علم

الفصل الأول: أثيناغوراس وعصره



الفصل الأول: أثيناغوراس وعصره

الفصل
الأول: أثيناغوراس وعصره

أولاً:
المدافعون

لقد
وجد الدفاع – في معناه الواسع – قديماً قدم المسيحية ذاتها، إذ بذل الكارزون
بالإنجيل كل جهدهم في البرهنة على حق الإنجيل
والإجابة على
الإعتراضات الموجهة ضده 1. كان حديث الشماس الأول اسطفانوس
St. Stephen أمام مجمع السنهدريم (أع 6، 7) حديثاً دفاعياً، وهكذا أيضاً
خطاب الرسول بولس أمام فستوس
Festus (أع 24)، وجاءت أعمال الشهداء حية في الدفاع عن
الإيمان المسيحي بكل مجاهرة أثناء محاكماتهم.

 

بقدر
ما اتسمت المسيحية – منذ بدء انطلاقها – بالروح المسكونى، فلم ترتبط بثقافة معينة
أو أمة خاصة
... وجدت
نفوس عطشى للإيمان من أصل يهودى
ورومانى ويونانى ومصرى وسريانى الخ.
هذا الأمر شكل خطراً يهدد كيان الدولة الرومانية التي
وإن أظهرت
تسامحاً في ترك الدول التابعة لها أن تمارس عبادتها المحلية
ونشاطها
الثقافي المحلى، لكنها أرادت أن تسود بعبادتها الرومانية
وثقافتها لكى
تضمن ولاء الدول لها، لهذا اتهم المسيحيون بالخيانة للإمبراطور
... خاصة وأنهم كانوا
يرفضون السجود لتمثال الإمبراطور
والتعبد له. ومن جانب
آخر، هاجت الجماهير على المسيحيين إذ رأوا فيهم احتقاراً لمشاعرهم الشعبية بسبب
احجامهم عن المشاركة في الإحتفالات الدينية العامة. هذا
وقد كرس بعض
الكتاب

و
الفلاسفة
من يهود

و
أممين
جهدهم للهجوم على المسيحية
والمسيحيين، يتهمونهم بالكفر والإلحاد، ويفترون على
إنجيلهم،

و
ينسبون
إليهم إتهامات أخلاقية، بجانب الخيانة للامبراطور
واحتقار
الجماهير.

و
لعل
أهم هؤلاء الكتاب هم لوسيان الساموساطى
Lucian of Samosata
و
الفيلسوف
فرنتو
Frento من سيرتو Cirto معلم الإمبراطور مركوس أوريليوس Marcus Aurelius والأفلاطونى كلسس Celsus...

 

و
كما تقدم كثير من المسيحيين من كل الفئات
والأعمار والثقافات
للإستشهاد بفرح، انبرى أيضاً بعض الكتاب المسيحيين يدافعون عن الإيمان المسيحي
والمسيحيين
هؤلاء دعوا ” المدافعين “. ظهروا على وجه الخصوص في القرنين الثانى
والثالث،
وضعوا أمامهم ثلاثة أهداف 2:

الرد
على الإتهامات العامة، خاصة الاتهام بأن الكنيسة تمثل نكبة على الدولة. فقد أكد
هؤلاء المدافعين أن الإيمان المسيحي يمثل قوة تسند سلام الدولة
وتعمل على
رفاهيتها، لا لصالح الامبراطور
والدولة فحسب بل والحضارة
أيضاً.

 

كشفوا
عن لا أخلاقيات الوثنية
وضلال أساطيرها، كما أعلنوا عن الإيمان
المسيحي بكونه وحده القادر أن يقدم فهماً صحيحاً بخصوص الله
والعالم والإنسان.
لقد دافعوا عن العقائد الرئيسية مثل وحدانية الله، لاهوت السيد المسيح، قيامة
الموتى الخ
... كما حملت
كتاباتهم روحاً كرازياً. فأهتمت بجذب القارىء ليقبل الحق
ويتفهمه، ودعته بلغة
ذلك العصر أى خلال الفلسفة، لقبول الإيمان الجديد
وكشفت له عن
جمال الحياة المسيحية
وعفتها...

 

تحدثوا
عن الفلسفات بكونها اعتمدت على العقل البشرى وحده، فحملت جانباً من الحق، لكن ليس
كل الحق، كما امتزج هذا الجزء بأخطاء كثيرة. أما الإيمان المسيحي فقدم الحق خلال
اللوغوس ” كلمة الله ” الذي نزل على الأرض معلناً الحق الإلهي للبشر.
لهذافلا وجه للمقارنة بين المسيحية
والفلسفة اليونانية. فالأولى إلهية والثانية
بشرية.

 

و
فيما يلي صورة مختصرة جداً عن أهم المدافعين المسيحيين الأولين:

 

القديس
كوادرانس
St. Quadrans: يعتبر أقدم المدافعين المسيحيين، كتب دفاعه عن الإيمان المسيحي
في آسيا الصغرى، موجهاً إياه للإمبراطور هادريان 3. في هذا الدفاع هاجم آلهة
اليونان

و
مصر
الوثنية، كما ذم الأخلاق اليونانية الوثنية. يرى هاريس
J. R. Harris أن الدفاع قدم للامبراطور أنطونيوس بيوس Antonius Pius (138 – 136 م) في بداية حكمه.

عرفه
القديس جيروم
Jerome 4 كأسقف لأثينا، عاش في أيام حكم أوريليوس، وهو أمر
مرفوض تماماً 5.

 

أرستيديس
Aristides: من رجال القرن الثاني، فيلسوف مسيحي ومدافع من
أثينا. قرر يوسابيوس
Eusebius 6 أنه كالمدافع السابق له، قدم دفاعه لهادريان Hadrian، ولو أن البعض يرى أنه قدمه لأنطونيوس بيوس Antonius Pius.

في
دفاعه أوضح أن المسيحيين لهم ادراك لطبيعة الله بطريقة أكمل مما للبرابرة
واليونان واليهود، وأنهم وحدهم
يحبونه حسب وصاياه، دافع فيه عن وجود الله
وأبديته، كما
شمل التماساً وجهه إلى جميع الذين ليس لهم معرفة الله أن يقتربوا إلى الإيمان
المسيحي ليكونوا مستعدين للظهور أمام الله 7.

 

أرسطون
Ariston of Pella: يبدو أنه أول مسيحي دافع عن المسيحية ضد اليهود كتابة. وقد جاء
دفاعه (حوالي عام 140 م) في شكل حوار بين جاسون
Gasson
المسيحي من أصل يهودي
وبابيسكوس Papiscus
يهودي اسكندري.

 

الشهيد
يوستين
St. Justin the Martyr: (حوالي 100 م – 164 م). ولد فلافيا نابوليس Flavia Napolis بفلسطين من أبوين وثنيين. التحق بمدارس فلسفية لعلها تقدر أن
تشبعه حتى انتهي بحه بالإيمان المسيحي.

فتح
مدرسة في روما تتلمذ فيها تاتيان
Tatian وربما أيضاً ميلتيادس Militiades.
كتب دفاعين

و
حوار
مع اليهودي تريفو.
وفي كتاباته لم يفرق القديس بين اللاهوت والفلسفة
بطريقة دقيقة 8
.

 

تاتيان
السرياني
Tatian the Syrian: ولد عام 120 م من أبوين وثنيين، وتعلم
البلاغة

و
الفلسفة، وقبل الإيمان
المسيحي في روما ما بين 150
و165 م، وتتلمذ على
يدي القديس يوستين
Justin، لكنه اختلف عنه في آرائه.

عرف
بالتطرف في آرائه، فقد علم بالرفض التام لكل فلسفة يونانية،
وأظهر
امتعاضه حتى للحضارة اليونانية من فن
وعلم ولغة، لكنه
لم يقدر أن يتخلص من الفكر اليوناني تماماً.
وإذ عاد إلى
الشرق سقط في بدعة فالنتينوس
Valentinus الغنوسي، ثم عاد وانتمى إلى طائفة الانكراتيين Encratites الذين يمتنعون عن شرب الخمر معتبرينه أنه مادة نجسة بحد ذاتها حتى
استعاضوا عنه بالماء فقط، في سر الافخارستيا
ويحرمون أكل
اللحوم كنجاسة طقسية مصنوعة من إله الظلام
وينظرون إلى
الزواج كزنى،

و
يحرمون
على النساء استخدام الحلي.

كتب
” مقالاً لليونانيين ” في هذا المقال لم يهدف الدفاع عن المسيحية بقدر
ما كان يدعو لمدرسته.

 

ميلتيادس
9
Miltiades: خطيب ولد في آسيا الصغرى، معاصر لتاتيان Tatian، وربما كان
تلميذاً للقديس يوستين
Justin. وضع عدة أعمال دفاعية: واحد ضد اليونانيين، والآخر ضد
اليهود،

و
ثالث
” للسلاطين الحاكمة ” مدافعاً عن الفلسفة التي اتبعها، كما كتب أيضاً ضد
الغنوسية

و
المونتانية.

 

القديس
أبوليناريس 10
St. Claudius
Apollinaries
: أسقف هيرابوليس Hierapolis بفريجيا. من رجال القرن الثاني. مدحه معاصروه كثيراً بسبب سمو
معرفته

و
فضائله
11. كتب سلسلة من الكتب الدفاعية.

 

ثيؤفيلس
Theophilus أسقف أنطاكية 12: اجتذبته القراءة في الكتاب المقدس إلى الإيمان
المسيحي. كتب دفاعه حوالي عام 180 م في ثلاث كتب وجهها إلى صديقه الوثني أوتوليكس
Autolucum، حيث أظهر الفكر المسيحي لله وسمو التعليم
بالخليقة. مندداً بالأساطير الدينية الامبلبية.

 

ميليتو
Melito أسقف ساردس: أحد أقطاب الكنيسة في القرن الثاني 13 غزير في علمه.
وجه دفاعه للامبراطور مركوس أوريليوس
Marcus
Aurelius
ما بين عامين 170، 171 م

 

الرسالة
إلى ديوغنيتس
Diognetus: هي دفاع عن المسيحية في شكل رسالة موجهة إلى أحد الوثنيين، ذي
شأن، يسمى ديوغنيتس
Diognestus. لا يعرف على وجه التحديد من هو الكاتب، ولا من الذي
ارسلت إليه.

و
هي
تحمل اتجاهات أرستيديس
Aristides، كما استخدم الكاتب عبارات وردت في القديسين ايريناؤس Irenaus وهيبوليتس Hippolytus الروماني.

 

مينوكيوس
فيلكس
Minucius Felix: أفريقي، من رجال القرن الثاني أو الثالث. كتب باللاتينية دفاعاً
عن المسيحية في شكل حوار بين أوكتافيوس
Octavius المسيحي وكاسليوس
الوثني، انتهي بقبول الأخير الإيمان. في هذا العمل يفند الكاتب الاتهامات الموجهة
ضد المسيحيين، مهاجماً الاساطير الوثنية
.

و
لفيلكس
Felix عبارته المشهورة: ” ليست بلاغة أعظم من الحياة “،
معلناً أن الحياة المسيحية هي أعظم شهادة للحق
وفوق كل
بلاغة
.

يرى
بعض المؤرخين أن فيلكس
Felix جاء بعد ترتليان Tertullian واعتمد عليه.

 

ترتليان
Tertullian: أحد آباء الكنيسة الأفريقية، نشأ في قرطاجنة، حيث تعلم الأدب والبلاغة ومارس
المحاماة. قبل الإيمان المسيحي قبل عام 197 م. لكنه سقط في البدعة المونتانية 14.
أخذ موقفاً معادياً للفلسفة، إذ يقول في دفاعه: ” أي شركة بين الفيلسوف
والمسيحي؟!
بين تلميذ يوناني حليف الباطل
وتلميذ السماء عدو الباطل وحليف الحق؟!
” (دفاع 46)
.

هرمياس
Hermias: لا نعرف شيئاً عن حياته. وضع مقالاً قصيراً يسمى إريسس Irrisis أو ” سخرية بالفلاسفة الوثنيين “. فيه ينقد آراءهم في
النفس

و
في
العناصر الأساسية للعالم
.

أقوال
سكتوس
Sextus: قام روفينوس Rufinus بترجمة 145 قولاً له إلى الاتينية قدمه كفيلسوف فيثاغوري صار
أسقفاً لروما

و
شهيداً
(257 – 258 م). لكن القديس جيروم
Jerome نفى ذلك بشدة. وقد مالت أقواله بالأكثر إلى الجانب
الأخلاقي التي تحكم الحياة،
وهي تذكرنا بفلسفة الحياة عند القديس
أكليمنضس السكندري
Clement of
Alex. 15
.

بعد
عرضنا في اختصار لحياة بعض المدافعين المسيحيين الأول نتحدث عن الفيلسوف
أثيناغوراس
Athenagoras كرئيس لمدرسة الإسكندرية وأحد
المدافعين الأول.

—————

1
Lebreton، p. 443

2
Quasten: Patrology، vol. p. 186، 187

3
Oxford Dict. Of the Christian
Church
، p. 1149،84.
Eusebius: H.E. 4: 3: 1
،2

4
St. Jerome: De Viris Illustribus
19: Epis
، 70: 4.

5
Quasten: Patrology، vol. 1، p. 191

6
Euseb: H.E. 4: 3: 3

7
F.L. Cross: The Early Christian
Frs.
London 1969،
p.47

8
د. وهيب عطا الله (نيافة الأنبا غريغوريوس): الفلسفة المسيحية، ص 6.

9
Euseb: H.E. 5: 17: 5

10
Ibid، 4: 27

11
Rev. B. Schmid: Manual of
Patrology. 1903
، p: 99

12
Euseb: H.E. 4: 50.

13
Ibid 5: 24: 5 Sehmid، p: 100

14
ادعى مونتانيوس أنه البارقليط الموعود به في الإنجيل.

15
Quaston: Patrology، vol. 1، p: 171

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى