علم

العفة



العفة

العفة

قال
شيخ:


طوبى للإنسان الذي يحفظ نفسه طاهراً في الصغر حتى الكبر، طوبى بمن له نصيب في
قيامة الصديقين، فأن الملائكة تجمعه إلى أهواء الحياة، التى هي فرح ملكوت السموات
“.

وقال
القديس موسى الأسود:

+
” لنحب طهارة القلب والجسد لننجو من الدنس “.

+
” الذي يريد كرامة الرب عليه أن يتفرغ لطهارة نفسه من الدنس”.

+
” الذي يتهاون بعفة جسده يخجل في صلاته “.

وقال
مار أفرام:


مسك البطن وصيانة اللسان، ولجام العينين، طهارة للجسد، فإن أمسكت بطنك، وصنت
لسانك، ولم تحفظ ناظريك الا يجمحا فلست ممسكا بالطهارة بالكامل “.

وفي
بعض الأيام جمع الأب باخوميوس الأخوة وقال لهم: أريد الأن أن أقول لكم وصايا لكي
تحفظوها كلكم خلاصا وثابتا لنفوسكم لا سيما لأولئك الذين لم يقووا في الإيمان
والأعمال حتى لا يقعوا في فخ أبليس. وأياكم أن يشك أحد منكم في هذا الكلام الذي
أقوله لكم وأذكروا الكلام المكتوب: ” أنكم لا تؤمنون ولا نفهمون وهذا هو
الكلام الذي أريد أن تحفظوه “.

+
تشبه بعفة يوسف وحكمته وصبره وأتبع سيرته.

+
ألزم البكورية في أعضائك والطهارة في قلبك وجسدك.

+
أياك والنجاسة فهي تفصل الإنسان عن الله وأهرب من جميع ملذات الدهر الحاضر.

+
أحرص على طهارة جسدك وسلامة قلبم فإنك أن تحققت من نوالهما أبصرت الله ربك.

+
أحتفظ بالقدس لئلا تفتضح في موضع الحكم. فيبصرك معارفك ويعيرونك قائليت: ”
كنا نظنك حملا فوجدناك ذئباً “. أين تستر وجهك وكيف تفتح فاك. وبماذا تتخلص
من عملك الملتصق بك كالصبغة بالثوب وماذا تصنع. حينئذ تبكى ولا ينفع البكاء. تسأل
ولا يسمع منك. الآن يا بنى أرفض هذا العالم وارذله وأمشى مستقيماً.

+
قال الأب أغريفوريوس الثاؤلوغوس:

إن
هذه الأشياء الثلاثة الآتية، يطلبها الله من كل إنسان من بنى المعمودية وهي: إيمان
مستقيم من كل النفس، وصدق اللسان، وظهر الجسد وعفته “.

قصص
عفيفات

+
تحدثوا عن عذراء حرة عفيفة هادئة في منزلها، فأحبها شاب ردئ، ولم يكن يكف عن
التردد على منزلها، فلما شعرت العذراء لتردده وقتاله، شق ذلك عليها جدا وحزنت،
فحدث في يوم من الأيام أنه جاء كعادته يدق ألبان، وكانت العذراء حينئذ جالسة على
المنسج، فلما علمت أنه هو الذي يدق على الباب، خرجت إليه ومعها مخرازها، وقالت له:
” ما الذي يأتي بك إلى ههنا يا إنسان؟” فقال لها ” ” هواك يا
سيدتي ” فقالت: ” وما الذي تهواه منى؟ ” فقال لها: “عيناك
فتنتانى، وإذا أبصرتك يلتهب قلبي “، فجعلت مخرازها في أحدى عينيها، وقلعتها
بصرامة وطرحتها له، وشرعت في قلع الآخرى، فأسبرع الشاب وأمسك بيدها، فدخلت إلى
منزلها وأغفلت بابها، فلما رأى الشاب أن عينها قد قلعت حزن جداً، وندم على ما كان
منه، وخرج إلى البرية من ساعته وترهب “.

+
وقيل أنه لما نهب بيت المقدس، وقعت عذراء راهبة شابه جميلة، في قسم أحد الفرسان
الذي أراد أفسادها. فقالت له: ” تمهل قليلا لأن بيدى مهنة تعليمتها من
العذارى، ولا تصلح لعملها الاعذراء، والا فلا نفع لها” فقال لها: “وما
هى؟ ” فقالت له: ” هي ذهن إذا دهن به إنسان، فلن يؤثر فيه سيف أو أي نوع
من الأسلحة البتة. وأنت محتاج إلى ذلك، لأنك في كل وقت تخرج للحرب”، فقال لها
“وكيف أتحقق ذلك؟” فأخذت زيتا ووجهت إليه الكلام قائلة: “أدهن
رقبتم، وأعطنى السيف كى أضربك به ” فقال لها: ” لا، بل أدهنى أنت رقبتك
أولاً، وأنا أضرب بالسيف ” فأجابته إلى ذلك ببشاشة، وأسرعت فدهنت رقبتها
وقالت: “أضرب بكل قوتك”، فاستل سيفه، وكان ماضيا جداً، ومدت القديسة
رقبتها، وضرب بكل قوته، فتدحرج رأسها على الأرض، ورضيت عروس المسيح أن تموت بالسيف
دون أن تدنس بتوليتها. فحزن الفارس جداً، وبكى بكاء عظيماً، إذ قتل مثل هذه الصورة
الحسنة، وعرف أنها خدعته لتلفت من الدنس وفعل الخطية.

1-
قمع شهوات الجسد

+
قال شيخ:


كما أنه من بذار عرق الصوم ينبت سنبل العفة، كذلك أيضاً من الشبع يتولد الفسق، ومن
الامتلاء النجاسة، أما الأفكار الشهوانية فلا تجسر على البطن الدائعة المتذللة قط،
فحين يصبح المأكول داخلنا يتسبب عنه زيادة في أفرازات الزرع الطبيعي المجتمع في
جسدنا، وإذا امتلأت أوانى الزرع من السائل، فإنه يسيل تلقائياً، إذا عرض له أن
ينظر جسداً ما، إذ يحرك فيه السعور من غير الإرادة مع ما يتحرك بالفكر في ساعته من
مادة بلذة، تتحرك من هناك وتنطلق في جميع الجسم، حتى ولو كان الفكر شجاعاً جداً
وعفيفاً ونقيا بحركاته. ولكن بسبب ذلك الأحساس في الأعضاء، فلوقته يضطرب أفرازه،
وعفة أفكاره النقية تتسخ. وطهارته تتنجس، لأجل أضطراب تلك الآلام التى تتحرك في
القلب عن توقد الأعضاء، وفي الحال تذهب قوته، ويوجد مغلوباً مهزوما بغير قتال. ولن
يتعب عدوه في الجهاد معه لأنه غلب تحت إرادة الجسد الثائر، وهكذا يجمع أفكاراً
متلبسة بأشكال مثيرة أثناء رقاده، ويلقى سريره الطاهر فندقا للزوانى، وتتدنس
أعضاؤه الطاهرة من غير أن تدنو منه أمرأة. أي بحر يضطرب هكذا، مثل أضطراب العقل
السديد، بقوة الأمواج الثائرة عليه في جسمه من امتلاء البطن.

+
أيتها العفة، ما أنقى حسنك بالرقاد على الأرض. وألم الجوع يشتت النوم لأجل ضعف
الجسد، أقمعوا البطن عن كل مأكول يبعث داخلنا أشكالاً مرذولة، وصوراً مثيرة تتشكل
منه، فتخرج وتظهر لنا في بلد عقلنا الخفي، جاذبة أيانا إلى مشاركتها بأفعال الشر.
أما خلو البطن فإنها تكون كمثل برية مقفرة للضمير، هادئة من سجس الحسيات.

البطن
الملآن، هو بلد الهواجس والمناظر، حتى أننا نحن الذين في البرية والقفر، وجدنا
الشبع بسبب الكثير من أمثال ذلك “.

+
وقال أنبا أغاثون:


أن الله لا يطلب من أولئك الذين يبدأون خدمة أعمال خوف الله شيئاً سوى أن يضبطوا
أجسادهم بالطاعة للوصايا ضد انفعالات الشهوة “.

أسباب
الخطية

+
قال شيخ:


ثلاثة تسبق كل خطية: الغفلة. النسيان. الشهوة “.

+
وقال مار أسحق:

يسقط
في كل الظنون الردية السمجة، كل أنسان مستعبد للأربعة الآلام الأتية: جسد شهوانى،
رغبة في أشياء جسدانية، لسان قاس، نقل الكلام من أحد إلى آخر بنوع المثلبة “.

كما
أن الذي يتخلى عنه الله لأجل تعظمة يسقط في واحد من ثلاثة أنواع من الخطية وهي:
” أما في فسق سمج، وأما في ضلالة شيطانية، وأما في أذية (مضرة عقلية) “.

تحكم
قبالة مسببات الآلام، فتهدأ منك الآلام من ذاتها. كما أن جريان الماء يتجه إلى
أسفل، هكذا قوة الغضب إذا ألفت موضعاً في فكرنا.

+
وقال أحد الشيوخ لتلاميذه عند خروج نفسه:


تحفظوا من كل شئ فيه لذة من لذات هذا العالم التى تحرك الجسد بالفكر، وذلك ليكون
الجسد دائماً هادئاً ومحفوظاً من الحركات الشيطانية “.

+
وقال الشيخ:


أن للشيطان ثلاث خصال قوية، وهي تتقدم كل خطية، وهي: النسيان – التوانى – الشهوى،
ومن الشهوى يقع الإنسان، فإن أنتبه العقل ولم ينس، فلن يجئ إلى التوانى، وأن هو لم
يتوان، فلن يأت إلى الشهوة، وأن هو لم يشته، فلن يسقط بنعمة ربنا يسوع المسيح
“.

(أ)
نياح الجسد

+
سأل أخ شيخاً عن الجسد، فقال له الشيخ:


أن جميع الوحوش والحيوانات إذا أنت أكرمتها، لا تسئ إليك إلا الجسد وحده، فأنك إذا
أحسنت إليه أساء إليك عوض الأحسان”. كما قال هذا الشيخ أيضاً: ” أنى
سألت شيخاً آخر، وكان ذلك الشيخ في رباطات ضيقة فقلت له: ياأبى، لعلك إذا جئت إلى
وسط الأخوة استرحت من هذا التعب فقال: “نعم، يا أبنى، لكنى أخاف من هذا الفرس
الذي أركبه، أعنى جسدى لأنه إذا أصبخ في الراحة، وعدم الضيق، رمانى إلى أعدائي،
وجعلني شماتة”.

+
وقال أنبا موسى الأسود:


لا تأمن للجسد إذا رأيت نفسك مستريحاً من المحاربات في أي وقت من الأوقات. لأنه من
شأن الأوجاع أن تثوق فجأة بخداع ومخاتلة عسى أن يتوانى الإنسان عن السهر والتحفظ
وحينئذ يهاجم الأعداء النفس الشقية ويختطفونها لذلك يحذرنا ربنا قائلاً: ”
أسهروا “.

+
وقال أيضاً:

زينة
الجسد هزيمة للنفس ومن يهتم فليست فيه مخافة الله.

+
وقال مار أسحق:

من
أكرم الجسد، فقد أكرم معه الشياطين الذين خدعوه منذ القديم.

+
وقال أيضاً:

معرفة
الله لا تسكن في جسد محب للراحة، أي إنسان يحب جسده لا يؤهل لمواهب الله، كما يتفق
الأب على أبنه هكذا يشفق المسيح على الجسد العمال، وفي كل وقت قريب من فمه “.

+
وقال القديس أنطونيوس:

لا
تكن كسلاناً فتموت بأشر حال. أضعف جسدك كمريض ملقى على سرير فتهرب الأوجاع عنك.
أياك واللعب فإنه يطرد خوف الله من القلب ويجعله مسكناً لجميع الشرور.

+
وقال أيضاً مار استحق:


بأمرين يصنع الجسد نياحة بحماقة، مسببا للنفس تعباً وشقاء، وطلاسم عظيمة للفكر،
أما هذان الأمران: فأولهما عدم ضبط البطن الغير مخضعة لتجلد الصوم، وثانيهما: عدم
ترتيب الأعضاء التى تعطى سبيلاً للنظر واللمس العديم التعفف، الذي منه يحدث فساد
هيكل الله بتوسط الأفكار الطائشة في الأباطيل”.


العفة في وسط التنعم لا تثبت بغير فساد، كما أن الجوهرة في وسط النار لا يحفظ
شعاعها بغير فساد “.

+
وقال أنبا بنيمين:


ممقوت عند الله كل نياح جسداني:.

+
وقيل أيضاً:


كما أنه لا يمكن أن يكون بغير أذية ذاك الذي يشفق على عدوه المحارب له في صفوف
القتال، هكذا لا يمكن أن يشفق المجاهد على جسده، وتنجو نفسه من الهلاك “.

(ب)
الشهوة

+
قال أنبا باخوميوس:


أحفظ نفسك من الشهوة فهي أم جميع الخطايا والشباك والمقتضى بها يضل عقله فلا يعود
يعلم شيئاً من أسرار الله “.

+
وقال أنبا موسى الأسود:

“قهر
الشهوة يدل على تمام الفضيلة والانهزام لهل يدل على نقص المعرفة”

+
وقال أنبا أوغريس:


كل ما يريده الإنسان بلا شك يشتهيه. وما يشتهيه يجهد نفسه حتى يقتنيه. فإذا
اقتناه، فقد اكمال الشهوة، وإذا أكمل الشهوة فقد أرضى جميع حواسه ولذذها، وكل من
ليست فيه شهوة حسنة فهو جرن للأوجاع “.

+
وقال أنبا انطونيوس:


أحذر من أن تحب بلوغ شهواتك واغراضك وابغض كل أعمال الدنيا وأرفضها فإنها تبعد
الإنسان عن الله “.

+
قال أحد الشيوخ:


أن لى أربعين سنة أحس بقتال الخطية في قلبى، وما خضعت لها قط لا بشهوة ولا بغضب
“.

+
وكان أحد الشيوخ يمشى ومعه تلميذه، فوجد في الطريق تفاحة مطروحة فأخذها وفحصها، ثم
طرحها تحت رجليه وسحقها في الأرض، فقال له تلميذه: “لم فعلت هكذا يا أبى؟
” فقال الشيخ: ” نهم يا ابنى، لأن شهوة الثمرة أخرجت آدم من الفردوس
“.

(ج)
الأكل

+
قال مار أسحق:


كما أن المواد الدهنية تزيد النار اضطراما، هكذا طرأوة المأكل تنمى ألم”

+
قال أنبا موسى الأسود:


أبغض شهوة البطن لئلا يحيط بك عماليق، ضبط شهوة البطن يقلل من تأثيرات الشهوات.
شهوة الأطعمة توقظ الغرائز والأنفعالات، والامتناع عنها يفمعها. شهوة البطن أساس
كل الأوجاع “.

+
قال شيخ أن أنبا بفوتيوس قال لى:


أن جميع أبائنا.. الذين كانوا قبلنا.. حفظوا قلوبهم. أذن فإن كان أحد من جيلنا
الآن يحفظ لسانه من النميمة وجسده من الزنى ويديه من السرقة وبطنه من الشره، فهو
طوباوى. لأن الشره هو الذي يولد الزنى والسرقة وأشياء أخرى كثيرة جداً “.

+
وقال أنبا بلا:


أن حفظنا الإيمان الصحيح، وحفظنا الجسد من الزنى، واللسان من النميمة، فنحة بنعمة
الله مفلحون حسب هذا الزمان “.

+
قال أنبا موسى الأسود:


الشبع من النوم يثير الأفكار وخلاص القلب هو السهر الدائم – النوم الكثير يولد
الخيالات الكثيرة والسهر بمعرفة يزهر العقل ويثمره – النوم الكثير يجعل الذهن
كثيفاً مظلماً والسهر بمقدار يجعله لطيفا نيراً. من ينام بمعرفة هو أفضل ممن يسهر
في الكلام الباطل “.

+
وقال أنبا أنطونيوس:

أبغض
الجسد وأرفض لذاته فأنها ممتلئة شروراً ولا تنم إلا يسيراً بقدر.

(ه)
الجسدانيات

+
قال أنبا بنيمين:


أنه خير للراهب أن يفر من الجسدانيات، لأنه ما دام الإنسان قريباً من الجسدانيات،
فإنه يشبه من يجلس عند فوهة جب عميق، ففي أي ساعة أراد العدو دفعة فيه هان عليه
طرحه فيه، أما إذا كان الراهب بعيداً عن الجسدانيات، فإنه يشبه رجلاً بعيداً عن
الحب، ففي الوقت الذي يعمل العدو على جرفه إليه، يكون الله قد بعث إليه بمن يخلصه
“.

(و)
التجول في العالم

+
كمثل من هو حامل جوهرة ثمينة، ويمضى بها في طريق، وتشاع عنها أفكار سمجة، فيصبح في
كل وقت مرتعباً من السالب، هكذا الذي قد أقتنى جوهرة العفة، ويسير في العالم الذي
هو طريق الأعداء، بدلا من أ يدخل منزل القبر (القلاية) الذي هو بلد الثقة، فهذا
ليس له رجاء في أن يفلت من اللصوص السالبين، وكما أنه لا يمكن لذاك أن لا يخالف،
كذلك أيضاً ولا هذا، لأنه لا يعرف من أي بلد وفي أي وقت يخرجون عليه بغتة ويجردونه
من جميع ماله، ثم يسلب في باب داره، ولو كان في الشيخوخة “.

+
وقال شيخ:


المنصرف إلى العالم بعد رفضه أياه، أما أن يسقط في فخاخه ويتدنس قلبه بأفكاره،
وأما أنه لا يتدنس لكنه يدين المتدنسين فيتدنس هو أيضاً “.

+
وقال أنبا موسى الأسود:


ملازمة خوف الله تحفظ النفس من المحاربات وحديث أهل العالم والاختلاط بهم يظلم
النفس وينسيها التأمل “.

قتال
الزنا

+
وقال أنبا موسى الأسود:


إذا حسن لك الزنى أقتله بالتواضع والجأ بنفسك إلى الله فتستريح، وإذا حوربت بجمال
الجسد فتذكر نتانته بعد الموت فانك تستريح “.

+
قال أنبا أيليا السائح:


أنه كان في مغارة قرب دير الخصبان، فلم يأت مصف النهار في شدة الحر في شهر أغسطس،
حتى قرع انسان على مغارته، فخرج وأبصر أمراة، فقال لها: ماذا تضعين ههنا؟ قالت له:
أنا بقربك في مغارة على ميل واحد، أسير سيرتك، وفيما كنت أدور في البرية عطشت من
شدة الحر، فاصنع حبا يا أبى واسقنى قليل ماء. ثم قال: فسقيتها وأخليت سبيلها، فلما
أنصرفت تملكنة قتال الزنى، فهزمت له، وأخذت عصاى ومضيت سائراً إلى مغارتها في ساعة
حر صعب، فلما دنوت من مغارتها والشهوة تلهلنى، سهوت فأبصرت الأرض قد أنفتحت وظهر
من تحتها أجساد موتى كثيرين منتنة جدا، وكان أنسان بهى يرينى تلك الأجساد ويقول
لى: ” هذا جسد أمرأة، وهذا جسد صبى فاشف الأن شهوتم من أيهما شئت، وأبصر كم
من الأتعاب تريد أن تهلك من أجل هذه الشهوة المنتنة، وتحرم نفسك ملك السماء! أيى
لهذا الإنسان الذي يضيع تعبه من أجل شهوى بطالة”. ومن شدة رائحة النتن وقعت
على الأرض، فأقامنى ذلك الرجل، وأزال عنى القتال، ورجعت إلى معارتى أسبح الله
وأمجده على خلاصي “.

فانظروا
يا أخوتى، كيف أن القرب من النساء هو مهلك، ويسبب القتال حتى للرجال الأبرار
المتعبين بالنسك طوال أيامهم.

سؤال:
ما بال الزنى يؤذي الإنسان، ويلح عليه كثيراً؟

الجواب:
لأن الشيطان قد عرف أن الزنى من شأنه أن يجعلنا عراة من الروح القدس، واسمع ربنا
قائلاً” ” لا تثبت روحي في هؤلاء الناس بسبب كونهم زناة “.

+
قوتل أخ بالزنى فذهب إلى شيخ كبير قال له: ” يا أبى ماذا أصتنع فأن قتال
الزنى قد آذانى؟ ” قال له الشيخ ” هذا الشئ لم يقاتلنى قط ” فدهش
ذلك الأخ، وذهب إلى شيخ آخر، وقال له. ألا تعجب؟ فأنى قد شكوت إلى فلان الشيخ
أذيتى من قتال الزنى فأخبرنى بشئ يفوق الطبيعة إذ قال لى: لم أقاتل أنها بهذا الشئ
قط.. فقال له ذلك الشيخ: يا حبيبى، أن ذلك القديس لم يتكلم بذلك جزافاً، ولكن أرجع
وتب إليه وأسأله بأن يخبرك بقوة الكلمة. فرجع الأخ إلى الشيخ واستغفر منه
قائلاً” أغفر لى يا أبي، فأنى خرجت من عندك بجهالة، ولكنى أحب تبين لى كيف
أنك لم تقاتل قط بالزنى؟ فأجابه الشيخ قائلاً: “أنى منذ ترهبت، لم أشبع قط من
الخبز ولا من الماء ولا من النوم، فأشغلتنى هذه الثلاثة، ولم تدعنى أحس بالقتال
الذي ذكرته “..

+
قيل عن راهب، أن ألم الزنى أتى عليه بشدة، فلما أزعجع جداً، قام وخرج من قلايته
ومضى إلى جحر ضبعة، ونزل إليه وهو يقول: “خير لى أن أموت بهذه الضبعة، من أن
أموت بالخطية” فأقام هناك ستة أيام وهو صائم لا يذوق شيئاً، وفي اليوم السابع
أتته الضبعة بمأكول، فاستمر مقيما في ذلك الموضع 40 يوماً، وفي كل أسبوع كانت
الضبعة تأتيه بما يأكله، وبعد ذلك أتاه صوت يقول له: تقو. ومن ساعته هرب عنه روح
الزنى، فشكر الله ورجع الى قلايته.

+
قيل عن الأم سارة، أنها مكثت 13 سنة وهي مقاتلة قتالاً شديداً من شيطان الزنى،
وكان يصنع معها مغريات العالم، ولم تكن تحيد قط عن مخالفة الله والنسك، فصعدت مرة
إلى السطح لتصلى فرأت روح متجسماً وقال: لقد غلبتينى يا سارة. فأجباته: أنى لم
أغلبك، ولكن سيدى يسوع المسيح. فأنصرف عنها القتال من ذلك الوقت.

شكا
أخ إلى شيخ من قتال الزنى فقال له الشيخ: ” أتريد أن تخلص وأنت نائم؟ أذهب
وأتعب واجتهد، أطلب تجد، اسهر وتضرع تعط، أقرع يفتح لك. فكم من الناس يتجلدون في
التعب والسهر وقد يتحملون العذاب من أجل ربح جسماني، فأثبت أنت أذن وتجلد من أجل
الله، والله يمنحك النصرة “.

+
قال شيخ:


إذا قوتل راهب بالزنى وحفظ بطنه ولسانه وغربته، فلى إيمان أنه لا يسقط بمعونة الله
“.

+
وقال آخر:


ليس شئ يغسل دنس الزنى مثل دموع التوبة، لأن الزنى يخرج من الجسد والقلب، وكذلك
الدموع تخرج من الجسد والقلب “.

+
وقال آخر:


السهر والصلاة والجوع والتعب مع العزلة من الناس تبطل شهوة الزنى”

2-
جمع العقل

(أ)
مقاومة الأفكار الشريرة

+
قال الأب جرينوس:


أن كثيرين يقاتلون بشهوة الجسد وهم زناة من غير أن يقتربوا إلى جسد غريب، لأنهم لم
يعرفوا كيف يقمعون أفكارهم، فحفظوا البتولية لأجسادهم فقط، وزنوا بأنفسهم، فيجيد
أن يحرص كل واحد منا على أن يحفظ قلبه “.

+
سأل أخ شيخاً قائلاً:


إذا بذر في الشياطين فكرا نجساً، أو غواية الليل بالجنابة، يمنعوني من أن أصلى
قائلين لى: أنك نجس “.

أجاب
الشيخ قائلاً: ” إذا وضعت الأم الصبى الأم على الأرض متمرغاً في وسخه فإنه
عندما يرى أمه يرفع ووجهه نحوها وعيناه ممتلئة دموعاً، لتتحنن أمه عليه وتضمه
إليها، وتصعده على صدرها، وتقبله، ولا تنظر إلى شئ من وسخه، كذلك نحن يا أخى، إذا
ما أغوتنا الشياطين فلنسرع صارخين نحو الله باكين بين بدية، فإنه يقبلنا من وسط
نجاساتنا ويظهرنا له دفعة أخرى “.

+
سأل أحد الأخوة أنبا موسى قائلاً:

ماذا
أصنع لكي أمنع أمراً يتراءى لى دائماً، فقال له الشيخ: أنك ان لم تصبح مقبور
كالميت فلن تستطيع أن تمنعه (يقصد الفكر).

+
وقال ايضاً:

+
الحرية تولد العفة ومكابدة الهموم تولد الأفكار.

+
أن جاءتك أفكار عن النساء فاذكر أين ذهبت الأوليات منهن وأين حسنهن وجمالهن.

+
وقال القديس أنطونيوس:

+
لا تتبع جميع أفكارك بل أجعل فكرك في الوصايا كل حين وداوم على فعلها.

+
لا تفكر في الخطايا القديمة التى فعلتها لئلا تتجدد عليك – لا تذكر لعبك ولذاتك في
زمان كسلك ولا تتحدث عنها لئلا يصبح ذكرها لك عثرة.

ومرة
سألة أحد الأخوة بخصوص الأفكار فأجابه الشيخ قائلاً: لا تطع أفكارك. أتركها حتى
تهدأ وتخمد فيظهر فيها الدود ثم تموت.

(ب)
طرد الخوف والشك

+
قال أنبا موسى الأسود:

ليكن
قلبك من نحو الأفكار شجاعاً جداً فتخف عنك حدتها، أما الذي يخاف منها فإنها ترعبه
فيخور، كما أن الذي يفزع منها يثبت عدم إيمانه بالله حقا ولن يستطيع الصلاة قدام
يسوع سيدة من كل قلبه ما لم يطرد الإفكار أولاً.

+
وقال الأب إيرايس:


كما أن الأسد مرهوب لدى الحمير الوحشية، هكذا الراهب المهذب، مرهوب لدى أفكار
الشهوة “.

3-
ضبط الحواس

(أ)
النظر

+
قال القديس أنبا موسى الأسود:

+
أحفظ عينيك لئلا يمتلئ قلبك أشباحاً خفية.

+
من ينظر إلى أمراة بلذة فقد أكمل الفسق بها.

+
وقال بعض الشيوخ:


أضبط عينيك لئلا تنظر الأرضيات، وتصير غريبا من السمائيات “.

+
وقال شيخ:

كما
أن رائحة السم المميت تفسد مزاج الجسد، كذلك المناظر السمجة تفسد سلامة الضمير
وكما أنه لا يثبت الزجاج في تقلبه مع الأحجار بل ينكسر، هكذا لا يمكن أن يكون أحد
طاهراً، وهو مداوم النظر والكلام مع الناس.

+
وقال القديس باسليوس:

أبتعد
من نظر وسماع مالا يفيد، فتتخلص من فعل ما لا يفيد.

(ب)
اللسان

+
قال أنبا موسى الأسود:

+ كمثل بيت لا باب له ولا
أقفال، يدخل كل من يقصده، كذلك الإنسان الذي لا يضبط لسانه.

+
من يهتم بضبط لسانه يدل على أنه محب للفضيلة، وعدم ضبط اللسان يدل على أن داخل
صاحبه خال من أي عمل صالح.

+
أحتفظ لسانك ليسكن في قلبك خوف الله.

+
لنستعمل اللسان في ذكر الله والعدل لنتخلص من الكذب.

+
وقال أنبا أنطونيوس:

+
أحذر أن تتكلم بكلام فارغ ولا تسمعه من غيرك أو تفكر فيه؟؟ زليكن كلامك في ذكر
الله واستغفاره.

+
لا تكن مقاتلاً باللسان، أجعل كل أحد يباركك. والرب يسوع المسيح يعينك على العمل
بمرضاته.

+
أياك والكذب فهو بطرد خوف الله من الإنسان.

+
لا تحلف البته لا بشك ولا بحق.

+
لا تتكلم قط في هموم الدنيا بشئ.

+
وقال القديس مقاريوس:

+
أحتفظوا ألسنتكم، وذلك بألا تقولوا على أخوتكم شراً، لأن الذي يقول عن أخيه شراً
يغضب الله الساكن فيه لان ما يفعله كل واحد برفيقه، فبالله يفعله.

+
أحتفوا ذواتكم من كلام النميمة الوقيعة، لكي تكون قلوبكم طاهرة، لأن الأذن إذا
سمعت الحديث النجس، لا يمكن أن تحفظ طهارة القلب بدون دنس.

+
أحتفظ نفسك من حرية الكلام والعمل. لأنه لا يليق بالراهب أن يسمح بأن يدينه فكره
في أمر من الأمور.

+
قيل أن بعض الأخوة في الاسقيط اتفقوا على زيارة القديس أنطونيوس فلما ركبوا المركب
وجدوا فيها شيخاً من الآباء يريد المضي إليه كذلك. ولم يكن الأخوة يعرفونه. ثم
أندفعوا يتحدثون حديث الآباء وبما جاء في الكتب ويذكرون أيضاً صنائع أيديهم..
والشيخ جالس يسمع صامتاً. فلما صعدوا من المركب علموا أن الشيخ ماض معهم إلى
الأنبا أنطونيوس. فلما وصلوا إليه نظر إليهم القديس وقال للأخرة: نعم الرفيق
وجدتموه (يقصد الشيخ) ثم قال للشيخ نعم: الرفقة وجدتهم أيها الأب. فقال له الشيخ:
أما هم فممتازون ولكن دارهم ليس عليها باب. فإذا أراد أحد الدخول إلى الأصطبل ليحل
الحمار ويأخذه، ما كان له مانع، أعنى أنهم يتكلمون بكل ما يجرى على ألسنتهم.

(ج)
المس

+
قال أنبا أنطونيوس:

أحرس
ثيابك لئلا تمشى عرياناً في يوم الحكم فتفتضح. وإذا نمت لا تدخل يدم داخلك لئلا
تخطئ بغير هواك. لا تحل منطقتك وأنت قوي. وإذا تعريت فلا تنظر جسدك ولا تمسك خد
قريبك ولا يده لا صغيراً ولا كبيراً وليكن جلوسك بأدب.

(د)
الضحك

+
قال يوحنا ذهبى الفم:


من أجل أننا لا نحتفظ من الزلات الصغار فإننا نقع في الكبار، فمثل ضحك أنسان في
غير وقت الضحك، فجر غيره إلى الضحك ”

+
كما قال ايضاً: ” ما هو لضحك؟ وما هي مضرته؟. حينئذ تبدأ مخافة الله في أن
تنقطع ويتولد من الضحك المزاح، ومن المزاح الأقوال القبيحة، ومن هذه تكون الأفعال
المذمومة، فالعدو المخادع يسهل علينا الزلات الصغار، ومنهما يولجنا الى الخطابا
الكبار ومن هنا يقودنا إلى اليأس.

فينبغي
لنا أن نطرد هواجسه من مبادئها، ولا نتهاون بالصغار حيث العدو فيها، ومنها يجرنا
إلى الكبار. والا فلو كان يحاربنا ظاهراً عيانا، لكل تتاله سهلا علينا، وقهره
متيسراً لدينا لكنه يعمل لنا كمينا وفخا، لا نقف على الخلاص منه سريعاً، فإن
تيقظنا أفسدنا عليه كل حيله، وذلك لان ربنا قد كسر عنا سلاحه، وقد حذرنا من
الصغائر، إذ أنه ما وقف عند حد قوله “لا تقتل” فحسب، بل قال: ولا تغضب
وأنتهى إلى منعنا من مخاطبة أحد لأخيه بكلمة امتهان، وما وقف عند حد قوله ”
لا تزن “، لكنه حذرنا من النظر إلى أمرأة بشهوة، وأعطى الويل للضاحكين، وبالغ
في الاستقصاء في باب الصغار إلى أن قال: ” أن كل كلمة بطالة يقولها الإنسان،
سوف يعطى عنها جوابا “. فإذا عرفنا ذلك، فسبيلنا أذن أن نحفظ أنفسنا من
الخواطر، فلا نسقط سريعاً.

+
من قول بعض الشيوخ: ” أحذر من الضحك لأنه يحل الحواس، ويبطل كل فضيلة “.

+
قال شيخ: أحذر أن تصنع خطية بهواك، لئلا تعتادها فتصنعها بغير هواك كالضحك “.

+
قال أنبا أغاثون: أن الدلال والمذاح والضحك امور تشبه ناراً تشتعل في قصب فتحرق
وتهلك.

+
أبصر ” أنبا نومين ” أخا يضحك فقال له: لا تضحك يا أخي، لئلا يبتعد الله
عنك.

+
أبصر شيخ آخر أحد الأخوة يضحك فقال له:


لا تضحك يا أخى، والا بعدت عنك الطوبى التى أعطاها الرب للحزانى”.

4-
الغربة والهروب من الدالة والنساء

+
جاء أخ مرة لأنبا أغاثون وقال له:

يا
أبي أريد أن أسكن مع أخ فارسم لى كيف أقيم معه؟

فقال
له الشيخ: كن معه دائما كمثل اليوم الذي بدأت سكنك عنده. واحفظ غربتك هكذا كل أيام
حياتك وأياك أن تكون بينكما دالة “.

+
فقال له الأخ: ولماذذا نتحاشى الدالة؟

أجابه
أنباء أغاثون: ” أن الدالة تشبه ريح السموم. عند هبوبها يهرب الناس جميعاً من
أمامها وهي تهلك ثمار الأشجار “.

+
فقال الأخ: أبهذا المقدار تكون الدالة رديئة؟

أجابه
الشيخ: ” لا يوجد وجع أردا منها لأنها مصدر كل الأوجاع ”

لذلك
يجب على الراهب الحريص أن لا تكون له دالة حتى ولا على القلاية ولو كان وحيداً
فيها. لأنى رأيت أخا يسكن في قلاية زمانا وكان له فيها مضجع وقال لى: ” أنى
خرجت من القلاية. ولما عدت إليها لم أعرف المضجع لو لم يدلنى أخر عليه “.
وهكذا يجب أن يكون الراهب النشيط المجاهد.

+
قيل عن القديس مقاريوس: أنه كان يوصى تلاميذه قائلاً: ” أهربوا من كلام
النساء المؤدى إلى الهلاك “.

وكان
يقول أيضاً: ” احذروا ألا تكون بينكم وبين صبى دالة لأن الصبى إذ رأيته
صاعداً إلى السماء فهو سريع السقوط فما عليكم ألا أن تطلبوا من المسيح ألهنا أن
يعينه “.

+
وقال القديس برصنوفيوس:


لا تأخذ ولا تعط مع إنسان يقاتلك به العدو، بل أنظر لنفسك وأعلم أن مصيرك أن تموت
وتلقى الديان “.

+
وقال أيضاً:


إذا كنت تحب أن تخلص من الأوجاع النجسة، أقطع منك الخلطة والدالة مع كل إنسان، ولا
سيما من ترى قلبك مائلاً إليه بشئ من الأوجاع، وهكذا تعتق من السبح الباطل، لأن
السبح الباطل ملتصق بالرباء والرياء يلد الأوجاع، لأن المجاهدين، أن لم يحرصوا فلن
يكللوا، والفرسان أن لم يجاهدوا في معركة الحرب، فلا يمدحون من الملك “.

+
وقال شيخ: ” من يغلب الأسد ليس بشجاع، كذلك من يقتل اللبؤة ليس بجبار، أما من
يخرج من هذا العالم وهو نقي من عيب النساء فهذا هو الغالب”.

+
وحدث مرة أن سأل أخ الأب دانيال قائلاً:


أرسم لى وصية واحدة أحفظها ” فقال: لا تجعل مع أمرأة في صحفة واحدة، ولا تأكل
معها لأن هذا فخ شيطان الزنى “.

+
وقيل: أن أنبا أسحق خرج مرة فوجد آثار قدم أمرأة في الطريق ففكر في هذا الأمر،
وأزال الأثر قائلاً: ” لربما يراه أحد الأخوة فيسقط “.

+
في بعض الأوقات، قامت سفينة من ديولفن، ورمتها الرياح إلى بعض الجبال حيث كان هناك
رهبان، فخرجت أمرأة من السفينة، وجلست على الشاطئ فوق تل رمل، واتفق حينئذ أن جاء
أحد الرهبان ليملأ جرته، فأبصر المرأة، فرمى الجرة وعاد مبادراً إلى رئيس الدير
وقال: ” يا أبتاه عند النهر امرأة جالسة”، فلما سمع الشيخ قوله، خفى
قلبه، ثم أخذ عصاه وخرج بسرعة وهو يصيح قائلاً: ” أغيثوني فقد جاءنا لصوص
أشرار”، فلما أبصروا أنزعاج الشيخ لحقوه حاملين عصيهم إلى النهر، فلما رأي
النوتية قدومعم عليهم هكذا خطفوا المرأة من فوق التل بسرعة، ووضعوها في السفينة،
وقطعوا حيل السفينة وتركوها منحدرة في جريان النهر.

5-
التحرر من قيود السحر

حدث
في ذات يوم أن ألتقى الأب القديس أفرام السريان بأمرأة فاسدة، وراودته عن نفسها كي
يشترك معها في جماع دنس ولا شنعت عنه، فقال لها: “أن بعض الأخوة اعتدوا المجئ
إلى هنا، فاتبعينى إلى موضع آخر” فتبعته، ولماأقتربوا من موضع يجتمع فيه أناس
كثيرون، قال لها: ” أنى أرى أن نكمل الفعل ههنا” فقال له: ” يا
رأهب، أما تستح من الناس الذين يبصروننا ونحن في الفعل القبيح؟! ” فقال لها:
وانت يا امرأة، اما تستخين من الله خالق الناس الذي ينظرنا في هذا الفعل القبيح؟
فخزيت وأنصرفت خائبة.

+
وبلغ الأب مقاريوس عن راهب متوحد داخل البرية منذ خمسين عاماً لم يأكل خبزا قط وقد
كان يقول عن نفسه أنه قتل ثلاثة أعداء: ” الزنى، وحب المال، والسبح الباطل
“.

فمضى
الأل مقاريوس إليه، فلما رآه المتوحد فرح كثيرا وكان رجلاً ساذجاً. فسأله الشيخ عن
عزائه وعن أحواله وعن جهاده فقال له: “أنه استراح من قتال الزنى وحب المال
والسبح الباطل”. فقال له الأب: لى بعض أسئلة أريد أن أوجهها إليك فأجبنى عنها
وهي:

+
إذا اتفق لك أن عثرت على ذهب ملقى وسط حجارة فهل يمكنك أن تميز الذهب من الحجارة؟

قال:
نعم ولكنى أتغلب على فكرى فلا يميل إلى أن آخذ شيئاً منه.

قال:
حسنا.

+
وإذا رأيت امرأة جميلة أيمكنك ألا تفكر فيها أنها أمرأة؟

قال:
لا. لكنى أمسك فكري ألا يشتهيها.

قال:
مبارك.

+
وأن سمعت أن أخا يحبك ويمجدك وعن آخر يبغضك ويشتمك؟ واتفق أن حضر أليك الأثنان.
أيكونان أمامك في منزلة واحدة؟

قال:
لا. لكنى أمسك أفكاري فلا أكافئه حسب أعماله وأقواله وشتيمته بل أزهر له المحبة.

أخيراً
قال له الأب مقاريوس: ” أغفر لى يا أبي فأنك حسنا جاهدت وقاتلت وصبرت من أجل
المسيج. لكن أوجاعك لم تمت بعد، بل مازالت حية ولكنها مربوطة، فتب واستغفر الله.
ولا تعد إلى ما كنت تصف به نفسك لئلا تثور عليك الأوجاع بالأكثر. فاما سمع المتوحد
ذلك الكلام أنتبه من غفلته وسجد بين يدى الشيخ قائلاً: ” أغفر لى يا أبي فلقد
داويت جهلي بمراهم وعظك الصالح “.

+
أتى أخ إلى الأب مقاريوس وقال له:

يا
معلم قل لى كلمة تنفعنى. فقال له القديس: ” أمضى إلى المقابر وأشتم الموتى
“.

فمضى
الأخ وشتمهم ورجمهم وعاد وأخبر الشيخ بما عمله. فقال له الشيخ: ” أما خاطبوك
بشئ “. فقال: لا. فقال له الشيخ: أمضى غدا وأمدحهم.

فمضى
الأخ ومدحهم قائلاً ” يا قديسون. يا أبرار. يا صديقون “؟ وعاد وأخبر
الشيخ بما صنعه فقال له ” أما أجابوك بشئ؟ ” قال: لا، قال الشيخ:
“أن كنت حقا قد مت مع المسيح ودفنت معه فاصنع هكذا مثل أولئك الأموات، لأن
الميت لا يحس بكرامة ولا باهانة وبذلك تستطيع ان تخلص” فانتفع الأخ بذلك.

6-
تنقية النقس

+
قال أنبا مقاريوس:

كمثل
الحديد الذي إذا طرحته في النار يصير أبيضاً ويتنقى من الشوائب كذلك النفس إذا ما
حل فيها الروح القدي المعزى وسكن فيها فأنها تصير نقية كالملح متلألئة ببياض
الفضيلة فتنسى الأرضيات وتشتاق إلى السمائيات وتوجد في كل وقت سكرانة بالالهيات
شغوفة بالعلويات. وذلك من أجل نقاوتها وطهارتها حتى يظن الإنسان أنه قد أنتقل من
هذا العالم إلى الحياة الأبدية بربنا يسوع المسيح، ويرى الجزاء الكامل العادل
العتيد أن يكون للأبرار والخطأة في الدهر الآتي الذي لن يزول، الدائم إلى الأبد..

+
وقال أيضاً:

نفسى
الكامل في الفضائل نجدها نقية كالشمس من قبل أن تلحقه كلمة ردية – فإذا سمع كلمة
ردية أو نميمة، للوقت تطفى الشياطين على عقله، وتحجب عنه النور، وتصيره شقيا،
وتكون نفسه متزعزعة، وفضائله ناقصة.

+
وقال أيضاً:

أن
نحن ذكرنا السيئات التى تحل بنا من الناس، فأننا نقطع قوة ذكر الله من قلوبنا وأن
نحن ذكرنا شرور الشياطين نبقى غير مجروحين.

7-
رؤية الله

+
قال القديس مقاريوس:

أن
النفس لها استطاعة أن تنظر إلى الله في كل حين، فتوجد لها دالة عند سيدها، لأنها
حينئذ يكون لها قدرة على ذلك، لذلك فلنحرص بكل قوتنا ألا نحيد عن خوف الله ولا نتعبد
للأوجاع.

+
وسأله أخ قائلاً:

كيف
تقتنى النفس خوف الله؟

أجابه:
إذا لم تنظر النفس إلى الله لا تخافه.

قال
له: وبماذا يظهر الله للنفس.

أجابه:
بالعزلة، والضيقة، والصراخ كل حين بشوق ولا يفتر عن أن ينادي قائلاً: ” يا
ربى يسوع المسيح” فإذا ما كان ذكره دائماً في قلبك كل حين فانه يجئ وبسكن
فيك. ويعلمك كل الأعمال الصالحة.

 


خوف الله

+
قال القديس أنطونيوس.


يجب أن يكون خوف الله بين أعيننا دائماً أبداً. وكذلك ذكر الموت، وبغضه العالم،
ونتجنب كل ما فيه من راحة ولذة للجسد، وأن نزدرى هذه الحياة الفانية، لنحب الله ونحيا
له، لأنه سوف يطلب منا هذا في يوم الديونية، ما إذا كنا قد جعنا، أو عطشنا، أو
تعرينا، أو تنهدنا، أو حزنا من كل قلوبنا، أو أمتحنا لأنفسنا هل نحن مستحقون لله،
فلنؤثر الحزن لكي نجد الله، ولنستهن بالجسد لكي تنجو أنفسنا من العذاب “.

+
وقال أيضاً:

سيأتي
وقت يصير فيه أولاد الناس أغبياء، يتحولون عن خوف الله، وإذا وجدوا انساناً غير
أرعن أو أحمق مثلهم يقومون عليه ويقولون له: ” أنت أرعن واحمق ” لأنه لا
يماثلهم.

+
وقال أنبا باخوميوس:

سبيل
الراهب ألا يكتفي بنسك الجسد وتعبه وحده. بل عليه أن يحصل على خوف الله ساكنا فيه
فأنه هو الذي يحرق الأفمار الرديئة ويفنيها كمثل النار التى تحرق الصدأ وتنظف
الحديد من الشوائب. كذلك خوف الله يطرد كل رذيلة من الانسان ويجعله للكرامة يصلح
لعمل الله.

+
وقال أيضاً:

لا
تكسل عن أن تتعلم خوف الله لكى تطلع وتنمو مثل الغرس الجديد وترضى الله كطفل صغير.

سئل
مرة الأب سلوانس: أي سبيل سلكت حتى حصلت على هذه الحكمة؟. أجاب وقال: ” أنى
ما تركت في قلبي قط فكراً يغضب الله “.

+
وقال أنبا مقاريوس:

ليس
شئ يعلو على خوف الله. لأنه يسود على كل شئ. فبخوف الله يحيد كل إنسان عن كل
الشرور، فلنقتن لنا هذا، ولنبتعد عن كل ما لا يريده الله. ولنصنع كل ما يرضيه
ونحفظه، ولا نصنع شيئاً يغضبه، ولنعلم أن كل ما نعلمه عريان ومكشوف لديه ولا نخفى
عليه خافية.

+
وقال أيضاً:

لا
تطاوع مشورة الشياطين الأنجاس، إذا حدثوا بخداع قائلين: أن الله لا يؤاخذك بخصوص
هذا الأمر اليسير أو هذه الوصية الصغيرة، إذا توانيت فيها، بل أذكر أن كل معصية
كبيرة أم صغيرة فانها تغضب الله.

+
سأل أخ أنبا تادرس: ” بأي طريق يمكن للأنسان أن يخرج الشياطين من ذاته؟
“.

+
فقال له القديس: ” أذا قبل إنسان ضيفا وأكرمه، فأن كان لا يقدر أن يطرده
اليوم، ففي الغد لا يقدر أن يطرده ذلك إذا كان متاعه داخل بيته، أما إذا أعطاه
متعه وجميع ما كان داخل بيته، فحينئذ لو أراد طرده أغلق الباب في وجهه، وهكذا
الحال مع الشيطان، إذا لم تطرح متاعه خارجاً عنك، الذي هو الزنى والنجاسة والكذب
وجميع آلاته، فلا تقدر أن تطرده “.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى