علم

الكتاب الثاني: المقدمة



الكتاب الثاني: المقدمة

الكتاب
الثاني: المقدمة

1
كما أظن يا جلالة الإمبراطور، فقد قلت ما يكفي في الكتاب السابق لأوضح أن ابن الله
كائن أزلي وغير مختلف عن الآب، مولود غير مخلوق: كما برهنّا من خلال الاقتباسات من
الكتب المقدسة أن ابن الله الحقيقي هو الله، وهذا قد أُعِلن أنه هكذا بواسطة
العلامات الواضحة الخاصة بجلاله.

2
ورغم أن ما سبق تقديمه هو كثير بل ويزيد، وذلك لأجل الحفاظ على الإيمان، إذ نرى أن
عظمة النهر يُحكم عليها غالبًا من الطريقة التي ترتفع وتفيض بها ينابيعه. ومع ذلك،
فلكي يكون إيماننا أكثر وضوحًا، فإن مياه ينبوعنا يجب كما أظن أن تُقسَّم إلى ثلاث
قنوات، ولذلك فإنه يوجد:

أولاً:
علامات واضحة تبيّن التلازم الجوهري في الألوهة؛

ثانيًا:
التعبيرات الدالة على التماثل بين الآب والابن،

وأخيرًا:
تلك التعبيرات الدالة على وحدة الجلال الإلهي التي لا يُشك فيها.

 بخصوص
النوع الأول لدينا الأسماء: “ولادة”، “الله”،
“ابن”، “الكلمة”[1]؛

 وبخصوص
النوع الثاني لدينا: “بهاء”، “رسم”، “مرآة”،
“صورة”[2]؛

 وبخصوص
النوع الثالث لدينا: “حكمة”، “قوة”، “حق”،
“حياة”[3].

 

3
هذه الدلائل تعلن هكذا طبيعة الابن، حتى من خلالها يمكنك أن تعرف أن الآب أزلي وأن
الابن غير مختلف عنه؛ لأن مصدر الولادة هو الكائن الذي يكون[4]؛ وكمولود من الأزلي
فإنه إله؛ وكصادر من الآب، فهو الابن[5]؛ ولأنه من الله فهو الكلمة؛ هو شعاع مجد
الآب، رسم جوهره[6]، مثيل الله، صورة عظمته؛ جود الذي هو الجوّاد، حكمة الذي هو
الحكيم، قوة القدير، حق الذي هو الحقيقي[7]، حياة الذي هو الحي[8]. لذلك فالصفات
المميزة للآب والابن ترتبط معًا باتفاق، حتى لا يفترض أحد وجود أي اختلاف، أو أن
يشك في أن لهما عظمة واحدة. ولكل من هذه الأسماء ولجميعها سوف نعطي أمثلة
لاستخدامها، حتى نجعل حديثنا مؤكدًا بدلائل.

4
ومن الاثني عشر هذه، التي هي كاثني عشر جوهرًا كريمًا يُبني عمود إيماننا، لأن هذه
الأحجار الكريمة الجزع العقيقي، اليشب، الزمرد، الزبرجد، والبقية منسوجة في رداء
هارون المقدس[9]، الذي هو مثال للمسيح[10] الكاهن الحقيقي؛ حجارة ممتزجة بالذهب،
ومنقوشة بأسماء أبناء إسرائيل، اثنى عشر حجرًا متصلة معًا موضوعة الواحد داخل
الآخر، حتى إن شَطَرَها أو فَصَلَها أحد، فإن نسيج الإيمان كله يتهاوى محطمًا.

5
هذا إذن هو أساس إيماننا، أن نعرف أن ابن الله مولود؛ لأنه إن لم يكن مولودًا فلا
يكون ابنًا. ولا يكفي أن ندعوه ابنًا إن لم تميّزه باعتباره الابن الوحيد الجنس.
فلو كان مخلوقًا فلا يكون إلهًا، ولو لم يكن إلهًا، لما كان هو الحياة، وإن لم يكن
هو الحياة فلا يكون هو الحق.

6
فالعلامات الثلاث الأولى، أعني الأسماء: “الولادة”، “ابن”،
“الابن الوحيد الجنس”، تُظهر أن الابن هو أصلاً من الله، بسبب أنه من نفس
طبيعته.

7
أمّا الثلاثة التي تليها أي الأسماء: “إله”، “حياة”،
“حق”، فهي تُعلن قوته التي بها وضع أساسات العالم المخلوق وهو ضابطه.
وكما يقول القديس بولس: ” الذي به نحيا ونتحرك ونوجد” (أع28: 17)؛ ولذلك
فالثلاثة الأولى تُعبِّر عن “حق الابن الطبيعي”، وفي الثلاثة الثانية
الأخرى، فإن وحدة العمل القائمة بين الآب والابن تصير ظاهرة.

8
ابن الله يُسمّى أيضًا: “صورة” و”بهاء” و”تعبير”
(التي تُعبِّر عن الله)، لأن هذه الأسماء قد كشفت عن عظمة الآب التي لا تُدرك ولا
تُستقصى، التي في الابن، وكشفت عن التعبير عن مثاله في الابن. هذه الأسماء الثلاثة
كما رأينا تشير إلى مماثلة الابن للآب[11].

9
كما يوجد لدينا أيضًا أفعال القوة والحكمة والحق التي يمكن بها البرهنة على أزلية
الابن.

10
هذا إذن هو الرداء المُزين بالحجارة الكريمة؛ هذا الذي يُعبِّر عن حب الكاهن
الحقيقي؛ هذا هو رداء العُرس، هنا النسَّاج المُلهم الذي عرف جيدًا كيف ينسج هذا
العمل. إنه ليس عمل نسيج عادي، والذي عنه تكلم الرب بواسطة نبيه: ” من ذا
الذي أعطى النساء مهارة في النسيج”[12]. أقول مرة أخرى، تلك الحجارة الموجودة
ليست حجارة عادية، والتي نجدها تُسمّى “للترصيع”[13] لأن كل الكمال
يعتمد على شرط عدم وجود شئ ناقص. إنها حجارة مرتبطة معًا ومُحاطة بالذهب، أي أنها
من نوعٍ روحاني، ربطها يكون بواسطة أذهاننا، وهي مُحاطة بالبرهان المُقنع. وفي
الختام (أقول) إن الكتاب المقدس يُعلّمنا أن هذه الحجارة هي غير عادية، نظرًا لأن
البعض يُحضرون صنفًا، وآخرون صنفًا آخر أقل قيمة، هذه التي أحضرها الأمراء
الورعون، مرتدين إياها على أكتافهم، وصنعوا منها “درع الحق”، أي جزءً من
العمل المنسوج. فالآن يصير لدينا عمل منسوج، عندما يسير الإيمان والعمل معًا.

11
أرجو ألاّ يفترض أحد أنني أخطأت عندما رَّتبتُ في الأول تقسيمًا ذا ثلاث جوانب،
وكل جزء يحوي أربعة، ثم بعد ذلك تقسيمًا رباعيًا، كل واحد له ثلاثة تعبيرات. إن
جمال الشيء الصالح يصير أكثر إبهاجًا عندما يُعرض بأوجه مختلفة. إن تلك الأشياء
التي نُسج الرداء الكهنوتي كعلامة لها هي أشياء حسنة، أي الناموس أو الكنيسة، التي
صنعت فيما بعد ثوبين لعريسها كما هو مكتوب[14] الواحد ثوب العمل والثاني ثوب
الروح، وهي تنسج خيوط الإيمان والعمل معًا، لذلك، فكما تقرأ[15]، فإنها تصنع في
مكان واحد قاعدة من ذهب، وبعد ذلك تنسج عليها أزرق وأرجوانًا مع قرمزي وأبيض.
وأيضًا كما تقرأ في موضع آخر فإنها تصنع أولاً أزهارًا صغيرة من أزرق وألوان أخرى،
وتضم فيها الذهب، وهناك تنسج ثوبًا كهنوتيًا واحدًا بهدف أن الحلية المتنوعة من
النعمة والجمال، والمصنوعة من نفس الألوان الزاهية تضفي جمالاً جديدًا بتنوع
الترتيب.

12
وعلاوة على ذلك (لكي نكمل تفسيرنا لهذه الأمثلة)، فمن المؤكد أن الذهب المصفي
والفضة يدلان على أقوال الرب التي منها يستمد إيماننا ثباته: ” كلام الرب
كلام نقي، فضة محمّاة مجربة في الأرض، قد صُفيت سبعة أضعاف” (مز6: 12و7س).
اللون الأزرق مثل الهواء الذي نتنفسه ونستنشقه داخلنا؛ والأرجواني يمثل أيضًا ظهور
المياه، والقرمزي يشير إلى النار، والكتان الأبيض يشير إلى الأرض لأن أصله من
الأرض[16]، ومن هذه العناصر الأربعة يتكون الجسم الإنساني[17].

13
وسواء إذا كنت تربط الإيمان الموجود أصلاً في الروح بالأعمال الجسدية التي تنسجم
معها، أو أن تأتي الأعمال أولاً والإيمان يتصل بها كرفيق يُقدمها إلى الله هنا
يكون رداء خادم الدين، هنا الثوب الكهنوتي.

ألوهية
المسيح هي أساس الإيمان

14
لذلك فإن الإيمان ينفع إن كانت حافته لامعة بتاج جميل من الأعمال الصالحة[18]. هذا
الإيمان لأقتضب في الأمر هو موجود في الأساسات التالية، والتي لا يمكن إغفالها. إن
كان أصل الابن من لا شئ فهو ليس ابنًا؛ وإن كان مخلوقًا فهو ليس الخالق؛ وإن كان
مصنوعًا فهو لم يصنع كل الأشياء، وإن كان في احتياج إلى أن يتعلّم فليس له سبق
المعرفة، وإن كان يحتاج أن ينال فهو ليس كاملاً؛ وإن كان يرتقى (إلى العلا) فهو
ليس إلهًا. إن لم يكن مثل الآب فهو ليس صورته؛ وإن كان ابنًا بالنعمة فهو ليس
ابنًا بالطبيعة[19]؛ وإن لم يكن له الألوهة بالطبيعة، فسوف يوجد فيه الاحتمال أن
يخطئ، لأنه ” ليس أحد صالحًا إلاّ الله”[20].

===

[1]
يو14: 1و18، عب5: 1، رو5: 9، 3: 14، يو1: 13، 14.

[2]
عب3: 1، انظر يو9: 14، كو15: 1.

[3]
1كو24: 1، انظر يو6: 14، 25: 11.

[4]
انظر خر14: 3 ” أهيه الذي أهيه ” أي أكون الذي أكون.

[5]
انظر يو42: 8، 27: 1628.

[6]
انظر عب3: 1.

[7]
انظر يو6: 14، 3: 17، 1يو20: 5.

[8]
انظر تث26: 5 ” مَنْ.. سمع صوت الله الحي يتكلم.. وعاش”. انظر يو25: 11.

[9]
انظر خر15: 2821.

[10]
انظر عب15: 4، 1: 55، 28: 7، 7: 8.

[11]
انظر عب3: 1.

[12]
يُرجع القديس أمبروسيوس الشاهد إلى أيوب36: 38، بحسب الترجمة السبعينية.

[13]
خر27: 35.

[14]
يتبع القديس أمبروسيوس النسخة السبعينية (أم21: 31(22).

[15]
انظر سفر الخروج34،33: 28، وأيضًا 6،5: 28.

[16]
هذه الألوان استُخدمت في صُنع إفود الكاهن الأعظم (خر5: 28و6) وصُنع حجاب الهيكل.

[17]
هذه هي نظرية بعض الفلاسفة الأيونيين.

[18]
انظر يع14: 226.

[19]
أي ابنًا “بالتبني” كواحد منّا.

[20]
انظر مر18: 10.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى