علم

الوحدة



الوحدة

الوحدة

كرامة الوحدة وأفضليتها

+
ثلاثة رهبان تأخروا في الرب، فاختار أحدهم الصلح بين الناس كقول الرب: ” طوبى
لفاعلى السلامة فأنهم بنى الله يدعون “، واختار الآخر خدمة المرضى وتعهدهم
كقوله ” كنت مريضا فتعهدتموني” أما الأخير فقد اختار لنفسه الوحدة
ليتفرغ لخدمة الرب وحده والصلاة كل حين كقول الرسول.

فأما
الأول فإنه ضجر من خصومة الناس ولم يقدر أن يرضيهم كلهم، فلما تعب مضى إلى صاحبه
الذي يفتقد المرضى فوجده قد ضجر هو الآخر مما هو فيه، فقاما معا وأتيا إلى
المتوحد، وأعلماه بحالهما واستخبراه عن حالة فسكت قليلاً، ثم سكب ماء في أناء وقال
لهما: ” تأملا هذا الماء “، فتأملاه مضطربا ولم ينظراً فيه شيئاً. وبعد
أن سكن الماء قال لهما: ” أنظرا الأن ” فنظراً، وإذا الماء يريهما
وجهيهما مثل المرآة، فقال لهما: ” هكذا تكون حال من يكون بين الناس فإنه لأجل
أضطرابهم لا يمكنه أن ينظر ما فيه، أما إذا أنفرد ولاسيما في البرية، فحينئذ يرى
نقائصه.

وأخبر
بعض الآباء القديسين أن رفيقين من الأخوة ترهبا معا وأقبلا يتزايدان في النسك
والعفة وسارا سيرة فاضلة مرضية. فعرض أن أحدهما أخذوه وصيروه رئيسا على دير عام
وبقى الآخر متوحدا في نسك تام وعمل عجائب كثيرة وشفى مجانين كثيرين وأبرأ مرضى
وأخبر بأنباء قبل كونها.

فلما
سمع الذي كان قد صار رئيس الدير فرح لأخيه إذ أستحق هذه المواهب الجليلة وعجب هو
من نفسه أنه ما وصل ولا إلى واحدة منها. ثم سكت ولم يكلم أحدا ثلاثة أسابيع طالبا
إلى الله بدوام أن يكشف له كيف صار ذلك يعمل العجائب مشهورة الذكر عند كل من يعرفه
وأنا ما وصلت ولا إلى واحدة من مواهب الله.

فظهر
له ملاك الله وقال له: أن أخاك جلس لأجل الله باكيا حزينا نهاراً وليلاً قدامه
جائعا عطشا لا يطلب من يسليه، أما أنت فمهتم بأشياء كثيرة، وتلقى قوما كثيرين
وتخاطبهم. فيكفيك عزاء الناس ” فهرب لوقته وصار حبسا.

+
قال القديس أكليميكوس: ” من يحب مخالطة الناس لن يستطيع أن يتفرغ لنفسه وهو
عاهة لنفسه.

+
قال القديس برصنوفيوس ” محبة المسيح غربتنا عن البشر والبشريات”.

+
وقال شيخ: ” كل موضع تمضى إليه، أحرص ألا تجعل ذاتك من أهله”

+
وقال الأب يعقوب: ” أن الغربة أفضل من ضيافة الغرباء”.

+
وقالت الأم سارة: ” أن أنا طلبت أن أصنع إرادة كل الناس، فانى سوف أوجد تائهة
على باب كل أحد، فينبغى لى أن أحفظ قلبي نقياً مع كل أحد، وأنا مبتعدة عن كل أحد
“.

قيل
أن بعض الآباء كان يجلس في البراري البعيدة ويسكت، وفي يوم من الأيام سأله تلميذه
قائلاً: ” لماذا يا أبى تفر هاربا في البراري البعيدة، مع أنى أسمع الناس
تقول أن الذي يسكن بقرب العالم ويقاتل أفكارة من أجل الله يصير أكثر أجرة ؟ “.

أجابة
الشيخ: أن الذي ينتفع من قربه للعالم هو ذاك الإنسان الذي يصل إلى أن ينظر مناظر
موسى النبى ويصير أبنا لله، أما أنا فانى أبن آدم وأنا مثل آدم أبى الذي بمجرد أن
أبصر الخطية أشتهاها فأخذ وأكل منها ومات.

من
أجل ذلك كان آباؤنا يهربون إلى البراري وهناك كانوا يقتلون شهوة البطن لعدم
الأطعمة، إذ كانوا لا يجدون هناك الأشياء التى تلد الأوجاع كلها”.

+
وسأل أخ شيخاً قائلاً: ” يا أبى، لماذا لا يثبت جيلنا هذا في أتعاب الآباء
الأولين؟ “.

فأجابه
الشيخ قائلاً: أنه لا يحب الله ولا يفر من الناس ولا يبغض قشاش العالم، لأن كل شخص
يفر من الناس ومن المقتنيات فإن تعب الرهبنة يأتيه قبل سنه، فكمثل إنسان يريد أن
يطفئ نارا قد أشتعلت في بقعة، فما لم يسبق ويبعد القش من قدام النار، لا يمكنه
أطفاؤها، كذلك الإنسان، أن لم يذهب إلى موضع لا يجد فيه الخبز والماء الا بشدة،
فلا يستطيع أن يقتنى تعب الرهبنة لأن النفس مالم تبصر لا تشتهى سريعاً “.

سؤال:
” أن أرناب في أخ من الرهبان. تؤثر أن أسجد له سجدة؟

الجواب:
” أسجد له سجدة واقطع ذاتك منه، فإن أنبا أرسانيوس قال: “أحب الكل وأنت
بعيد عن الكل”.

الثبات
في الوحدة

+
حدث مرة أن جاء للقديس مقاريوس أخ جالسا في قلايته، فتقلقل في الوحدة، فلما عرفة
بذلك، قال له الشيخ: ” أمضى ودع فكرك، وأترك الوحدة الآن واجلس في الطاعة مع
آخرين حتى يسكن العاصف”، فمضى إلى جبل السلوى، وسكن مع الأخوة، وبعد قليل عاد
إلى الشيخ، وقال له: ” ومع الأخوة ما وجدت راحة. فقال له الشيخ: ” مع
الأخوة لا تستريح وفي الوحدة لا تتنيح، فلماذا لبست لباس الأجناد المجاهدين؟ ولما
سمين نفسك راهباً، ألا تتحمل الضرب والطعن والأحزان، وأقلها الجوع والعطش. كم سنة
لك في الاسكيم؟”، فقال له: ” ثمان سنين “، فقال له الشيخ: ”
يا أبنى، أن لى في الاسكيم إلى يومنا هذا سبعين سنة، لم تخل يوما واحداً من
الأحزان المرة، وأنت في مدى ثمان سنين تريد التياح! “.

فلما
سمع الأخ هذا الكلام من الشيخ، تعزى ومضى وسكن وحده، وبدأ يلبس عدة الحرب، وأخذ
بيده الترس المنيع، أعنى الإيمان الصحيح، ووضع على رأسه خوذة الخلاص، أي الرجاء
والتصديق بما في الكتب، حازيا قدميه ببشارة الأنجيل، وهكذا أخذ يثبت نفسه بتدبير
حسن، حتى انحلت عنه قوة المعاند.


لا يكن لك رجاء في هذا العالم لئلا يضعف رجاؤك في الرب.

رفض
العالم

+
قال أنبا موسى الأسود:


لنرفض شرف العالم وكراماته لنتخلص من المجد الباطل.


لا تهتم بشئون العالم كأنها غاية أملك في هذه الحياة، وذلك لتستطيع أن تخلص.


أبغض كلام العالم كى تبصر الله بقلبك لأن الذي يخلط حديثه بحديث أهل العالم يزعج
قلبه.


محبة أهل العالم تظلم النفس والابتعاد عنهم يزيد المعرفة.


الذي يريد أدراك الكرامة الحقيقية عليه ألا يهتم بأحد من الناس ولا يدينه، وكلما
يصلى تنكشف له الامور التى تقربه من الله فيطلبها منه. ويبغض هذا العالم، وهكذا
فإن نعمة الله تهب له كل صلاح.


أن الإنسان اذي يهرب من العالم يشبه العنب الناضج، أما الذي يعيش بين مباهج أهل
العالم فإنه يشبه العنب الحصرم.

+
كان أخ مسرعاً في الذهاب إلى المدينة، فلما سأل شيخاً مشورة صالحة، قال له الشيخ:
” لا تسرع في الذهاب إلى المدينة، ولكن أهرب من المدينة بسرعة”.

الابتعاد
عن العالم والعزلة

قال
البار أشعياء بصدد الابتعاد عن العالم:


أنى في بعض الأوقات كنت جالساً بقرب القديس مقاريوس الكبير حين تقدم إليه رهبان من
الاسكندرية ليمتحنوه قائلين: ” قل لنا كيف نخلص؟ “.

فأخذت
أنا دفترا وجلست بمعزل عنهم لأكتب ما يتحاورون به، أما الشيخ فإنه تنهد وقال:
” كل واحد منا يعرف كيف يخلص، ولكننا لا نريد الخلاص.

فأجابوه:
” كثيرا ما أردنا الخلاص، ألا أن الأفكار الخبيئة لا تفارقنا فماذا نعمل؟

فأجابهم
الشيخ: ” أن كنتم رهبانا، فلماذا تطوفون مثل العلمانيين. أن الذي قد هجر
العالم ولبس الزي الرهبانى وهو في وسط العالم، فهو لنفسه يخادع، فمن كانت هذه
حالة، فقد صار تعبه باطلاً، لأنهم ماذا يربحون من العلمانيين سوى نياح الجسد، وحيث
نياح الجسد لا يوجد خوف الله، لا سيما أن كان راهبا ممن يدعون متوحدين، لأنه ما
دعى متوحدا إلا لكى ينفرد ليله ونهاره لمناجاة الله. أما الراهب المتصرف بين
العلمانيين فهذه تصرفاته:

قبل
كل شئ تكون فاتحة أمره أنه يضبط لسانه ويصوم، ويذلل نفسه إلى أن يعرف ويخرج خبره
ويقال عنه: الراهب الفاني هو عبد الله، وسرعان ما يسوق أبليس إليه من يحضر له
حوائجه من خمر وزيت وثياب ودراهم وكل الأصناف، ويدعونه: ” القديس، القديس
“.

فبدلا
من أن يهرب من السبح الباطل الناتج عن قولهم له: ” القديس ” يتعجرف
الراهب المسكين، ويبدأ في مجالستهم، فيأكل ويشرب معهم، ويستريح براحتهم، ثم يقوم
في الصلاة ويعلى صوته حتى يقول العلمانيون أن الراهب يصلى ساهراً، وكلما زادوه
مديحاً، زاد هو كبرياء وعجرفه. فان كلمة أحد بكلمة حسنة جاوبه حسنا.

ثم
يكثر نظره إلى العلمانيين ليلا ونهارا ويرشقه أبليس بسهام النساء، ونشاب الصبيان،
ويلقيه في اهتمامات عالية ويقلق وينزعج كما قال الرب: ” أن كل من نظر إلى
امرأة نظرة شهوة فقد أكمل زناه بها في قلبه “. وأن كان ينظر إلى هذا القول
على أعتبار أنه خزافة، فليسمع قول الرب قائلاً له: ” أن السماء والأرض
تزولان، وكلامى لا يزول”.

وبعد
ذلك يبدأ في حشد حاجته لسنته، بل يجمعها مضاعفة، ويبدأ كذلك في جمع الذهب والفضة،
ويلقيه الشيطان في هوة حب المال، فأن أحضر له إنسان شيئاً يسيراً أشاح بوجهه عنه
ولا يقبله كأنه لم يأخذ شيئاً، أما أن أحضر له إنسان ذهباً أو فضة أو ملبوسات أو
غير ذلك مما يرضاه، فللوقت يقبله بفرح ويعد المائدة الحسنة ويبدأ يأكل. أما
البائس، لا بل المسيح فيتلوى جوعا، ولا يفهمه أحد. لهؤلاء قال سيدنا المسيح:
” أن دخول الجمل في ثقب أبرة، أيسر من دخول غنى إلى ملكوت الله “.

قولوا
لى يا أبائي: هل الملائكة في السماء تدمع ذهباً وفضة وتسجد لله؟، فنحن يا اخوتى
عندما لبسنا هذا الزى، أترى لنجمع مقتنيات وحطاما، أم لنصير ملائكة؟. فإذا كنا يا
أخوتي قد هجرنا العالم ورفضناه، فلماذا نتراخى أيضاً ويردنا أبليس عن طريق
المسكنة، أما فهمتهم أن الخمر ونظر النساء والذهب والفضة والنياح الجسدى وقربنا من
العلمانيين، هذه كلها تبعدنا من الله، لأن أصل الشرور كلها محبة الفضة، وبمقدار ما
بين السماء والأرض من البعد، هكذا بين الراهب المحب للفضة وبين مجد الله.

نعم
لا توجد رذيلة أشر من رذيلة الراهب المحب للفضة. أن الراهب الذي يجالس العلمانيين
يحتاج إلى صلوات قديسين كثيرين، أما سمعت قول الرسول يوحنا: ” لا تحبوا
العالم ولا شيئاً مما في العالم فمن أحب العالم، فليست فيه محبة الله” كذلك
الرسول يعقوب يقول أيضاً: ” من أراد أن يكون خليلا للعالم فقد صار عدوا لله
“.

فلنفر
نحن أيها الأخيرة من العالم كما نفر من الحية، لأن الحية إذا نهشت فالبكاد تبرأ
عضتها، كذلك نحن أيضاً أن شئنا أن يكون رهبانا فلنهرب من العالم، لأن الأوفق لنا
أيها الأخوة أن تكون لنا حرب واحدة بدلاً من قتالات كثيرة.

قولوا
لى يا أخوتى ويا أبائى، في أي موضع أقتنى أباؤنا الفضائل، في العالم أم في
البراري؟ أذن، كيف تقتني الفضائل ونحن في العالم، لن نستطيع ذلك ما لم نجع وما لم
تعطش وما لم نساكن الوحوش وتموت بالجسد، كيف تريد أن نرث ملكوت الله ونحن بين
العالم، لتنظر إلى ممالك الأرض فإنه ما لم يحارب الجندي ويغلب فلن ينال الرتبة،
فكم وكم أحرى بنا أن نفعل ذلك. فلا نظن أننا نرث ملكوت السموات ونحن بين العالم فلا
يوسوس لنا الشيطان أفكارا ردية هكذا قائلاً: أجمع حتى تستطيع أن تعمل صدقة. لنعلم
أن من لم يشأ أن يصنع رحمة من فلس واحد فأن يعمل رحمة من ألف دينار.

لا
يليق بنا أن نفعل ذلك يا أخوتى، لأن هذه الأمور هي من عمل العلمانيين، أن الله لا
يريدنا نحن الرهبان أن نقتني ذهباً أو فضة أو ملابس أو أموراً هيولية لأن الرب
أوصى قائلاً: ” أنظروا إلى طيور السماء فإنها لا تزرع ولا تمصد ولا تزن في
الاهراء، وأبوكم السماوي بقوتها “، أن الراهب المقتني ذهباً وفضة لا يثق بأن
الله قادر على أن يعوله، وأن كان لا يعوله فلن يعطيه ملكه.

أن
الراهب الذي عنده حاجته وينتظر من يحضر له، هو شريك ليوداس الذي ترك النعمة وسعى
طالبا محبة الفضة.

وبولس
الرسول أذ عرف ذلك، لم يدع محبة الفضة أصل كل الشرور فحسب، بل وسماها أيضاً عبادة
أوثان، فالراهب المحب للفضة هو عابد للأوثان، أن الراهب المحب للفضة بعيد من محبة
المسيح، الراهب الذي له في قلايته فضة فإنه يعبد ويسجد للأصنام المنقوشة، أعنى
الدنانير، وكل يوم يذبح لها عجولا وكباشاً، بأخضاع نيته وارادته لمحبة الفضة
الردية، تلك التى تفصل الراهب عن طغمات الملائكة فيا لمحبة الفضة المرة، أصل كل
الشرور، الفاصلة للراهب من ملك السموات، والباعثة أياه إلى التعلق بسلاطين الأرض
“. فيالمحبة الفضة سبب كل الرذائل، الساحبة للسان الراهب المحب للفضة، لأنه
قد تخلى عن الوصية القائلة: ” لا تكنزوا لكم ذهباً ولا فضة “.

وقد
يزعم ذلك الراهب المسكين قائلاً: ” أن الاقتناء لا يضرني” وهو لا يعلم
أنه حيث الذهب والفضة والهيوليات، فهناك دالة الشياطين وهلاك النفوس، والويل
المؤبد. كيف يدخل التخشيع في نفس إنسان مقتن للفضة، وقد جاء عن مصدر دعوته إلى
الحياة الدهرية، خالقة ورازقه، وصار بذلك متعبداً وساجداً لمنحوتات غير متحركة:
أعلى الدنانير، كيف يقتني الخشوع من هذه صفته؟

يا
أخوتى، ويا أحبائي كيف يكون لنا نحن الرهبان ذهب وفضة وملابس، ولا نكف كذلك عن
الجمع، مع أن البائس لا بل المسيح جائع وعطشان وعريان، ولا نفكر فيه؟ ماذا يكون
جوابنا أمام السيد المسيح: وقد هجرنا العالم، وها نحن نعاود الطواف فيه؟

أن
طقسنا ملائكى لكننا جعلناه علمانياً، لا يكون هذا منا يا أخوتى. أيانا أن نعلمه بل
لنهرب من العالم، لأنه أن كنا بالكاد نخلص في البرية، فكيف يكون حالنا بيت
العلمانيين؟، فلن يكون لنا خلاص، لا سيما والرب يقول: ” من لا يهجر العالم
وكل ما فيه وينكر نفسه ويأخذ الصليب ويتبعنى فلن يستحقنى”، وأيضاً يقول:
” أخرجوا من بينهم وافترقوا عنهم وأنا أقبلكم وأجعلكم لى بنين وبنات “.

أرأيتم
عظم المنفعة من الهروب من العالم، لأنه نافع لنا جداً وموافق، لأن مجالس
العلمانيين ليس فيها شئ سوى البيع والشراء وما يتعلق بالنساء والأولاد والزرع
والدواب، فهذه المخالطة تفصل الراهب عن الله، فمؤاكلتهم ومشاربتهم تجلب الكثير من
الضرر. ولسنا نعنى بهذا أن العلمانيين أنجاس، معاذ الله، لكنهم يسلكون في الخلاص
طريقا آخر غير طريقنا، فهروبنا هو هروب من مخالطتهم- فلنطلب سبهم فينا أكثر من
مديحهم لنا، لأن سبهم لن يفقدنا شيئاً أما مديحهم فهو سبب عقوبتنا، منفعتى إذا انا
أرضيت الناس وأغضبت ربى والهى، لأنه يقول: “لو كنت أرضى الناس فلست عبداً
للمسيح “.

إذن
فلنبتهل أمام ربنا قائلين: ” يا يسوع إلهنا نجنا وانقذنا من مخالطتهم”.

(أ)
وحدة السكن

+
قال القديس أنطونيوس:


” لا ترقد على حصيرة واحدة مع من هو أصغر منك “.


” لا يرقد أثنان منكم على حصيرة واحدة “.

+
وقال القديس باخوميوس:


لا يرقد أحدكم على مرقد ليس له، ولا يدخل أحد منكم إلى موضع رفيقه بغير رساله أو
حاجة. كي لا يجد العدو له فينا موضعا البتة “.

(ب)
الزيارات

+
قال القديس أنطونيوس:


لا تلب دعوة وليمة. وإذ مضيت إلى أخ فلا تبطئ في قلايته “.

(ج)
أروقة الدير

+
قال القديس أنطونيوس:


لا تجلس في أزقة الدير “.

(د)
الأهل

+
قال القديس أنطونيوس


أن شئت أن تخلص فلا تدخل بيتم الذي خرجت منه، ولا تبصر أبويك ولا أقرباءك
الجسدانيين، والا فأنت تقيم زمانك كله بغير ثمرة.


لا تعد تفتقد أهلك الجسدانيين. ولا تعطهم وجهك لينظروك.

+
قيل عن أحد رهبان الاسقيط أن ابنه أخذ في خدمة سلطانه، فكتبت أم الصبي إلى زوجها
الراهب أن يسأل الوالى في اطلاقه، فأجاب الراهب وقال للرسول: ” أن هو أخلى
سبيله أما يأخذون غيره؟ ” قال: ” نعم ” قال الراهب: “وأية
منفعة من أن تفرح قلب هذه، ونحزن قلب أخرى؟ “.

وكان
ذلك الراهب يعمل عملا متواصلاً، فكان يأخذ منه حاجته، وما بقى بعد ذلك يفرقه على
المساكين، فلما حدثت مجاعة عظيمة، أرسلت الوالدة ولده إليه تطلب منه أن يعطيها
خبزاً قليلاً، فلما سمع الراهب قال لولده، ” أما يوجد في الموضع قوم آخرون
محتاجون مثلكم؟ ” فأجابه: ” نعم يا أبي كل الناس محتاجون” فأغلق
الباب في وجهه وتركه باكيا وقال: ” أمض يا ولدى، والمتهم بالكل يهتم بكم
“.

فسأله
أحد الأخوة الشيخ قائلاً: ” أما يؤلمك الفكر إذا رددت هكذا؟ فأجابه: ”
أن لم يكره الإنسان نفسه في كل أمر، فما يقدر أن يقدم شيئاً من الصلاح
البتة”.

قال
أحد الآباء:


أن جحدت أنسباءك بالجسد، مع أمور الجسد لأجل الله، فلا تنخدع للرحمة على والدتم أو
أبنك أو أخيك أو أحد أنسبائك، لأنك قد تخيلت عن هذه كلها، أذكر ساعة موتك، فلن
ينفعك واحد منهم “.

+
أخبر أحد الرهبان بأن أباه قد مات، فأجاب الذي أتاه بلخبر قائلاً: “كف عن
التجديف، فأن أبى لا يموت “.

+
قيل أن بعض الأخوة كانت له والدة تقية، فلما حدثت مجاعة كبيرة، أخذ قليلاً من
الخبز ومضى إليها، ولما كان يسير جاء إليه صوت قائلاً: ” أتهتهم أنت بوالدتك،
أم أنا المهتم بها؟ ” فميز الأخ قوة الصوت، وخر على الأرض بوجهه قائلا:
” أنت يا رب هو المتهم بنا ” ونهض رادعاً إلى قلايته. وفي اليوم الثالث،
جاءت إليه والدته، وقالت له: ” أن فلانا الراهب أعطاني قليلا من الحنطة، خذها
وأصنع لها أرغفة لنأكل ” فلما سمع الأخ بذلك، مجد الله وقوى أمله.

+
وراهب أخر كان فاضلاً جداً لدرجة أنه كان يخرج الشياطين بصلاته وكانت له أم عجوز
مسكينة، فحدثت مجاعة عظيمة، فأخذ الراهب خبزاً ومضى ليفتقد والدته، وبعد أن رجع
إلى قلايته، أحضر أمامه مجنون فقام ليصلى عليهكعادته، فأخذ الشيطان يهزأ به
قليلاً: ” ماما.. ماما “.

+
كذلك قيل: سأل أحد الأخوة شيخاً. وقال له أن أختى مسكينة فهل أعطيها صدقة، أذ ليس
لها نظير في المساكين؟ ” قال له الشيخ: ” لا “. قال الأخ: ” لم
أيها الأب ” قال له الشيخ: ” لأن الدم يجذبك إلى ذلك، أكثر من وصية
المسيح “.

+
وراهب سأل الأب برصنوفيوس بشأن أخيه العلماني المحتاج إلى ثوب فأجابه:


اتسألني أيها الأخ بخصوص أخيك؟، أنى لا أعرف لك أخا غير المسيح فأن كان لك أخوة
فأعمل معهم ما شئت، فأنا ليس لى كلام، لأنه أن كان الرب نفسه قال: ” من هى
أمى ومن هم أخوتى؟ ” فلماذا أقول أنا لك؟ هل تطرح وصية الرب وترتبط بمحبة
أخيك حتى ولو كان مفتقرا إلى ثوب وأن كنت قد ذكرت أخاك، فلم لم تتذكر المساكين
الآخرين، لا بل لم لم تذكر القائل عن نفسه: “أنى كنت عريانا ولم تكسونى؟
” ولكن الشياطين تلاعبك بل وتذكرك أيضاً بأولئك الذين كنت قد جحدتهم لأجل
المسيح، لكيما تظهر مخالفاً لأوامره “.

+
كان لأحد الرهبان أخ علمانى وكان يواسيه في عمله وبقدر ما كان يواسيه، كان ذاك
يفتقر أكثر، فمض الراهب واخبر بعض الشيوخ فقال له الشيخ: ” أن سمعت منى، فلا
تعد تعطية شيئا بعد، بل قل له: لما كان لى كنت أعطيك، أما الآن فبقدر ما تيسر لك
هات أنت لى. وكل ما يأتي به إليك أعطه للمساكين واسألهم أن يصلوا من أجله “.

فلما
جاءه أخوه العلمانى، قال له كما أعلمه الشيخ. فمضى من عنده كئيباً، وفي اليوم
الثالث، أحضر له من تعبه قليل بقل، فأخذه الراهب وأعطاه للشيوخ وسألهم أن يصلوا من
أجله. ولما جاء ثانى مرة أحضر له بقولا وثلاث خبزات، فأخذها الراهب وعمل مثلما عمل
أولاً. ولما جاء لثالث مرة، أحضر له أشياء ذات ثمن كنبيذ وسمك، فلما رأى الراهب
ذلك تعجب وأستعدى المساكين وأطعمتهم وقال لأخيه: ” هل أنت محتاج إلى قليل من
الخبز فأعطيك؟ فقال له ذاك: “لا يأ خي. لأني لما منت آخذ منك شيئا. كان كأنه
نار يدخل إلى بيتى فتأكله وكأنه هباء تأخذه الريح فلا أجده، ومنذ أن توقفت عن أن
آخذ منك شيئاً، بارك الله لى”.

فمضى
الراهب وأخبر الشيخ. بكل ما جرى فقال الشيخ: ” أن متاع الراهب هو نار، أينما
دخل أحرق “.

(ه)
الصبيان

+
قال أنبا أنطونيوس:


لا تتحدث مع صبى، لا تصادقه البتة ولا تعاشره بالجملة ولا ترهبنة بسرعة. وإذا حدثت
عثرة بسبب شاب لم يلبس الأسكيم بعد فلا ترهبنه بل أخرجه من الدير بسرعة “.

+
قال شيخ:


لا تصادق صبياً ولا تخاطبه ولا تبغض أنساناً ”


أن فخ الشيطان بالنسبة للرهبان هم الصبيان أكثر من النساء “.

+
قال أنبا بيمين:


أن سكن أنسان مع شاب، فإنه فاعل خطية، لأن معاشرة الشباب معصية فإحذرها “.

+
وقال أبو يحنس:


كل من اجتمع أو تكلم مع صبى فهو زان بكفره “.

+
وقيل أيضاً:


كن ملازماً للشيوخ الروحانيين، وتعلم سيرتهم وأبعد عن الأحداث والصبيان “.

+
قال أنبا باخوميوس:


لا تصادق صبيا وأن كنت غريباً فأعتكف ولا تدخل عند أحد ولا تختلفط بصنائع الدنيا
“.

+
قال الشيخ الروحانى:


المحبة المفرزة للصبيان، هي زنى سمج أمام الرب، ولا يوجد جبر لأنكساره. شاب يصاحب
شابا، فليبك عليهما ذوو الأفراز. والشيخ الذي يحب صحبه الصبيان، أعلم أن أوجاعه
انجس من الصبيان النجسين، وأن كان يكلمهم بالأعاجيب لكن قلبه بالحماة غارق، يا
أخى، أن عشت للعالم، فسوف تصبح حيا للعالم. واحد بواحد، فأن أثنين لا يوجد أن مثل
الكلمة الذي له المجد إلى الأبد آمين “.

(و)
العلمانيون

+
قال أنبا انطونيوس:


لا تخالط علمانيا بالجملة “.

(ز)
الرؤساء

+
قال أحد الرهبان: ” لا تتعرف بالرئيس ولا تتملقه، لئلا يحصل لك من ذلك دالة،
فتشتاق للرئاسة “.

+
وقال آخر: ” لا تصادق رئيسا “.

(ح)
الأصحاب والجيران

+
قال مار أسحق: ” من مات بقلبه عن أصحابه، فقد مات المحتال عنه”.

=
سأل أخ أنبا موسى: قائلاً: ” كيف يبتعد الإنسان بنفسه عن جاره؟ قال له الشيخ:
ما لم يضع الإنسان في قلبه أنه قد صار في القبر منذ ثلاث سنين، فلن تكون له القوة
الكافية لحفظ هذا القول “.

(ط)
الأخوة غير الحكماء

+
قال مار أسحق:


صديق غير حكيم يشبه سراجا في شمس، ومشير أحمق كضرير مرشد.


حالة تفتت القلب هي مجالسة غير الحكماء إذ أنها فخ مخفي.


صديق جاهل هو ذخيرة خسارة. مشاهدة النادبات في منزل البكاء أفضل من رؤية حكيم تابع
لاحمق.

(ى)
الأخوة المنحلون

+
قال مار اسحق:


لا تكن صديقا لمحب الضحك والمؤثر أن يهتك الناس، لأنه يقودك إلى أعتياد الاسترخاء.


لا تظهر بشاشة في وجه المنحل في سيرته، وتحفظ من أن تبغضه.


عبس وجهك لدى من يبدأ في أن يقع في أخيه قدامك، فإنك أن فعلته هكذا، تكون متحفظاً
لدى الله تعالى ولديه.

(ك)
الاخوة المتعظمون

+
قال مار أسحق:


جالس المجذومين ولا تجالس المتعظمين.


العادم من الأصدقاء المغرورين، عادم من الضنك.

(ل)
النساء


لا تقرب إليك امرأة، لا تأكل معك ولا تدعها تدخل منزلك فالغضب يمشى خلفها “.

+
قال مار أسحق:


عفة ومحادثة مع أمراة، كلبؤة وخروف في بيت واحد “.

+
قال القديس باخوميوس:


لا تحادث أمراة ولا تدخل عندها، لأن الحديد إذا وقع على الحجر قدح ناراً. الجسد
قائلاً: ” أننا منذ زمان طويل قد تحنكنا بالتجربة، أو أنني قد صرت ضعيفاً أو
عجوزا أو أن الحزن والصوم قد أذلنى “.

فأياك
أن تغتر به لأن الأعداء داخله يكمنون لك. لئلا يحلقوا شعر رأسك (أي أفكار عقلك)
فيفارقك روح الله وتضعف قوتك فيأتي الغرباء ويربطونك ويذهبون بك إلى موضع الطحن
حيث تصبح أضحوكة والعوبة فيقلعون عينيك ويصيرونك أعمى لا تعرف طريق الخلاص. ولا
تنفك من أسرك حتى تموت عند الغرباء بحزن عظيم.

فالأن
يا بنى استيقظ واعرف مواعيدك وأهرب من القاس القلب الغاش لئلا يقلع عينى عقلك.
تحفظ من الزني وأذكر العذاب المعد للدنسين. أهرب من مصر ولا تشرب ميها من جيحون
التى هى الأفكار العاهرة.

+
قال أنبا بنيامين:

كما
أن الملح من الماء يخرج وفي الماء ينحل ويذوب، كذلك الرجال من النساء يخرجون، ومن
النساء يهلكون.

+
قال أبرام تلميذ شيشاي لأبيه:


يا أبي، أنك قد كملت وأرضيت الله، فامض بنا إلى قرب العالم قليلاً “.

فقال
الشيخ: ” أبحث لنا يا أبني عن موضع لا يوجد فبه أمرأة فتمض إليه”

قال
له التلميذ: ” وأي موضوع يوجد خاليا من امرأة غير البرية؟ “.

قال:
” فأحملنى يا بنى وادخل بى الى داخل البرية “.

+
وقيل أيضاً: أن أحد رؤساء ديارات البرية نزل في بعض الأيام، قاصرا المدينة، فوجد
طفلا ملقى على جانب الطريق، فأخذه الى الدير ورباه على (لبن) شاة، حتى كبر ولم يكن
يعرف سوى الرهبان، وحدث أن خرج الرئيس مرة لقضاء أمر ما، فأخذه معه، وبينما هما
يمشيان في الطريق، إذا بمواش ترعى، رآها الغلام قال لمعلمه: ” ما هي هذه
الأشياء يا أبى؟ “.

فقال
له: ” هذا بقر، وتلك جمال، وهذا حمير، وهذا كذا.. “، وهكذا استمر الغلام
يستفهم من معلمه عن كل شئ يبصره، حتى لقيتهما جارية، شابة، جميلة، فقال الغلام:
” ما هذه يا أبى؟ “.

فقال
له: ” هذه هي الشيطان “، فلما قضيا حاجتهما، ورجعا إلى الدير، سأل الشيخ
الغلام قائلاً: ” ماذا أعجبك يا أبنى من كل ما رأيت؟ ” فقال الغلام:
“لم يعجبني شئ إلا الشيطان وحده “.

فلما
سمع الشيخ تعجب كيف أن المرأة تفتن حتى الذين لا يعرفون شيئاً”.

(م)
الاحتراس بالأعضاء والحواس من الدالة

+
قال القديس باخوميوس:


لا يرافق أحدكم الآخر لقضاء الحاجة معا في مكان واحد.


لا يمسك أحد منكم يد رفيقه أو يلمس أي شئ من جسده من غير أمر شروري إلا في رجل
مريض أو في حالة وقوع احد فيساعده آخر حتى يقوم، ويحتاج الأمر حينئذ أن يمسكه حتما
ويلمسه. على أن ذلك أيضاً يكون بحرص وحذر “.


لا يجلس أحد منكم مع رفيقه في متكأ في عزلة ليتهامسا معا بل كونوا بعيدين بعضكم عن
بعض قليلا حين الكلام مع بعضكم البعض.

(ن)
الالتصاق بالاطهار والعمالين

+
قال مار أسحق:


محادثة الفضلا والمشير الحكيم سور رجاء “.

+
قال أنبا باخوميوس:


إذا ضعفت عن أن تكون غنيا بالله فالتصق بمن يكون غنيا به لتسعد بسعادته وتتعلم كيف
نمشى حسب اوامر الإنجيل. فإذا أحببت الأطهار فأنهم يكونون لك أصدقاء ومعهم تصل إلى
مدينة الله المملوءة نوراً “.

+
قال شيخ:


إذا أقام راهب عمال في موضع مع رهبان غير عمالين، فإنه لا يفلح إلا إذا ضبط نفسه،
ولم يرجع إلى الوراء، ويكون بذلك مستحقاً جزاء صالحاً، أما الراهب الباطل، الذي
يقيم بين مجاهدين فأن أنتبه، فأنه يمشى إلى قدام، ولن يرجع إلى وراء.

+
وقال آخر:


من اجتمع باخوة عمالين، فلو كان غير عمال فان لم يتقدم إلى قدام، فلن يتأخر إلى
وراء، كذلك من يجتمع بأخوة متهاوئين فلو كان عمالاً فأن لم يخسر فلن يربح. الساقط
فينهض لئلا يهلك، والقائم فليتحفظ لئلا يسقط.

+
وقال شيخ:

إذا
أنت مشيت مع رفيق صالح من قلايتك إلى الكنيسة، فإنه يقدمك ستة أشهر، وأذا أنت مشيت
مع رفيق ردئ من قلايتك إلى الكنيسة فهو يؤخرك سنة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى