أساس سلوك المسيحي الأرثوذكسي الحي بالله
كل من يتوب ويعود لنبع الحياة الأبدية تتغير حياته بعمل النعمة في قلبه فيدخل في سيرة روحانية مقدسة ، في شركة حية مع الله الثالوث القدوس ، وتنعكس حياة الشركة على حياته في وحدة المسيح الرب الذي وحدنا في نفسه لندخل في سر الشركة مع الله بالروح القدس في كنيسة مقدسة تتحقق فيها الوحدة ، وهذه الوحدة المقدسة لا يُمكن أن تُبنى على أساس التمييز بين الحلال والحرام ، لأن الابتعاد عن الشرّ وتجنبه يستحيل أن يخلق الوحدة ، فنحن كمسيحيين لا نقبل الحلال والحرام كأساس للسلوك ، بل أساس السلوك عندنا مبني وقائم على كل ما هو من المحبة والشركة ، فهذان (المحبة والشركة ) هما الأساس المُحرك للسلوك ، والمحبة ليست هي محبة مجردة أو هي مجرد أخلاق سلوكية تسلمناها من آبائنا الذين ربونا على تقبل الآخر ، بل المحبة التي نقصدها هنا هي الله [ الله محبة ] ، ولأن الله [ الثالوث ] محبة فهو الذي يجعلنا واحداً :
- [ الذي عنده وصاياي و يحفظها فهو الذي يحبني والذي يحبني يحبه أبي وأنا أحبه وأُظهر له ذاتي ] (يو 14 : 21)
- [ ليكون الجميع واحداً كما انك أنت أيها الآب في وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا ليؤمن العالم انك أرسلتني ] (يو 17 : 21)
- [ وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد ] (يو 17 : 22)
- [ أنا فيهم وأنت في ليكونوا مكملين إلى واحد وليعلم العالم انك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني ] (يو 17 : 23)
- [ بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الإخوة ] (1يو3: 16)
وكل من يحيا بهذا العالم الساقط ، أي يحمله في قلبه ويسلك بقانونه ، فأنه يموت روحياً منفصلاً عن الله ولا يقدر أن يُقيم شركة مع الله ولا مع الآخرين ، بل ولا يقدر أن يعرف الله كشخص حي وحضور مُحيي : [ كان في العالم و كُوَّن العالم به ولم يعرفه العالم ] (يو 1 : 10) ، لذلك قال الرسول : [ لا تحبوا العالم و لا الأشياء التي في العالم أن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب ] (1يو 2 : 15)
+ فسلوك المسيحي الحي بالله ينبع من قيامة ربنا يسوع الذي حررنا من كل فريضة وقانون الحرام والحلال وجعل لنا قانون سماوي فوقاني من المحبة والشركة : [ إذاً إن كنتم قد متم مع المسيح عن أركان العالم فلماذا كأنكم عائشون في العالم تفرض عليكم فرائض ] (كو 2 : 20) ، فأن عاش الإنسان حسب مبادئه الإنسانية محدداً بعقله ما هو شر وما هو خير ، وما هو حرام وما هو حلال بعيداً عن الله ، أو حتى يظن أنه قريب من الله لأنه درس وعرف عن الله معلومات ملئ بها فكره وحفظ الوصايا من جهة الفكر والمعرفة فأن حياته ستصير مُظلمة ، لأن الإنسان الساقط عنده غشاوة لأنه ظلمه ، وكل مبدأ أخلاقي أو فكر سامي أو قانون حتى لو كان رائع شكلاً فهذا كله ينبع من نفسه وهو أصلاً ظلمة ، فلا يُمكن أن الظلمة تُضيء من ذاتها إلا لو أشرق النور فيبددها ، فالله هو نور الحياة ، لأن الخالق هو الواهب كل الأشياء وجودها وحياتها ، لذلك فلو صار الإنسان هو نور الحياة فالحياة حتماً ستصير ظلمه كما قلنا ، والرب قال عن نفسه انه هو نور الحياة : [ ثم كلمهم يسوع أيضاً قائلاً أنا هو (يهوه) نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة ] (يو 8 : 12) ...
إذن تبعية الرب النور الحقيقي يجعل الإنسان يستنير ويصبح بدورة نور ، أي أن نور الرب يشع منه ، ويصبح سلوكه فوقاني بالحب والشركة محققاً ما قاله الرسول : [ لكي تكونوا بلا لوم وبسطاء أولاداً لله بلا عيب في وسط جيل معوج و ملتو تضيئون بينهم كأنوار في العالم ] (في2: 15) لذلك لو سألنا أي شخص لم يتذوق محبة الله ويعيش بالشركة مع الثالوث القدوس ، عن الخلاص من الموت الروحي ، لن نسمع إجابة فيها حياة الله ، أو ملامح أي شركة أو وحدة ، بل نسمع فيها مجرد وصايا خارجية وتوجيهات من جهة الأعمال الشكلية على مستوى الخارج [ العشور – القداسة – الطهارة – الصدق ... الخ ] وكلها أشياء صالحة وضرورية للغاية ، ولكنها لا تُنفذ من الخارج ، أو تنبع من ظلمة لإرضاء الضمير !!!
فعند الإنسان البعيد عن الشركة سنجد أن سلوكه نابع من ذاته وحسب معلوماته وحياته بلا تدبير فوقاني بالنعمة ، وهو في حياته الخالية من حياة الله والمبنية على فكره هو ومعلوماته يقبل حالة الإنسان الراهنة ويسقط في بئر الخطايا مُعلناً رحمة الله وغفرانه بلا تجديد للطبيعة الإنسانية الساقطة ، أو تجلي للحياة الإنسانية في المسيح ، وبذلك يحكم على نفسه أنه ليس من الله ، بل من المعرفة الطبيعية النابعة من الموت ، التي ترى قدراته الخاصة وضبطه لذاته وإرضاء الله بأعماله وأنه يحيا مع الله بجمعه المعلومات الروحية واللاهوتية !!! بل ويُسلم الحياة المسيحية على أساس قاعدة الحرام والحلال وما هو لائق وغير لائق بلا نعمة ولا استنارة أو تجديد القلب والفكر وحياة النفس الداخلية في المسيح يسوع ، وهذا هو الموت عينه ، لأن الحياة هي فقط في المسيح في شركة الثالوث القدوس بالمحبة والإيمان أو بمعنى أدق بالإيمان العامل بالمحبة ...
فيا إخوتي الأحباء أننا لا نسلك السلوك المسيحي حسب ما نعرف أو نفهم ، بل حسب شركتنا مع الثالوث القدوس ووحدتنا معه في المسيح ، في الكنيسة كأعضاء لبعضنا البعض ، ونحيا وفق الخليقة الجديدة في المسيح يسوع حسب عمل الله بالروح القدس في قلوبنا [ ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح ] (2كو 3 : 18) ، المعلومات عن الله ومعرفة اللاهوت كفكر أو السلوك الإنساني حسب شوية مبادئ ، كل هذا لا يُغيرنا لصورة الله ، بل كل هذا ينفخ ويجعل الإنسان متكبر في النهاية مهما ما أظهر اتضاعاً أمام الناس ، فهذا شكل لا ينظر له الله بأي حال ، بل ينظر لصورته فينا ليس بعملنا نحن بل بعمل الروح القدس ، لأن من في استطاعته أن يتغير لصورة الله بقدراته مهما ما بلغ من قوة إرادة وقدرة على العمل ، فكل قدراته تُصب في النهاية في شكله هو أمام الناس وأخلاقه الإنسانية ، ولكنه لم يتطبع بالطابع الإلهي ، ولم يتغير لتلك الصورة عينها من الرب الروح القدس ، بل لم يتغير ولم يتجدد طبعه وأصبح ابناً لله عملياً والروح القدس يشهد لروحه أنه ابناً لله في الابن الوحيد !!! ولا يستطيع أن يُقيم شركة حيه مع الله يسمع فيها صوته ويعرف مشيئته في حياته ، ويتلقف حياة الله في داخله فيبصر ويرى ملكوت الله في داخل قلبه وتشع فيه نصرة الرب بروح القيامة ، فيتيقن برؤية إيمان حي أن نصيبه هو الرب وله ملكوت الله حتماً لأنه ليس بغريب عنه ....
ولنقرأ معاً في الختام من رسالة القديس يوحنا الرسول الأولى الإصحاح الرابع :
9- بهذا أُظهرت محبة الله فينا أن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به .10- في هذه هي المحبة ليس أننا نحن أحببنا الله بل انه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا .
11- أيها الأحباء أن كان الله قد أحبنا هكذا ينبغي لنا أيضاً أن يحب بعضنا بعضاً .
12- الله لم ينظره احد قط أن أحب بعضنا بعضا فالله يثبت فينا و محبته قد تكملت فينا .
13- بهذا نعرف أننا نثبت فيه و هو فينا انه قد أعطانا من روحه .
14- و نحن قد نظرنا و نشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلصا للعالم .
15- من اعترف أن يسوع هو ابن الله فالله يثبت فيه و هو في الله .
16- و نحن قد عرفنا و صدقنا المحبة التي لله فينا الله محبة و من يثبت في المحبة يثبت في الله و الله فيه .
17- بهذا تكملت المحبة فينا أن يكون لنا ثقة في يوم الدين لأنه كما هو في هذا العالم هكذا نحن أيضاً .
18- لا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج لان الخوف له عذاب وأما من خاف فلم يتكمل في المحبة .
19- نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً .
20- أن قال أحد إني أُحب الله وأبغض أخاه فهو كاذب لأن من لا يحب أخاه الذي أبصره كيف يقدر أن يحب الله الذي لم يبصره .
21- و لنا هذه الوصية منه أن من يحب الله يحب أخاه أيضاً .