علم

الكتاب الأول: الفصل الحادي عشر



الكتاب الأول: الفصل الحادي عشر

الكتاب
الأول: الفصل الحادي عشر

11-
الكتب المقدسة تثبت أزلية
ومساواة
الابن للآب

ملخص:

 لا
يمكن للكتب المقدسة إثبات أن الآب موجود قبل الابن، كما أنه لا يمكن أن تكون
المجادلات المتخذة من التناسل البشرى تفيد في هذا الصدد، لأنها تُوصَّل إلى سخافات
منافية للعقل ولا نهاية لها. أمَّا مَن يتجاسر ليعلّم بأن المسيح بدأ وجوده في
الزمن، فهذا هو قمة التجديف.

 

68
أنت تسألني هل من الممكن أن يكون الآب سابقاً في وجوده (على الابن). وأنا أسألك أن
تخبرني متى كان الآب موجوداً دون أن يكون الابن (معه). فأي برهان يمكن أن تقدمه أو
ما هي الحجج والأدلة التي تؤيد ذلك من الكتاب المقدس. فإن كنت تعتمد على أدلة (من
الكتاب)، فإنك بلا شك قد تعلمت أن قوة الله أزلية. فلابد أنك قرأت الكتاب القائل:
” يا إسرائيل إن سمعت لى، فلن يكون فيك إله غريب ولا تسجد لإله أجنبي”
(مز8: 81و9). أول هذه الوصايا يدل على أزلية (الابن)، والثاني منها يدل على
امتلاكه لنفس الطبيعة، حتى إننا لا نستطيع أن نؤمن أنه جاء إلى الوجود بعد الآب،
كما لا يمكننا أن نفترض أنه ابن لإله آخر. لأنه لو لم يكن موجوداً دائماً مع الآب،
فإنه يكون إلهاً ” غريباً ” (جديداً)، وإن لم يكن من نفس الألوهة مع
الآب، فهو يكون إلهاً ” أجنبياً “. فالابن لم يوجد بعد الآب، لأنه ليس
“إلهاً جديداً”، ولا هو ” إله أجنبي “، لأنه مولود من الآب،
ولأنه هو: ” الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد” (رو5: 9) كما هو
مكتوب.

69
ولكن إن كان الآريوسيين يعتقدون فيه أنه إله أجنبي، فلماذا إذن يعبدونه بينما
الكتاب يقول: ” لا تسجد لإله غريب؟ “، وإلاّ فإن كانوا لا يسجدون للابن،
فليتهم إذاً يعترفون بذلك وبهذا ينتهي الموضوع، فلا يخدعون أحداً باعترافات
ديانتهم. هذه هي إذن شهادات الكتب المقدسة. أمَّا إن كان عندك شهادات أخرى، فهذا
هو عملك الذي عليك أن تقوم به.

70
دعنا الآن نتقدم أكثر لنستخلص الحقيقة من خلال البراهين والحجج. فمع أن البراهين
تكون كافية عادةً للمنطق البشرى، إلاّ أن الهرطوقي لا يزال يجادل كما تفعل أنت،
فأنت تقول: ” إن الاختبار يُعلّمنا أن الكائن الذي يلد هو سابق على ”
الكائن المولود “، وأنا أجيب: دعنا نتتبع اختبارنا المعتاد في كل جوانبه، فإن
كانت باقي الجوانب تتفق مع ما تقوله هنا، فإنني لن أعارض ادعاءك وسوف أُسلّم بما
تقول، ولكن إن لم يوجد مثل هذا الاتفاق، فكيف تطالب بالموافقة على هذه النقطة
الواحدة، بينما يعوزك السند في باقي الجوانب؟ فأنت باستنادك على ما هو معتاد تقول
إن الابن عندما وُلِدَ من الآب كان طفلاً صغيراً. أنت تراه طفلاً يصرخ في المهد،
وبمرور السنين أخذ ينمو من قوة إلى قوة لأنه لو كان ضعيفاً بخضوعه لضعف الأشياء
المولودة، فلابد أيضاً (الابن) أن يكون قد سقط تحت نفس الضعف فقط، ليس من جهة
الولادة فقط بل من جهة الحياة أيضاً.

71
ولكنك ربما بهذا تجرى نحو هوة من الغباء حتى تجعلك لا تحجم عن أن تؤكد على حدوث
هذه الأمور مع ابن الله، وتقيسه كما تفعل الآن، بحسب مقياس الضعف البشرى. إذن
فبينما أنت لا يمكنك أن ترفض أن تعطيه اسم إله، إلاّ أنك تنزع إلى إثبات أنه إنسان
بسبب الضعف؟ وماذا إن كنت وأنت تفحص شخص الابن، فإنك تتشكك في الآب، وبينما أنت
تحكم بتسرع على الأول (الابن)، فإنك تضم الآخر (الآب) تحت نفس الحكم!

72
لو كانت الولادة الإلهية خاضعة لحدود الزمن إن افترضنا هذا، باقتباس ما هو معتاد
في الولادة البشرية، فإنه يتبع ذلك أن يكون الآب قد حبل بالابن في رحم جسدي، وتمخض
تحت نير الحمل إلى أن انقضت عشرة أشهر. ولكن كيف يمكن أن يتم التوالد كما يحدث
عادةً بدون اشتراك الجنس الآخر؟ إنك ترى أن النظام المعتاد للتوالد لم يكن هو ما
حدث في البداية، وأنت تظن أن طرق التوالد العادي الذي تحكمه ضرورات معينة تخضع لها
الأجساد، كانت سائدة دائماً فيما سبق. أنت تفترض الطريق المعتاد، وأنا أسأل عن
اختلاف الجنس: أنت تتمسك بوجود الزمن، وأنا أتمسك بالطريقة (طريقة الولادة)، أنت
تبحث في النهاية، وأنا أبحث في البداية.

 والآن،
بالتأكيد فإن النهاية تعتمد على البداية، وليست البداية هي التي تعتمد على
النهاية.

73
أنت تقول: ” إن كل ما يولد له بداية، ولأن الابن هو ابن، فلابد أن تكون له
بداية، وقد أتى إلى الوجود أولاً ضمن حدود الزمن. إن هذا هو ما ينطق به فم
الهراطقة. أما بالنسبة لى، فإنني أعترف أن الابن مولود، ولكن بقية كلامهم تجعلني
أرتعد. أيها الإنسان، هل تعترف بالله، وبعد ذلك تحط من كرامته بمثل هذا الافتراء؟
ليت الله ينقذنا من هذا الجنون.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى