علم

الباب الثالث



الباب الثالث

الباب
الثالث

الدموع

الفصل الأول: المفهوم الروحى الآبائى للدموع.

الفصل
الثانى: أقوال الآباء فى الدموع.

الفصل
الثالث: آباء البرية والدموع.

 

الفصل
الأول

المفهوم
الروحى الآبائى للدموع

·              
ما هى الدموع؟!

 الدموع هى لغة النفس المفعمة بأصدق المشاعر. هى
عزاء المظلوم، ووطن الغريب، وأب اليتيم، وراحة المتعبين. هى علامة الندامة، وعهد
التوبة هى غسل القلب، وتطهير الأعضاء، وشفاء النفس المريضة. هى لغة الروح، وصلاة
الصامت، واحتقار العالم، والحنين الى السماء، وانتظار الموت.

 يكفى الدموع فخراً أنها تدخل الى حضرة الله
القدير لتتحدث أمامه؟ ” قد سمعت صلاتك. قد رأيت دموعك. ” [ اش 38: 5 ]

 وهى
وان كانت تتساقط على الأرض كشئ حقير إلا أنها تجمع فى زق الله. ” تيهانى
راقبت. اجعل انت دموعى فى زقك. أما هى فى سفرك ” [ مز 56: 8 ].

 وان
كانت لا تحرك قلوب القساة فهى تزلزل أعتاب السماء! وهى وان كانت لا تقوى أن تغير
صلابة الرؤساء إلا أنها تستطيع أن تغلب تحنن الله!. ” حولى عنى عينيك فإنهما
قد غلبتانى. ”
 [ نش 6: 5 ].

 يحدثنا
القديس يوحنا الدرجى عن إختباره للدموع فيقول: ” أنها أم وبنت الصلاة
“!. وهذا حق فالدموع تسوقنا إلى مخادع الصلاة وهناك نؤتمن على ينابيع الدموع
الحية لنذرف منها ما شاء لنا البكاء! ” يا ليت رأسى ماء وعينى ينبوع دموع
فابكى نهاراً وليلاً قتلى بنت شعبى. ” [ ار 9: 1 ].

[1]
الدموع أم الصلاة:

 حينما
نقف لنتراءى أمام الله فى بدء حياتنا الروحية تصطدم نفوسنا المحملة بالشرور
والآثام بلهيب قداسة الله. فلا تلبث خطايانا ونجاستنا إلا ان تذوب كما تذوب جبال
الجليد أمام حرارة الشمس المحرقة.. وهكذا تنفتح العيون لأول مرة لتسكب فيضاً من
دموع التوبة. وما دموع التوبة إلا جليد الخطايا الذى تراكمت كتله على القلب فلما
أشرقت علية شمس البر أذابته فحولته إلى ماء للتطهير والشفاء!. وهكذا نغسل بدموعنا
أعضائنا التى تدنست من فعل الشهوة والخطية. وحينئذ نستطيع أن نتقدم إلى الصلاة:
” رافعين أيادى طاهرة ” [ 1تى 2: 8 ].


لنتقدم بقلب صادق فى يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة بماء نقى
” [ عب 10: 22 ].

 ولكن
ليست دموع التوبة مقصورة على فترة معينة من حياتنا.

فهى
ينبوعنا الدائم الذى نجد فيه شفاء لنفوسنا التى أتعبتها الخطية. وهو الذى نخرج منه
إلى الصلاة كل حين لنقف أمام الله بلا لوم.


تعبت فى تنهدى. أعوم فى كل ليلة سريرى بدموعى اذوب فراشى” [ مز 6: 6 ].

[
2] الدموع بنت الصلاة:

مغبوط
ذلك الإنسان الذى تفتقده النعمة أثناء تضرعه فىالصلاة المختلطة بالدموع. فبينما
تكون دموع الألم والندم منحدرة من عينية بمرارة وقد ” تعكرت عيناه “
من البكاء ؛ إذ بنور المسيح ينسكب فى قلبه الداخلى وتشمله فرحة سرية عجيبة فتمتذج
دموعه بابتسامة حلوه فتهتز دموع الفرح كأنها فيض من الينابيع العليا. هذه الدموع
المطوبة هى إحدى هبات الصلاة المنسحقة وكل من تذوق لذة الدموع المتولدة من الصلاة
لا يكف عن أن يطلبها بلجاجة كل حين يشهد عن ذلك القديس ارسانيوس العجيب الذى لم
يكف لحظة عن البكاء حتى ذبلت جفونه وتساقطت رموشه، لأن الدموع كانت تسبحته الصامتة
الدائمة، حتى فارق هذه الحياة وجفونة مبللة بالدموع!!.


صارت لى دموعى خبزاً نهاراً وليلاً إذ قيل لى كل يوم أين الهك.” [ مز42: 3]
” انى قد أكلت الرماد مثل الخبز ومزجت شرابى بدموع. ” [ مز 102: 9].

 كل
منا يستطيع أن يبكى ويذرف الدموع، ولكن القليل من يستطيع أن يوجه هذه الدموع لتدخل
إلى محضر الله.فحينما تتحرك عواطفك وتلتهب مشاعرك وتستجيب عيناك لذرف الدموع، إفحص
ذاتك وإختبر شعورك لئلا يكون الدافع لها أمراً جسدانياً تافهاً لا يرضى الله، إفحص
دموعك لئلا يكون الدافع لها محبة جسدانية زائلة أو حنيناً إلى وطن أرضى أو
لاستدرار عطف الآخرين أو للشكوى من ضيق أو مرض أو جوع أو فقر أو إضطهاد فتحسب عليك
كأنها إحتجاج على تدبير الله وإرادته.

 إن
الذين تمرنوا على حياه الصلاة يعرفون كيف يحولون مثل هذه الدموع لتدخل أمام الله..
ينقلون مشاعرهم من التأثر بحب الآخرين إلى حب الله، ومن الحنين لوطن أرضى زائل إلى
الحنين نحو السماء حيث الوطن الأبدى مع الله.

 وبدل
أن يستدروا عطف الناس بالدموع، يتقدمون مباشرة إلى الله ليسكبوا أمامه الدموع كأب
حنون رحيم. وبدل الشكوى يقدمون دموع الرضى والشكر.

·              
الأنواع الصحيحة من الدموع المثمرة

[1] دموع
الشعور بنخس الخطايا وهى دموع تكسر القلب باعثه للحزن.

[2] دموع
التأمل فى صلاح الله والأمجاد المزمعة المعدة لنا. وهذا النوع من الدموع ينابيعه
غزيرة ووافرة ومبهجة للقلب وباعثة للرجاء.

[3] دموع الخوف
من جهنم والدينونة التى لا يكون لها أى صلة بدموع نخس الخطايا.

[4] دموع على
الآخرين، وهى شديدة الكآبة. على أن تكون خالية من أى دينونة أو نعمة.

[5] دموع
الضيقة التى يعانيها مساكين الله من جراء تعنت العالم والظالمين.

 هذه
الخمسة أنواع من الدموع يربطها جميعاً صفتان أساسيتان:

الأولى:
أن
دوافعها صحيحة فبالتالى هى أيضاً صحيحة.

الثانية:
لا
يمارس الإنسان أثناءها أى نوع من التغصب أو المجاهدة أو الإصطناع لكى يزرف هذه
الدموع أو لكى يستديمها أو يستزيدها بأى حال من الأحوال، فهى دموع تلقائية تتبع
بالضرورة دوافعها وأسبابها الصحيحة ولا تنفصل عن هذه الداوافع أو تتقدم عليها.

 ويوجد
نوع واحد من الدموع ليس تلقائياً يحاول الإنسان ويجاهد أن يذرف الدموع. وهذا النوع
ولو أنه لا يعتبر صحيحاً من الوجهة النسكية الصحيحة إلا أنه يمكن التجاوز عن ذلك
بإعتبار أن الذى يمارس هذا النوع من الدموع هم الأشخاص المبتدئون غير الناضجين فى
المحبة.

 إذا
أن تغصبهم لسكب الدموع يكون بدافع طاهر هو إذلال النفس وتوبيخها، وهم يجبرون
أنفسهم على ذلك نظراً لأن إحساسهم بالخطيئة لا يكون قد بلغ حدوده الناضجة التى بها
تنسكب الدموع من تلقاء ذاتها.

 

تعاليم ماراسحق السريانى عن الدموع

أولاً:
وضع الدموع فى الحياة النسكية:

 الدموع
فى وضعها النسكى الكلى قد وضعت حداً فاصلاً بين الحياة حسب الجسد. والحياة حسب
الروح. فإذا لم يؤهل الإنسان لنعمتها يكون هذا دليلاً على أنه لا يزال يعيش ويعمل
من أجل الإنسان الخارجى. كما يعتبر دليلاً قاطعاً أنه لم يبلغ بعد إلى الإحساس
بالعمل الخفى الذى للإنسان الداخلى. فإذا بدأ الإنسان يترك جسدانية العالم ويعبر
حدوده ليدخل فى حدود الطبيعة الروحانية التى للإنسان الداخلى فإنه فى الحال يعطى
هذه النعمة أى نعمة الدموع. فإذا لازم الإنسان هذه المنزلة التى للتدين الداخلى
وسار فى السيرة الروحانية المكتومة، تظل تلازمه هذه الدموع حتى يصل إلى كمال محبه
الله. على أنه بمقدار ما يتقدم فى السيرة على قدر ما يتوفر حظه من هذه الدموع. حتى
أنه يشربها فى كأسه وفى غذائه بسبب إستمرارها على الدوام. حيث يعتبر هذه علامة
أكيدة أن العقل انصرف من هذا العالم وبدأ يحس بالعالم الروحانى. فإذا عاد الإنسان
واقترب بفكره من العالم. تبدأ تجف دموعه ويخسر دوامها. فإذا انصب عقل الإنسان وراء
العالم بالكلية فإنه يعدم هذه الدموع بالكلية. ويعتبر هذا دليلاً أن الإنسان عاد
فاندفن فى قبر أسقام الخطية.

ثانياً:
الدموع والمراحل النسكية:

 يوجد
نوعين رئيسيين هما:

 النوع
الأول:
دموع
من أجل تذكر الخطايا وهفوات القلب. وهى دموع مؤلمة يشعر الإنسان بألمها فى رأسه
عند نزولها. ويكون من نتيجة ذلك أن الجسد يتأثر بها فيكف عن أهوائه وتذبل شهواته
وكأنها تحرق الخطايا وتجفف ميوعه الجسد. وهذه هى دموع المبتدئين. فإذا لم يفقدها
الإنسان بتوانيه وإهماله أو طموحه وكبريائه فإنها تظل معه تهديه إلى أن تبلغه رتبة
المتقدمين أى الرتبة التى يقبل فيها الأنسان الرحمة.

 النوع
الثانى:
دموع تفيض من جراء دخول العقل فى أفهام روحانية ينعم بها الله على
الإنسان فجأة فتنهمر دموعه من غير تكلف ولا تغصب ولا اكراه. وهى دموع مبهجة تجعل
الجسد يزهر زهوراً روحانية بعد أن تذبل خطاياه.

 وكأنها
تدسم الجسم وتجعله فى نضارة حتى أن منظر الإنسان يتغير بسبب فرح القلب.

 وهذه
الدموع هى الفاصل بين رتبه الجسدانيين ورتبه الروحانيين، أو هى الحد الفاصل بين
الأعمال النسكية التى يكملها الإنسان بالجسد والأعمال الروحانية التى تكمل بالفكر
أى التأمل. لذلك تعتبر هذه الدموع المبهجة علامة على أثمار النفس الداخلية.

 

ثالثاُ:
منشأ الدموع وقيمتها النسكية:

[1]
حين يذرف الإنسان الدموع يكون فى وضع يعزله عن أى ميل نحوالخطية لأن أسقام الخطية
وميولها لا يمكن أن تضغط انسانا يبكى.

[2] إذا سألت ِممَّ ينشأ
هذا وكيف يدوم؟!.المملوء جراحات كيف يسكت؟ أو كيف يصبر دون أن يبكى؟ فهل نكون
مملوئين من أسقام الخطية ولا نبكى؟ وهل الذى له ميت ملقى أمامة يحتاج إلى من يعلمه
كيف ينتحب أو بأى فكر يذرف العبرات؟.
نفسك ميتة بالذنوب
وملقاة بين يديك وهى أفضل لك من كل العالم وتقول لى كيف أبكى وتظن أنك فقير من
البكاء؟.

[3] اهدأ إلى نفسك وأصمت
وتعلم السكوت وأصبر على ضيقته وأنت تشعر بالملامة وتوبيخ الضمير يأتيك البكاء
ويلازمك.

[4] نحن محتاجون أولاً
وقبل كل شئ أن نجعل الله أمامنا وفى فكرنا باستمرار. وحينئذ هو يمنحنا هذا الأمر
أى الدموع.

[5] فإذا فزنا بهذه النعمة
أى الدموع التى هى أفضل من كل النعم فحينئذ هى توصلنا إلى الطهارة وهذا هو سر قول
الرب ” طوبى للباكين الآن لأنهم يتعزون ” ؛ لأن البكاء يأتى بالإنسان
إلى الطهارة. وإذا أتى الإنسان إلى مرحلة الطهارة فإنه حتماً يصادف هذا العزاء
الذى يقول الرب عنه. وهكذا نفهم أن ثمرة أثمرت الدموع!!.

[6] فإذا كانت الدموع تقدر
أن تنقل عقل الإنسان النواح من الإحساس بالخطية وتصوراتها. فماذا يمكن أن تفعل فى
الذين أصبحت الدموع تلازمهم ليلاً ونهاراً ومن الذى يعرف مقدار المعونة التى يحصل
عليها هؤلاء الملازمون للبكاء إلا إذا لازم هو البكاء؟. كل القديسين بتوسط البكاء
انفتح أمامهم باب العزاء، فدخلوا فى الاستعلان وساروا فى آثار الله.

[7] الدموع تتولد أيضاً من
الهذيذ الحقيقى الذى يكون بغير طياشة فعندما يقع فهم جديد فى الذهن فيتأثر به
القلب، <تنهمر الدموع.

[8] على قدر ما يغتذى
الإنسان بالروح من الداخل على قدر ما تكون زيادة الدموع.

 

رابعاً:
ماذا تعنى الدموع؟

[1] الدموع دليل أن النفس
البشرية قد حظيت بالرحمة الإلهية، كما تفيد أن النفس قبلت لدى الله عن طريق
التوبة، كما تشير أن النفس بدأت تدخل مرحلة النقاوة.

[2] إن إحساس الإنسان
سريعاً بخطاياه هو موهبة من الله تقع فى الضمير. فإذا اقتنى الإنسان الدموع
بسببها، خصوصاً أثناء الصلاة، فكأنه يقدم قرباناً عظيماً ويغفر له خطاياه.

[3] توجد دموع تأتى جزئياً
للعمالين بالروح مع الله لعزائهم، وتوجد دموع لا تكف نهاراً وليلاً حيث عينا
الإنسان تكونان شبه ينبوع ماء. وتدوم هذه الحالة مدة سنتين أو أكثر، وهذا يشير إلى
أن الإنسان يجوز مرحلة العبور السرى التى من بعدها يدخل فى السلام الكلى وأمان
الأفكار، حيث تنتزع منه الدموع الدائمة. ويتعزى بالله. ويشعر بالتغير الداخلى الذى
هو شبه العتيد أن يقبله الجميع فى تجديد القيامة العامة. ويكون إحساسة بهذا التغير
إحساساً متوارياً كالرمز.

 

الفصل الثانى: أقوال الآباء
فى الدموع

[85]
الدموع الدائمة أثناء الصلاة علامة على الرحمة الإلهية التى وهبت للنفس كنتيجة
لقبول توبتها. بهذه الدموع تؤهل النفس للدخول فى نور صفاء الأبدية.

[86] توجد دموع تحرق وتلهب
وأخرى تبهج وتزهر، فالتى تنحدر من القلب بإنكسار من أجل الخطايا فإنها تيبس وتحرق
تنعمات الجسد! ويحس الإنسان بألم عند إنحدارها من عينيه ولكن هذه الدموع المحرقة
تفتح الباب للدخول فى الرتبة الثانية للدخول فى أرض المسرة التى فيها يقبل الإنسان
الرحمة حيث الدموع الحلوة الرقيقة التى تزين وتبهج الجسد والنفس التى تنبع من
ذاتها بلا إنقطاع دون تغصب.

[87] طوبى للباكين من أجل
الحق لأنه من خلال دموعهم يرون بإستمرار وجه الله.

[88] من اقتنى دموعاً فى
صلاته، فهو كإنسان يقدم قرباناً عظيماً للملك، وقد اقتنى عنده وجهاً بهجاً.

 مار اسحق السريانى

[89] الدموع أثناء الصلاة
هى علامة الحياة الطيبة، هى موهبة عظيمة أسألوا هذه النعمة من الله، أسكبوا امامة
الدموع لتصير صلاتكم كالبخور قدامه.

 مار افرام السريانى

[90] مجارى المياه لوقت
الحريق ؛ ومجارى الدموع فى زمن التجربة.الماء يخمد لهيب النار، والدموع تطفئ شهوة
الشر!.

مار
افرام السريانى

[91] حينما تفيض منك
الدموع أثناء الصلاة لا تستكبر فى ذاتك كأنما صرت أعلى من الآخرين. ولكن اعلم أن
الصلاة هى التى وهبتك هذه الدموع لتمهد لك طريق الاعتراف باشتياق، وتحنن قلب
القدير عليك! ولكن حذار أن تجعل الدموع شهوتك لأنها قد وضعت لتكون ضد الشهوات فلا
تشتهيها فى ذاتك لئلا تغضب معطيها!!.

 نيلوس السينائى

[92] كثيرون قد نسوا الغرض
الذى من أجله قدموا دموعهم. فتكبروا وانحرفوا عن طريق الحق الذى ابتدأوا به وعاشوا
فى كبريائهم. القديس نيلوس السينائى

 [93] من الدموع ما يعصر
عصراً حينما تكون العيون جافة والقلب قاسياً، ولكن بالرغم من ذلك فمثل هذه الدموع
لن تسقط بلا ثمرة فهى وان كانت شحيحة إلا أنها تدل على نية القلب للإغتسال من دنس
الماضى وزلل الحاضر.

[94] ولكن من المؤكد أن
الدموع لا تذرف بتغصب أو تعب عند الذين أدركوا محبة الحق والسير بالطهارة.

[95] لا تغصب نفسك على
الدموع فهى لا تأتى بالعنف لئلا تسوقك على صغر النفس من كثرة المحاولات الفاشلة.
ارفع عقلك فى الصلاة وأتركه ينبسط بحرية الإرادة ليحلق فى السماء. وترفع عن الدموع
العاقرة التى بالتغصب.

[96] اجتهد للسير فى
الطريق الضيق لتدخل مدينة السلام أورشليم المهيأة كعروس لعريسها!. ولكن الطريق
اليها تعوزه دموع تذرف ليلاً ونهاراً.

” أعوم فى كل ليلة
سريرى بدموعى اذوب فراشى. ” [مز 6: 6].

” صارت لى دموعى
خبزاً نهاراً وليلاً إذ قيل لى كل يوم أين الهك.”
[ مز 42:
3].

” إنى قد أكلت الرماد
مثل الخبز ومزجت شرابى بدموع.”!!. [ مز 102: 9 ].

” لا تسكت عن دموعى.
لأنى أنا غريب عندك.” [ مز 39: 12 ].

” اجعل أنت دموعى فى
زقك. أما هى فى سفرك ” [ مز56: 8 ].

القديس
مقاريوس الكبير

[97] إن الدموع التى تذرف
من شدة البلية فى وقت الحزن مع التهاب الأحشاء والتطلع لمعرفة الحق تكون غذاء
للنفس لشفائها، كما اغتذت مريم منذ القديم عندما بكت حتى بللت أقدام السيد المسيح
بالدموع فغفر لها خطاياها الكثيرة لأنها أظهرت حباً كثيراً.
إيه أيتها
اللآلئ الثمينة المنحدرة من العيون الباكية! لقد حننت قلب السيد حتى فاض بالرحمة
عليك.

وكما
كانت للنفس النادمة الحزينة لهفة نحو العريس الطاهر كذلك تأجج قلب العريس بالحب
المفرز نحو عروسه المتطهرة!. ياللشركة العجيبة التى ربطت العريس بعروسه!.

[98] كما أنه إذا سقط
المطر على الأرض نبتت وأنتجت الثمار وفى ذلك راحة وفرح للناس. كذلك الدموع إذا ما
وقعت على قلب أثمرت ثماراً روحانية وراحة للنفس والجسد معاً.

[99] لنبك أيها الاخوة
ولتسل دموعنا من أعيننا قبل أن نمضى إلى حيث تحرق دموعنا أجسادنا بدون نفع. ولما
قال هذا بكى وبكى الكل معه وخروا على وجوههم قائلين: أيها الأب صلى من أجلنا.

 القديس مقاريوس الكبير

[100] إن كانت المعمودية
قد طهرتنا من الخطية المتوارثة فينا من أدم، فالدموع هى تجديد لقوة تطهير
المعمودية لغسل الخطايا التى عملناها فى أنفسنا.
المعمودية
التى أخذناها أطفالاً قد دنسناها كلنا! والعين

 الباكية هى جرن دائم
لمعمودية التوبة والتجديد. ولو لم يهبنا الله نعمة الدموع لتعذر خلاص الكثيرين!.

 الأب يوحنا الدرجى

[101] من اقتنى الدموع
النابعة من العين النفسية الداخلية فقد ضبط النوح واحكم استعمالاته.
أما من تعود
البكاء بالعين الظاهرة فقط فعليه أن لا يهدأ حتى يعبر إلى معرفة أصول الدموع
ومناقبها!.

[102] الكنز المستور يصعب
سرقته أما الظاهر فهو عرضة للسلب والنهب. هكذا الدموع، فالبكاء فى الخفاء يبقى
ويدوم أما الظاهر فعرضة للضياع.

[103] كل من يغصب نفسه على
الدموع بغير معرفة وبغير همة وعمل وتوبة وندامة فهو يقدم تقدمة جسدية فحسب.

[104] رأيت عيوناً بالوجع
تبكى وتذرف الدمع بالتعب. ورأيت عيوناً تنهمر منها بلا كيل، فطوبت الأولى وغبطت
الثانية.

الأب
يوحنا الدرجى

[105] الذى اقتنى الدموع
قد بغض حياته وهجر جسده كما يهجر الإنسان عدواً له وصار يشتاق إلى البكاء كاشتياق
العطشان إلى الماء البارد.

[106] لا تصدق يا أخى
دموعك قبل أن تبلغ حد الطهارة الكاملة.

[107] ليس للمسجونين سرور
فى سجنهم، وليس للراهب الحقيقى عيد على الأرض. لأن عيده فى دموعه وسروره فى
بكائه!.

[108] قد رأيت كثيرين من
الفقراء والمساكين الخالين من الفضائل اغتصبوا ملكوت السموات بكثرة بكائهم وصيامهم
أمام الله.

[109] يا أحبائى. الله لا
يسر ببكائنا ووجع قلبنا. بل هو يريد أن نفرح معه دائماً ولا أحد ينزع فرحنا منا.
فهو لم يخلق أدم باكياً. ولا جعل البكاء من طبيعتنا بعد القيامة وإنما طوب الباكين
الآن لأن البكاء يغسل جرح الخطية ويجففه!.

[110] الدموع للجاهل توقعه
فى الصلف والكبرياء. لهذا لا تعطى للجهال.

[111] تضحك الشياطين حينما
ترى إنساناً متكبراً يبكى لأن البكاء يزيده تكبراً على كبريائه!.

[112] إن النفس وقت خروجها
من العالم لا تجد ما يعينها ويشجعها إلا ما قدمته من التوبة والدموع!.

 أما هؤلاء السعداء الذين
استعدوا لهذه الساعة وبكوا من أجلها بغير فتور لا تجدهم يرفعون صوتهم أو يشتغلون
بالألحان فقط.. وأنت إذا ظننت أنك تستدعى النوح باللحن فقد النوح عنك.

[113] رايت دموعاً كاذبة
يسوقها الشيطان للذين تركوا دياراتهم وأثروا السكنى فى العالم حتى يوهمهم أنه ليس
من ضرر فى إقامتهم بين الناس.

الأب
يوحنا الدرجى

[114] ينبغى لنا ايها
الحبيب أن نجتهد بقدر استطاعتنا بالدموع أمام ربنا ليرحمنا بتحننه. لأن الذين
يزرعون بالدموع يحصدون بالفرح.

الأنبا
موسى الأسود

[115] سبيلنا أن نتطهر
بالدموع ما دمنا فى هذا العالم، قبل أن نمضى إلى حيث تحرق دموعنا أجسادنا.

أحد
الآباء الشيوخ

[116] سأل أخ شيخاً:

 كيف يقتنى الإنسان
البكاء؟. فقال: يقتنى الإنسان البكاء إذا كان عقله يذكر دائماً خطاياه وموته
ودينونته.

[117] كما اننا نحمل معنا
ظلمنا أينما ذهبنا، كذلك يجب أن يكون البكاء معنا فى كل موضع، كالقول ” أعوم
كل ليلة سريرى وبدموعى أذوب فراشى “.

أحد
الآباء الشيوخ

[118] من لا ينشق قلبه
بالتحسر والتنهد، وكان فارغاً من صلاة الدموع وعادمة من القراءة فهو سائر فى التيه
لأنه إذا ما اخطأ لن يحس.

[119] لا تجعل نفسك
معدوداً بالجملة وأنت تتفرغ لتبكى على خطيئتك. وأوقد سراجك بدموع عينيك.

 القديس الأنبا انطونيوس

[120] أعمال التوبة
والصلوات والدموع بإتضاع وكسر القلب، لا تغلب الآلام من النفس فقط بل ومن الموت تقيمها.

 مار اسحق السريانى

 
الفصل الثالث: آباء البرية
والدموع
[20] القديس مقاريوس الكبير

 •
كان أنبا مقار يعمل عمل الرب، وكان فى ذهابه إلى قلايته يصلى وكانت صلاته مصحوبة
ببكاء ودموع طبقاً لما حث به أبا أشعياء قائلاً: ” عندما ينصرف الجميع أو
عندما تقوم عن الغذاء، لا تجلس مع أى إنسان، لا فى أمور العالم ولا أمور روحية بل
أمضى إلى قلايتك وابكى على خطاياك “.

 •
كان سائراً مره فى البرية الجوانية فوجد جمجمة إنسان ملقاه فوقف عندها، ثم حركها
بعصاه وبدأ يبكى ورفع عينيه إلى السماء فى تضرع بلجاجة شديدة طالباً من السيد المسيح
أن يعلمه بقصة صاحب هذه الجمجمة.

 ثم
حركها ثانية وخاطبها أسألكى باسم المسيح أن تتكلمى. فخرج صوت من الجمجمة قائلاً:
ماذا تريد منى يا مقاريوس البار؟! فقال لها أريد أن أعرف تاريخ صاحبك.. فقالت له
الجمجمة: أعلمك بأنى كنت رأساً لملك هذه الأماكن، وكانت هنا بلدان ومدن كثيرة.
فتعجب القديس وسألها: ماذا كان اعتقادكم؟.. فقالت: كنا نعبد الأصنام وندعوها آلهه
ونعمل لها أعياداً وحفلات لا يقدر أحد أن يصنع مثلها وكانت المملكة عظيمة جداً وها
أنا اليوم كما ترى يا أبانا القديس. ولما سمع ذلك أنبا مقاريوس بكى بكاءاً عظيماً.
ثم سأل: وما هو حالكم اليوم؟.فقالت نحن فى عذاب شديد لأننا لم نعرف الله ولكنه
عذاب أحق وطأه من الذين عرفوا الله وآمنوا ثم جحدوه. فتألم القديس كثيراً ثم تركها
ومضى عائداً إلى قلايته.

 

[21]
الأنبا ارسانيوس

معلم أولاد الملوك

[21] الأنبا ارسانيوس

 معلم أولاد الملوك

   • قيل عنه: أنه إذا جلس يضفر الخوص كان يأخذ خرقة ويضعها على
ركبيته لينشف بها الدموع التى كانت تتساقط من عينيه. وفى زمان الحر كان يرطب الخوص
بدموعه وهو يضفر. من أجل ذلك كان شعر جفونه يتساقط من كثرة البكاء.

 •
قيل عنه أيضاً: أنه فى كل باكر وعشية كان يحاسب نفسه ويقول: ” ماذا عملنا مما
يحب الله، وماذا عملنا مما لا يحب الله ” وهكذا كان يفتقد حياته بالتوبة.
وكان يقول كل الأوقات: ” تأمل يا ارسانى فيما خرجت لأجله “.

 •
كان يأتى إلى الكنيسة على فترات متباعدة. وكان يقف وراء عمود حتى لا يرى أحد وجهه
ولا يرى هو وجوه الآخرين. وكان وجهه مثل وجه ملاك، وشعره أبيض كالثلج وكثيفاً، أما
جسده فكان جافاً من الأتعاب ولحيته مستطيلة إلى وسطه ورموش عينيه قد تساقطت من
البكاء. ولما قرب وقت نياحته دعا تلاميذه وعزاهم، ووعظهم وقال لهم: ” اعلموا
أن زمانى قد قرب فلا تهتموا بشئ سوى خلاص نفوسكم ولا تنزعجوا بالنحيب علىَّ.

 وكان
البار يتكلم بهذا ودموعه تنهمر من عينيه فقالوا له: يا أبانا. أتفزع أنت أيضاً؟!
أجابهم قائلاً: ” إن فزع هذه الساعة ملازم لى منذ جئت إلى الرهبنة “.

هكذا
رقد القديس ودموعه تسيل من عينيه. فبكى تلاميذه بكاءً مراً وصاروا يقبلون قدميه
ويودعونه كإنسان غريب يريد السفر إلى بلده الحقيقى. ولما سمع الأنبا بيمن بنياحة
الأنبا ارسانيوس تنهد وقال: طوباك يا أنبا ارسانيوس لأنك بكيت على نفسك فى هذا
العالم فإن من لا يبكى على نفسه ها هنا زماناً قليلاً، سوف يبكى هناك زماناً
طويلاً. فإن كان ها هنا بكاء بإرادتنا وأما هناك فالبكاء من العذاب وعلى كلتا
الحالتين لن ننجو من البكاء. وعلى ذلك فما أمجد أن يبكى الإنسان على نفسه ها هنا.

 

[22]
القديس ايسيذورس

قس
القلالى

 كان
تحت إشرافه ثلاثة آلاف راهب. وكان يرى رؤى. وكانت الشياطين تخافه وتهرب منه، وبسهولة
كان يخرج الشياطين

 وفى
إحدى المرات ظهر له الشيطان وقال له: ” أما يكفيك أننا لا نستطيع أن نمر على
قلايتك، ولا على القلاية التى إلى جوارك وأخ واحد كان لنا فى البرية، جعلته يعتدى
علينا بصلاته فى النهار والليل “. ومع ذلك كان القديس ايسيذورس يبكى بدموع غزيرة.
وكان يجهش بالبكاء بصوت عالٍ، لدرجة أن تلميذه فى الغرفة المجاورة سمعه يبكى، فدخل
عليه وقال له: ” لماذا تبكى يا أبى؟ ” فأجابه القديس: إننى يا ابنى أبكى
على خطاياى. فقال له التلميذ ” حتى أنت يا ابانا، لك خطايا تبكى عليها؟!
“. فأجابه:
” صدقنى يا ابنى، لو كشف الله لى كل خطاياى، ما كان يكفى لو اجتمع ثلاثة أو
أربعة معى للبكاء عليها “!.

 هؤلاء
القديسون كانت لهم حساسية شديدة من جهة أن الخطية خاطئة جداً، وأنها تجرح قلب الله
المحب. ما كانوا يفكرون فى عقوبة الخطية، إنما كانوا يفكرون فى مشاعر الله، وأنهم
لم يرضوه بعد، على الرغم من السمو العظيم الذى وصلوا اليه فى الحياة الروحية.
ويرون أن هذا التقصير إذا ما قيس بالكمال الذى يتطلعون إليه، هو الخطية التى يبكون
عليها بدموع.

 

[23]
القديس بفنوتيوس

 جاء
عن الأب بفنوتيوس أنه لما كان فى البرية كان مزاجه صعباً، وأعماله بحرارة كثيرة،
ولكنه لما صار اسقفاً تغير الحال قليلاً، فطرح ذاته قدام الله قائلاً: ” يا
ترى، أمن أجل الأسقفية ابتعدت عنى النعمة؟! “. فقيل له: لا، ولكن لما كنت فى
البرية حيث لا يوجد إناس، كان الله يعضدك، أما الآن فإنك فى العالم حيث يوجد الذين
يعضدونك. وما أن علم ذلك حتى هرب لوقته على البرية.

أمانته:
قيل
ايضاً أنه عندما كان فتى، وكان يرعى الثيران مع أصحابه، حدث أن مضوا ذات مرة
ليحضروا بعض الخيار للحيوانات فسقطت واحدة فى الطريق والتقطها أنبا بفنوتيوس
وأكلها. يقال أنه كلما تذكر هذا الحادث كان يجلس يبكى بحزن شديد.

 

[24]
الأنبا موسى الأسود

[
أ ] توبته:

 هناك
فى البرية تقابل مع أنبا ايسيذورس وطلب منه أن يرشده إلى خلاص نفسه فأخذه أنبا
ايسيذورس وعلمه ووعظه كثيراً بكلام الله وكلمه عن الدينونة والخلاص، وكان لكلمة
الله الحية عملها فى داخل قلبه واستكملت فاعليتها داخل نفسه فكانت دموعه مثل الماء
الساقى، وكان الندم الحار يجتاح نفسه ويقلق نومه وهكذا كره حياته الشريرة وعزم على
التخلص منها فقام إلى القديس ايسيذورس ثانية.

إعترافه
بخطاياه ونواله سر العماد:

 كان
يركع أمام قس الاسقيط ويعترف بصوت عالٍ بعيوبه وجرائم حياته الماضية فى تواضع كثير
وبشكل يدعو إلى الشفقة ووسط دموع غزيرة. فاخذه القديس ايسيذورس إلى حيث يقيم أنبا
مقاريوس الكبير الذى أخذ يعلمه ويرشده برفق ولين ثم منحه صبغة المعمودية المقدسة.
واعترف علناً فى الكنيسة بجميع خطاياه وقبائحه الماضية وكان القديس أنبا مقار
أثناء الاعتراف يرى لوحاً عليه كتابة سوداء، وكلما اعترف موسى بخطية قديمة مسحها
ملاك الله حتى انتهى من الاعتراف وجد اللوح أبيضاً.

 

[25] الأنبا يوحنا القصير

 وقيل
عنه أنه إذا ابصر إنساناً أخطأ كان يبكى بكاءاً شديداً، ويقول: ” إن هذا أخطأ
اليوم ولكنه ربما يتوب. أما أنا فانى أخطئ غداً وربما لا أعطى مهلة كى أتوب هكذا
يجب أن نفكر ولا ندين أحداً. ولهذا كان يسافر إلى مسافات بعيدة لهداية الخطاة.

القديس
يطلب هداية الخطاة:

 علم
من شيوخ البرية عن إرتداد بائيسة التى ولدت فى منوف من أبوين غنيين. ولما توفيا
جعلت منزلها مأوى للغرباء والمساكين واجتمع بها قوم أردياء واستمالوا قلبها إلى
الخطية. حتى جعلت بيتها للدعارة تقبل فيه كل الأثمة. فاتصل خبرها بشيوخ شيهيت
القديسين فحزنوا حزناً عظيماً وطلبوا إلى القديس يوحنا القصير أن يمضى إليها
ويساعدها على خلاص نفسها.

 فذهب
القديس حالاً بعد أن طلب منهم أن يصلوا لأجله. ولما وصل إلى بيتها قال للبوابة:
أعلمى سيدتك بقدومى فلما أعلمتها تزينت واستدعته. فدخل وهو يرتل قائلاً: ”
إذا سرت فى وادى ظل الموت لا أخاف شراً لأنك أنت معى “. [ مز 23: 4 ].

 ولما
جلس نظر إليها وقال: لماذا استهنت بالمسيح فاديك واتيت هذا المنكر؟. فارتعدت وذاب
قلبها من تأثير كلام القديس. ثم أحنى راسة إلى الأرض وبكى.

 فسألته:
ما الذى يبكيك؟ فأجابها: لأنى أعاين الشياطين تلعب على وجهك ولهذا أنا ابكى عليك.
فقالت: وهل لى توبة؟.

 أجابها:
نعم ولكن ليس فى هذا المكان. ثم أخذها الى البرية ولما أمسى النهار نامت والقديس
نام بعيداً عنها. ثم وقف القديس ليصلى صلاة نصف الليل فرأى عمود نور نازلاً من
السماء. وملائكة الله يحملون روحها. فاقترب منها فوجدها قد ماتت. فسجد إلى الأرض
وصلى صلاة طويلة بسببها فسمع صوتاً يقول: “ان توبة بائيسة قد قبلت وقت توبتها
لنها تابت بقلبها توبة خالصة “.

 وبعد
أن دفن جسدها وصل إلى ديره وأعلم الشيوخ فمجدوا الله الذى لا يشاء موت الخاطئ.

 

[26]
القديس بولس البسيط
تلميذ الأنبا انطونيوس

 أتى
هذا القديس مرة إلى الاسقيط لإفتقاد الاخوة كعادته، ولما دخلوا الكنيسة ليكملوا
القداس، كان يتأمل كل واحد من الداخلين: ويعرف الحال التى عليها نفسه، وكان يرى
مناظرهم بهجة وملائكتهم تتبعهم مسرورة. وعاين أحدهم أسوداً كله، وشياطين محتاطة به
يجرونه، وملاكه يتبعه من بعيد عابساً، فلما رأى ذلك بكى وقرع صدره مرات، وخرج من
الكنيسة باكياً، فخرج اليه الأخوة قائلين: لماذا تبكى يا أبانا؟. وطلبوا أن يدخل
معهم للقداس، فامتنع وجلس على باب الكنيسة منتحباً جداً. ولما كملت الصلاة وخرجوا
كان يتطلع اليهم أيضاً، مؤثراً أن يعرف خروجهم فرأى ذلك الأخ الذى كان قد دخل على
تلك الحالة الرديئة، قد خرج بهى الوجه، ابيض الجسم، وملاكه ملاصق له بسرور،
والشياطين يتبعونه من بعيد وهم مكمدين، فصفق القديس بولس البسيط بيديه مسروراً
ووثب بفرح عظيم مباركاً الله ابا الصلاح. بصوت عالٍ قائلاً: هلموا انظروا أعمال
إلهنا الصالح، الذى يشاء خلاص كل الناس، ومحبته للبشر التى لا ينطق بها.

هلموا
نسجد ونخر قائلين: ” أنت وحدك يا إلهنا قادر أن تنزع كل خطية “. فحضر
الكل لسماع أقواله، فأخبرهم بما ظهر له، وسأل ذلك الأخ أن يعرفه السبب الذى من
أجله وهب الله تبديل تلك الحالة إلى النقاوة، فقال بمحضر الكل: ” إنى منذ
زمان طويل عائش فى النجاسة إلى أبعد غاية، فلما رأيت الأب باكياً جداً، ابتدأ قلبى
فى أن يتخذ إحساساً فأنصت إلى القراءات، فسمعت أشعياء النبى يقول
اغتسلوا تنقوا اعزلوا شر أفعالكم من أمام عينى كفوا عن فعل الشر.. هلم نتحاجج يقول
الرب. ان كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج. ان كانت حمراء كالدودى تصير كالصوف
“. [اش1: 16-18]

 فلما
سمعت أنا الخاطئ هذا الكلام، ضعف قلبى وقلت أمام الله، أنت الإله المتحنن الذى
أتيت لخلاص الخطاة يا من قلت: ” أنه يكون فرح فى السماء قدام ملائكة الله
بخاطئ واحد يتوب “.

 والآن
يا ربى ما وعدت به بفم نبيك تممه فى أنا الخاطئ، واقبلنى إليك تائباً، وها أنا منذ
الآن لا أصنع شيئاً مما كنت أصنعه من الآثام، وسوف أخدمك بكل طهارة إلى آخر نسمة
من حياتى، وعلى هذا العهد خرجت من الكنيسة.

 فلما
سمع الآباء ذلك صرخوا بصوت واحد قائلين: ” لقد عظمت أعمالك يا رب. كلها بحكمة
صنعت “.

 ومن ذلك الوقت عاش ذلك
الأخ بكل نقاوة وأرضى الله بسيرة فاضلة، فعلينا ألا نقطع رجاءنا من مراحم الهنا،
لأننا إذا أتينا إليه لا يطالبنا بسابق أعمالنا، لأنه كوعده الصادق أن يقبل
التائبين ويغسلهم من خطاياهم ويطهرهم من أدناسهم، ويقدسهم بنعمته، فيصيروا أنقياء
وبلا لوم قدامه فى المحبة.

له
المجد الدائم إلى الأبد. آمين.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى