
القديس مرقس الناسك
"من يريد أن يحمل صليبه ويتبع المسيح، يلزمه قبل كل شيء أن يجاهد في سبيل المعرفة والفهم، وأن يفحص أفكاره دائمًا، مهتمًا كل الاهتمام لكي يربح الخلاص ويثبت في الله بكل قدراته. كما يجب عليه أيضًا أن يتباحث مع خدام الله، الذين لهم نفس الفكر ونفس الروح ويقومون بنفس العمل، حتى يعرف كيف وأين يوجه خطواته، فلا يسير في الظلمة من غير مصباح منير."
"لأن الإنسان الذي يتكل على ذاته بدون معرفة، وبغير قيادة الإنجيل غالبًا ما يتعثر ويسقط في مهاوي وشباك كثيرة للعدو (الشيطان)، وكثيرًا ما يضل، ويتعرض لمصاعب متعددة، ولا يدرى ما تؤول إليه حالته في النهاية."
"كثيرون، صارت لهم مهارة عظيمة في إماتة الذات، وبذلوا جهدًا عظيمًا لأجل الله، ولكن لأن مشيئتهم كان يعوزها التمييز الصائب، ولأنهم لم يعتبروا مشورة النصح حقيقة لازمة، ولا طلبوها من اخوتهم، لذلك صار جهادهم باطلًا وبلا أدنى فائدة."
"وأما أنت يا ابني، فإن ُرمت أن تدرك مصباح نورك العقلي والمعرفة الروحية وتقتنيه في داخلك، حتى تسير به دون أن تتعثر في الظلمة الحالكة لليل هذا العمر، ويرتب لك الرب خطواتك (مز 133:118) كقول النبي يلزمك أن تتوق إلى طريق الكتب المقدسة بشغفٍ، حتى تمارس أكمل وصايا الإنجيل بغيرة إيمان، وتشترك في آلام المسيح برغبة وصلاة."
"وها أنا أريك طريقًا عجيبًا، به تحقق قصدك، طريقًا لا يقوم على عمل جسدي أو مجهود خارجي، وإنما يتعلق بحالة النفس الداخلية محتملًا مشقة جهاد النفس، مع ضبط العقل وسيطرته (على كل ما يدور فيه)، وأن يكون الفكر متيقظًا، مع خوف الله وحبه."
"بهذا تستطيع بسهولة أن تلتفت وتحارب فرق أعدائك، كما صنع داود النبي، الذي بعد ما ذبح جبارًا غريبًا واحدًا (جليات) بإيمان وثقة في الله، عاد وطارد فرق أعدائه مع أتباعهم."
"فإذا طلبت النصرة على الشهوات وطرد القوات الغريبة المحاربة للعقل بسهولة، اجمع نفسك في داخلك بمساعدة الله عن طريق الصلاة، وتعمق في أغوار قلبك لتواجه هناك جبابرة الشيطان الثلاثة: أعنى الكسل (أو الاستهتار) والنسيان والجهل. هؤلاء الثلاثة هم الطعام الذي تتقوت عليه كل الشهوات المرذولة وتنمو وتتأصل في القلوب المتراخية والنفوس العاطلة عن التأديب."
"وعن طريق الانتباه الدقيق إلى نفسك ويقظة العقل وبالعون السماوي تستطيع حتمًا أن تنكشف هذه الشهوات الشريرة، التي يجهلها البعض وربما لا يتوقعونها، مع أنها أكثر الشهوات خبثًا وعنادًا، وان كانت أسلحة البر المضادة لها كفيلة بفضحها."
"يقتضينا الإيمان ليس فقط أن نعتمد للمسيح، بل يطلب منا أيضًا تنفيذ الوصايا. فالعماد المقدس عمل كامل ويهبنا الكمال، إلا أنه لا يُكمل إنسانا يُهمل (1) في تنفيذ الوصايا."
"ويتوجه الإنسان بإرادته حيثما يحب، حتى بعد المعمودية، إذ لا تسلبنا المعمودية حريتنا. فعندما يقول الكتاب المقدس "ملكوت السماوات يُغتصب" (مت 12:11)، إنما يتكلم عن الإرادة الخاصة بكل شخص، حتى لا يعود يلتفت كل منا -بعد ما تعمد- إلى الشر، وإنما يثبت في الخير. والذين نالوا قوة لتنفيذ الوصايا، يوصيهم الرب كمؤمنين أن يجاهدوا فيها حتى لا يرتدوا عنها."
"التدريب الروحي ليس شيئًا منفصلًا عن الوصية، بل هو الوصية عينها. أرني عملًا ليس هو وصية؟! فإن تكلمت عن الصلاة فهي وصية. وإن تكلمت عن طرد الأفكار فهي وصية (كن وقورًا وساهرًا). وإن تكلمت عن الصوم أو السهر... فهذه وصايا أيضًا. وإن تكلمت عن إماتة الذات، فهي أيضًا وصية (أنكر نفسك). كل عمل من فضائل النسك يمكن أن يطرأ على ذهنك هو وصية."
"تهبنا المعمودية المقدسة حرية كاملة، ومع ذلك فإن للإنسان مطلق الحرية والإرادة، إما أن يُستعبد مرة أخرى برباطات شهوانية، أو يبقى حرًا في تنفيذ الوصايا."
"فان التصق بالفكر إحدى الشهوات، فهذا من عمل إرادتنا الخاصة، وليس رغمًا عنا. إذ يقول الكتاب إنه قد أُعطى لنا سلطان "هادمين ظنونًا" (2 كو 5:1).."
"ويكون الفكر الشرير، بالنسبة لمن يهدمونه، علامة على حبهم لله وليس للخطية. لأن وجود الفكر الشرير ليس فيه خطية، إنما تكمن الخطية في حديث العقل معه حديث ود وصداقة."
"إننا لسنا مُغرمين بالفكر الشرير، فلماذا نتباطأ نحن فيه؟ فما نبغضه من كل القلب، يستحيل أن تطيل قلوبنا الحديث معه، إلا إذا كانت لنا شركة خبيثة معه؟!"
"إن كنا بعد المعمودية المقدسة، حيث نلنا قوة لتنفيذ الوصايا، لم نعمل بها، فإننا نُسلَّم بغير إرادتنا، إلى أن نستعطف مراحم الله بالتوبة، مجاهدين أن ننفذ كل الوصايا، حينئذ يُبطل الله الخطية من إرادتنا."
"لقد لبستم المسيح بالمعمودية (غل 27:3)، ونلتم قوة وسلطانا لهدم ظنون (2 كو 5:1). ولكن إذ نلتم هذه القوة للغلبة عليها، ومع ذلك لم تعملوا على هدمها منذ اللحظة الأولى التي تخطر الظنون فيها على بالكم فيكون من الواضح أنكم محبون للشهوات في عدم إيمان، حتى أنكم قبلتموها وتصادقتم معها. وبذلك تكونون مخطئين إذ تسلكون هكذا."
"إذا شعرت في قلبك بمعونة آتية إليك، فاعلم يقينًا أن هذه النعمة لم تأتٍ إليك من الخارج، بل هي النعمة المعطاة لك في المعمودية بالسرّ، قد صارت الآن عاملة فيك جزاء بغضك لفكر الشر وإعراضك عنه."
"توجد علاقة وثيقة بين شهواتنا وأفكار الشر المضايقة لنا، وكأنما قد جمعتهما رباطات القربى الشريرة. فكل فكر يتأصل في الإنسان الذي يرحب به، يسلمه إلى (الفكر) القريب التالي له، حتى أن الإنسان الذي ينساق في عادةٍ ينحرف إلى الأخرى رغمًا عنه. من يقدر أن يهرب من الكبرياء إن كان مملوء مجدًا باطلًا؟! كيف لا يستسلم للأفكار الدنسة، من ينام كفايته ويستسلم للملذات؟! وكيف لا يُؤسر بالقسوة وعدم الرحمة من اختار الاغتصاب؟ وكيف يقدرون أن يهربوا من الثورة والغضب من يتلذذون بهذه جميعها؟!"
"حتى بعدما ننال نعمة، يكون لنا الخيار في أن نسلك حسب الجسد أو حسب الروح. غير أن السلوك حسب الروح مستحيل بالنسبة لمن يحب مديح الناس وراحة جسده، كذلك يستحيل السلوك حسب الجسد بالنسبة لمن يفضلون الدهر الآتي على الحياة الحاضرة من قلوبهم. لذلك، يلزمنا أن نرذل مديح الناس وراحة الجسد، اللذين يتولد عنهما أفكار الشر، ولو بغير إرادتنا. كما يلزمنا أن نخاطب الرب بإخلاص "بغضًا تامًا أبغضتهم، صاروا لي أعداءً" (مز 22:138)."
"تهب المعمودية الذين يعتمدون في الكنيسة نعمة تسكن فيهم سرًا، وحينما يمارسون الوصايا ويتمسكون بالرجاء، تبدأ النعمة تكشف ذاتها لهم حسب كلمات الرب: "مَنْ آمن بي كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار ماء حيّ. (قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه)" (يو 38:7، 39)."
"هكذا فان أي مؤمن يحيا حسب الوصايا، وينجح في عمله الروحي، يجب عليه أن يؤمن بأنه سبق أن أُعطى له القدرة على ذلك، لأنه نال في المعمودية نعمة الروح القدس، الذي هو مصدر كل خير، ومصدر كل فضيلة ليس فقط الفضائل الداخلية والروحية بل والمنظورة أيضًا."
"فليدرك كل إنسان فاضل أنه لا يقدر أن يصنع خيرًا من ذاته "لأن الرجل الصالح من كنز قلبه الصالح يُخرج الصالحات" (مت 35:12)، وليس من ذاته. والكنز هنا يعنى الروح القدس المخفي في قلوب المؤمنين."
"الإنسان الذي يثق أنه نال المسيح مخفيًا في داخله بالمعمودية كقول الرسول يعرض عن كل أمور العالم ويضع في قلبه أن يحفظه بكل عناية فائقة (أم 23:4). "لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرَّة (1)" (في 13:2)، فقوله "من أجل المسرة" يكشف بها الرسول أن وجود مسرة في صنع الفضائل يتوقف على محض إرادتنا، لكن أن نمارس الفضائل أو نقلع عن الخطايا، بدون الله فهذا مستحيل!! وتحمل العبارة "بدوني لا تقدرون أن تعملوا شيئًا" (يو 5:14) نفس المعنى، ولكن لنا نصيب نساهم به في كل عمل."
"يتقبل العقل (المستنير) من داخل الهيكل السري في القلب المشورات الصالحة المباركة من المسيح الساكن في الداخل. (وعندئذ) يخرجها إلى حيز التنفيذ بالسلوك في حياة الفضيلة، ثم يعود فيقدم (العمل الصالح) إلى المسيح الذي وهبه المشورة بواسطة الأفكار الصالحة."
"سعادة الأبرار التي ينالونها في القيامة هي في السماء. ولكن عربون هذه السعادة وباكورتها يظهر أثره الروحي من الآن في قلوب المؤمنين."
"قال الرسول إن لنا في أنفسنا باكورة الروح (رو 23:8)، مظهرًا لنا مقدار طاقتنا، لأنه يتعذر علينا أن نحوز كمال فاعليه الروح اللهم إلا إذا بلغنا الكمال في (تنفيذ) الوصايا. كالشمس، التي هي كاملة وتبعث ضوءها كله مرة واحدة على الجميع بالتساوي، ولكن كل واحد يدرك من ضوءها قدر كفاءة بصره."
"هكذا أيضًا الروح القدس يجعل الذين يؤمنون به قادرين أن يتقبلوا بالمعمودية كل قوته وعطاياه، غير أن عطاياه لا تعمل في الجميع بقدر واحد، إنما ينال كل واحد منها قدر ممارسته للوصايا، أي بالقدر الذي يشهد به بواسطة أعماله الصالحة، ويظهره شدة إيمانه بالمسيح."
"أفكار الشيطان هي مجرد تصور عقلي محض لشيء (أو عمل) شرير والذي يُمكَّنه من التملك علينا أو حتى مجرد الاقتراب إلى عقلنا هو ضعف إيماننا. لأننا بعدما تسلِّمنا الوصية لنطرح عنا كل الارتباكات ونحفظ قلوبنا في يقظة كاملة (أم 23:4)، ونطلب ملكوت الله الذي هو في داخلنا، إذ تخلى العقل عن القلب وعن الغرض الذي نسعى إليه، بهذا أفسحنا المجال في الحال لتخيلات الشيطان، وصار العقل متساهلًا في قبول أي مشورة شريرة."
"حتى إلى هذا الحد، ليس للشيطان أي سلطان أن يحرك أفكارنا وإلا ما كان يرحمنا بل كان يدس لنا كل أنواع الأفكار الشريرة ولا يسمح لنا بأي صلاح، وقد تحدثنا عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في أقسام أخرى. إنما قدرته محصورة في مجرد تقديم مشورة كاذبة في بدء كل فكر، ليختبر أي جهة يميل إليها قلبنا: هل يميل إلى مشورته أم إلى مشورة الله؟ لأنهما نقيضان."
"حينما يستقر فكر مرذول... في داخلنا ويتأسس فينا، فهذا يرجع إلى أننا سبق أن قبلناه وليس راجع إلى حالة جديدة بلغناها."
"ويمكننا أن نحصر هذا الفكر ليبقى وحده منعزلًا، فعدم إذعان القلب له يمنعه من أن يمتد لينتج أفكارًا أو شهوات أخرى. لأن الفكر الوحيد (العاري)، الذي يرذله إنسان ساهر على نفسه، ليس له سلطان أن يجذب إلى العقل أفكارًا أخرى. هذا لا يحدث إلا إذا كان في القلب ميل إليه. من أجل ذلك، فإننا إذا قطعنا كل ميل (في العقل) نحو التصورات التي سبق أن قبلناها، حينئذ تبقى مجرد أفكار عارية ليس لها سلطان أن تؤذينا أو تقاوم ضمائرنا."
"حينما يفهم العقل عدم نفع صراعه مع التخيلات (الانطباعات) التي قبلها سابقًا، ويعترف أمام الله بذنوبه السابقة؛ ُترفع عنه التجربة ويستعيد قدرته على ضبط القلب وحفظه بعناية فائقة بواسطة الصلاة، مجاهدًا أن يدخل إلى أعماق القلب الداخلية الآمنة، هناك حيث لا تعود زوابع الأفكار الشريرة تكتسح في طريقها النفس والجسد معًا لتلقى بهما في مزالق الشهوة والنجاسة. ولا يوجد بعد أثر للطريق الواسع الرحب الذي تزينه الألفاظ والتصورات العالمية الخادعة، تلك التي تدنس كل من يسلك هذا الطريق مهما بلغت حكمته."
"فأعماق النفس الداخلية النقية أي مسكن المسيح تتقبل عقلنا الذي تعرَّى من أغلفة العالم، ليدخل وحده خاليًا من أي شيء من هذا العالم، إنما يدخل معه فقط هذه الثلاثة التي أشار إليها الرسول "الإيمان والرجاء والمحبة" (1 كو 3:13)."
"فإن كان أحد يحب الحق ويروم أن يحفظ قلبه، فانه كما قلت سابقًا يقدر أن يمنع إي محاولة لاجتذابه ولو إلى الانطباعات التي سبق له قبولها. كما يستطيع أيضًا أن يحفظ قلبه متعمقًا في داخله شيئًا فشيئًا حتى يقترب من الله (الساكن فيه)، بشرط ألا يهمل الصلاة والحياة (حسب إرادة الله)، لأن الإنسان لا يقوى على العمل القلبي، ما لم يحترس كل يوم، ليس فقط من الخارج بل ومن الداخل أيضًا، من أي تشتت أقلى أو انجذاب للذة جسدانية."
"ليس مجرد اقتراح الفكر علينا خطية. كلا البتة! لأنه وإن كان ُيعرض علينا كفكر مجرد بغير رضانا، إلا أن الله وهبنا قوة على العمل الروحي، وصار فينا في إرادتنا أن نقاوم الفكر، مميزين الفكر الضار من النافع، قادرين على نبذ الفكر أو قبوله. هذا الذي ليس له أن يتكاثر فينا عن ضرورة إنما كنتيجة لموقف النفس منه (قبولنا إياه)."
"كان يمكن أن تُعرض أفكار الشيطان على آدم، وكان في قدرته أن يصغي إليها أو ينبذها. فظهور الفكر في ذاته ليس شر أو خير، إنما هو اختبار لإرادتنا الحرة فمن يتمسك بالوصية (ويرفض الفكر) ُيكافأ بإكليل (النصرة) جزاء إيمانه، ومن يميل إلى التراخي يُعلن عن استحقاقه للدينونة جزاء عدم إيمانه."
"إذا أظلمت نفوسنا بالشهوات والمجد الباطل وغرقت في أعماق الغباء، فإنها لا تعد تسمع لوصايا الكتاب المقدس ولا لنداءات العقل الطبيعي ولا لنصائح المختبرين، إنما تتبع تصوراتها الذاتية فقط. وطالما تحتفظ في داخلها بأسباب الشرور لا يمكنها أن تتحرر من الأعمال (الشريرة) المطابقة لها. ولكن بقدر ما يؤمن الإنسان بالرب بخصوص السعادة المستقبلة ويحتقر المجد البشرى وملذاته، تكون له قوة بها يضبط أفكاره ويستمتع بسلام أكثر ممن يتمتع بالملذات. لهذا فإن كلًا منا يختلف عن الآخر في تفكيره وفي سلوكه."
"اعلم يقينا أن الرب ينظر قلوب الجميع. كما وعد بحفظ أولئك الذين يُبغضون الأفكار الشريرة في بدء ظهورها ولا يسمحون للفكر أن يتكاثر ويدنس العقل والضمير. وأما الذين لا يصدّون الفكر في بدء ظهوره، بالإيمان والرجاء بالرب، بل يتلذذون به، فإن الله يتركهم بلا معونة كغير المؤمنين، فتغلبهم أفكارهم الشريرة، ولا يطردها عنهم، لأنه يرى حبهم لها ولا يبغضونها في بداية ظهورها."
"لا تستطيع قوة ما أن ترغمنا على صنع الخير أو الشر، غير أن الذي نعمل له بحرية إرادتنا، إن كان الله أو الشيطان، فذاك يحثنا على العمل الذي يخص مملكته."
"بداية كل عمل هو عرض لفكرتين لا يلاحظهما العقل، هما طلب مديح الناس أو انهماك الجسد (في الملذات). وحينما تهجم الفكرتان علينا لاإراديًا فإنهما لا يُحسبان فضيلة أو رذيلة قبل أن تنصاع إرادتنا لإحداهما، إنما يكشفان عن إرادتنا..."
"أيها الخطاة لا تيأسوا... لا تيأسوا أبدًا! نحن لا ندان على كثرة شرورنا، بل لعدم رغبتنا في التوبة وتعلم عجائب المسيح. فقد قال "الحق" نفسه، متحدثًا عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دماءهم بذبائحهم: "أتظنون أن هؤلاء الجليليين كانوا خطاة أكثر من كل الجليليين لأنهم كابدوا مثل هذا؟ كلا. أقول لكم. بل إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون، أو أولئك الثمانية عشر الذين سقط عليهم البرج في سلوام وقتلهم أتظنون أن هؤلاء كانوا مذنبين أكثر من جميع الناس الساكنين في أورشليم. كلا! أقول لكم. بل إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون" (لو 2:13-5). وهكذا ترون أننا ندان بسبب عدم توبتنا."
"التوبة، كما أفهمها، لا يحدها زمن أو عمل ما، إنما تتم بتنفيذ وصايا السيد المسيح، وُتقاس بواسطتها. غير أن بعض الوصايا أكثر عمومية من غيرها، تحوي في طياتها وصايا خاصة كثيرة، وهكذا بضربة واحدة ُتقطع فنون كثيرة للشر."
"أوصى الرب البشرية جميعها بالتوبة (مت 17:4). فيجب حتى بالنسبة للروحيين والمتقدمين ألا يهملوا هذه الوصية، أو يستهينوا بالصغائر والمعاصي التافهة جدًا، فقد قيل: "الذي يحتقر اليسير يسقط قليلًا (قليلًا)" (حكمة يشوع 1:19)."
"* يرغب الطوباوي بولس ألا نهمل الصلاة بأي حال من الأحوال، لهذا يقول "صلوا بلا انقطاع" 1 تس 17:5. علاوة على هذا فإنه يشير إلى ضبط الفكر (في الصلاة) فيقول "لا تشاكلوا هذا الدهر. بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة" رو 2:12... يوجهنا الرسول بولس إلى كمال إرادة الله، مشتاقًا أن نهرب إلى التمام من الدينونة، وإذ يعلم أن الصلاة هي المعين على تنفيذ كل الوصايا، لهذا فإنه لا يكف عن أن يوصى بها بكل الطرق قائلًا: "مصلين بكل صلاة وطلبة في كل وقت في الروح وساهرين لهذا بعينه بكل مواظبة"."
"تتباين الصلوات فيما بينها. فالصلاة بفكر مضبوط غير الوقوف للصلاة جسديًا والفكر مشتت. والصلاة عندما لا يعطيها الإنسان وقتًا بل أثناء أحاديثه وأعماله العالمية، غير الصلاة عندما يفضلها الإنسان عن كل اهتمامات عالمية معطيًا إياها المكانة الأولى. إذ يقول الرسول "الرب قريب، لا تهتموا بشيء بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر لتعلم طلباتكم لدى الله" في 5: 4، 6."
"وإذ يعلم الرب أن الاهتمام اليومي بالجسد بالنسبة لنا أمر لا مفر منه، لذلك فإنه لم يمنعنا عنه، إنما سمح لنا أن نهتم باليوم، ومن قبيل محبته المترفقة أمرنا ألا نهتم بالغد. فالإنسان إذ يلبس جسدًا لا يقدر أن يكف بالكلية عن شئون حياته الجسدية، إنما يقدر أن يقمعها (يخفف منها) بالصلاة وضبط النفس..."
"الأعمال (الخاصة بالاحتياجات الجسدية) لازمة وضرورية توجهها الشريعة الإلهية. لكن يلزمنا أن نرفض الأعمال التي في غير أوانها (التفكير المتعلق بالغد)، مفضلين عنها الصلاة، وبالأكثر تلك الأعمال التي تتطلب نفقات كثيرة وفي نفس الوقت تُعتبر كماليات."
"ليتنا نطرد عنا كل الاهتمامات العالمية (القلق) بالصلاة والرجاء. فإذا لم نستطع أن نبلغ هذا إلى الكمال، فلنعترف بضعفنا أمام الله ولا نكف عن الجهاد في الصلاة. فإن إهمالًا كثيرًا خير من إهمال كامل (أي ترك الصلاة بحجة أننا منهمكون في العالم ولا فائدة منا)."
"على أي الأحوال، نحن محتاجون إلى أن يعلمنا الله التمييز الحسن فيما قلناه بخصوص "الصلاة والعمل"، حتى نقدر أن نعرف أي عمل نفضله عن الصلاة؟ ومتى يكون ذلك؟ (أي متى نترك الصلاة من حيث هي وقوف... ونعمل). لأن كل إنسان يمارس عملًا يحبه، يحسبه ضروريًا. لكن يجب ألا نعمل ما يرضى أنفسنا، بل ما يرضى الله."
"إنه لا يزال أيضًا من الصعب جدًا التمييز بين الأعمال الضرورية التي لا يمكن الامتناع عنها، لنعرف أي الأعمال أفضل من الأخرى، لأن العمل (الخدمة) ليس كاملًا في أي وقت، بل في الوقت المناسب له... أما الصلاة فقد أمرنا بها على الدوام، لذلك يجب تمييزها (تفضيلها) عن كل الأعمال الأخرى."
"ماذا نتعلم من هذا؟ أن الذين لا يقدرون أن يبقوا في الصلاة (طول حياتهم) من الأفضل أن يخدموا (دون أن يمتنعوا عن الصلاة)، لئلا يخسروا الأولى والثانية، وأن الذين لهم الإمكانية (للتفرغ للصلاة...) فإنه خير لهم ألا يتركوا ما هو أفضل."
"ليتنا نبدأ بعمل الصلاة، فإننا شيئًا فشيئًا لا نجد فقط الرجاء بالله بل وننال الإيمان الثابت والحب الخالص، كما نطرد الحقد، وننال محبة الأخوة وضبط النفس، والاحتمال، والمعرفة الداخلية، ونتخلص من التجارب، وننال عطايا النعمة والعمل الخالص للإيمان والدموع الحارة، كلها ينالها المؤمنون بالصلاة."
"وليس فقط هذه العطايا، بل (وينالون بالصلاة أيضًا) احتمال الآلام والحب الخالص للقريب، معرفة الشريعة الروحية... وكل ما وعد به الله للمؤمنين في هذه الحياة أو الحياة الأخرى."
"وباختصار، يستحيل على الإنسان أن يستعبد صورة الله بدون عمل النعمة الإلهية والإيمان، وهما يمنحان للإنسان الذي يبقى بتواضع عظيم في الصلاة بدون تشتيت (عقله)."
"فيوجد ثلاث أنواع من التقوى: النوع الأول: أن يتجنب الإنسان الخطية. النوع الثاني: إذ يخطئ يحتمل الآلام العابرة. النوع الثالث: إذ لا يقدر أن يحتمل الآلام يبكي على ذلك. فالخطية التي لا تُمسح هنا بواسطة طرق المصالحة المناسبة مع الله (بالتوبة والإيمان بالمخلص)، بالضرورة ُندان عنها هناك، ما لم ينظر الله إلينا فيرانا متواضعين وباكين، إذ هو وحده الذي يعرف كيف يمحى خطايانا بنعمته القادرة."
"يا لخطورة شهوة "إرضاء الناس"! إذ تزحف متخفية بطريقة غير مُدركة وتملك حتى على الإنسان الحكيم! فكل الشهوات الأخرى يمكن لمن يطيعونها أن يروا آثارها فيتواضعون ويبكون. أما هذه الشهوة، فتلبس رداءًا من كلمات التقوى ومظاهر الورع، حتى يصعب بالنسبة لمن أفسدتهم أن يكتشفوا مظاهرها المتنوعة."
"أن أول هذه المظاهر ومصدرها (أمها) هو ضعف الإيمان، أما أولادها الذين يتبعونها فهم: الحسد، الكراهية، التملق، الغيرة، الخصام، الرياء، التخريب، عمل الخير لأجل الظهور فقط، الوشاية، الكذب، الظهور بمظهر التقوى، وغير ذلك من الشهوات المظلمة التي يصعب كشفها. وما هو أشر، أن البعض يمدحون هذه جميعها تحت أسماء مزيفة، مدعين أنها صلاح، مخبئين ضررها في الداخل."
"سبب كل عمل شر هو تفكيرنا (نحن البشر). أستطيع أن أضيف إليه "كلماتنا وأعمالنا" لكن طالما لا يحدث قول أو عمل ما لم يسبقه تفكير، لذلك أعزى كل شيء إلى الأفكار."
"يأتي الفكر أولا، ثم بواسطة الأقوال والأعمال تنشأ العلاقات بيننا (وبين أقربائنا). وهذه العلاقات يمكن أن تكون أحد نوعين: أما علاقات ناشئة عن خبث، أو عن حب."
"خلال هذه العلاقات نأخذ على عاتقنا أن نتعهد بعضنا البعض حتى أولئك الذين لا نعرفهم. ومن يتعهد إنسانًا بالضرورة يحتمل أحزانًا، كما يقول الكتاب المقدس: "يا بنى أن ضمنت صاحبك... نج نفسك إذا صرت في يد صاحبك" أم 1:6. لهذا ينبغي أن يحتمل كل واحدٍ منا، ليس فقط ما يقع عليه بل وأيضًا ما يقع على أقربائه، طالما أخذ بذلك على عاتقه."
"إن تعامل الإنسان مع غيره بدافع الخبث (يرتد عليه) لا إراديًا (2). ويحدث هذا هكذا: من يحرم (أخاه) من شيء يحرم نفسه من نفس الشيء ولو بغير رغبته. وهكذا أيضًا من يهين غيره يسقط تحت حكم المهانين. ومن يظلم غيره يسقط تحت حكم المظلومين، والذين يلومون الآخرين يقع عليهم حكم الملامين. والذين يحتقرون الآخرين يقع عليهم حكم المحتقرين. والذين يكذبون يقع عليهم حكم المفترى عليهم. وإنني لا أعدد هنا، إنما أقول باختصار إن كل من يسيء يقع عليه نفس الحكم. وتشهد بهذا الكتب المقدسة إذ تقول: "من يحفر حفرة يسقط فيها ومن يدحرج حجرًا يرجع عليه" أم 27:26... ويقول أيضًا: "ألعل الله الذي يجلب الغضب ظالم؟!" (رو 5:3)..."
"أما أن يتعهد الآخرين بدافع الحب، فهذا أظهره الرب يسوع مرارًا. أولًا بشفائه أمراض نفوسنا، وبعد ذلك كان "يشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب" مت 23:4. ثم نزع عن العالم الخطية، مجددًا الذين آمنوا به، منقيًا طبيعتهم، ومحررًا إياهم من الموت، تاركًا للبشرية عبادة الله، معلمًا إياهم التقوى، ومظهرًا لنا أنه ينبغي أن نتألم إلى الموت من أجل الحب."
"وإذ أظهر الاحتمال عن الآخرين قال: "ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه" يو 13:15. وهكذا قال أيضًا القديس بولس متمثلًا بالرب: "الآن افرح في آلامي لأجلكم وأكمل نقائص شدائد المسيح في جسمي لأجل جسده الذي هو الكنيسة" كو 24:1. وهنا يشير إلى حمل الإنسان أحمال أخيه بدافع الحب."
"من يحب بحق أن يعيش بحسب الإنجيل، يهدم بداية حالته الشريرة ونهايتها ويمارس كل فضيلة بالكلام والعمل. إنه يتحرر من كل مضايقات الشهوات، وإذ يتحرر عقله من هذا الصراع يمتلكه رجاء السعادة العتيدة، ولا يعرف شيئًا سوى الفرح الدائم الذي يغذى النفس."
"الخوف من جهنم يشجع المبتدئين (في حياة الفضيلة) حتى يتركوا شرهم، أما المتقدمون فإن رغبتهم في المكافأة الحسنة هي التي تحفزهم على تنفيذ الصلاح. أما سر الحب فهو أنه يسمو بالعقل ليرتفع فوق كل المخلوقات، خافيًا عن عينيه كل شيء غير الله. إذ يعطى الله الحكمة لأولئك الذين هم عميان لا يرون الأمور الأرضية (مز 8:145)، كاشفًا لهم أسرار لاهوته العميقة."
""يشبه ملكوت السماوات خميرة أخذتها امرأة وخبأتها في ثلاث أكيال دقيق حتى اختمر الجميع" مت 33:13. هذا يعنى أن العقل قبل كلمة الرب وخبأها في كيانه الثلاثي المتكون حسب قول الرسول بولس من الجسد والروح والنفس، وتجمعت معًا بخميرة الإيمان، هكذا تعمل كلمة الله كالخميرة خلال الأفكار مثل الدقيق المنثور... وبنفس الطريقة ربط الرب بين كلمة الحق وحبة الخردل الصغيرة التي تخترق قلوب السامعين وتنمو بجهاد الطاعة حتى تصير مثل شجرة عظيمة ثابتة على أرض مرتفعة، وهكذا تأتى الأفكار كقول الكتاب وتسكن فيها."
"يتنقى القلب (مز 1.:51) عندما يقدم الله عقلًا متحررًا من كل الانطباعات والخيالات، ومستعدًا لعدم قبول أي شيء سوى الختم الإلهي الذي يملأه نورًا (وإشراقًا)."
"الذين يتغلبون على ميولهم الجسدية بالشهوة المقدسة، يتحررون من كل القيود، حتى وهم باقون في الجسد. لأن الله الذي تركزت فيه شهوتهم هو أسمى -بغير مقارنة- من كل الأشياء، وهو لا يسمح للإنسان أن تتركز شهوته في غير الله. لتنصب شهواتنا بقوة في الله. ولا يكون بعد للأمور الجسدية أن تأسر إرادتنا الحرة، إنما ترتفع نفوسنا على كل شيء حي وعقلي. فإننا إن فعلنا هذا لا يصيب إرادتنا أي أذى من الحياة الطبيعية بخصوص السكنى مع الله، الذي تفوق طبيعته كل فهم."
"أخذ موسى النبي العظيم الخيمة ونصبها خارج المحلة (خر 7:33)، وهذا يعنى أنه متى نصب أفكاره وعقله بثبات خارج الأمور المنظورة يبدأ يعبد الله (خر 8:34) وذهب به إلى مكان مظلم (خر 21:2). يعنى مكان المعرفة غير المنظورة حيث يبقى ليتعرف على أعظم الأسرار المقدسة."
"لا يمكننا أن نثبت في الفضيلة ما لم تهجر عقولنا تمسكنا العادي بالمادة وما هو غير الله تمامًا. ولكن إن بلغنا هذه الدرجة بواسطة الحب، فإننا نختبر قوة مواعيد الله. لأنه يجب على المستحقين أن يؤمنوا أنه لا يتزعزع شيئًا طالما استمد العقل قوته على أساس الحب. فإنه لا يقدر العقل أن يتحرر من التغير (الطبيعي) في كل الأشياء إذا لم يخرج من دائرة ذاته، ويجعل له مكانًا في الصمت، الذي هو أسمى من الفكر."
"كان التلاميذ مجتمعين والأبواب مغلقة بسبب الخوف من اليهود (يو 19:2.). فمن يقطن آمنا في مدينة الرؤيا في غلبة التأمل المقدس خائفًا من الأرواح الشريرة، مغلقًا على حواسه، يتقبل كلمة الله. فتأتى إليه بطريقة خفية، وتظهر له بطريق غير الحواس، معلنة له السلام، وواهبة إياه هدوءًا، معطية إياه أن يكون عديم الشهوات... وإذ تتنسم فيه تهبه مواهب الروح القدس العديدة، وتعطيه سلطانًا على الأرواح الشريرة وتظهر له علامات الأسرار الإلهية."
"الذين يقضون اليوم السادس حسب الإنجيل، وقد قضوا مقدمًا على تحركات الإثم الأولى، يصلون عن طريق الفضيلة إلى أن يكونوا عديمي الشهوات، ويتنقون من كل شر ويحفظون السبت (3) (خر 29:16،3.) في قلوبهم من كل تمثيل العواطف الخيالية. والذي عبر إلى الأردن (تك 1.:32، 22) فقد ُنقل إلى عالم المعرفة الذي فيه يتشكل العقل سريًّا بالسلام، وهكذا يصير مسكنًا للرب في الروح."
"سبت السبوت (لا 31:16) هو راحة النفس العاقلة الحكيمة، التي تسحب العقل خارجًا، حتى من الكلام المقدس المخبأ سرًا في المخلوقات، وفي بهجة الحب تلبسه رداء إلهيًا فقط، حتى أنه بواسطة معرفة الله السرية تجعل النفس العقل متحدًا بالله اتحادًا كليًا."
"كنت تطلب مني دائمًا، راغبًا أن تتعلم: ما هو طريق "الناموس الروحي" رو 14:7 كقول الرسول؟ وما هو فكر الذين يسعون في طاعته؟ وما هو عملهم؟ وإنني سأخبرك قدر ما أستطيع."
"أول كل شيء، أن الله هو بدء كل عمل صالح وفي وسطه ونهايته. فالصلاح (1) لا يمكن أن يكون عمليًا، ولا يوثق فيه، إلا في يسوع المسيح والروح القدس."
"يقدم الله لنا كل صلاح بحكمة خاصة، ومن يدرك هذا لا يفسد الصلاح المُقدم له."
"والمسيح بالنسبة للمؤمن هو كل شيء."
"ليكن (الله) سيد كل صلاح: سيدًا لك في كل عمل صالح، حتى تكون أعمالك حسب مشيئته."
"الإنسان العامل (النشيط) المتواضع والروحاني يرى أن كل ما يقرأه في الكتاب المقدس إنما كتب لأجله هو وليس لأجل الآخرين."
"صلِ إلى الله حتى يفتح قلبك فتعاين مدى نفع الصلاة والقراءة وتفهم ذلك بالاختبار العملي لهما."
"من أُعطى له بعض مواهب روحية، ويشفق على من لم توهب له هذه المواهب، يحتفظ بمواهبه بواسطة عطفه على أخيه. أما الذي يطلب مجدًا باطلًا بسبب مواهبه، فإنه يفقدها مضروبًا بأفكار الكبرياء."
"لا تنتفخ لأنك تسكب دموعًا في الصلاة، لأن المسيح هو الذي يلمس عينيك ويعطيك البصيرة الداخلية."
"التلميذ الروحي ليسوع والمبشر بأعظم التعاليم هو ذاك الذي يتشبه بالأعمى الذي طرح رداءه واقترب من يسوع (مر 10: 50)."
"إذ يجول الشر في الفكر (بلذة) يتقسَّى القلب. أما ضبط النفس مع الرجاء فيبددان الشر ويلينان القلب (ويسحقانه)."
"يوجد انسحاق للقلب، روحي ومفيد، وهذا يلمس القلب في أعماقه. ويوجد انسحاق آخر، مضر ومقلق، هذا يقوده إلى الهزيمة فقط (كاليأس)."
"الانسحاق الذي لا يجرح القلب بل يفيده هو: 1. السهر، 2. الصلاة، 3. احتمال الأحزان (من غم ومصائب وكوارث). إذ نقتنى هذا الانسحاق، لا نخلط بين الثلاثة في ارتباطهم معًا. ومن يستمر في ممارسة هذه (الفضائل الثلاثة) يصير له عونًا في ممارسة الفضائل الأخرى... وأما الذي يهمل في (الفضائل الثلاث)... فإنه يعانى أمورًا لا تحتمل أثناء انتقاله."
"القلب المحب للملذات هو سجن وقيود بالنسبة للنفس عند انتقال الإنسان، أما القلب المجاهد، فهو باب مفتوح لها."
""باب الحديد الذي يؤدى إلى المدينة" أع 1:12، هو القلب القاسي. فإن تألم الإنسان (تاب) وندم، يُفتح الباب بناء على رغبته، كما ُفتح لبطرس."
"لا تفعل شيئًا ولا تفكر في شيء بدون هدف مقبول لدى الله، لأن من يسافر بلا هدف يتعب باطلًا."
"تُذكِر الأحزان الإنسان العاقل بالله، أما إذا نسى الإنسان الله فإنه يغتم بسبب الأحزان."
"ليعلمك كل ضيق طارئ أن تتذكر الله، ولا ُتحرم قط من وجود باعث لك على التوبة."
""النسيان" ليس له سلطان علينا، إنما الذي يعضده هو إهمالنا، فيأتي النسيان كنتيجة للإهمال."
"لا تقل: ماذا أفعل، فإنني لا أريد أن أنسى، ومع ذلك فإن "النسيان" يسيطر عليَّ؟ هذا يحدث معك، لأنك أهملت ما هو ضروري أثناء تذكرك له."
"اصنع الخير الذي تذكره، عندئذ فإن الخير الذي لا تذكره يكشف لك عن ذاته. ولا تسلم أفكارك للنسيان بغباوة."
"يقول الكتاب المقدس: "الهاوية والهلاك أمام الرب" أم 11:15. هذا قاله عن جهل القلب والنسيان."
"الهاوية هي الجهل، لأن كليهما ظلام. والهلاك هو النسيان، لأن في كليهما كان يوجد شيء وُفقد."
"المتألم في الله هو وارث لسمات الحنو، لأن الحب الروحي ُيختبر في الضيق."
"لا تفكر في أن تطلب فضيلة بغير ألم. فإن مثل هذه الفضيلة تكون غير مأمونة، متى جاءت بسهولة."
"انظر إلى نهاية كل ألم إلزامي، (فيمكنك) أن تجد فيه غفرانًا للخطايا (أي فرصة للتوبة والرجوع إلى الله)..."
"عندما يصنع إنسان خيرًا لآخر، بكلمة أو عمل، فليعلم أن ذلك يتم بنعمة الله..."
"ثمرة حب الملذات هو الإهمال، والإهمال يولد النسيان، لأن الله يعطى كل إنسان معرفة ما هو صالح له."
"الإنسان الذي له معرفة قليلة ويفتخر بها جاهل، لا في كلماته فحسب، بل وفي تفكيره أيضًا."
"لا تقل: أني لا أعرف ما هو حق. فأنا لست مخطئًا فيما صنعت! لأنك لو صنعت الخير الذي تعرفه، فسينكشف لك الخير الذي لا تعرفه شيئًا فشيئًا، لأن الخير يكشف عن بعضه البعض. ليس من المفيد لك أن تعرف الخير التالي ما لم تنفذ الأول، لأن "العلم ينفخ"، متى كان بدون عمل، ولكن "المحبة تبني"، لأن "المحبة تحتمل كل شيء" 1 كو 1:8، 7:13."
"اقرأ الكتاب المقدس عن طريق تنفيذك له عمليًا ولا تغالي في القراءة (بدون تنفيذ) منتفخًا لمجرد معرفة آراء لاهوتية."
"من يهمل العمل ويكتفي بالمعرفة (النظرية) وحدها، لا يمسك بسيف ذي حدين بل بعكاز من قصبة، تلك التي عبَّر عنها الكتاب المقدس أنها في أثناء المعركة تدخل في كف الإنسان وتثقبه (إش 6:36)، وتدميه قبل أن يجرحه العدو، وذلك بسم الكبرياء."
"يقدم لنا الشيطان خطايا صغيرة تبدو كأنها تافهة في أعيننا، لأنه بغير هذا لا يقدر أن يقودنا إلى الخطايا العظيمة."
"لا فائدة للإنسان من تركه للعالم (إلى البرية) وهو لا يزال يسلك في محبة الملذات لأنه ما قد اعتاد أن يصنع من قبل وهو لديه مقتنيات، يصنعه الآن وهو لا يملك شيئًا."
"من يجهل الحق لا يقدر أن يكون مؤمنًا حقيقيًا، لأن المعرفة تسبق الإيمان طبيعيًا."
"إنني أعجب من عدل الله، فإذ نزرع الشر بإرادتنا نحصده بغير إرادتنا!"
"وإذ هناك فترة بين الغرس والحصاد، لذلك يجب علينا ألا نيأس من نوال المكافأة."
"إذا أخطأت انتهر فكرك لا جسدك، فلو لم يُجمح الفكر ما كان للجسد أن يتبعه."
"عندما نرفض تنفيذ كل خطية إرادية، تبقى فقط في الفكر. عندئذ نبدأ في حرب حقيقية مع مثيرات الشهوات التي تملأنا."
"الدافع للشهوة هو حركة لاإرادية في القلب... إنه يشبه المفتاح (الذي يفتح الباب للخطية)، لهذا يحاول المختبرون أن يمسكوا به من البداية."
"بدون تذكر الله لا تكون هناك معرفة حقيقية، إذ بدون الأولى تكون الثانية مزيفة."
"أسكن بعقلك (فهمك الروحي) في قلبك، فإنك لا تعود تقلق بسبب التجارب، لكنك إن خرجت من هناك فإنك ستتألم من أي شيء يحل بك."
"صلِ إلى الله لكي لا تحدق بك تجربة، ولكن إن أحدقت بك فأنظر إليها أنها تخصك وليست غريبة عنك."
"من تطوح به الأفكار، تجعله أعمى، يرى آثار الخطية ولا ينظر أسبابها."
"يرى البعض أن الصالحين هم الماهرون في تصرفهم في الأمور المادية، لكن الحقيقة أن الصالحين هم الذين يسيطرون على رغباتهم."
"قبل أن تدمر الشر (الشهوات) لا تصغي إلى قلبك، لأنه يطلب ما قد ُوضع فيه."
"كما أن بعض الحيات توجد في الغابات، وبعضها يزحف في البيوت، هكذا أيضًا بعض الشهوات نتصورها ذهنيًا والأخرى نترجمها عمليًا. على أي الأحوال، يحدث أحيانًا أن أحد النوعين يمكن أن ينقلب إلى النوع الآخر."
"عندما ترى بداخلك حركة هيجان عنيفة، وأن ذهنك الهادئ قد تهيج نحو الشهوة، فأعلم أن ذهنك قد سبق وانشغل بهذا الفكر (الشهواني في الماضي) وترجمه إلى عمل ثم وضعه في القلب."
"كما لا يأتي السحاب بدون نسمات الريح، هكذا لا تتولد الشهوة بدون (حركة) الأفكار."
"إن امتنعنا عن إشباع شهوات الجسد، حسب تعاليم الكتاب المقدس، فإنه بمعونة الرب يكف ما هو كائن فينا من قبل (من شهوات للنفس أو عادات شريرة)، ولا يعود يضايقنا."
"الصور التي تتأصل في الذهن (بالتنفيذ العملي) أشر من تلك التي هي مجرد تصورات عقلية (دون أن ننفذها) وأكثر سلطانًا منها. ولكن هذه الأخيرة تسبق الأولى وتكون علّة لها."
"يوجد شر ينتج عن القلب، ويمتلك علينا بسبب تهيئات قديمة وارتباط القلب بها. وهناك شر يهاجمنا ذهنيًا بسبب حوادث يومية (ليس له صلة بالشهوات القديمة)."
"يعطى الله الأعمال قيمتها حسب نيتنا "ليعطك حسب قلبك" مز 4:2.."
"الضمير هو كتاب طبيعي (لأحكام الله)، من يقرأه يكتسب عمليًا خبرة في الوساطة الإلهية."
"يختفي الرب في وصاياه، فمن يطلبه يجده فيها (بتنفيذه إياها)."
"لا تقل أني أتممت الوصايا ولم أجد الرب، لأن من يبحث عنه بحق يجد سلامًا."
"والسلام هو تحرر من الشهوات، الأمر الذي لا يمكن أن نناله بدون عمل الروح القدس."
"تنفيذ الوصية شيء، والفضيلة شيء آخر. ولو أن كلاَّ منهما يقترض من الآخر فرصًا لصنع الخير."
"تنفيذ الوصية يعنى مجرد إتمام ما هو مأمور به، وإذ يتم هذا يُرضى الله بحق، وهذه هي الفضيلة."
"ننال الضمير الصالح بالصلاة، وننال الصلاة النقية خلال الضمير، فبحسب طبيعتيهما كل منها يحتاج إلى الآخر."
"في هذه الفصول ينفضِح أولئك الذين لهم مجرد حياة بارَّة من الخارج، وذلك بواسطة المؤمنين الحقيقيين العارفين للحق الصحيح."
"إذ أراد (الرب) أن يُظهر أنه بالرغم من التزامنا بكل وصية، لكنه يهب البنوة للبشر باستحقاق دمه، لذلك قال: "متى فعلتم كل ما أُمرتم به فقولوا إننا عبيد بطالون، لأننا إنما نعمل ما كان يجب علينا" لو 1.:17. هكذا فإن ملكوت السماوات هو هبة يعطيها الرب للعبيد المؤمنين، وليس جزاءً لأعمالنا."
"لا يطلب العبد التحرر (من العبودية) جزاءً لعمله، وإنما يحاول أن يقدم كل ما في وسعه كمدين، وينتظر التحرر كهبة."
""المسيح مات من أجل خطايانا" 1 كو 3:15. وهو يهب الحرية لمن يخدمونه حسنًا، إذ يقول: "نعمَّا أيها العبد الصالح والأمين؛ كنت أمينا في القليل فأقيمك على الكثير؛ أدخل إلى فرح سيدك" مت 23:25."
"من يؤسس نفسه على مجرد المعرفة وحدها، لا يعتبر عبدًا مؤمنًا. فالعبد المؤمن هو من يعترف بإيمانه بطاعته للمسيح معطى الوصايا."
"فمن يطيع الوصايا يُكرم الرب. ومن يرتكب خطية أو يعصى الله يحتمل ما يُوقَّع عليه جزاء استحقاقه."
"إن أحببت المعرفة (الإيمان)، حب العمل أيضًا، لأن المعرفة بدون العمل تنفخ الإنسان."
"فالمعرفة ما لم يطابقها العمل تكون غير مأمونة، حتى ولو كانت معرفة حقيقية، لأن كل شيء يثبت بالاختبار."
"الإهمال في الاختبار يجعل المعرفة (الخاصة بها) مظلمة، لأنه متى أُهمل الاختبار إهمالًا تامًا، فإنه حتى الذاكرة (الخاصة بهذه المعرفة) تبطل شيئًا فشيئًا."
"من يريد أن يصنع شيئًا، لكنه عجز عن التنفيذ، فإنه في نظر الله -فاحص القلوب- يكون كمن قد صنعها. هذا ما يجب أن تعرفه بخصوص الأعمال الصالحة أو الشريرة."
"يصنع العقل خيرًا أو شرًا كثيرًا، حتى ولو لم يستخدم الجسد. أما الجسد فلا يقدر أن يفعل شيئًا بدون العقل، لأن التفكير يسبق العمل."
"يظن البعض أنهم يؤمنون بحق، وهم لا ينفذون الوصايا. والبعض بينما ينفذون الوصايا يتوقعون الملكوت جزاءً عادلًا (لاستحقاقاتهم الذاتية). كلاهما يخطئان ضد الحق."
"لا يوجد إلزام من جانب السيد لمكافأة العبيد، ومن جانب آخر من لا يخدم حسنًا لا ينال الحرية."
"إن كان المسيح قد مات لأجلنا "كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام" 2 كو 15:5، فمن الواضح أننا مُلزمين أن نخدمه حتى الموت. فكيف إذن ننظر إلى البنوة كجزاءٍ عادلٍ (لأعمالنا الذاتية)؟"
"نحن الذين ُوهبت لنا الحياة الأبدية نصنع الأعمال الصالحة لا لأجل الجزاء، بل لحفظ النقاوة التي وُهبت لنا."
"كل عملً صالحً نصنعه حسب قوتنا الطبيعية ينزعنا بالأحرى من (الأعمال الشريرة) المضادة، لكنه يعجز عن أن يجعلنا قديسين بدون النعمة."
"يتخلص الناسك من النَّهم، والقانع من الطمع، والصامت من الكلام، والطاهر من الالتصاق بالملذات الجسدية، والعفيف من الزنا، والقانع من محبة المال، والوديع من الهياج، والمتواضع من الزهو، والمطيع من العصيان، والأمين من الرياء، والمصلى من اليأس، والفقير اختياريًا من (محبة) الربح، والمعترف بالإيمان من الجحود، والشهيد من عبادة الأوثان... وهكذا ترى أن كل فضيلة تكتمل إلى الموت ليست إلا انسحابًا من الخطية. وهذا هو عمل طبيعي لا ُنكافأ عنه (في ذاته بدون النعمة) بالملكوت."
"يستطيع الإنسان أن يحتفظ بما هو طبيعي لنفسه، أما المسيح فيهب البنوة باستحقاق الصليب."
"يتخلص الناسك من النَّهم، والقانع من الطمع، والصامت من الكلام، والطاهر من الالتصاق بالملذات الجسدية، والعفيف من الزنا، والقانع من محبة المال، والوديع من الهياج، والمتواضع من الزهو، والمطيع من العصيان، والأمين من الرياء، والمصلى من اليأس، والفقير اختياريًا من (محبة) الربح، والمعترف بالإيمان من الجحود، والشهيد من عبادة الأوثان... وهكذا ترى أن كل فضيلة يوجد عمل للنعمة، بالنسبة للأطفال (في القامة الروحية) غير محسوس. كذلك يوجد عمل (للعدو) الماكر الذي يتشبه بالحق. الأفضل ألا ينهمك الإنسان كثيرًا، مفكرًا في مثل هذه الأعمال حتى لا يُخدع (فينسب أعمال أحدهما للآخر)، وفي نفس الوقت لا يتجاهلها تمامًا. إنما يقدم كل الأعمال أمام الله برجاء حتى يعرف ما هو مفيد منها.تكتمل إلى الموت ليست إلا انسحابًا من الخطية. وهذا هو عمل طبيعي لا ُنكافأ عنه (في ذاته بدون النعمة) بالملكوت."
"من يريد أن يعبر البحر العقلي يلزمه أن يكون طويل الأناة، متواضعًا، ساهرًا، ومتقشفًا. فإن حاول أحد أن يعبر البحر العقلي بغير هذه الفضائل الأربع، فإن كل ما يصنعه هو أنه يعذب قلبه دون أن يعبر البحر."
"الصمت هو قطع كل الشرور. إن ارتبط الصمت ومعه الفضائل الأربع السابقة (أن يكون طويل الأناة، متواضعًا، ساهرًا، ومتقشفًا) مع الصلاة، لا يكون هناك عون أعظم من هذا، ولا طريق أقصر منه في الوصول إلى أن يكون الإنسان "غير شهواني"."
"لا يقدر العقل أن يصمت ما لم يصمت الجسد، ولا يمكن للحائط الفاصل بينهما أن يتحطم إلا بالصمت والصلاة."
"لا تكون الصلاة كاملة بدون ابتهال عقلي. العقل الذي يدعو الله بدون تشتت فكر يكون مسموعًا لدى الله."
"عندما يصلى الذهن بدون تشتيت، ينسحق القلب، "القلب المنكسر والمتواضع لا يرذله الله" مز 5.."
"علامة رباط الحب هو غفران المعاصي؛ هكذا أحب الله العالم."
"بدون معرفة حقيقية، يستحيل عليك أن تغفر لأخيك من كل قلبك ما أخطأ به في حقك. لأن هذه المعرفة تجعل الإنسان يشعر أن ما سقط فيه الغير كما لو كان قد سقط فيه هو."
"إنك لن تخسر شيئًا مما تركته من أجل الرب، لأنه سيرتد إليك مضاعفًا في حينه."
"عندما ينسى الإنسان الحنو، تصير كل أعمال الفضيلة المنظورة باطلة."
"إن كانت المشورة الشريرة (التي لا يأخذها الإنسان من غيره بل نابعة عن فقدانه للتمييز الحسن) هذه مضرة بالنسبة لأي إنسان، فبالأولى تكون أكثر ضررًا لمن يسلكون حياة عنيفة."
"من يصنع خيرًا وينتظر الأجرة، يصنع الخير لتحقيق شهوته وليس لأجل الله."
"أولئك الذين يميلون إلى التساهل مع أنفسهم دائمًا يرفضون أن يصنعوا أي عمل صالح بحجة أنهم لم ينالوا عونًا من الأعالي."
"الذي يعتمد في المسيح ينال النعمة التي لا تكف عن أن تعيننا خفية، لكن هذا يتوقف على سلطاننا إن كنا نريدها أن تعمل فينا عملًا صالحًا أو لا."
"حسن إن يثور الضمير في البداية، هذا الذي يرشد صانعي الشر ليقبلوا الله بالتوبة."
"بعد ذلك قد يكمن الضمير في نصيحة أخ. وأحيانًا يكمن في فكرٍة تحدث عن طريق القراءة، فتعّلم العقل الحق كاستنتاج طبيعي (بهذه الفكرة). فإن كنا لا ندفن هذه الوزنة (الضمير) المعطاة لنا بهذه الظروف أو على أمثالها، ندخل بالحقيقة فرح الرب."
"إن وضعتَ في ذهنك دينونة الرب للأرض كلها (مز 7:1.9) كقول الكتاب المقدس، فإن كل حادث يعلِّمك معرفة الله."
"ينال كل إنسان استحقاقاته تبعًا لحالته الداخلية، ولكن العلاقة الحقيقية بين أعماله الظاهرة (وحالته الداخلية) يعرفها الله وحده."
"العقل الذي ينسى المعرفة الحقيقية يشن حربًا مع الناس لأجل أمور ضارة به يظنها نافعة له."
"إن كان -حسب تعاليم الكتاب المقدس- كل ما نفعله لاإراديًا هو نتيجة لما نفعله إراديًا، فمن الواضح أنه ليس هناك عدو للإنسان غير ذاته."
"لا تقل عن الإنسان غير الشهواني أنه لا يصيبه حزنًا، لأنه إن لم يحزن من أجل نفسه، يجب عليه أن يحزن من أجل أخيه (الساقط)."
"معرفة الأحداث (معرفة عملية) شيء، ومعرفة الحق شيء آخر، وكما تسمو الشمس عن القمر هكذا تعلو معرفة الحق في الفائدة عن معرفة الأحداث."
"معرفة الأحداث (العملية) تزداد مع تنفيذنا للوصايا. وأما معرفة الحق (الروحية) فتزداد برجائنا في المسيح."
"إن أردت أن تخلص وتصل إلى معرفة الحق، حث نفسك على التسامي فوق الأمور الحسِّية وتمسك مترجيًا الله وحده. وهكذا إذ تُجبر نفسك على الدخول إلى الأعماق يلتقي بك رؤساء وسلاطين (الشياطين) في حربٍ ضدك عن طريق بذر أفكارهم فيك. فإن قهرتهم بالصلاة والتمسك بالرجاء الحسن تنال نعمة إلهية تحررك من الغضب الآتي."
"من يفهم القول السري للطوباوي بولس "فإن مصارعتنا... مع أجناد الشر الروحية" أف 12:6، يفهم أيضًا مثل الرب الذي انتهي بقوله: "ينبغي أن يُصلى كل حين ولا يُمل" لو 1:18."
"تأمرنا الشريعة... أن نعمل ستة أيام ونستريح في اليوم السابع من أعمالنا. فالنفس عملها هي أن تستعمل مقتنياتها حسنًا (الأعمال). وراحتها تكمن في أن يبيع الإنسان كل ما عنده حسب قول الرب، ويعطى الفقراء، وتصير النفس في سلام خلال انعزالها عن المقتنيات وجهادها عاملة برجائها الداخلي. وأيضًا يحثنا الرسول بولس أن ندخل بكل جهاد إلى هذه الراحة، قائلًا: "فلنجتهد أن ندخل تلك الراحة" عب 11:4."
"تذكُّر الخطايا السابقة (بتفاصيلها) تضر الإنسان ذا الرجاء الحسن. فإنها عندما تثور في النفس ويلازمها الحزن تعطى رجاءً. ولكن عندما تظهر ولا يلازمها ندم، تثير الدنس في الداخل مرة أخرى."
"عندما يتقبل العقل -خلال إنكاره للذَّات- رجاء متحررًا من الشك، حينئذ يُظهر له العدو صورًا للخطايا السابقة التي ارتكبها، مستترة وراء الاعتراف. لكي يثير فيه نيران الشهوة التي أخمدتها فيه نعمة الله، وهكذا يصيب الإنسان بالضرر سرًا. فإنه في هذه الحالة حتى الفكر المستنير الذي يكره الشهوات، يتعكر بما يصنعه العدو. ولكن إن ظل هذا العمل مغلفًا بجو من الضباب، فيشعر الإنسان بحنو نحو الشهوات، ويتعامل ويتجاذب مع الشهوة... حتى يصير هذا التذكر (للخطايا السابقة) ليس للاعتراف وإنما كدافع للشهوة."
"إن أردت أن تقدم اعترافًا لله بلا لوم، لا تتذكر خطاياك السابقة في مظهرها (في تفاصيلها)، بل بشجاعة تذكر مرارة نتائجها."
"الإنسان المختبر الذي يتعلم الحق، يعترف بخطاياه لله ليس عن طريق إحصائه لما صنعه بل مرارة نفسه لما يعانى منه."
"عندما لا يكون لديك شعور بالحزن من أجل الخطية والأمور المشينة من قلبك، لا تحاول أن تظهر التوبة عن طريق مجرد ممارسة فضائل أخرى، لأن هذا باطل "بدون الحزن في الداخل" ويخدم الخطية، ولو كانت أعمالًا حسنة."
"كما أن الفضائل غالبًا ما تنتج عن أحزاننا المؤلمة... هكذا أيضًا الخطايا تنبع عن الزهو والتراخي."
"تساند الأعمال التي ترضى الله كل الخليقة، وأما الأعمال التي يرفضها الله فتضادها كل الخليقة."
"تفضح كل ضيقة إرادتنا الداخلية عما إذا كانت تميل إلى اليمين أو إلى اليسار. تدعى الضيقة غير المتوقعة "تجربة"، لأنها تُخضع الإنسان لامتحان يكشف عن أحواله السرية."
"الحوادث الجارية في الحياة تشبه سوقًا. فالتاجر الصالح يحقق ربحًا ولا يكابد خسارة."
"كل كلمة من كلمات المسيح تكشف عن مراحم الله وبرّه وحكمته ويمكن أن تكون لهذه الكلمة قوتها في النفس عن طريق الأذن إن أصغت إليها طوعًا. هذا هو السبب في أن الإنسان القاسي القلب والشرير الذي لا يصغي إليها طوعًا ليس فقط لا يدرك الحكمة الإلهية بل ويصلب (يسوع) الذي علّم بها."
"ألا ترى كيف أنه يجعل في وصاياه مكمنًا لإعلان ذاته؟ إن أعظم الوصايا هي أن تحب الله والقريب، تلك التي تأتى بعد ما نرفض كل الأمور الزمنية ويستقر ذهننا."
"أمرنا الرب قائلًا: "لا تهتموا بالغد" مت 34:6. وهذا ما يلزمنا أن نصنعه، لأنه كيف يمكن للإنسان أن يتحرر من الأفكار الشريرة ما لم يرفض الأمور المادية والاهتمام بها؟ وكيف يمكن لإنسان تحيط به الأفكار كضباب وظلام للنفس أن يرى الخطية المختفية على حقيقتها؟"
"من هنا تبدأ كل الأفكار الشريرة والشهوات، عندما يجربنا الشيطان بفكر غير إلزامي مشيرًا إلينا بالخطية، وقد تحدثنا عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في أقسام أخرى. ولكن الإنسان يرتبط به عن طريق الزهد والتراخي. حتى أنه عند تعقله يقرر عدم ارتكابه، إلا أنه يشعر بلذة في حركاته ويلتصق به."
"أما إذا لم يعرف هذه الخطية الرئيسية (الاهتمام بالغد) فكيف ومتى يقدر أن يصلي من أجل أن يتنقى منها؟ وبعدم تنقيته منها، كيف يجد المقدس النقي؟ وإذ لا يجد هذا المقدس كيف يرى المسكن الخفي الداخلي للمسيح مادمنا نحن مسكن الله كقول الأنبياء والأناجيل والرسل (زك 1.:2، يو 23:14، 1 كو 16:3)؟!"
"لذلك يجب علينا أن نحرص على وجود هذا المسكن السابق وصفه، ثابتين في الصلاة، قارعين الباب (مت 7:7) حتى يفتح لنا الرب هذا المسكن هنا أو في وقت رحيلنا، ولا ُيقال لنا بسبب إهمالنا "لا أعرفكم من أين أنتم" لو 25:13."
"يجب علينا ليس فقط أن نسأل لنأخذ، بل وأيضًا أن نحفظ ما قد أخذنا، لكن البعض يفقدون ما يأخذونه."
"المعرفة المجردة عن الأمور المقبلة والخبرة (لظروفها) يمكن أن يحصل عليها حتى المبتدئون والصغار (إيمانيًا). ولكن الصبر الدائم في ممارسة هذه الأمور يصعب المحافظة عليه حتى بالنسبة للأتقياء والمختبرين، الذين كثيرًا ما يخسرونها بسبب عدم حرصهم، ثم يعودون يطلبونها ويقتنونها مرة أخرى بجهاد عظيم."