علم

الكتاب الثاني: الفصل الحادي عشر



الكتاب الثاني: الفصل الحادي عشر

الكتاب
الثاني: الفصل الحادي عشر

11-
تجسد المسيح وتأثيراته الشافية
وألوهيته
التي تعلن عن نفسها في آلامه

ملخص:

 يتحدث
هذا الفصل عن هدف التجسد وتأثيراته الشافية، ونفع الإيمان الذي به نعرف أن المسيح
حَمَلَ كل الضعفات لأجلنا، المسيح الذي أعلنت ألوهيته عن نفسها في آلامه؛ لذلك
فنحن نفهم أن إرسالية ابن الله لا تستلزم أى نوع من المذلَّة، هذا الاعتقاد الذي
لا نحتاج أن نخافه كشيء لا يسرّ الله، الذي يعلِن هو نفسه أنه مسرور بابنه.

 

89
دعنا بالمِثل نتعامل بعطف، دعنا نُقنِع الذين يعادوننا بما هو نافع لهم، ”
هلم نسجد ونجثو وننوح أمام الرب خالقنا” (مز6: 95س)، لأننا لن نطرحهم بعيداً
بل بالأحرى سوف نشفى، إننا لن نضع فخاً أمامهم، ولكننا سوف نحذِّرهم كما هو
الواجب. إن الشفقة كثيراً ما تُغيِّر أولئك الذين لا ينفع في إخضاعهم لا القوة ولا
الجدال. وربنا أيضاً عالج بالزيت والخمر الرجل الذي كان نازلاً من أورشليم إلى
أريحا، والذي وقع بين اللصوص ولم يعالجه بأدوية الناموس الخشنة ولا بالنبوات
الجافة.

90
لذلك، فليأتِ إليه جميع الذين يريدون أن يصيروا أصحاء. دعهم يأخذون الدواء الذي
أنزله من عند أبيه والمصنوع في السماء، والذي أعدَّه من عصائر تلك الثمار السمائية
التي لا تذبل. هذا ليس من نتاج أرضى، لأن الطبيعة لا يوجد بها هذا المزيج في أى
مكان. أخذ جسدنا لأجل هدف عجيب، لكى يُبيِّن لنا أن ناموس الجسد قد أُخضِع لناموس
العقل. لقد تجسَّد معلِّم البشر لكى يغلب كإنسان.

91
ماذا كان سيفيدني، لو أنه كإله كشف عن ذراع قوَّته وأظهر أن ألوهيته لا تُنتهك؟
فلماذا اَّتخذ لنفسه طبيعة بشرية وسمح لنفسه أن يُجرَّب تحت ظروف طبيعتي وضعفي؟
لقد كان من الصواب أن يُجرَّب وأن يتألم معي، وذلك لكى أعرِف كيف أَنتَصِر عندما
أُجرَّب، وكيف أهرب عندما أُضغَط بشدة. لقد انتصر بقوة طهارته وقوة الازدراء
بالغِنَى؛ وبالإيمان. فقد وطأ الطمع وهرب من الإفراط والتطرف، آمراً الشهوانية أن
تبقى بعيدة عنه.

92
هذا الدواء شاهده بطرس، فترك شباكه، أى أدوات الصيد والرِّبح المضمون، وتخلى عن
شهوة الجسد كأنها سفينة مثقوبة في القاع تتسرب إليها شهوات متعددة كثيرة. حقّاً
إنه علاج فعَّال، لا ينزع فقط ندبة الجرح القديم، بل وأيضاً يقطع أصل الألم
ومصدره. أيه أيها الإيمان الأثمن مِن كل خزائن الجواهر؛ أيها الدواء الممتاز،
الشافي لجراحاتنا وخطايانا!.

93
دعنا نذكِّر أنفسنا بمنفعة الإيمان الصحيح. إنه نافع لي أن أعرف أنه مِن أجلى
حَمَل المسيح ضعفاتي، أخضع نفسه لمشاعر جسدي، ولأجلى، أى لأجل كل إنسان، صار
خطيَّة ولعنة[1]، ولأجلى وفي تذلَّل وصار خاضعاً، ولأجلى صار حملاً وكرمة وصخرة[2]
وعبداً، وابن الأَمَة[3] (يقصد الأُمة اليهودية والعذراء)، (قاصداً) ألاّ يعرف يوم
الدينونة، ولأجلى لا يعرف اليوم ولا الساعة[4].

94
لأنه كيف يمكنه، وهو الذي صنع الأيام والأزمنة أن يكون غير عارف لليوم (الدينونة)؟
كيف لا يمكنه أن يعرف اليوم وهو الذي أعلن زمن الدينونة الآتية وسببها[5]؟ وهو قد
صار لعنة، إذن، لا من جهة ألوهيته وإنما من جهة جسده، لأنه مكتوب: ” ملعون كل
مَن عُلِّق على خشبة” (تث23: 21، غل13: 3)، ولذلك فإنه في الجسد أى بعد
التجسد قد عُلِّق، ولذلك فإن هذا الذي حَمَل لعناتنا صار لعنة[6]. إنه بكى، حتى لا
يطول بكاؤك أيها الإنسان، واحتَمَلَ الإهانة حتى لا تحزن قِبالة الإساءة التي
تصيبك[7].

95
إنه علاج عظيم أن نتعزَّى بالمسيح! لأنه احتمل هذه الأشياء في صبر تجاوز الحدّ
لأجلنا، ونحن لا نقدر أن نحتملها بصبرٍ مماثل لأجل مجد اسمه! مَن مِنَّا لا
يتعلَّم أن يصفح عندما يُهَاجم، وهو يرى المسيح حتى وهو على الصليب يُصلِّى لأجل
أولئك الذين اضطهدوه؟ أما ترى أن ضعفات المسيح هذه كما يُسرِّك (أيها الهرطوقي) أن
تُسمِّيها إنما هي قُوَّتك[8]؟ لماذا تسأله عن أدوية لعلاجنا؟ إن دموعه تغسلنا،
وبكاءه يطهِّرنا، فلا تشكَّ أنه توجد قوة خاصة في الضعف، لأنك إن كنت تشك (في
قوته) فسوف تيأس. وكلَّما كانت الإهانة أكبر، كلَّما كان الامتنان الذي يليق به
أعظم.

96
حتى في وقت السخرية والاستهزاء، عليك أن تعترف بألوهيته. إنه عُلِّق على الصليب،
وكل العناصر أولتهُ التكريم[9]. الشمس أخفت شعاعها، ونور النهار احتجب، والظلمة
أقبلت وغطَّت الأرض، والأرض اهتزت مع أن المُعلَّق هناك لم يهتز. إلى أيّ شيء تشير
هذه العلامات إلاّ إلى توقير الخالق؟ إن هذا المُعلَّق على الصليب، هذا الذي
تلاحظه أيها الآريوسى، هذا هو مُعطِى ملكوت الله، وأنتَ لا تُريد أن تعتبره أو
تلتفت إليه. إنك تقرأ أنه ذاق الموت، ولكنه أيضاً هو الذي دعا اللص إلى
الفردوس[10]، ولكن أنتَ لا تنتبه لمثل هذا العمل. إنك تُحملِق في المرأة التي تبكى
عند القبر، ولكن لا تنظر إلى الملائكة التي تظل تحرسه[11]. إنك تقرأ ما يقوله،
ولكنك لا تقرأ ما يعمله. أنتَ تقول إن الرب قال للمرأة الكنعانية: ” لم أُرسل
إلاّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالة” (مت24: 15)، ولكنك لا تذكر إنه أتمَّ ما
توسلَّت إليه أن يعمله.

97
وهكذا عليك أن تفهم أن كونه: ” أُرسِل” لا يعنى أنه أُجبِر على ذلك بأمر
آخرَ، ولكنه عمل هذا بإرادة حُرَّة، وبحسب فكره الخاص. وإلاّ فأنتَ سوف تتّهمهُ
أنه يحتقر أباه، لأنه إن كان بحسب شرحك قد جاء المسيح إلى اليهود مثل من يُتمِّم
وصايا الآب ليخلِّص شعب اليهود وليس أحد آخر معهم، ومع ذلك فإنه مِن قَبْل أن
يُتمِّم هذا، فإنه أقام ابنة المرأة الكنعانية، فهو بالتأكيد ليس فقط يُتمِّم
وصايا آخر، ولكنه حُرٌّ أيضاً ليمارس حكمه ورأيه الخاص. وحيث توجد حرِّية في أن
يعمل الشخص ما يريد، فلا يمكن أن يكون هناك تعدِّى على مهام إرسالية الشخص.

98
لا تخف أن يكون عمل الابن لا يرضى الآب، لأنك ترى الابن نفسه يقول: ” لأني في
كل حين أفعل ما يرضيه”، وأيضاً: ” الأعمال التي أنا أعملها يعملها هو
أيضاً”(يو29: 8، 12: 14). كيف إذن، يكون الآب غير راضٍ عما يفعله هو نفسه
بواسطة الابن؟ كما هو مكتوب: ” لأن الله واحد هو الذي سيُبرِّر الختان
بالإيمان والغرلة بالإيمان” (رو30: 3).

99
اقرأ جميع الكتب المقدسة، أصغِ إليها باجتهاد، سوف تجد عندئذٍ أن المسيح قد أظهر
ذاته حتى يمكن أن نرى الله في الإنسان، وعندما تسمع الآب يُعلن رضاءه عن الابن،
فلا تسئ الفهم بخبث من جهة تمجيد الابن في الآب.

===

[1]
2كو21: 5، غل13: 3.

[2]
يو29: 1و36، يو1: 15، 1كو4: 10.

[3]
مر45: 10، يو4: 13و5، مز16: 86 ” أعطِ عبدك قُوَّتك، وخلِّص ابن
أَمَتَك”.

[4]
مت36: 24.

[5]
مت 22: 24و29، مز13: 96 ” لأنه جاء ليدين الأرض، يدين المسكونة بالعدل
والشعوب بالأمانة”، مز9: 98 ” جاء ليدين الأرض، يدين المسكونة بالعدل
والشعوب بالاستقامة”.

[6]
هذا هو ما شكل عثرة ” الصليب “، انظر غل11: 5، 1كو22: 1.

[7]
المقصود هنا الأحزان التي نجوزها خلال وجودنا في العالم بسبب قسوة البشر.

[8]
2كو9: 12، 4: 13، 1بط24: 2، 13: 4.

[9]
مت51: 27.

[10]
لو43: 23.

[11]
يو11: 20و12.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى