علم

الفصل الرابع



الفصل الرابع

الفصل
الرابع

فكرة
عن المنهج اللاهوتي العام للقديس أثناسيوس

 

إليك أيها القارئ أُقدِّم مقتطفاً عن أكبر لاهوتيي
البروتستانت ونُقَّادها “هارناك”، وهو عبارة عن تحليل للاهوت أثناسيوس.

يقول
هارناك عميد اللاهوتيين الألمان البروتستانت عن أثناسيوس:

[رجل ظهر في بكور القرن الرابع، حفظ الكنيسة من انحدارها
نحو العالم في أهم أُسس الإيمان
 … احتفظ للإيمان المسيحي بأرضيته الخاصة
فوق تربة الفكر الإغريقي، وجمع كل شيء وصوَّبه نحو عقيدة الفداء بواسطة الله نفسه،
أي بواسطة الإله المتأنِّس ذي الجوهر الواحد مع الله.

لم
يكن أثناسيوس مستغرقاً في صياغة الاصطلاحات، ولكنه كان مندفعاً نحو تقرير قاعدة
محددة قاطعة للإيمان بالفداء، لضمان حياة إلهية بواسطة هذا الإله المتأنِّس. وعلى
هذه القاعدة الأكيدة وحدها التي تقوم على لاهوت المسيح الذي هو من جوهر اللاهوت
ذاته، رأى أثناسيوس أنه يمكن فقط أن نرتفع إلى “حياة إلهية”، وحيث يستمد الإيمان
من هذه القاعدة قوته وحياته وناموسه ولاهوته وهدفه …

ولكن
بينما يضع أثناسيوس الإيمان كله في الإله المتأنِّس، الذي هو وحده قادر أن يحررنا
من الموت والخطية، رافعاً هذا الإيمان فوق كل اعتبار آخر؛ إلاَّ أنه يعود في نفس
الوقت ليعطي حياة التقوى العملية التي تتمثل قمتها في النسك والتعبُّد الرهباني
اعتبارها الفائق. وقد استطاع أن يربط قضية الهوموؤوسيوس (وحدة الجوهر للمسيح مع
الآب) باعتبارها الضمان الوحيد لتوكيد لاهوت الابن المتأنِّس
ربطاً وثيقاً محكماً بالنسك والعبادة التقوية، رافعاً الحياة النسكية
الرهبنة من ركودها واختفائها تحت أرضية العالم، ومن الدائرة غير
المضمونة التي كانت منحصرة فيها إلى عمق الحياة الكنسية.

وبينما
كان يصارع ضد نظرية “اللوغس والخليقة” والأفلاطونية الحديثة بنظريتها في الثالوث
المتدرج (غير المتساوي) الذي هو من صميم الوثنية المقاومة لجوهر المسيحية، كان
وفي نفس الوقت يصارع وبنفس القوة والنشاط ضد ميوعة الحياة الدنيوية،
حتى اعتُبر أثناسيوس أبا الأرثوذكسية الكنسية وقديس الرهبنة ونصيرها.]([1])

 

أولاً: أسلوبه العام

 

من مؤلفات أثناسيوس ومن تاريخ حياته نستطيع أن نعذر هذا
العملاق اللاهوتي، كونه لم يترك لنا مؤلفات ذات طابع بنائي أو تثقيفي، فحياته كلها
كانت كفاحاً وصراعاً ضد الأريوسية، فخرجت مؤلفاته تحمل صبغة الدفاع عن الإيمان، في
ما عدا الكتابين اللذين ألفهما في بكور حياته قبل اندلاع النزاع الأريوسي وهما:
“ضد الوثنيين”، و“تجسُّد الكلمة”. وهذان أيضاً كان القصد منهما الدفاع عن الإيمان
المسيحي ضد الوثنيين. كذلك ما خلفه لنا الزمن من بقايا شرح أثناسيوس لبعض الأسفار
وسفر المزامير.

لذلك
فكل كتابات أثناسيوس، بالرغم من الكثافة الهائلة على المستوى العقائدي والغني والخصب
في التعبيرات اللاهوتية وشرحها الدقيق، إلاَّ أنه للأسف لا يستطيع أحد أن يتبيَّن
منهجاً محدداً يشمل كل كتاباته، لا لشيء إلاَّ لأنه لم يعطَ الفرصة قط ليجلس
هادئاً ويؤلف لبناء الفكر الكنسي.

ولكن
بالرغم من كل ذلك فكتابات أثناسيوس كلها تحمل طابع العقلية القوية الراجحة
والناضجة جدًّا بل والعظيمة حقا، كما يحمل أسلوبه شخصية اللاهوتي العميق المتمرِّس
الذي لا تقف تعبيراته اللاهوتية عند حد. وفوق هذا يبقى أثناسيوس رجل الحركة
السريعة والمبادرة والمباغتة معاً، الأمر الذي جعل من أسلوبه اللاهوتي سلاحاً يضرب
في كل جهة وفي المواضع الخفية جدًّا.

وأسلوب
أثناسيوس متميِّز، لا يشبهه أي أسلوب آخر مما للاهوتيين قدامى ومحدثين، فهو يختلف
كثيراً جدًّا عن باسيليوس وغريغوريوس ويوسابيوس في أصالة تعبيراته غير المصطنعة
وغير المنمَّقة، كذلك يتميَّز جدًّا عن ترتليان كون أسلوبه سلساً وسهلاً ويخلو من
الخشونة والجفاف، وهو يختلف عن جيروم كونه واقعياً وطبيعياً يخلو من التهويل
والتضخيم المصطنع. ويختلف عن هيلاريون كونه تلقائياً غير متكلِّف. ويختلف
عن أغسطينوس ويوحنا ذهبي الفم كون أسلوبه بسيطاً غير مشحون بالاستطرادات
والمحسنات والمعاني الفرعية الكثيرة.

وأثناسيوس
لم يكتب قط بنية التأثير على القارئ أو احتواء فكر السامع، ولكنه كان يكتب ليشرح
الحق، والحق فقط، تاركاً الحق ليؤثِّر بنفسه على السامع والقارئ. فأسلوب أثناسيوس
يخلو من الذات، ولكن لا يخلو قط من الحق. وكنتيجة مباشرة لذلك نجده يكرِّر ويكرِّر
ما يقول بدون ملل، وهو يعي أنه يرهق السامع والقارئ بهذا التكرار، ويعتذر عن ذلك
ويعتذر كثيراً، ولكن يعود إلى التكرار مرَّة أخرى لأنه مشغول دائماً بتوصيل الحق،
ولا يريد أن يهدأ حتى يبلغ ذلك. وإن كان الناقدون لأسلوب أثناسيوس يعتبرون هذا
عيباً يؤاخذونه عليه، ولكن في الحقيقة لو أنصف هؤلاء لوضعوا هذا الخطأ كله على
المعاندين للحق الذين لم يريدوا أن يخضعوا للحق أبداً، وهم يحاولون بالتحايل والغش
والباطل تضليل البسطاء والحكماء على السواء.

كانت
اللغة اليونانية التي يكتب بها أثناسيوس وهو مواطن صعيدي وقبطي صميم
قد تباعدت نحو سبعة قرون عن مصادرها النحوية الأصلية التي كتب بها عمالقة الأدب
واللغة عند شعراء وأدباء اليونان، فلا مجال إطلاقاً لمقارنة لغة أثناسيوس
بالأولين. كذلك فإن اللغة اليونانية بعد أن استوطنت الإسكندرية كانت قد تغيرت
شيئاً ما عن اللهجة الأصلية، لذلك نجد بعض النقاد مثل فيلوستورجيوس
Philostorgius يقارنون بانحياز غير شريف ولا عاقل بين أدبيات اللغة عند أثناسيوس
الذي بدأ يكتب في سنه الثالثة والعشرين، والذي كان يكتب مؤلفاته وهو يتنقَّل
هارباً من مدينة إلى أخرى ومن جبل إلى جبل ومن برية إلى برية ومن كهف إلى كهف، في
مقابل الكبادوكيين المنحدرين من أصل بيزنطي، الذين كتبوا وهم جالسون على عروشهم
الحريرية وبين أيديهم مئات المؤلفات وبالأخص مؤلفات أثناسيوس نفسه!

ولكن
بالرغم من ذلك، فعند المحللين المعاصرين يُعتبر أثناسيوس أعظم من عبَّر باللغة
اليونانية عن فكر عصره كله وعن مضمون لاهوت القرن الرابع جميعاً، بل والوحيد الذي
يعكس شخصية الرجل المسئول والغيور جدًّا على الكنيسة في كل كتاباته! …

ويلاحظ
اللغويون أنه يتخلل كتابات أثناسيوس ألفاظ لاتينية كثيرة مكتوبة بحروف يونانية،
مما يكشف عن درايته وميله الطبيعي إلى اللاتينية التي تعلمها في أيام نفيه في
إيطاليا وفرنسا.

وإنها
لشهادة عظيمة التي يقدمها أرشيبلد روبرتسن في مقدمته عن كتابات أثناسيوس([2])،
قائلاً إن كل لاتينية ترتليان وكبريان وجيروم وأغسطين وليو (لاون)، وهم فطاحل
اللغة اللاتينية بكل أدبياتها وتنميقاتها، تُعتبر في الدرجة الثالثة من جهة
فعاليتها كأسلحة لاهوتية إذا ما قورنت بيونانية أثناسيوس الذي يُعتبر بين كل
الآباء الذين كتبوا باليونانية أكثرهم جميعاً سهولة ويسراً وفهماً، لأن أسلوبه كان
طبيعياً وهادفاً، وفي مضمونه يصوِّر لنا إنسان القرن الرابع بأكمله أكثر مما يصور
لنا حقبة زمنية محصورة بحياته.

 

ثانياً: الاتجاهات المدرسية للاهوت أثناسيوس

معروف
قطعاً أن لاهوت أثناسيوس نابع ومرتبط بمدرسة الإسكندرية، التي كانت ولم تزل إلى
أيام أثناسيوس وبعده متأثرة بالفكر الأوريجاني (الجناح الأيمن) في طرق البحث
والشرح والتحليل. فهو وريث شرعي للنتاج الفكري والتقوي لعظماء مدرسة الإسكندرية
جميعاً: كليمندس وأوريجانوس وديونيسيوس وثيئوغنستس؛ ولكن من شرح أثناسيوس وتعليقه
على الأسفار المقدسة، خاصة رسائل الروح القدس التي أرسلها لسيرابيون أسقف تمي،
يتضح أنه لا يأخذ مبادئ الأولين على علاَّتها، ولكنه كان بوعي وعمق
شديدين يصحح ويقوِّم أفكار السابقين على ضوء الوحي المقدس في
الإنجيل. بل وفي مواضع كثيرة نجد أثناسيوس ينتقد ويقاوم بشدة أفكار أوريجانوس، كما
صنع البابا بطرس الشهيد سلفه([3])
في كتابه عن راعوث، وكذلك البابا ألكسندروس وميتوديوس (أسقف صور الشهيد 311م).

ولكي
يتضح لنا اتجاه أثناسيوس من نحو أفكار أوريجانوس وكل مَنْ جاء بعده، نقرأ له في
الرسالة الخامسة إلى سيرابيون عن الروح القدس:

[لقد
قرأت ما كتبه الآباء وبالذات الفيلسوف والمجاهد أوريجانوس، والعجيب المجاهد
ثيئوغنستس، واطَّلعت على كتبهم لأرى ماذا قالوا بخصوص هذا الموضوع …
ولكننا نحذِّر كل مَنْ يقرأ هذه الكلمات من عدم فهمها بصورة سليمة … كما علينا
أيضاً أن نحذِّر … أمَّا عن نفسي فحسب ماتعلَّمت (هنا أثناسيوس يوضِّح أن الفكر
الإسكندري كان قد فرز الفكر الأوريجاني وبدأ يكوِّن اتجاهاً أبوياً تقليدياً على
أصول الآباء الرسل مبتعداً عن فلسفة أوريجانس). فأنا أعتقد أن رأي كل منهما
يتطلَّب فحصاً ومراجعة دقيقة
… وهذا هو التعليم الحقيقي الذي يجب أن نقبله.]

من
هذا الكلام يتضح أن أثناسيوس كان يستقي أبحاثه أولاً من علماء مدرسة الإسكندرية
السابقين، ولكن بحاسة رسولية لا تخطئ كان يقارن بين هذه الاجتهادات الفلسفية وبين
الأصول الآبائية الأخرى البسيطة المسلَّمة من الرسل، ويعطي تعليماً يتناسب مع روح
الإنجيل والتقليد.

ويساعدنا
في هذا التحليل العالم الناقد هارناك، في وصفه للاهوت أثناسيوس بقوله: “إن
لاهوت أثناسيوس لم يتعرَّض قط على مدى حياته إلى أي نوع من التطوُّر، بل كان لاهوت
أثناسيوس ثابت الأصول والاتجاه من البداية حتى النهاية.”
([4])

ومعروف
أن مؤلفات أثناسيوس الأُولى ذات الطابع اللاهوتي الحر، أي التي لم تكن موجَّهة ضد
الأريوسيين، مثل الرسالة ضد الوثنيين وتجسُّد الكلمة، تخلو من أي لمسة أوريجانية
من قريب أو بعيد بشهادة كل المحلِّلين([5]).

ولقد
ظل لاهوت أثناسيوس طول حياته ملتزماً بمقررات مجمع نيقية وتعبيراته ودقائق شرحه
للإيمان الأرثوذكسي، ومعروف أن لاهوت مجمع نيقية كان يجمع بين دقة التحليل الغربي
مع أصالة التقليد اللاهوتي الشرقي القائم على المعارضة الصريحة والشديدة للاتجاه
الأوريجاني بوجه عام([6]).

ويقول
العالِم أرشيبلد روبرتسن:

[إن قانون الإيمان الذي وُضع في مجمع نيقية، وجد في أثناسيوس
عقلاً سبق وأن تهيَّأ لكي يتعمَّق روح هذا الإيمان، كما وجد فيه المدافع صاحب أغنى
وأخصب قدرة على استخدام منابع اللاهوت والإنجيل، بل ووجد في أثناسيوس من العمق
والصلابة مع القدرة على الحركة والتكتيك؛ مما كتب لهذا القانون النصرة على يد
أثناسيوس وأثناسيوس وحده من بعد الله]
([7])

وقد
يبدو لأول وهلة أن أثناسيوس لم يلتزم بمنهج لاهوتي معيَّن، حتى قال عنه خطأ بعض
العلماء ومنهم أرشيبلد روبرتسن نفسه، وهو المتخصِّص في أبحاث وكتابات أثناسيوس،
إنه لاهوتي غير منهجي لأنه لم يخطِّط منهجاً متعدد الاتجاهات على أصول وفروع،
ولأنه لم يلتزم بخط فكري فلسفي مثل أوريجانوس
أو أغسطينوس، إذ لم يكن مالكاً لمواهب فكر الرجل المدرسي أو الفيلسوف.

ونحن
نعترض على هذا، لأن أثناسيوس بالرغم من الوضع الذي ألزمته به الكنيسة كمدافع عن
إيمانها كما التزم هو به من جهة إيمانه وحبه وصلته بالرب يسوع، الوضع الذي جعله
كقائد جيش لم يغادر غرفة عملياته على مدى خمسين سنة، وعلى عينيه منظاره المكبِّر
يرصد به تحركات العدو ليرد عليها في الحال كل حركة بما يناسبها، فكيف يتناسب هذا
مع وضع مناهج؟ نقول وبالرغم من هذا الموقف الفريد من نوعه، إلاَّ أنه لا يصعب قط
على أي دارس صبور أو أي لاهوتي تقي مفتوح البصيرة أن يستخرج من مجموع كتابات
أثناسيوس منهجاً كاملاً ذا أصول وذا فروع، ولا هو أمر صعب أن يعثر الدارس على فكر
مدرسي وفلسفي. ولكن ليس كما يفعل التلميذ إزاء محفوظات معلمه، بل كما يكتب النبي
والرائي ما يسمعه وما يحسه وما يراه على مدى سفر الحياة الذي استؤمن أثناسيوس أن
يكتبه للكنيسة. وأيضاً ليس على مستوى صفحات مرقَّمة وفصول وأبواب ومقدِّمات
ونهايات، ولكن كسلَّمٍ تصعد عليه الملائكة وتنزل، حاملة أوامرَ وتوجيهات، يتكرَّر
أوله إذا دعى الأمر كما تتكرَّر نهايته
للضرورة، ويحل هذا محل ذاك بقدر ما تستدعيه المواقف والدفاعات.

ولكننا
لم نعدم في بحثنا هذا من عالم يؤازرنا في رأينا هذا عن أصالة منهج قديسنا العظيم
أثناسيوس. إذ قرأت للعالم أونجار([8])
وهو فرنسيسكاني
F.O.M. ما يأتي:

[إن أثناسيوس كان مشتعلاً بنار الحب للمسيح، ونحن نحتسب أن
ما خاطب به أثناسيوس أحد أصدقائه يصلح أن يُقال عنه هو: “إني واثق أنك تقيم في
معرفة المسيح وحبه فوق أي شيء آخر”
([9]). كما أنه
يصلح أن يلقَّب أثناسيوس ما لُقِّب به هذا الصديق “فيلوخريستو” كلقب يعبِّر عن
الحب نحو المسيح،

فمحبة أثناسيوس للمسيح هي المفتاح لفهم كل حياة أثناسيوس وكل
كتاباته. “فالمسيح الكلمة المتجسِّد” يحتل مركز المنهج التعليمي لهذا المعلِّم
الكنسي الشهير كما يرى هذا جميع مَنْ كتبوا عن أثناسيوس.

صحيح أنه لم يخطِّط منهاجاً يحيط بكل المسيحية أو اللاهوت (Summa theologia) ولكن من كتاباته نستطيع أن نبني بكل تأكيد منهجاً كاملاً عن كل
الفكر الديني في أيامه، وفيه يكون شخص المسيح دائماً في المركز!]
([10])

وعلى
أي حال لا يختلف إثنان في كل علماء اللاهوت في الدنيا بأسرها وعلى مدى هذه القرون
الطوال على السمة التي ميَّزت أثناسيوس صاحب “لاهوت الخلاص” بكل معنى
الكلمة وبكل طوله وعمقه، هذه السمة العظمى والنظرة الواحدة الثاقبة التي لم تفارق
أثناسيوس في جميع كتاباته. فلم يجعل أثناسيوس شيئاً قط، حتى ولا أحب اصطلاح
لديه مثل “الهوموؤوسيوس”، أن يعلو فوق الحقيقة الأساسية وهي الفداء، جاعلاً
من هذه الحقيقة لا نظرية يدور حولها، ولا فكراً يقال ويزداد وضوحاً، بل حقيقة
حيَّة شخصية قائمة دائمة: “في شخص الفادي”.

وقد
جاهد أثناسيوس ليحوِّل نظرة الفلاسفة من لوغس الفلسفة إلى لوغس إنجيل يوحنا،
ومن “إله الفلاسفة” إلى الله المستعلن في يسوع المسيح لكي يصالح به العالم
لنفسه.

ومن
سعد الكنيسة أن كان أثناسيوس هو الحضن المتسع الذي حمل كل التراث الكنسي واللاهوتي
بحسب الروح الرسولية الأصيلة ليسلِّمه عبر هذه العواصف المرعبة
بكل دقة وأمانة إلى كل أجيال المستقبل الصاعدة مشروحاً ومبرهناً.

ومن
اللاهوتيين اليونان المحدثين جدًّا نجد “يوانو كالوتيرو”، بنفس التعبير، يشيد
بالدور اللاهوتي الضخم الذي قام به أثناسيوس في الكنيسة، وذلك من مقال له ورد ضمن
مجموعة المقالات المطبوعة في تسالونيكي في ذكرى مرور 16 قرناً على وفاة أثناسيوس
يقول فيه:

[إن
المسيحية تقبَّلت على يدي أثناسيوس الكبير بصورة ممتازة تصفية وتعميقاً في ما يختص
بتوضيح وتثبيت عقيدة الثالوث من جهة علاقة يسوع المسيح المخلِّص الكلمة الإله
الأزلي بالنسبة لجوهر اللاهوت.]([11])

أهم المبادئ الخلاصية التي يقوم عليها لاهوت أثناسيوس

1
الإنسان والخلاص في لاهوت أثناسيوس.

2
معرفة الله في ذاته ومعرفة الله في الخليقة.

3
استعلان الثالوث ووحدانية الله عند أثناسيوس.

4
الإيمان والشهادة للمسيح كفعلين متلازمين مع المعرفة.

5
استعلان الروح القدس كأقنوم إلهي في الثالوث المتساوي.

6
عمل الروح القدس في الإعلان عن الآب وعن الابن.

 

ملخَّص الفصل الرابع

فكرة عن المنهج اللاهوتي العام للقديس أثناسيوس

 

أولاً: المنهج العام

 

§ مؤلفاته تحمل صبغة الدفاع عن الإيمان (فيما عدا الكتابين اللذين
ألَّفهما قبل اندلاع النزاع الأريوسي وكان ذلك في بكور حياته، وهما
“ضد الوثنيين” و“تجسُّد الكلمة”).

§ يتميَّز أسلوب أثناسيوس عن باقي الآباء:


في أصالة تعبيراته غير المنمَّقة، عن باسيليوس وغريغوريوس ويوسابيوس،


في سلاسة أسلوبه وسهولته، عن ترتليان،


كونه واقعياً وطبيعياً خالياً من المبالغة، عن جيروم،


كونه تلقائياً غير متكلف، عن هيلاريون،

– بسيطاً غير مشحون بالاستطرادات والمعاني الفرعية الكثيرة،
عن أغسطينوس ويوحنا ذهبي الفم.

§ كان أثناسيوس يكتب ليشرح الحق، والحق
فقط، تاركاً الحق يؤثِّر بنفسه على السامع والقارئ.

§ لذا كان يعمد إلى التكرار، عن وعي.

§ اللغة اليونانية التي كتب بها أثناسيوس:


إن أثناسيوس صعيدي قبطي صميم، إلاَّ أنه يُعتبر أعظم مَنْ عبَّر باللغة اليونانية
عن فكر عصره وعن مضمون لاهوت القرن الرابع.

§ في كتابات أثناسيوس ألفاظ لاتينية كثيرة مكتوبة بحروف يونانية،
مما يكشف عن دراية أثناسيوس وميله الطبيعي إلى اللاتينية.

 

ثانياً: الاتجاهات المدرسية للاهوت أثناسيوس

§ ورث أثناسيوس لاهوت مدرسة الإسكندرية ومنهجها في البحث والشرح
والتحليل.

§ لم يأخذ مبادئ فلاسفة المدرسة اللاهوتية على علاتها. ففي مواضع
كثيرة ينتقد ويقاوم بشدة أفكار أوريجانوس.

§ وبالرغم من أنه استقى أبحاثه أولاً من علماء مدرسة الإسكندرية
السابقين، لكنه بحاسة رسولية لا تخطئ كان يقارن بين هذه الاجتهادات الفلسفية وبين
الأصول الآبائية الأخرى البسيطة المسلَّمة من الرسل، ويعطي تعليماً يتناسب مع روح
الإنجيل والتقليد.

§ أتت مؤلّفات القديس أثناسيوس الأُولى خالية من أية لمسة أوريجانية
من قريب أو بعيد.

§ أمَّا كتاباته اللاحقة وتعبيراته ودقائق
شرحه للإيمان الأرثوذكسي، فأتت ملتزمة بمقررات مجمع نيقية.

وقد
كان لاهوت مجمع نيقية يجمع بين دقة التحليل الغربي مع أصالة التقليد اللاهوتي
الشرقي، القائم على المعارضة الصريحة والشديدة للاتجاه الأوريجاني بوجه عام.

§ لا يصعب على أي دارس صبور أو لاهوتي مفتوح البصيرة أن يستخرج من
مجموع كتابات أثناسيوس منهجاً كاملاً لاهوتياً.

§ [“محبة المسيح” فوق أي شيء آخر] هي مفتاح حياة أثناسيوس
وكتاباته، ومنهجه اللاهوتي يتمركز حول شخص المسيح دائماً.

§ السمة التي ميَّزت لاهوت أثناسيوس هي أنه صاحب “لاهوت الخلاص”.
فلم يكن أثناسيوس يترك شيئاً قط يعلو فوق الحقيقة الأساسية وهي “الفداء”
جاعلاً من هذه الحقيقة حياة شخصية قائمة دائمة “في شخص الفادي”.

§ لقد حوَّل أثناسيوس نظرة الفلاسفة من “لوغس” الفلسفة إلى “لوغس”
إنجيل يوحنا، ومن “إله الفلاسفة” إلى “الله المستعلن في يسوع المسيح”، لكي يصالح
به العالم لنفسه.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى