علم

الكتاب الأول: الفصل السابع عشر



الكتاب الأول: الفصل السابع عشر

الكتاب
الأول: الفصل السابع عشر

17-
المسيح ليس إلهاً فقط كما يعتقد الآريوسيون
وإنما
هو الله نفسه بالحقيقة.

ملخص:

 المسيح
لا يكون إلهاً فقط، ولكن هو الله نفسه حقيقة، هو إله حق من إله حق. ويشرح القديس
عبارة “الله بذله”. كما ويشرح القديس كيف أن إرادة وعمل الآب نفسهما
إرادة وعمل الابن. والشهود والكتب المقدسة تشهد لإلوهة المسيح وبنوته للآب
ومساواته له

 

 108
فمن ثمَّ فإن المسيح لا يكون إلهاً فقط، ولكن هو الله نفسه حقيقة، هو إله حق من
إله حق، إذ أنه هو الحق[1]. وإن سألنا عن اسمه، فإن “الحق” هو اسمه. وإن
بحثنا لنعرف مرتبته الطبيعية ومنزلته، فهو بالحق تماماً ابن الله الحقيقي، لأنه في
الحقيقة ابن الله الخاص كما هو مكتوب: ” الذي لم يُشفق على ابنه (الخاص) بل
بذلك لأجلنا أجمعين” (رو32: 8). وعندما يقول “بذله” فإنه يتحدث عن
الجسد، أما أن يكون ابن الله الخاص، فهذا يُعلن ألوهيته؛ وإذ هو إله حقيقي فهذا
يُبيّن أنه ابن الله الذاتي؛ أما مذلته فهي بسبب خضوعه وهو في الجسد، وبسبب
ذبيحته، وهي بداية طريق خلاصنا.

 109
ومع ذلك، فلئلا يُحرِّف البعض الكتب المقدسة بسبب العبارة: ” الله بذله
“، فإن الرسول نفسه يقول في مكان آخر: ” سلام من الله الآب ومن ربنا
يسوع المسيح الذي بذل نفسه لأجل خطايانا” (غلا3: 1و4)، وأيضاً: ” كما
أحبنا المسيح أيضاً وبذل نفسه لأجلنا” (أف2: 5). فإن كان الآب قد بذله،
وأيضاً هو بذل نفسه من تلقاء نفسه، فمن البيِّن إذن أن إرادة وعمل الآب والابن هما
واحد.

 110
فإن كنا نسأل عن تفوقه الطبيعي، فإننا نجد أن سبب ذلك هو كونه مولود، أمّا إن كنت
تفكر أن ابن الله مولود (من الله) فهذا معناه أنك تفكر أنه ابن الله الذاتي؛ وكذلك
أن تُنكر أن المسيح هو ابن الله الذاتي، فهذا معناه أنك تُصنِّفه مع سائر البشر
ولا يكون بعد ابناً مختلفاً عن الآخرين. أمَّا إن كنا نسأل عن خاصية ميلاده
المُتميزة فهي هكذا: إنه خرج من الله. لأنه بينما نعرف من خبرتنا أن كلمة يخرج
تتضمن أيضاً شيئاً موجوداً من قبل، والشيء الذي يُقال عنه إنه يخرج يظهر لنا أنه
ينتقل من أماكن داخلية ومستترة، فنحن مع أننا قدَّمنا الموضوع في عبارات موجزة،
إلاّ أنه علينا أن نلاحظ الخاصية المميزة للميلاد الإلهي، كون الابن لا يظهر أنه
يخرج من مكان، ولكنه يخرج كإله من إله، أي كابن من أبيه، كما أنه ليست له بداية
زمنية، ولكنه خرج من الآب بالميلاد. أمّا عن كونه هو نفسه مولوداً، فإنه يقول:
” إني خرجت من فم العلي” (يشوع بن سيراخ3: 24).

 111
ولكن إن كان الآريوسيون لا يعترفون بطبيعة الابن، وإن كانوا لا يؤمنون بالكتب
المقدسة، دعهم على الأقل يؤمنون بالأعمال المقتدرة. ونحن نسأل لمن يقول الآب:
” نعمل الإنسان” (تك26: 1) إلاّ لمن يعرف أنه ابنه الحقيقي؟ وهل يمكن
للآب أن يرى صورته إّلا في هذا الواحد الحقيقي؟ إن الابن المتبنَّي ليس مثل الابن
الحقيقي، وإلاّ ما كان يمكن للابن أن يقول: ” أنا والآب واحد” [2] إن
كان يقيس نفسه بمن هو حقيقي بينما هو نفسه غير حقيقي. لذلك فإن الآب يقول: ”
نعمل الإنسان”. إن الذي يتكلم هو صادق، فهل يمكن أن الذي يعمل (معه) لا يكون
صادقاً؟ هل يمكن للكرامة التي تُقدم لذاك الذي يتكلم أن تُحجز عن الذي يعمل؟

 112
كيف يمكن للآب إن لم يكن يعرف أنه ابنه الحقيقي أن يستودعه إرادته للتعاون الكامل.
وأن يستودعه أعماله ليخلق الأشياء بالفعل؟ وإذ نرى أن الابن يعمل الأعمال التي
يعملها الآب، وأن الابن يُحيي من يشاء[3] كما هو مكتوب، فمن ثمَّ فهو مساوٍ في
القوة وحر في إرادته، وهكذا تتأكد الوحدانية بينهما، نظراً لأن قوة الله تكمن في
أن جوهر الألوهة هو خاص بكل أقنوم، والحرية لا تعني أي اختلاف، ولكنها تكمن في
وحدة المشيئة.

 113
والرسل عندما تقاذفتهم العواصف وهم في البحر، حالما رأوا المياه تقفز حول أقدام
سيدهم وهم ينظرون خطواته الشجاعة غير الخائفة على الماء وهو يسير وسط أمواج البحر
الثائرة، وعندما رأوا السفينة التي كانت تضربها الأمواج، وقد هدأت حالما دخلها
المسيح، وأيضاً لما رأوا الأمواج والريح يطيعانه، فمع أنهم لم يكونوا قد آمنوا
بعد، فقد آمنوا أنه هو ابن الله الحقيقي وقالوا: ” حقاً أنت ابن الله”
[4].

 114
وبالمثل فإن نفس الأمر نجده عندما اعترف قائد المائة والآخرون الذين كانوا معه
لمّا عاينوا اهتزاز أساسات المسكونة وقت آلام الرب، وهذا تنكره أنت أيها الهرطوقي!
قال قائد المائة: ” حقاً كان هذا ابن الله” (مت 54: 27)، إنه قال:
“كان” والآريوسيون يقولون: “لم يكن!”، لذلك فإن قائد المائة
وبأيدي مصبوغة بالدم، ولكن بذهن ورع مخلص يفصح عن حقيقة وأزلية ميلاد المسيح
كليهما، وأنت أيها الهرطوقي تُنكر حقيقة هذا الميلاد وتجعله زمنياً! هل لطخت يداك
أكثر من نفسك! ولكنك أنت غير الطاهر حتى في يديك، والقاتل عمداً، تطلب موت المسيح
الذي تترصده إذ أراك تفكر فيه كوضيع وضعيف، كلاَّ، فهذه خطية رديئة، لأنه ولو أن
جوهر الألوهة غير متألم، إلاّ أنك تعمل باجتهاد لتذبح المسيح، ليس جسده ولكن مجده.

 115
لا يمكننا إذن أن نشك بأن الابن هو إله حق حيث إن ألوهته الحقة يؤمن بها حتى
القتلة، والأرواح الشريرة كذلك تعترف بها. إننا لا نحتاج الآن إلى شهادتهم، ولكنها
مع ذلك هي أعظم من تجاديفك. إننا استدعيناهم للشهادة لنجعلك تستحي، هذا بالإضافة
إلى أننا نقتبس مما هو مكتوب في الوحي الإلهي بقصد أن نقودك إلى الإيمان.

 116
يُعلن الرب بفم إشعياء: ” وأطلب في فم الذين يخدمونني اسماً جديداً، الذي
يبارك في كل الأرض، وسوف يباركون الإله الحق، والذين يحلفون بالإله الحق”
(إش16: 65س). إنني أقول إن إشعياء نطق بهذه الكلمات عندما رأي مجد الرب، وقد قيل
بوضوح في الإنجيل إنه رأي مجد المسيح وتكلم عنه[5].

 117
اسمع أيضاً ما كتبه يوحنا البشير في رسالته قائلاً: ” ونعلم أن ابن الله قد
جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق، ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح، هذا هو الإله
الحق والحياة الأبدية” (1يو20: 5). يوحنا يسميه ابن الله الحقيقي والإله
الحق، فإن كان هو الإله الحق، فبالتأكيد يكون غير مخلوق، بلا وصمة كذب أو خداع،
وليس فيه اختلاط ولا عدم تماثل مع أبيه.

===

[1] يو6: 14.

[2] انظر يو30: 10.

[3] انظر يو19: 5و21.

[4] انظر مت33: 14.

[5] انظر يو41: 12.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى