علم

الفصل الثاني والأربعون



الفصل الثاني والأربعون

الفصل
الثاني والأربعون

إن اتحاده بالجسد مؤسس على علاقته بالخليقة ككل.
وهو استخدم جسدًا بشريًا لأنه أراد أن يعلن نفسه للإنسان.

 

1 فكما أن الجسد كله يحيا ويستنير بواسطة (نفس)[1]
الإنسان فلو قال أحد إنه من غير المعقول أن تكون قوة الإنسان موجودة في إصبع قدمه
أيضًا اعتبر هذا الشخص غبيًا. لأنه بينما يُسلّم بأن (نفس) الإنسان تسود كل أجزاء
الجسم وتعمل فيها فإنه يستنكر وجودها في الجزء. هكذا أيضًا يجب على كل من يُسلّم
ويؤمن أن كلمة الله
 هو في كل الكَوْن وأن الكَوْن كله يستنير ويتحرك بواسطته[2] أن
لا يحسبه أمرًا غير معقول أن جسدًا بشريًا واحدًا ينال منه حركة ونورًا.

2 فإن كانوا بسبب أن الجنس البشري مخلوق وقد
وُجد من العدم يعتبرون أن ظهور المخلّص
 في الجسد الذي نتحدث عنه هو أمر غير لائق فإنه يجب عليهم أن يبعدوه خارج الخليقة
أيضًا لأنها هى أيضًا وُجدت من العدم بالكلمة[3].

3 أما إذا لم يكن أمرًا غير لائق أن يكون الكلمة
في الخليقة رغم أنها مخلوقة كذلك يكون من اللائق أن يكون هو في (الجسد
) البشري. لأنه يجب أن يفكروا بطريقة واحدة عن الكل والجزء معًا.
لأن الإنسان أيضًا كما سبق أن قلت هو جزء من الكل[4].

4 لذلك فليس من عدم اللياقة على الإطلاق أن يحل الكلمة
في (الجسد
) البشري في الوقت الذي تستمد منه كل المخلوقات نورها وحركتها
وحياتها، كما يقول أحد شعرائهم[5]
إننا به نحيا ونتحرك ونوجَد[6].

5 إذن فأي شيء فيما نقوله يستدعي الاستهزاء إن
كان الكلمة قد استخدم هذا الجسد
 الذي سكن فيه كأداة ليُظهر فيه نفسه؟ لأنه لو لم يكن كائنًا في الجسد لما
استطاع أن يستخدمه. ولكن إن كنا قد قبلنا سابقًَا أنه موجود في الكون كله وفي
الأجزاء فما هو الذي لا يمكن تصديقه عندما يُظهر ذاته في ذلك الجسد الذي هو كائن
فيه؟

6 لأنه بقدرته الذاتية هو موجود في الكل وفي
الجزء ويضبط كل الأشياء بغير حدود. حتى أنه لو أراد أن يُعلن ذاته ويُعلن أباه
بواسطة الشمس
 أو القمر أو السماء أو الأرض أو المياه أو النار لما تجاسر أحد بقول إن ما يفعله الكلمة هو في غير محله، إذ
هو يمسك بكل الأشياء معًا في وقت واحد وهو في الحقيقة ليس موجودًا في الكل فقط بل
كائن أيضًا في الجزء الذى نتحدث عنه، أى الجسد
، وبطريقة غير منظورة يُظهر فيه ذاته. وبنفس الطريقة لا يمكن أن
يكون أمرًا غير معقول إن كان الكلمة وهو الذي يضبط كل الأشياء ويعطيها
الحياة وأراد أن يجعل نفسه معروفًا للبشر قد استخدم جسدًا بشريًا كأداة له يُظهر فيه
الحق
 ويعلن الآب، لأن البشرية أيضًا هى جزء حقيقي من الكل.

7 وكما أن العقل موجود في الإنسان بكلّيته ومع ذلك يُعبر عنه جزء واحد من الجسم
وأعني اللسان
، دون أن يقلل أحد من جوهر العقل بسبب ذلك[7]؛
هكذا فإن كان الكلمة، وهوالكائن في كل الأشياء، قد استخدم الجسد
 البشري كأداة فإن ذلك لا يمكن أن يكون أمرًا غير لائق. لأنه كما
قلت سابقًا[8]،
لو كان أمرًا غير لائق أن يتخذ الجسد كأداة فإنه يكون أمرًا غير لائق به أيضًا أن
يكون في الكل.



2 يقصد الجملة
الختامية في الفصل السابق. حيث تكلم عن أنه ليس بالأمر غير اللائق أن يوجد الكلمة
في الجزء حيث أنه يوجد في الكل. وبالجملة الختامية لهذا الفصل فإنه يؤكد على هذه
الحقيقة بأنه ليس هو بالأمر غير اللائق أن يُتخذ الجسد
 كأداة وهو جزء من كل البشرية طالما أن الكلمة هو أيضًا في الكون
كله. وجدير بالذكر أنه في الفصول 41ـ45 يرد القديس أثناسيوس على اليونانيين بقوله
أن التجسد هو أمر لا ينتقص من ألوهة الكلمة المتجسد، لأن كلمة الله
 إذ هو خالق الكون ومدبره فهو كائن في الكون كله يحفظه ويسيّره، وبالتالى فليس
بالأمر غير اللائق بالله أن يظهر في جزء من هذا الكون أى في جسد بشرى مستخدمًا
إياه كأداة لخلاص البشرية. وفي المقالات ضد الآريوسيين حيث نراهم قد أساءوا فهم
وتفسير بعض آيات الكتاب المقدس
 التي تشير إلى الابن في الجسد، وبالتالى اعتقدوا أن الابن هو جزء
من الخليقة منكرين بذلك ألوهيته وعمله الخلاصى، نجد في هذه المقالات أن القديس
أثناسيوس يرد على هذه الهرطقة بقوله ” ليس في وسع جزء من الخليقة أن يكون
خلاصًا للخليقة ” انظر المقالة الثانية69. إذن فقد كان دفاع القديس أثناسيوس
في “تجسد الكلمة” عن أن التجسد هو عمل لائق بالله ولا ينتقص من ألوهيته
بينما كان دفاعه في مقالات “ضد الآريوسيين” لإثبات أن الابن المتجسد ليس
ضمن المخلوقات وأن كل ما ورد في هذه الآيات يخص الابن في الجسد ولا يخص ألوهيته.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى