلاَّ في
البشارة الجديدة، فتعود إليه كل القوى التي تفعل الخير ويشعر بأن روحه قد عاد
إليها الشباب بالفرح الذي انتابه. كذلك أنت، قد شعرت بأن الشيبوبة قد عادت إلى
نفسك لدى رؤيتك هذه الخيرات. إذا كنت قد رأيتها جالسة على مقعد فإنّها أرادت أن
تبرهن على رسوخ مركزها وثباته
[13].

يلاحظ
في هذا التفسير الآتي:

1.    
عدم الفصل بين الحياة الشخصيّة وحياة الجماعة،
أو بين حياة العضو وحياة الكنيسة. عندما يسقط الإنسان تبدو الكنيسة وكأنّها امرأة
مسنة لا تقوى على الوقوف؛ وحينما يقبل نعمة الله ووعوده يتجدّد شبابها. حياتنا
متلاحمة معًا بكوننا جسد المسيح الواحد، ما نمارسه أو نفكر فيه إنّما هو لحساب
الجماعة كلّها.

2.    
تركّز الرؤى على الرجاء أو اليأس، فالخطيّة
تحطّم نفس الإنسان وتدخل به إلى اليأس، فينهار رجاؤه وشبابه، مشتهيًا الموت؛ أمّا
نعمة الله، فتبعث الرجاء، وتجدّد مثل النسر شبابه.

3.    
المظهر الخارجي لا يكشف عن تمام الحقيقة،
فالعجوز جالسة على مقعد والفتاة أيضًا، الأولى تجلس إذ هي عاجزة عن الحركة أو
القيام بعملٍ ما، والثانية تجلس كمن يحكم، ثابتة في حياتها، صاحبة سلطان.

4.     التحوّل
من حالة الشيخوخة إلى الشبوبيّة إنّما يعني أن المخلّص يخلق أو يعيد خلقتنا
بالميلاد الجديد. فالحاجة لا إلى إصلاح جزئي بل إلى الحياة الجديدة.

5.    
يرى البعض[14] أن التحوّل
السريع من الشيخوخة إلى الشبوبيّة في حياة المؤمن يعني أن الشر ليس متأصلاً بعمق
شديد كما نظن، وأن هذا الانطباع يتثبّت بالأكثر في بقيّة الكتاب. فالمسيحي بالتوبة
– المعموديّة الثانية – يتجدّد ذهنه يوميًا فلا يشيخ، وإن كان قد شاخ يعود إلى
الحياة الشابة من جديد!

في
الرؤيا الثالثة تطل الكنيسة (السيّدة الشابة) على هرماس لتريه برجًا عاليًا
في طور البناء، فتظهر أن الكنيسة تصير مُثلى في الاهتمام بالقريب، غير أن كل حجر
لا يصلح للبناء يُرذل، هكذا كل خاطئ يُمنع من الشركة الحقيقية في الكنيسة ما لم
يتب، خاصة وأن الوقت مقصّر.

في
الرؤيا الرابعة يظهر تنين قبيح مُرعب فوق رأسه أربعة ألوان: أسود وأحمر
ناري وذهبي وأبيض يرمز إلى الأخطار والاضطهادات المحدقة. لكنّه لا يؤذي المؤمن
الثابت في إيمانه. ويظهر وراء التنين الكنيسة في هيئة عروس جميلة متوَّجة رمز
السعادة والتطويب للمؤمنين وضمان قبولهم في الكنيسة الخالدة المقبلة.

يقول:
[بعد أن اجتزت التنين بثلاثين خطوة إذا بفتاة مزينة كأنّها خارجة من عرسٍ يوشحها
البياض، وتنتعل حذاءً أبيض، وتغطي رأسها حتى الجبين، وتلبس فوقه تاجًا، وكان شعرها
أبيض… فغمرتني رؤيتها فرحًا، فصافحتني… وقالت: “ألم تلتقِ بشيء في
طريقك؟” قلت: “نعم. لقد التقيت بتنّين يمكنه أن يهدم مدينة، إلاَّ أنّني
نجوت منه بقدرة الله ورحمته”. فقالت: “إذا كنت قد نجوت، فلأنّك ألقيت
همومك على الله، وفتحت له قلبك، وآمنت أن لا خلاص لأي إنسان إلاَّ بواسطة اسمه
العظيم. لذلك أرسل الله ملاكه الموكّل إليه أمر الحيوانات، المُسمى ثاغري، ولجّم
فمه حتى لا يقضي عليك، لقد نجوت بإيمانك من نكبة عظيمة، فلم تتزعزع أمام وحشٍ
هائلٍ كهذا. اذهب وفسّر لمختاري الله أعماله المجيدة، وقل لهم أن هذا الوحش هو
صورة للأحزان المستقبلة العظيمة. استعدّوا وتوبوا من أعماق قلوبكم… آمنوا
بالمخلّص أيها المؤمنون المتأرجحون…”

سألتها
عن الألوان الأربعة فوق رأس الحيوان، فأجابتني قائلة…

“الأسود
هو العالم الذي تسكن فيه.

أما
الناري الدموي فإن العالم سيهلك بالنار والدم.

أما
الجزء المذهب فهو أنتم الذين تهربون من هذا العالم؛ فكما أن الذهب يُختبر بالنار
ويصبح صالحًا للاستعمال، كذلك أنتم الذين تقطنون هذا العالم تُختبرون…

أما
الجزء الأبيض فإنّه الدهر الآتي الذي يقطنه مختارو الله، لأن المختارين للحياة
أبديّة يكونون طاهرين بلا دنس.] (رؤيا 4: 2، 5)

في
الرؤيا الخامسة يظهر ملاك التوبة في ثوب راعٍ يدبر أمور التوبة، ويضمن
نتائجها، ويعلن عن الوصايا الواجب حفظها.

هنا
نلاحظ أن ملاك التوبة لم يظهر لهرماس إلاَّ بعدما تمتّع برؤية الكنيسة الشابة
الجميلة الغالبة للتنّين، المتوّجة بإكليل النصرة، المتوشّحة بالقداسة (البياض)،
المنتعلة بحذاء أبيض، أي تسلك الطريق الملوكي بالنقاوة، المحتشمة (تغطي رأسها حتى
الجبين)، الحكيمة (شعرها أبيض)… هذا المنظر بعث فيه فرحًا يسنده على قبول
الوصيّة والجهاد من أجلها في الرب.

لا
يستطع المؤمن أن يحب الوصيّة، ويتقبّلها بفرح، ما لم يكتشف الحياة الكنسيّة
المجيدة الغالبة للشر، والحاملة قداسة مسيحها. وكأن الوصيّة ليست أوامر ونواهٍ،
إنّما هي الطريق الملوكي الذي فيه ننعم بمسيحنا واهب الغلبة والحياة المقدّسة.

الوصايا
الاثنتا عشرة

1.           
الإيمان بالله الخالق وخشيته التي
تبعث التعفّف.

2.           
البساطة وعدم النميمة وعدم
الانشقاق وحب العطاء.

3.    
الصدق أو الحق: الله الساكن
فينا هو الحق! [أحبب الحق، ولا ينطق فمك إلاَّ به، ليرى الناس جميعًا حقيقة الروح
الذي أسكَنه الله فيك، وهكذا يتمجّد الرب الساكن فيك، لأن الله حق في كل أقواله،
وليس فيه كذب قط.] (وصية 3: 1)

4.    
طهارة المتزوجين: [إذا اكتشف
(الزوج) أن (زوجته) تزني، ورفضت أن تتوب، فإنّه يكون شريكًا معها في زناها
وخطيّتها إن عاش معها.] (وصية 4: 1، 5)

5.    
طول الأناة: [إن كنت طويل الأناة،
فالروح القدس الذي يسكن فيك يبقى نقيًا ولن يزورك فكر شرّير قط. إن كان قلبك
طاهرًا، فالروح الذي فيك يبتهج ويتهلّل، إذ يعمل في سعة بيتك الذي تحكمه البساطة
بصفاء، أمّا إذا دخله الغضب، فينزعج الروح القدس المملوء رقّة بتلوّث المكان الذي
يعيش فيه ويحاول مغادرته… طول الأناة يفوق العسل حلاوة.] (وصية 5: 1: 2-6)

6.    
السلوك في طريق العدل لا الظلم: [يصحب
الإنسان ملاكان، ملاك العدل وملاك الشر… عندما تشعر بالتذمّر والمرارة فاعلم أن
الشيطان يسكن فيك… فابتعد عنه ولا تصدّقه، لأن أعماله تضر عبيد الله.] (وصية 6:
2: 1، 5، 6)

7.    
خف الله لا الشيطان: [اخش الرب
واحفظ وصاياه التي تقوّيك في كل أمورك، فلا يكون مثيل لأعمالك… لا تخف الشيطان
إذا خشيت الرب، فإن خشيتك لله تعطيك سلطانًا على الشيطان.] (وصية 7: 1-2)

8.           
اصنع الخير وكف عن الشر: [إن فعلت
الصلاح تحيا في الله، ويحيا أيضًا الذين يفعلون الخير مثلك.] (وصية 8: 12)

9.    
الكف عن الشك: [إذا تسلّل
الشك إلى قلبك لن تنال شيئًا… أما الذين يطلبون واثقين فإنّه ينالون ما يريدون،
لأن صلاته تخلو من التردّد والشك.] (وصية 9: 5-6)

10.  
الكآبة: [اطرد عنك الحزن
(الكآبة)، فإنّه شقيق الشك والغضب.] (وصية 10: 1: 1) [الروح القدس القاطن فيك لا
يحتمل الكآبة ولا الانزعاج.] (وصية 10: 2: 6) [الكآبة إذا امتزجت بالصلاة، يمنعها
من الصعود نقيّة.] (وصية 10: 3: 3)

11.       الأنبياء
الكذبة:
التواضع يميّز النبي الصادق من النبي الكذاب (وصية 11: 8).

12.  
ترك الشهوات الشرّيرة: [قبل كل شيء
إياك واشتهاء امرأة غريبة والترف والتنعّم بالباطل والسكر وكل شهوة أو لذّة
صبيانيّة. الشهوة الشرّيرة إذا رأتك مسلحًا بخوف الله تُولي هاربة، ولا تجسر قط أن
تظهر أمامك إذا رأتك مستعدّا لمقاومتها، حينئذ يتوّج رأسك بإكليل الظفر. اقترب من
الرغبة الصالحة… وكرّس نفسك لها، وضع نفسك تحت تصرفها، وهكذا تستطيع أن تسيطر
على الشهوة الشرّيرة، وتتحكّم بها بإرادتك.] (وصية 12: 2: 1-5)

[يجيد
الشيطان الصراع، لكنّه لا يغلب إذا صمدتم في وجهه، بل ينحدر ويهرب خجلاً. الأشخاص
الفارغون هم الذين يخافون الشيطان كقوّة.] (وصية 12: 5: 2)

[لا
تخافوا مطلقًا تهديدات الشيطان، فإنّه مشلول كأعصاب ميّت.] (وصية 12: 6: 2)

الأمثال
أو التشبيهات
similitude

جاءت
الخمسة أمثال الأولى من نوع الوصايا.

المثل
أو
التشبيه

الأول: التغرّب.
[إنكم تعلمون يا عبيد الله أنكم تقطنون أرضًا غريبة، وأن
بلدكم بعيد جدًا وليس ههنا… فلماذا تقتنون الأراضي الشاسعة والقصور والأبنية
والمساكن ما دمتم تعرّفون أن المدينة التي ستستوطنونها ليست هنا؟! من يهيئ نفسه
لهذه الحياة يصعب عليه أن يعود إلى مدينته الحقيقيّة.] (الأمثال 1: 1-2)

المثل
أو
التشبيه

الثاني: الكرمة وشجرة الدردار
(محبّة الفقراء).

المثل
أو
التشبيه

الثالث: الأشجار العارية في الشتاء.
[الأشجار التي تراها هم
سكان هذا العالم… لأن الصدّيقين والخطاة لا يتميّزون في هذا العالم بل جميعهم
يتشابهون. هذا العالم بالنسبة للصدّيقين هو بمثابة الشتاء، ولا يتميّزون عن الخطاة
الذين يسكنون معهم. ففي الشتاء تفقد الأشجار أوراقها وتصبح متشابهة تمامًا، ويصعب
التمييز بين الأشجار الميّتة والأشجار الحيّة.] (الأمثال 3: 2: 3)

المثل
أو
التشبيه

الرابع: تمييز الأشجار في الصيف.
[كما أن ثمار الأشجار تظهر في الصيف،
وتعرف كل شجرة من ثمارها، كذلك سيُعرف الصدّيقون المثقّلون بأوراق تعطي ظلاً من
ثمارهم. أمّا الوثنيّون والخطاة الذين ترمز لهم الأشجار اليابسة، فسيظهرون في
الدهر الآتي على حالتهم. يابسين عقيمين، ويُلقى بهم في النار كالخشب اليابس، لأن
أعمالهم كانت شرّيرة.] (الأمثال 4: 3: 4)

المثل
أو
التشبيه

الخامس: مفهوم الصوم الحقيقي.
[اسمع. فإن الله لا يريد صومًا باطلاً كهذا الصوم؛ إن صمت هكذا
فأنت لا تعمل شيئًا للبرّ. صُم للرب هكذا: لا تصنع الشر، واخدم بقلب نقي، واحفظ
وصايا الله، وسِرْ حسب أوامره، ولا تترك للشهوة الشرّيرة منفذًا في قلبك، وثق بالله،
فإن فعلت هذا، وخشيت الله، تكون قد صمت صومًا عظيمًا مقبولاً لدى الله.] (الأمثال
5: 1: 4-5)

تحدّث
أيضًا عن الطهارة: [احفظ جسدك طاهرًا بلا دنس حتى ينال شهادة الروح القدس
الساكن فيه.] (الأمثال 5: 7: 1)

الأربعة
أمثال
أو
التشبيهات

التالية
(٦-٩) تعالج بشيء من التفصيل موضوع التوبة، بينما في المثال الأخير
(١٠) يعود فيظهر البرج مرّة أخرى، ويعلّم ملاك التوبة هرماس أن ينقّي
عائلته من كل شر، وأن ينصح كل أحد بالتوبة.

المثل
أو
التشبيه

السادس: حوار بين ملاك الشهوة والخداع وملاك العقاب في ثوبي راعيّين.

المثل
أو
التشبيه

السابع: هرماس يتألّم بسبب خطايا عائلته.

المثل
أو
التشبيه

الثامن: شجرة الصفصاف وعمل النعمة.

أراه
الراعي شجرة صفصاف كانت تظلل سهولاً وجبالاً، وقد اجتمع تحتها كل الذين دعوا باسم
المسيح. وكان ملاك الرب العظيم بقامته الفارعة يقف تحت الشجرة وفي يده منجل، وكان يقطع
به أغصانًا، ويوزّعها على الجمع المحتشد تحت ظلالها. وكانت الأغصان صغيرة لا
تتجاوز طول الشبر. وبعد أن استلم الجميع أغصانه وضع ملاك الرب المنجل جانبًا، وظهر
الشجرة كأنّها لم تمس.

شجرة
الصفصاف – كما قال ملاك التوبة – هي الناموس أو ابن الله، ربّما قصد بها كلمة
الله
أو الوصيّة المكتوبة، أو كلمة الله المتجسّد، فإن كل مؤمن بالكلمة
المتجسّد يكون كمن تمتّع بغصن، ويلتزم أن يبقى أمينًا في إيمانه بالحياة
الإنجيليّة الحيّة.

وملاك
الرب العظيم هو رئيس الملائكة ميخائيل، الموكل إليه حفظ إيمان الكنيسة.

جاء
وقت استلام الأغصان وفحصها بدقّة، فماذا وجد؟

1.
أُعطي لمن كانت أغصانه يانعة ومثمرة أكاليل كأنّها مصنوعة من أغصان النخيل على
رؤوسهم وأُدخلوا في البرج، هؤلاء هم الذين صارعوا الشيطان وغلبوه، وتحمّلوا الموت
من أجل الوصيّة، فتمتّعوا بإكليل النصرة.

2.
الذين
قدّموا أغصانه يانعة دون ثمر أرسلهم إلى البرج بعد ختمهم بخاتم، وهناك صاروا
يلبسون ثيابًا بيضاء كالثلج، هؤلاء هم الذين طبقوا الناموس وتحمّلوا اضطهادات ولم
ينكروا اسم المسيح.

3.
سلّم
الملاك العظيم لملاك التوبة بقيّة الجموع ثم غادر المكان، وصار ملاك التوبة يفحص
أغصانه فوجدها هكذا:

أ.
البعض يابسة دون أن ينخرها السوس.

ب.
البعض نصف يابسة (المتردّدون الذين هم ليسوا أحياء ولا أموات).

ج.
البعض نصف يابسة ومشقّقة (المتردّدون النمامون).

د.البعض
نصف خضراء مشقّقة (مؤمنون لكنّهم يطلبون المجد الباطل).

ه.
البعض نصف خضراء ونصف يابسة (المنغمسون في الزمنيّات).

و.
البعض خضراء بثلثيها والثلث الباقي يابس (الذين أنكروا الإيمان أحيانًا وأعلنوه
أحيانًا).

ز.
البعض يابسة بثلثيها والثلث الباقي أخضر (الذين بعد قبولهم الإيمان عادوا إلى طريق
الأمم).

ح.
البعض خضراء كلّها إلاَّ القليل من أطرافها (المؤمنون الذين سقطوا عن ضعف).

ط.
البعض يابسة إلاَّ قليل من طرفها أخضر (المؤمنون الذين يصنعون الإثم لكنّهم
يفتخرون باسم الله ويستقبلون خدام الله بفرح).

أخذ
ملاك التوبة من الناس الأغصان وزرعها في الأرض مترجّيًا أن تعود إليها الحياة
بالتوبة، وصار يسقيها، لأن الخالق يريد الحياة لكل من تسلّم غصنًا من هذه الأغصان.

جاءت
الجماعات مصطفّة حسب ترتيب تسليمهم الأغصان، وعاد يفحص الأغصان، البعض عادت إليها
الخضرة، والأخرى أكلها السوس؛ البعض صار بها براعم ثمر والأخرى بقيت عقيمة…

سأل
هرماس: لماذا لم يتب الجميع؟ فأجابه ملاك التوبة: [يعطي الله روح التوبة للقلوب
التي تنتقي وتتطهّر، أمّا الخبيثة فتكون توبتها مرائيّة، ولن يعطيّها روح التوبة،
لئلا تهين اسمه.] (الأمثال 8: 6: 2)

المثل
أو
التشبيه

التاسع: الكنيسة كبرجٍ عجيبٍ

قاد
ملاك التوبة هرماس إلى جبل أركاديا، وهو جبل لولبي، وأجلسه فوق القمة، وأراه سهلاً
عظيمًا تحيطه دائرة من اثنى عشر جبلاً، ولكل جبل شكل خاص به. هذه الجبال تمثّل
اثنى عشر سبطًا يقطنون كل العالم
، كرز لهم الرسل بابن الله، أي تشير إلى
الكنائس المحليّة المنتشرة في العالم، لها ثقافاتها الخاصة وطقوسها الخاصة، لذا
ظهرت الجبال مختلفة الشكل، التي ربّما تشير إلى المؤمنين الذين بينهم من هم أمناء،
ومنهم من هم غير أمناء.

v           
جبل أسود (المؤمنون الذين جدَّفوا على الرب
وخانوا خدامه).

v           
جبل عارٍ لا عشب فيه (المراءون ومعلّمو الفساد).

v           
جبل مليء بالأشواك والعُلّيق (الأغنياء
المرتبكون بهموم العالم).

v    
جبل نصفه مملوء عشبًا؛ وكانت رؤوس الأعشاب
خضراء، والقسم القريب من الجذور يابسًا، وكانت الحرارة تُيبّس بعض الأعشاب
(المرتدون الذين يشهدون للرب بأفواههم، أمّا قلوبهم فبعيدة عنه).

v           
جبل معشب ووعر (المؤمنون العصاة المعجبين
بأنفسهم كمعلّمين).

v           
جبل مليء بالحفر الصغيرة والكبيرة، فيها عشب
ذابل (الحاقدون).

v           
جبل مليء بالأعشاب النضرة، ترعى فيها الحيوانات
فيزداد نضارة وبهاءً (البسطاء الراضون عن خدام الله المملوءون رحمة وحبًا).

v           
جبل مليء بالينابيع، تشرب منها مخلوقات الله
(الرسل والمعلّمون).

v           
جبل بدون ماء، فيه زحافات ميّتة (الشمامسة
السالبون ما لله).

v           
جبل عليه أشجار كبيرة تستظل تحتها قطعان الغنم
(الأساقفة الأمناء).

v           
جبل مُغطى بغابة كثيفة من الأشجار المثمرة شهيّة
(المتألّمون لأجل الله).

v           
جبل أبيض يبعث في النفس بهجة وعذوبة (المؤمنون
البسطاء كأطفالٍ أبرياء).

هذه
صورة الشعب المسيحي بين الأمم، منهم البعض مثل جبل أسود، والبعض مثل جبل أبيض؛
منهم من يحمل ثمار الروح الشهيّة، ومنهم من هو عقيم؛ منهم ما بهم ينابيع نعمة الله
المُروية للنفوس، ومنهم ما يقتله الجفاف الروحي الخ.

أراه
أيضًا صخرة بيضاء كانت تقوم مرتفعة في وسط السهل، وكانت الصخرة أعلى من الجبال
ومربّعة، تستطيع أن تسع العالم. كانت الصخرة قديمة وبابها محفور في أحد جوانبها،
وقد ظهر له الباب محفورًا حفرًا حديثًا. كانت الصخرة أكثر لمعانًا من الشمس، حتى
أثارت أشعتها إعجابه. الصخرة القديمة هي ابن الله الأزلي، صخر الدهور الذي يسع
العالم كلّه ككنيسة مقدّسة يحملها بذراعيه، أمّا الباب الجديد فيشير إلى تجسّده،
به ندخل إليه، وننعم بخلاصه، ونحيا في ملكوته.

كان
حول الباب اثنتا عشر عذراء: أربعة منهنّ، وهنّ أجملهنّ، كن يقمن عند
الزوايا، أمّا الباقيات فكنّ يقفن بين كل زاويتين، اثنتين اثنتين، وكنّ يلبسن
لباسًا من الكتّان، ويأتزرن مآزر جميلة، وكانت أكتافهنّ عارية كأنّها أُعدّت لحمل
شيء ما، وكن يقفن مستعدّات فرحات.

العذارى
الواقفات عند الزاويّة هن: الإيمان والعفّة والقوّة وطول الأناة؛ أمّا الواقفات
بينهن فهن: البساطة والبراءة والنقاوة والصفاء والحقيقة والفطنة والتصافي
والمحبّة. من حمل هذه الأسماء مع اسم ابن الله يمكنه أن يدخل ملكوت السماوات.

كان
المشهد مثيرًا ورائعًا، ومحيرًا، فقد رأى العذارى الرقيقات اللواتي يقفن بنعومتهنّ
وقفة رجوليّة كأنّهن يتهيّأن ليحملن السماء كلّها (٩: ٢: ٥).
هكذا تتمتّع نفس المؤمن الحقيقي برقّة شديدة ولطف زائد، فتكون كمجموعة من العذارى
الجميلات الرقيقات، لكنها تحمل قوّة وتسلك بحزم وفي وضع كمن يحمل السماء عينها!
إنّهن تحملن صورة ابن الله وسماته الوديع كل الوداعة ليجتذب الخطاة بحبّه
اللانهائي، حازمًا ضدّ الشر، يقتل إبليس ويهدم سلطانه.

رأى
أيضًا ستّة رجال مقبلين بقامتهم الطويلة ومشيتهم الرصينة وهيئتهم
المتشابهة، وقد استدعوا عددًا من الناس طوال القامة مشرقي الطلعة أقوياء. وأمرهم
الستّة أن يبنوا فوق الصخرة وفوق الباب برجًا. هؤلاء الرجال هم الملائكة المحيطون
بابن الله، ثلاثة عن اليمين وثلاثة عن اليسار، يحثّون المؤمنين للعمل الكنسي،
لبناء كنيسة الله على الإيمان بالمسيح الصخرة والباب.

كانت
العذارى يطلبن من الرجال أن يسرعوا لبناء البرج، وكن يمددن أيديهن لمن
يردن أن يتسلّمن شيئًا
.

بناء
على أمر الرجال الستّة اقتلع الرجال عشرة حجارة مربّعة برّاقة غير منحوتة،
استلمتها العذارى، وحملن إيّاها إلى الرجال الذين أوكل إليهم بناء البرج. هذه
الحجارة اُستخرجت من أعماق البحر، وتعاونت العذارى معًا على حملهن حجرًا حجرًا.
هذه الحجارة هي الجيل الأول من المؤمنين الذين كانوا يُحملون من البحر كمن
يُنتزعون من الطبيعة الميّتة، ويدخلون بالإيمان بابن الله مع سلوكهم الحياة
المقدّسة الجديدة (العذارى) إلى بناء ملكوت الله الروحي أي إلى الكنيسة.

كان
بناء البرج يتم فوق الصخرة وفوق الباب، وقد تغطت الحجارة كلّها بتلاحمها معًا فوق
الصخرة التي صارت أساسًا للبرج. وبعد الحجارة العشرة استخرج من الأعماق خمسة
وعشرون حجرًا دخلت في البناء كما حدث مع العشرة حجارة؛ ثم خمسة وثلاثون ثم أربعون،
وهكذا أصبح أساس البرج مؤلفًا من أربعة صفوف. توقف استخراج الحجارة من
الأعماق، وتوقّف البناءون قليلاً عن البناء، ثم أمر الرجال الستّة جموع الفعلة
بجلب الحجارة للبناء من الجبال. فانطلقوا يحملون حجارة مختلفة الألوان، وكانوا
ينحتونها ويسلّمونها للعذارى اللواتي كن ينقلنها من الباب ويسلّمنها لبناء البرج.
وعندما كانت هذه الحجارة تُوضع في مكانها من البناء تفقد ألوانها وتصبح كلّها
بيضاء. إنّها تمثّل الكنيسة التي تصبح قلبًا واحدًا نقيًا وبهيًا في المسيح يسوع.

الحجارة
التي لم تتسلّمها العذارى لم تدخل من الباب، ولم تكن ملائمة للبناء، بلا بهاء، ولم
يتغيّر لونها إلى الأبيض الناصع.

توقّف
العمل قليلاً وبقيت العذارى حارسات البرج حتى يأتي صاحب البرج، فقبلته العذارى
ودرن معه حول البرج. صار يفحص البرج بدقّة متحسّسًا كل حجر، وكان يضرب بعضها
بعصا في يده
، فكان بعضها يسوَّد والبعض يتفتّت أو يتشقّق أو يُبتر، وظهر البعض
أنها ليست بلونٍ أبيض ولا أسود، وظهرت حجارة إنّها خشنة لا تصلح للبناء والبعض
ملطّخة… هذه حجارة لا تصلح للبناء، نُزعت عن البرج واستُبدلت بغيرها، أتوا بها
لا من الجبال بل من سهلٍ مجاور. حفروا السهل، فعثروا على حجارة لامعة مكعّبة
وبعضها مستدير. هؤلاء هم الأغنياء الذين عاشوا حياة سهلة لكنّهم لم يتركوا الإيمان
ولم يخرج من فمهم كلمة بطّالة، إذ نُزع عنهم حب الغنى صاروا حجارة حيّة لامعة
في بيت الرب
.

بعض
الحجارة الكرويّة احتاجت إلى نحتها لتوضع في البناء. وهكذا نرى صاحب البرج
يشتاق أن يستخدم كل حجر في البناء
، لكن الحجارة التي لا تستجيب تُرذل، ويُلقى
بها بعيدًا عن البرج.

جاء
ملاك التوبة بعد يومين لتنظيف المكان
خارج البرج، فكان يلقي
كل حجر لا يدخل في البناء بعدما يبذل كل الجهد لتسليم كل حجر للعذارى الست حتى
المفتت والمشقّق لعلّه يصلح في البناء.

المثل
أو
التشبيه

العاشر: ينبّه ملاك العقاب هرماس وعائلته بالتوبة
، معلنًا أن العذارى
فرحات بوجودهنّ عنده، وأنّه ينصحهنّ ألاَّ يتركن بيت هرماس فقبلت العذارى النصيحة
فرحات.

أفكاره

1. التوبة

جاء
في الوصيّة الرابعة حوار بين هرماس وملاك التوبة عن موضوع التوبة وغفران الخطايا
بعد نوال المعموديّة.

[قلت:
أيمكنني يا سيّدي أن أسألك سؤالاً آخر؟

قال:
تكلّم.

قلت:
سمعت بعض المعلّمين يقولون أنّه ليس هناك توبة (عن جحد الإيمان) غير التي نلناها
عند المعموديّة حيث نلنا غفران الخطايا السابقة.

فقال
لي: ما سمعته صحيح. وهذا هو الواقع، فالذي نال مغفرة الخطايا يجب عليه ألا يخطئ،
بل يبقى في النقاوة… إني أقول لك أن الإنسان يخطئ خطيّة عظيمة إذا وقع في
التجربة بعد تلك الدعوة العظيمة الشريفة؛ للإنسان توبة واحدة؛ ولكنّه إذ يخطئ
المرّة بعد الأخرى، فالتوبة غير مفيدة[15].]

ا.
يلاحظ هنا أن ملاك التوبة يفتح باب التوبة أمام الساقطين بعد العماد في خطيّة
عظيمة، ربّما عني بها جحود الإيمان وقت الضيق والاضطهاد حيث ثارت في الكنيسة
مناقشات كثيرة حول إمكانيّة قبول توبتهم؛ لكنّه يضع أمام التائبين فرصة نهائيّة، فلا
تُستغل طول أناة الله ومراحمه للسقوط المتكرّر
.

هنا
لا يتحدّث ملاك التوبة عن السقوط في الضعفات التي يئن منها الجميع، إنّما
عن خطايا معيّنة تمس إيمان الإنسان أو قدسيّة حياته بأكملها[16].

ب.
تحمل التوبة سمة “الجامعيّة” فلا يُستبعد خاطئ ما منها، لا يُستبعد
الإنسان الدنس أو الجاحد، وإنّما يُستبعد فقط من يصرّ على عدم التوبة.

ج.
يلاحظ هنا أن التوبة تترجم إلى عمل، أو إلى حياة إيمانيّة عاملة. التائب
حجر حيّ تتلقّفه الاثنتا عشر عذراء اللواتي هن: الإيمان والعفّة والقوّة وطول
الأناة والبساطة والحب الخ[17]. أمّا
غايتها فهو التمتّع بالعضويّة الكنسيّة الروحيّة، البناء الأبدي القائم على السيّد
المسيح الصخرة المتّسعة لكل البشر، والباب المفتوح لكل تائب[18].

د.
التوبة حياة شخصيّة
خفيّة وليست مجرّد ممارسات ظاهرة. هذه الحياة لا
تُختبر خارج الحياة الجماعيّة الكنسيّة
. فالمؤمن يبقى حجرًا لا قيمة له، ولا
يتغيّر لونه إلى البياض والبهاء ما لم تدخل به العذارى إلى البرج ليصير مع إخوته
بناءً مترابطًا وبهيًا.

في
المثل
أو
التشبيه

التاسع يبرز أنّه لا مكان للمؤمن في البرج أي في الكنيسة بدون توبة، وأيضًا
لا خلاص إلاَّ بالدخول في البرج. كأنّه بالتوبة نتمتّع بالحياة الكنسيّة الحقيقية،
وبالحياة الكنسيّة نخلص من الخطيّة وننعم بحياة القداسة المجيدة.

2. الإيمان بالثالوث

لم
يذكر هرماس قط اسم “يسوع المسيح”، بل دائمًا يدعوه ابن الله أو السيّد،
كما خلط في في المثل
أو التشبيه التاسع بين الروح القدس وابن الله، إذ يقول له
ملاك التوبة: [أريد أن أريك كل ما أظهره لك الروح القدس الذي خاطبك باسم الكنيسة،
هذا الروح هو ابن الله[19].] وفي مثل
٥: ٦: ٥-٧ جعل الروح القدس الخالق متجسّدًا…

هكذا
حدث لبس في نظرته للثالوث، ما لم يكن الخطأ في النساخة منذ عصر مبكر.

3. الكنيسة

1.     كتاب
“الراعي” هو دعوة حارة للتوبة، فهو في الحقيقة دعوة للدخول إلى العضويّة
الكنسيّة حيث جماعة التائبين المتمتّعين بنعمة الله وعمله الخلاصي. رأينا في في
المثل
أو
التشبيه

التاسع على وجه الخصوص كيف نزع ابن الله، صاحب البرج، من كنيسته الحجارة غير
اللائقة، ولم يقبل عودتها لتكون جزءً لا يتجزّأ من البناء بطريق آخر غير التوبة
العمليّة والمستندة على ابن الله، الصخرة المتّسعة لكل البشر.

2.           
الكنيسة – عند هرماس – هي أول المخلوقات، لم
يُخلق العالم إلاَّ لأجلنا[20].

3.     لا
يتجاهل هرماس ضعفات الكنيسة، بل يتحدّث عنها بإسهاب في الرؤيا الثالثة، ومع وجود
هذه الضعفات كان مملوءً رجاءً في الله الذي يبني الكنيسة كبرجٍ بسرعة[21].

4.     تحدّث
بطريقة غير مباشرة عن النظام الكهنوتي، فقد مدح محبّة الأساقفة الروحيّين، وفي
صراحة وبّخ الكهنة (القسوس) والشمامسة على أخطائهم.

5.     بغض
النظر عما للإكليروس من فضائل أو ضعفات فإنّه يتطلّع إلى الكنيسة نفسها كأم
للمسيحيّين. إنّها كأم تنصح أبناءها قائلة: [اسمعوا يا أولادي؛ لقد ربيتكم ببساطة
عظيمة وبراءة وقداسة[22].]

6.     يتحدّث
عن وحدة الكنيسة فيما بينها ووحدتها مع مسيحها، إذ رآها برجًا كما لو كانت حجرًا
واحدًا منفردًا[23]، كما رآها
والصخرة القائمة عليها كتلة واحدة[24].

4. المعموديّة

1.           
لا يتمتّع أحد بالعضويّة الكنسيّة ما لم يتقبّل
المعموديّة:

[سألتها:
لماذا يُبنى هذا البرج فوق الماء يا سيّدتي؟

فقالت:
لقد قلت لك من قبل… إن حياتنا خلصت وتخلص بالماء. للبرج أساس، وأساسه كلمة اسم
الله العظيم الممجّد، قائم بقوّة السيّد غير المنظورة[25].]

2.           
تسمى المعموديّة ختمًا

[الذين
لا يحملون اسم ابن الله هم أموات، إلاَّ أنّهم عندما ينالون الختم يخلعون الموت
ويلبسون الحياة. الختم هو ماء المعموديّة، ينزلون في الماء أمواتًا ويخرجون منه
أحياء. لقد أُعلن هذا الختم لهم أيضًا، فاستخدموه ليدخلوا ملكوت السماوات[26].]

ويُلاحظ
أن العماد هو نزول إلى الماء كما إلى القبر، وخروج منه كما بقيامة السيّد المسيح،
يتم بالتغطيس للشركة في دفن المسيح وتمتّع بقيامته، كقول الرسول بولس:
“فدفنّا معه بالمعموديّة للموت؛ حتى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب
هكذا نسلك نحن أيضًا في جدة الحياة” (رو ٦: ٤).

3.     يرى
هرماس أن الرسل والمعلّمين نزلوا إلى الجحيم ليعمِّدوا الذين رقدوا في الفضيلة
والإيمان بابن الله قبل مجيء السيّد المسيح، ويصيروا معهم حجارة ميّتة في البرج
الأبدي. هكذا يرى العماد ضروريًا حتى لرجال العهد القديم الذين ماتوا على رجاء
الخلاص. هذه النظرة مُبالغ فيها، لكنّها تكشف عن مدى أهميّة المعموديّة في العصر
الرسولي للتمتّع بالخلاص.

5. الأخلاق

1.     يقول
كواستن
Quasten أنّه جدير بالملاحظة وأمر هام أن هرماس يميّز بين الوصيّة
والمشورة؛ الوصيّة تأمر بما يجب الالتزام بها، أمّا المشورة فتعني أن الإنسان
يتمّم ما بعد المشورة بمحض إرادته.

[سأظهر
لك وصاياه، فإن فعلت ما هو أكثر تنال مجدًا أعظم وحظًا أوفر عند الله[27].]

من
الأعمال التي بها نمارس ما هو أكثر من الوصايا: الصوم والبتوليّة والاستشهاد.

كأن
المسيحيّة لا تقف عند حدود معيّنة، أو لا تعرّف للوصيّة حدًا، إذ يشتاق المؤمن أن
يُبذل كل يوم في أصوامه، وأن يسمو بمشاعره فيقدّم نفسه بتولاً لا تنشغل إلاَّ
بعريسها السماوي؛ ويشتهي أن يموت من أجل من مات عنه.

2.     لكل
إنسان ملاكان، ملاك البرّ يحث الإنسان على الحياة الفاضلة من تقوى وطهارة وقداسة
الخ.، وملاك الشر يثير فيه الشر. كلا الملاكين يريدان السكنى في القلب؛ الأول أنيس
ومتواضع ووديع، والثاني عنيف ومبغض وأحمق[28].

3.           
يتطلّع هرماس إلى الغنى كعائق في الحياة
الروحيّة، بل أحيانًا يقود إلى إنكار السيّد[29].

6. الزواج

في
رأيه لا يجوز لأحد الزوجين أن يتزوّج بسبب زنى الطرف الآخر، لكنّ يمكنه أن ينفصل
عنه، وإن تاب الطرف الآخر فليقبل توبته[30].

يجوز
الزواج بعد وفاة الطرف الآخر، وإن بقي الشخص بدون زواج ينال شرفًا عظيمًا ومجدًا
أمام السيّد[31].

مخطوطات
وطبعات “الراعي”

يقول
مطران حلب إلياس معوّض [لم يكن الراعي لعام ١٨٥٦م معروفًا
إلاَّ في ترجمة لاتينيّة يرجّح أنّها من القرن الثاني، وقد طبعت هذه أولاً في
باريس عام ١٥١٣م، وفي عام ١٨٥٧م
طبعت عن مخطوطة من القرن الرابع عشر ترجمة لاتينيّة ثانية تستند على الأرجح إلى
الترجمة الأولى، ويغلب الظن إنّها من القرن الرابع أو الخامس.

أما
المخطوطة اليونانيّة “للراعي” فإن أول من وجدها هو قسطنطين سيمونيدس
المزوّر وذلك عام ١٨٥٥م، في دير القدّيس غريغوريوس في جبل
آثوس. وهذه المخطوطة المنسوخة بخط كثيف هي من القرن الرابع عشر؛ تتألّف من عشر
ورقات، والورقة الأخيرة منها مفقودة. انتزع سيمونيدس من ورقات المخطوطة، الخامسة
والسادسة والتاسعة، ونقل الورقات الباقيّة باعتناء، ولم يذكر اسم الدير الذي وجدت
فيه. ثم باع الورقات الثلاث الأصليّة مع الورقات المفقودة إلى مكتبة ليبزيغ، وهكذا
عرفت التسعة أعشار من المخطوطة اليونانيّة “الراعي”، وقد نشره
Anger and Dindorf، في ليبزيغ سنة ١٨٥٦م. ثم أخذ سيمونيدس
يطلع على العالم، شيئًا فشيئًا، بمخطوطات جديدة “للراعي” حتى أوصلها إلى
عشر مخطوطات، أقدمها ادّعى بأنّه اكتشفها في جبل سيناء عام
١٨٥٢م ويعود تاريخها إلى القرن الأول، وهي بالنتيجة أقدم
كل المخطوطات في العالم. ولما كان سيمونيدس قد وعد بإحضار مخطوطة هرماس كما هي،
جاءت دائرة الشرطة في برلين، بإشارة من الكساندر ليكورغو أستاذ الجامعه آنذاك،
ورئيس أساقفة سيروس، وتينوس فيما بعد، فضبطت غرفته والمواد التي كان يهيئها لتقديم
هذه المخطوطة، الأمر الذي اضطره إلى مغادرة المانيا والشخوص إلى انجلترا حيث تابع
عمله كمخادع. وفي عام ١٨٥٩م نشر في لندن بحثًا بعنوان
“القليل من الكثير عن الأب الرسولي هرماس”، ونشر في آخر البحث صورة من
مخطوطتين قديمتين من عمله، مستندًا إلى الترجمة اللاتينيّة. على أن
Hulgenfeld الذي طبع لهرماس أخذ عن سيمونيدس النهاية المزيفة لكن هارنك بيَّن
زيفها. وفي عام ١٨٨٠م صادف أن كان أسبيريدون لأمبروس في
دير القدّيس غريغوريوس في جبل آثوس فدرس مخطوطة هرماس، ونقل بواسطة مرافقة الورقات
الست الباقيّة ونشرها في عام ١٨٨٨م في كمبردج[32]،
وقدّمت هذه الطبعة ببحث طويل عن كيفيّة وجود المخطوطة، وهكذا اتّضح أن كل ما جاء
به سيمونيدس كان منحولاً
[33].

لعلّ
أقدم نسخ أصيلة لكتاب “الراعي” بقايا برديتان بجامعة ميتشيجان
Michigan، وهما يعودان إلى أواخر القرن الثالث، يضمان شيئًا من المثلين أو
التشبيهين الثاني والخامس ومن الوصيّة الثانية[34].

كما
عثر على الربع من “الراعي” وحتى الوصيّة الرابعة في المخطوطة السينائيّة
للكتاب المقدّس
Siniaticus التي عثر عليها Codex
Tishendorf
سنة
١٨٥٩م، وطُبعت في ليبزيغ عام
١٨٦٣م، وهي ضمن ملحقات العهد الجديد.

وجدت
في مصر مقاطع من كتاب الراعي على رق الغزال وعلى ورق البردي.

توجد
ترجمة قبطيّة وحبشية وفارسيّة للراعي.



[1] Comm. in Rom. 10:31.

[2] J. Quasten: Patrology, vol. 1, p. 92, 93.

[3] سلسلة آباء
الكنيسة: ١- الآباء الرسوليّون، تعريب مطران حلب الياس معوض،
١٩٧٠م، ص ١٦٧-١٦٨
.

[4] Eusebius:
H. E. 5:8.

[5] Stromata
1:29.

[6] Comm. on Matt. 14:1.

[7] Eusebius: H. E. 3:25.

[8] Letter on the Acto of the Niciene Council, 18.

[9] De Pudicitia 10.

[10] De vir. il. 10.

[11] Jules Lebreton: The History of the Primitive
Church, London 1944, vol. 2, p. 370.

[12] J. Quasten: Patrology, vol. 1, p. 96-97.

[13] The Shepherd, Vision 3:11-13.

[14] Lebreton: The History of the Primitive
Church, vol. 2, p. 372.

[15] Command 4:3.

[16] Quasten: Patrology, vol. 2, p. 98.

[17] See The Shepherd, Command. 9.

[18] The Shepherd, Command. 9.

[19] The Shepherd, Command. 9:1:1.

[20] The Shepherd, Vision 2:4:1.

[21] The Shepherd, Vision 3:8:9.

[22] The Shepherd, Vision 3:9:1.

[23] The Shepherd, Command. 9:9:7.

[24] Lebreton, p. 376-377.

[25] Vision 3:3:5.

[26] The Shepherd, Command. 9:16:3, 4.

[27] The Shepherd, Command. 6:2:1-4.

[28] The Shepherd, Command. 6:2:1-4.

[29] The Shepherd, Command. 8:8; 1;9:1; 9:20:1; Vision
3:6:5-7.

[30] The Shepherd, Command. 4:1:8.

[31] Ibid. 4:4:1-2.

[32] A collection of the Athos codex of the shepherd of
Hermas together with an introduction by Sp. P. Lampros. Traslated and edited by
J. Armitage Robinson,
Cambridge 1888.

[33] سلسلة آباء
الكنيسة: ١- الآباء الرسوليّين، ص
١٧١-١٧٣.

[34] F. L. Cross, p. 27.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى