الأب دوروثيوس
"قدم لنا الله في حنو محبته وصايا مطهرة، حتى أننا، إن أردنا، نقدر بمراعاتنا للوصايا أن نتطهر، لا من الخطايا فحسب، بل ومن الشهوات أيضًا، لأن الخطايا شيء والشهوات شيء آخر."
"فالشهوات هي الغضب والزهو وحب الملذات والكراهية والشهوات الدنسة وما شابه ذلك، أما الخطايا فهي تنفيذ هذه الشهوات عمليًا، بمعنى أن الإنسان بجسده ينفذ الأعمال التي تثيرها فيه شهواته. فالإنسان يمكن أن تكون له شهوات ولكنه لا يخرجها إلى حيز التنفيذ."
"كانت الشريعة (في العهد القديم) تهدف إلى تعليمنا عدم صنع ما لا نريده لأنفسنا، وبالتالي حرمت علينا مجرد التنفيذ العملي للشر. أما الآن (في العهد الجديد)، فإننا مطالبون بطرد الشهوة ذاتها، التي تدفعنا نحو الشر. فنطرد البغضة ذاتها ومحبة الملذات وحب الكرامة وغير ذلك من الشهوات."
"قال الله بأن الإنسان لا يعرف كيف يتمتع بالفرح وحده، إنما لابد له أن يختبر الحزن ويبقى فيه إلى النهاية. فبدون تعلّمه ما هو الحزن وما هو التعب، لا يقدر أن يفهم ما هو الفرح وما هو السلام، وهكذا طرده الله من جنة عدن."
"نطق (المسيح) بهذا، وكأنه يقول: لقد تعبتم وتألمتم بما فيه الكفاية. لقد تذوقتم نتائج العصيان الشرير. تعالوا الآن واستريحوا. لتعُد إليكم الحياة عن طريق التواضع بدلًا من الزهو الذي قادكم إلى الموت. "تعلموا منى لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم" مت 29:11."
"أراد بعض المحبين لله -بعد ما قطعوا أعمال الشهوات- أن يبيدوا أيضًا من نفوسهم الشهوات، حتى لا يصيروا بعد شهوانيين. وذلك أمثال القديس أنطونيوس والقديس باخوميوس وغيرهما من الآباء الطوباويين. لقد حملوا النية الصالحة لتطهير ذواتهم "من كل دنس الجسد والروح" 2 كو 1:7."
"ولما كان من الصعب تحقيق هذا (بدرجة عظيمة) وهم سالكون في العالم، لذلك أخذوا شكلًا من الحياة ونظامًا معينًا للعمل، وهو حياة الانعزال والانفراد عن العالم. فبدأوا يهربون من العالم ويعيشون في البرية، ممارسين الصوم والسهر والنوم على الأرض، محتملين كل صنوف الحرمان الأخرى تاركين بالكلية كل من لهم وما لهم من مقتنيات."
"فالوصايا أُعطيت للمسيحيين عامة، وأُلزم كل مسيحي بطاعتها. هذه تشبه الجزية التي للملك (1)في العالم. ولكن إذ يوجد أناس أخصَّاء له عظماء يقدمون له لا الجزية فحسب بل وهدايا تليق بكرامتهم الخاصة ومركزهم. هكذا لا يقدم الآباء (الرهبان القديسون) لله الجزية فحسب بطاعتهم لوصاياه، بل يقدمون له هدايا، كالبتولية والفقر (الاختياري)... اللذين ليسا هما بوصيتين إجباريتين بل اختياريتان قيل عن الأولى: "مَنْ استطاع أن يقبل فليقبل" مت 12:19، وعن الثانية: "إن أردت أن تكون كاملًا فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء" مت 21:19."
"هؤلاء صلبوا العالم لهم، وجاهدوا لكي يصلبوا أنفسهم للعالم، مقتدين بالرسول القائل: "قد ُصلب العالم لي وأنا للعالم" غلا 14:6. فالإنسان يصلب العالم له، عندما ينبذ العالم ويصير راهبًا، فيترك أبويه وممتلكاته وكل أمور العالم واهتماماته."
"ويصلب الإنسان نفسه للعالم، ذلك بعد ما يتحرر من الأمور الخارجية يحارب ضد التمتع (الداخلي) واشتهاء الأشياء، أي عندما يصارع ضد رغباته ويميت شهواته ذاتها. عندئذ يقدر الإنسان أن يتجاسر ويقول مع الرسول: "قد ُصلب العالم لي وأنا للعالم" غلا 14:6."
"آباؤنا، إذ صلبوا العالم لأنفسهم، بالجهاد صلبوا أيضًا أنفسهم للعالم. أما نحن فبالرغم مما يبدو علينا كما لو كنا قد صلبنا العالم لأنفسنا، بأن نبذنا العالم ودخلنا إلى الدير، إلا أننا لا نريد أن نصلب أنفسنا للعالم. فطالما نحب ملذاته، لا نزال مقتربين منه، وتُحرَّكنا أمجاده، محتفظين في داخلنا بالشوق إلى الأطعمة والملابس وغير ذلك من الأباطيل. يلزمنا ألا نكون هكذا، فمادمنا قد تركنا العالم وكل ما فيه يجب علينا أيضًا أن نرفض الاقتراب إليه."
"إننا نترك العالم، وهكذا ليتنا نترك الاقتراب إليه. لأن الاقتراب إليه يربطنا به مرة أخرى ويوحّدنا معه، ولو في أمور تافهة عادية ليست بذات قيمة."
"يستطيع الإنسان أن يمارس قطعه لإرادته ورغباته الخاصة في كل لحظة. فلو أن إنسانًا كان يمشى وإذ بفكره يقول له: "تطلع إلى هذا وذاك"، يقدر أن يقطع رغبته هذه ولا ينفذها."
"قال ناسك: "إننا محتاجون قبل كل شيء إلى التواضع"."
"قال الناسك ذاته: "التواضع هو ألا يغضب الإنسان ولا يُغضب أحدًا"."
"التواضع يجذب نعمة الله إلى النفس... وهذه تعتقها من هذين الألمين الخطيرين، لأنه أي شيء أخطر من أن تغضب من أخيك أو تُغضبه؟!"
"ولكن ماذا أقول: هل التواضع يحرر النفس من هذين الألمين فقط؟ لا بل ويحررها من كل ألم (شهوة) وكل تجربة."
"عندما رأي القديس أنطونيوس شباك الشيطان منصوبة، تنهد وسأل الله قائلًا: "من يقدر أن يهرب منها؟" فأجابه الله: "المتواضع يهرب منها... بل ولا تقدر أن تقترب إليه". أرأيت قوة هذه الفضيلة؟! حقًا انه لا يوجد أعظم من التواضع، لأنه لا يوجد شيء يقدر أن يغلبه."
"فإن حلّت بعض الأحزان بإنسان متواضع، للحال يلوم نفسه على أنه يستحقها، ولا يلوم غيره أو يوبخه. وهكذا فإنه يحتمل كل ما قد يحدق به بهدوء كامل، دون أن يضطرب أو يحزن. هكذا لا يغضب من أحد ولا يُغضب أحدًا."
"النوع الأول من التواضع هو أن ينظر الإنسان إلى أخيه على أنه أحكم وأسمى منه في كل شيء، فيرى في نفسه أنه اقل من الجميع. وأما النوع الثاني من التواضع فهو أن يعدد الإنسان أمام الله محاسن الآخرين، وهذا هو كمال التواضع الذي للقديسين."
"لا يستطيع أحد أن يصف التواضع ما هو، وكيف يولد في النفس. أنه يعلم هذا بالاختبار، أما الكلام فيعجز عن أن يعرفه."
"في أحد الأيام كان الأب زوسيما يتكلم عن التواضع، وكان أحد السوفسطائيين حاضرًا فسأله: كيف تنظر إلى نفسك أنك خاطئ، وأنت تعرف أن لك فضائل... وأنك تطيع الوصايا؟!" فلم يجد الناسك بما يجيب به عليه، بل ببساطة قال: "لا أعرف ماذا أقول لك، إنما أعرف إنني خاطئ"."
"قد يحدث أن يكون إنسان في وحدة وسكون يعيش في سلام، ويأتيه أخ آخر وفي حديثه معه يقول شيئًا مُكدِّرًا، فيضطرب المتوحد في الحال؛ ويقول بعد ذلك، لو لم يكن قد جاء هذا (الأخ) ليقلقني ما كنت قد أخطأت". يا له من تبرير سخيف!! هل الذي تكلم معه هو الذي قدم إليه الألم (الغضب) أم أن ما صنعه هو إذ أخرج إلى السطح ذاك الألم الذي هو موجود فيه من قبل؟! لذلك كان يجب عليه أن يتوب عن ألمه ويلوم نفسه بدلًا من أن يحمل مرارة ضد أخيه."
"يوجد نوعان من النهم، واحد عندما يطلب إنسان طعامًا يُسره، ولا يريد دائمًا أن يأكل منه كثيرًا، بل يطلب أن يأكل ما يسر تذوقه. والثاني عندما يُغلب إنسان من الميل للأكل كثيرًا. إذ لا يرغب في طعامٍ معينٍ ولا يهتم بالطعم، إنما يريد أن يأكل ويأكل غير مهتمٍ ماذا يأكل بل كيف يملأ بطنه. النوع الأول يسمى جنون التذوق، والثاني جنون المعدة. فإن أراد إنسان أن يصوم... يلزمه أن يتجنب كلا الصنفين من النهم، فإنهما يُشبعان لا احتياجات الجسد بل الشهوة، لذلك إن انغمس إنسان فيهما، يحسبان خطية."
"على أي الأحوال يلزم للإنسان في الصوم ليس فقط أن يطيع هذه القاعدة من جهة الطعام فحسب بل ويمتنع عن كل خطية أخرى، حتى متى كانت المعدة صائمة، يكون اللسان أيضًا صائمًا، ممتنعًا عن الافتراء والكذب والكلام الباطل والحط من شأن الغير والغضب وكل خطية أخرى يرتكبها اللسان. كذلك يلزم على الإنسان أن يصَّوم عينيه، فلا تنظران إلى الأمور الباطلة ولا تجولان كيفما شاءا، ولا تتطلعان إلى الغير بعدم حياء وبدون مخافة، كذلك يلزم أن يحفظ اليدين والرجلين من كل عمل شرير."
"عندما تلتقي بالآخرين يلزمك قبل كل شيء أن تتجنب الظن الذي يقود إلى الإدانة الشريرة."
"إن كنت تريد أن تكون للأفكار المقدسة بالإيمان عمل هادئ وقت الضرورة لمقاومة الحركات والأفكار والمشاعر الشريرة، ادرسها جيدًا فغالبًا ما تتغلب عليها في عقلك، وأنا لى إيمان في الله أنك ستجد سلامًا. كذلك أدمج صلاتك بالدارسة. حاول أن تتقدم في هذا حتى تقدر أن تحتمل لحظة الألم الجسدي أو الروحي بدون حزن ولا ضيق بل بصبر."
"اعلم أن الإنسان الذي لا يعرف الفكر الذي يحاربه أو يحزنه إنما يقوّى الفكر ضد نفسه... ولكنه أن عرفه يبدأ يحاربه ويقاومه ويصده، فتضعف الشهوة ولا يكون للفكر قوة لمحاربته أو جعله حزينًا. وأخيرًا شيئًا فشيئًا يغلب الشهوة ذاتها بالجهاد ونوال عون إلهي."
"عندما تكون النفس جامدة (لا تتأثر) تفيدها مداومة قراءة الكتاب المقدس وأقوال الآباء القديسين الحافزة للقلب، وتذكر دينونة الله الرهيبة ورحيل النفس عن الجسد ولقائها مع قوات الظلمة المخيفة تلك التي صنعت معها الشر خلال فترة الحياة القصيرة المؤلمة."
"وأيضًا عندما قارب الأب أغاثون إلى الموت سأله الأخوة: "أما تخاف يا أبانا؟" أجابهم: "إنني حاولت قدر المستطاع حفظ الوصايا، ولكنني إنسان؛ كيف لي أن أعرف إن كان ما قد صنعته يرضى الله، وقد تحدثنا عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في أقسام أخرى. لأن حكم الله شيء وحكم الإنسان شيء آخر"."
"تحدث الناسك دفعة عما يجلب التواضع للإنسان فقال: إن الطرق المؤدية إلى التواضع هي: 1. أن يعمل الإنسان عملًا جسديًا بحكمة. 2. ناظرًا إلى نفسه أنه أقل من الجميع. 3. دون أن يكف قط عن الصلاة لله."
"وضع الله في الإنسان شيئًا إلهيًا، فكرًا معينًا يشبه الشرارة، لها نور وحرارة (دفيء). هذا الفكر ينير الذهن ويوضح له ما هو صالح وما هو شرير. وهذا هو ما ُيسمى بـ"الضمير" وهو ناموس طبيعي."
"هكذا الآن لنا سلطان أن ندفن الضمير أو نجعله يتلألأ فينا ويضيء وذلك إن أطعناه. فإن حدثتنا ضمائرنا بصنع أمر ما ونحن أهملنا تنفيذه، ثم عادت وأكَّدت علينا صنعه ومع ذلك نستمر في الوطء عليه بأقدامنا... فإننا بهذا ندفنه. عندئذ لا يعود الضمير يقدر أن يحدثنا بوضوح بسبب الثقل الذي وضعناه عليه، فيكون أشبه بمصباح مضيء يتراكم عليه رماد (أوساخ) فيصير ضوءه بالنسبة لنا معتمًا شيئًا فشيئًا."
"وكما أنه لا يقدر إنسان أن يرى وجهه في ماء معكر بالطين، هكذا نحن بالعصيان لا نعود ندرك صوت الضمير (تمامًا)، حتى يبدو كما لو أنه غير موجود فينا."
"دُعي الضمير "خصمًا"، لأنه دائمًا يقاوم رغباتنا الشريرة. إنه ينبهنا إلى ما يجب علينا أن نفعله، لكنه لا يعمل (لا يجبرنا على العمل). إنه يديننا إن كنا لا ننفذ ما يجب علينا أن نفعله. لهذا السبب دعاه الرب (خصمًا) وأوصانا: "كن مراضيًا لخصمك، سريعًا مادمت معه في الطريق" مت 25:5، أي مادمت في العالم كما يقول باسيليوس الكبير."
"ليتنا نحافظ على ضميرنا، مادمنا في هذا العالم. ليتنا نتبعه ولا نهمله في أي شيء مهما كان صغيرًا حتى لا يتهمنا. لأنه يلزمنا أن نتحقق من أن الإهمال في الأمر التافه والصغير يدفع بنا إلى الإهمال في الأمور الكبيرة."
"فإن بدأ الإنسان (يستهتر) قائلًا: "ماذا يحدث إن أكلت هذه الكسرة؟! وماذا يحدث لو نظرت إلى هذا أو ذاك؟!" بقولنا:"ماذا يعني هذا وماذا يعنى ذاك" نسقط في عادات شريرة، ونبدأ نهمل في أمور هامة عظيمة، ونطأ ضمائرنا بأقدامنا. هكذا نتقسَّى في صنع الشر..."
"يلزمنا أن نحفظ ضميرنا من جهة الله، ومن جهة القريب، ومن جهة الأشياء."
"لا يقدر أحد أن يبلغ إلى الخوف الكامل ما لم يحصل أولًا على الخوف البدائي. إذ يقول الحكيم ابن سيراخ: "رأس الحكمة مخافة الله.. كمال الحكمة مخافة الله" ابن سيراخ 16:1،2.، قاصدًا بكلمة "رأس" الخوف البدائي الذي يتبعه الخوف الكامل الذي للقديسين."
"في البداية يعمل كأجير ينتظر الأجرة عن عمله الصالح. فإن استمر هكذا متجنبًا الشر بسبب الخوف كعبد صانعًا الخير على رجاء نوال المكافأة كأجير، عندئذ يقيم في صنع الخير ويصير له تذوق خاص بالخير الروحي، فلا يعود يريد الانفصال عنه. عندئذ يصل إلى عمل الابن، فيحب الخير لأجل الخير ذاته، ورغم أنه يخاف، لكنه يعمل لأنه يحب. هذا هو الخوف العظيم الكامل."
"في كل شيء تصنعه مهما كان عاجلًا جدًا أو ذات أهمية عظيمة، أرجو ألا تتعجل ولا تثور، لأن الهدوء مطلوب. فإن أي شيء تصنعه سواء أكان أمرًا عظيمًا أو صغيرًا ليس ألا جزء من ثمانية (1/8) من المشكلة، أما السبعة أجزاء من ثمانية فهو أن يحفظ الإنسان نفسه بغير اضطراب حتى ولو فشل في إنجاز العمل."
"لذلك إن كنت مشغولًا بعمل ما وأردت أن تصنعه بكمال، حاول أن تنفذه، وهذا -كما قلت لك- ثُمن المشكلة. ولكن احرص في نفس الوقت على أن تحفظ نفسك بغير ضرر، وهذا هو السبعة أثمان."
"على أي الأحوال إن كان تنفيذ العمل يحتم عليك الأضرار بنفسك بغيرك وذلك بتعجلك، فكان خير لك ألا تفقد السبعة أجزاء من أجل حفظ الثمن (أي خير لك ألا تعمل العمل عن أن تفعله بتعجل)."
"يقول الحكيم سليمان.. بان من ليس له إرشاد يسقط كالورق، وفي كثرة المشورة يوجد سلام. إنه لم يقل في مشورة الكثيرين يوجد سلام، إذ لا يطلب منا أن نستشير كل أحد، بل أن نطلب المشورة في كل شيء. وكأمر طبيعي نستشير إنسانًا نثق فيه. بمعنى ألا نخبر عن شيء ونخفي آخر، بل نكشف كل أمر ونطلب المشورة في كل شيء. سلام مثل هذا الإنسان أكيد بسبب كثرة المشورة."
"عندما لا نكشف أفكارنا ونياتنا، ولا نطلب مشورة المختبرين، نعتمد على إرادتنا الخاصة ونتبع تبريراتنا الذاتية. واضح أننا إذ نصنع بعض الأمور الصالحة ننصب لأنفسنا شباكًا، وبدون أن نعرفها نهلك. فإنه كيف يمكننا أن نفهم إرادة الله أو نُخضع أنفسنا لإرادة الله بالكامل، إن كنا نعتمد على ذواتنا ونتمسك بإرادتنا الذاتية؟ لذلك قال الأب بيمين: "إرادتنا هي حائط نحاسي تفصل بين الإنسان والله"."
"الإنسان الذي يعتمد على تفكيره الذاتي ويحتفظ بإرادته الخاصة، يُسقطه الشيطان كيفما أراد. أما الذي يصنع كل شيء بمشورة فلا يقترب إليه."
"عندما يستفسر الإنسان ويسمع النصيحة من مختبر يقول له "افعل هذا ولا تفعل ذاك" أو "الآن هو وقت لصنع كذا"، عندئذ لا يقدر الشيطان أن يضره أو يطرحه، مادام يطلب المشورة ويحمى نفسه من كل جانب، بهذا يتحقق القول انه في كثرة المشورة يوجد سلام."
"يحب العدو (الشيطان) أولئك الذين يعتمدون على فهمهم الخاص، ويساعدهم واضعًا حيلًا ضدهم. وإنني لا أعرف طريقًا آخر لسقوط الراهب إلا اعتماده على قلبه الخاص. فالبعض يقولون بأن الإنسان يسقط بسبب هذا أو ذاك، أما أنا فإنني لا أعرف طريقًا للسقوط غير أتباع الإنسان لقيادة ذاته. فإن رأيت إنسانًا يسقط، فاعلم أنه يسلك بسبب قيادة ذاته، إذ لا شيء أكثر منه خطرًا ووبالًا."
"إنني أكرر لكم دائمًا أننا نرتكب الخطايا الخطيرة عن طريق تساهلنا مع أنفسنا في الأمور الصغيرة. (فمثلًا) أي شيء أكثر خطرًا من خطية إدانة الآخرين؟! أي شيء سواها مكروه لدى الله وغريب عنه؟ ومع ذلك فإن الإنسان يصل إلى هذا الشر العظيم عن طريق أمور تبدو غير هامة، كأن يسمح لنفسه بقليل من الانتقاد لقريبه. فإذ يسمح لنفسه بهذا يبدأ الذهن لا يهتم بخطاياه بل بخطايا قريبه. وهذا يقوده إلى التعلل (بسيرة الناس)، والتوبيخ، والنطق بكلمات شريرة وأخيرًا بالإدانة المهلكة. لذلك فإنه لا شيء يغضب الله ويفقد الإنسان (النعمة) ويقوده إلى الهلاك الأكيد مثل البحث عن أخطاء الآخرين، والنطق بشرٍ ضدهم وإدانتهم."
"النطق بشرٍ شيء، والإدانة أو التقليل من شأن الغير شيء آخر. أن "تنطق بشرٍ" يعنى أن تقول عن إنسان أنه قد كذب أو زنى أو كان غضوبًا أو صنع خطأ آخر. وهكذا فإن نطق الإنسان بشر ضد أخيه يعنى أن يتكلم عن عصيانه بانفعال. أما الإدانة فتعنى أن تقول إن "فلان" كذاب وزانٍ وسيئ الأخلاق. مثل هذا الإنسان يدين حاله نفس الغير ذاتها، مصدرًا حكمًا على حياته كلها، بقوله أنه كذا وكذا. ويصدر عليه هذا الحكم... وهذه خطية خطيرة."
"عندما كان الفريسي يصلى ويشكر الله من أجل فضائله لم يكن يكذب، بل نطق الحق، ولم يُدن من أجل هذا. لأنه يجب علينا أن نشكر الله عندما يعطينا أن نصنع خيرًا، طالما أن الله قد أعاننا على صنعها. إنه لم يُدن لأجل هذا... بل عندما التفت نحو العشار وقال: "إني لست... مثل هذا العشار" (لو 11:18). لقد ارتكب الإدانة، إذ أدان هذا الإنسان هكذا، مصدرًا حكمًا على حال نفسه، وعلى حياته بأكملها. لهذا السبب تبرر العشار دون الآخر (لو 14:18)."
"الله وحده له الحق في أن يبرر أو يدين، لأنه هو وحده يعرف حالة نفس كل أحدٍ، وقوته وميوله ومواهبه وتكوينه البيولوجي وطاقاته. وبناء على هذه جميعها يدين الله الإنسان أو يبرره. لأنه من يقدر أن يعرف هذا كله على حقيقته غير الله الذي خلق الكل ويعرف الكل."
"أحيانًا لا ندين الآخرين فحسب بل ونستخف بهم. فإن الإدانة شيء والاستخفاف بالآخرين شيء آخر. الاستخفاف بالغير يعنى أن الإنسان ليس فقط يدين الآخر بل ويحتقره ويزدرى به ويبعد عنه كما لو كان نجسًا وهذا أشر من الإدانة وأكثر ضررًا."
"الذين يريدون أن يخلصوا يلزمهم ألا يفكروا في سقطات الآخرين بل دائمًا يتطلعون إلى نفوسهم وهكذا ينمون."
"يحدث أحيانًا أن يفيض سم الإدانة من نفوسنا ليصب في الآخرين. فإذ نلتقي بآخر له سلام مع الجميع نسرع في أخباره بأن هذا حدث وذاك تم، ونضره بهذه الأقوال، باثّين في قلبه إدانة الغير... فنقوم بعمل الشيطان ولا نبالي. لأنه من هو هذا الذي ينصب عمله في ضرر الآخرين وجعلهم مرتبكين إلا الشيطان؟! وبهذا نحن نؤكد إننا مساعدون للشيطان في هلاك نفوسنا ودمار إخوتنا. ولماذا يحدث هذا؟ّ لأنه ليس فينا حب. "لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا" 1 بط 8:4."
"قال أنبا بيمين: "حيثما يذهب الإنسان الذي يلوم نفسه، فانه في أي ضرر يصيبه أو إهانة أو أي ضيقة تحل به يعتبر نفسه مُقدَّمًا انه يستحق كل شيء غير سارٍ. ولهذا فإنه لا يضطرب أبدًا. فهل توجد حالة أكثر من هذه تحررًا من الحزن؟!""
"قد يقول القائل: إن أساء إلىَّ أخ، وفحصت ذاتي فوجدت إنني لم أكن أنا السبب، فكيف يمكنني أن ألوم نفسي؟!" في الواقع إذا اختبر إنسان خوف الله، يجد أنه هو السبب، إما بكلمة أو بفعل أو نظرة. على أي الحالات، إن ثبت انه -في هذه المرة- لم يكن سبب، فلابد أنه قد أساء إليه في وقت آخر بطريقة ما، أو ربما يكون قد أساء إلى أخ آخر وعليه أن يحتمل من أجل ذلك، أو كما تكون الحال غالبًا، أنه من أجل خطية أخرى. لذلك فإنني أقول إنه إن فحص إنسان نفسه بخوف الله، وفي حزم يسأل ضميره، فإنه لا يمكن أن يفشل في أن يجد نفسه مذنبًا، وهكذا يلوم نفسه."
"كلما بقيت النفس تخطئ زمانًا طويلًا، ضعفت. لأن الخطية تضعف الإنسان وتضنى من ينغمس فيها. وهكذا كل ما يسقط عليه (من خطايا) يثقل عليه. ولكن إن تقدم الإنسان في صنع الخير، فإنه بمقدار ما يتقدم في ذلك تخف الأحمال التي كانت قبلًا ثقيلة عليه (أي يسهل عليه التغلب على الخطية)."
"في كل مناسبة يجب علينا أن نتطلع إلى فوق، سواء قدم البعض لنا خيرًا أو تحملنا ضررًا من أحد. إذ يجب علينا أن ننظر إلى فوق ونشكر الله على كل ما يحدث لنا، لائمين أنفسنا دائمًا، بأن ما يحدث لنا من شر إنما هو نتيجة لخطايانا الخاصة."
"قال آباؤنا أنه ليس من شيمة الرهبان أن يغضبوا أو يسيئوا إلى أحد. وأيضًا قالوا إن من يهزم الانفعال (ثورة الغضب) يهزم الشياطين، وأما الذي يهزمه هذا الألم فإنه غريب بالكلية عن الرهبنة... إذًا بماذا ندافع عن أنفسنا عندما لا نستسلم للثورة والغضب فحسب، بل ونستمر حانقين؟! ماذا نقدر أن نفعل إلا أن نبكي من أجل دناءتنا هذه وقسوة قلوبنا؟! على أي الأحوال ليتنا نهتم بأنفسنا يا إخوتي بمعونة الله لكي نتحرر من مرارة هذا الألم الضار."
"الآن وقد سمعت عن معنى الاضطراب والتهيج والغضب والحقد. فهل رأيت كيف يصل البشر إلى هذا الشر بواسطة كلمة واحدة؟! فلو أنك لُمت نفسك من الابتداء، واحتملت بصبر كلمة أخيك، ولم ترغب في أن تنتقم لنفسك منه بالرد على تلك الكلمة بكلمتين أو خمسة، وهكذا ترد الشر بالشر (فإنه لو حدث هذا) لكنت قد تحررت من هذه الشرور جميعها. لذلك أقول لك: اقطع الآلام دائمًا وهي ما تزال صغيرة، قبل أن تتأصل فيك وتقوى وتبدأ في إضعافك، لأنك عندئذ تقاسى منها الكثير. فإن يوجد فارق بين جني ورقة عشب صغيرة واقتلاع شجرة ضخمة من جذرها!!"
"قد يظن إنسان أنه لا يرد الشر بالشر بالعمل، لكنه في الحقيقة يرده بكلمة أو عبارة أو إشارة أو نظرة. فإن هذه كلها قادرة على الإساءة إلى الغير، وبالتالي يكون فيها ردًا على الشر بالشر. وآخر لا يحاول أن ينتقم بالفعل أو بكلمة أو عبارة أو إيماءة، ولكنه يحتفظ في قلبه بالحقد ضد أخيه، وفيه مرارة ضده. وآخر ربما لا يحمل مرارة (في نفسه) ضد أخيه، لكنه إن سمع آخر يسبّه أو ينتقده أو يقلل من شأنه فإنه يبتهج لذلك، وهكذا يرد الشر بالشر في قلبه. وآخر لا يغذى حقدًا في قلبه، ولا يبتهج بسماع كلمة تحقير لمن أساء إليه، بل قد يتألم لشتمه، ولكنه لا يفرح بنجاحه - مثال ذلك: يتضايق إذا مدحه آخر أو أعطاه كرامة. هذا أيضًا نوع من الحقد، ولو أنه أقلّهم خطورة."
"ويحدث أحيانًا أنه إن أساء أحد إلى آخر، فإنهما ينحنيان الواحد للآخر ويصطلحان. وهكذا يعيش كل منهما في سلام مع من أساء إليه ولا تكون في قلبه أفكار ضده. ولكن يحدث بعد مضى بعض الوقت أن يقول هذا المسيء شيئًا ضارًا بأخيه. فيبدأ الآخر يتذكر له الإساءة الأولى، فلا يضطرب بسبب الإساءة الثانية فقط بل وبسبب الأولى أيضًا. مثل هذا الإنسان يشبه شخصًا قد غطى جرحه بقطعة من (اللزقة). ومع أن الجرح قد التأم، لكن موضعه لازال حساسًا. ولذلك إن رمى أحد حجرًا عليه فإن هذا الموضع يكون أكثر أعضاء الجسد تعرضًا للإيذاء، وللحال يبدأ يدمي... هذا يعنى أن الجرح قد غُطى، ولكنه لم يُشف بالتمام. إنه لا يزال هناك أثر للحقد، بسببه ينفتح الجرح بسهولة إذا ارتطم بأقل شيء."
"يجب علينا أن نحاول تنظيف العفونة الداخلية تنظيفًا تامًا، لكي ما يشفي جيدًا المكان الحساس دون أن يبقى لها أثر، بحيث يستحيل أن نقول بأنه كان فيه جرح قبلًا، ولكن كيف نحصل على هذا؟!"
"قال الأب زوسيما: "لو أن إبليس أثار جميع مكائد شره وكل شياطينه، فانه بواسطة التواضع تنهار جميع شروره الخبيثة وتتحطم، وذلك حسب وصية المسيح". وناسك آخر قال: "من يصلى من أجل عدوه، لا يكون عنده حقد"."
"نفذ وصية النساك عمليًا فستنال فهمًا حقيقيًا لما يقولونه. أما إذا أهملت في التنفيذ، فإنه يستحيل عليك أن تتعلم من الكلام وحده عمل الجهاد الروحي."
"أي إنسان يريد أن يتعلم فنًا، هل يقدر أن يتقنه لمجرد (سماعه) عن الفن؟ لا، بل عليه أولًا أن يعمل ويفسد ما يعمله، ثم يعمل ويخسر ما يعمله، وهكذا شيئًا فشيئًا، بالتدريب والعمل، يتعلم الفن بمعونة الله، الذي يلاحظ عمله ونيته. أما نحن فنريد أن نتعلم فن الفنون، بالكلام المجرد، دون أن نعمل، وهذا مستحيل!! لذلك ليتنا نتيقظ لأنفسنا ونعمل باجتهاد مادام يوجد وقت."
"يجب على كل أحدٍ أن يعطى اهتمامًا عظيمًا لئلا يسلبه "الكذب"، لأن الكذاب لا يتحد مع الله. الكذاب غريب عن الله. ويقول الكتاب المقدس بأن الكذاب هو من الشيطان إذ هو "كذاب وأبو الكذاب" (يو 44:8). هكذا ُدعي الشيطان أبو الكذاب، أما الحق فهو الله، إذ يقول بنفسه: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو 6:14). أما ترون إذن كيف أننا نصير غرباء عن الله بالكذب وبمن نتحد (عن طريقه)؟! لذلك إن أردنا بحق أن نخلص، يلزمنا أن نحب الحق بكل قوتنا وكل غيرتنا، ونحرس أنفسنا من كل كذب، حتى لا يفصلنا عن الحق والحياة."
"ليتنا نهتم بأنفسنا بعناية، لأنه من يعيد إلينا هذا الوقت إن أضعناه؟ حتمًا إنه سيأتي الوقت الذي فيه نطلب أن نجد هذه الأيام ولا نجدها. لقد اعتاد الأب أرسانيوس أن يكرر قوله لنفسه: "يا أرسانيوس أنظر لماذا تركت العالم؟!""
"إن أردنا أن نقوم ولو بمجهودات قليلة، فإننا لا نعاني من ضيق عظيم... لأنه أن حث الإنسان نفسه على الجهاد واستمر في ذلك، فإنه يتقدم شيئًا فشيئًا، وأخيرًا يمارس الفضائل بهدوء، لأنه إذ يرى الله الإنسان يحث نفسه على الجهاد، يرسل له عونًا. هكذا ليتنا نحث أنفسنا (على الجهاد)، فإننا وإن لم نكن قد بلغنا الكمال إلا أننا بالجهاد ننال عونًا (إلهيًا)، وبهذا العون نحصل على كل صنوف الفضائل. لهذا قال أحد الآباء: "ابذل دمًا تنال روحًا (روحيات)" أي جاهد فسُيعطى لك ممارسة الفضيلة."
"كما أن الذي يرغب في تعليم حرفة النجارة لا يمارسها بخبرة غيره، هكذا الذين يرغبون في أن يتعلموا الأعمال الروحية -إن أرادوا أن يقتنوها فعلًا- لا يهتمون بشيء آخر غير أن يجاهدوا ليلًا ونهارًا. ومع ذلك يلزمهم أن يكون لهم قدر معين في كل الأمور (أي لا يهمل الأمور الأخرى إهمالًا تامًا... بل يصنع كل شيء في حدود معينة بلا مغالاة)."
"قال ناسك: "أسلك الطريق الملكي واحسب طوله... لأن الفضائل توجد في الوسط بين المغالاة في الزيادة أو النقص". لذلك يقول الكتاب المقدس: "لا تزيغوا يمينًا ولا يسارًا" تث 32:5،11:17.."
"يقول غريغوريوس اللاهوتي: "تتولد النار عن مادة، وهي تحرق المادة، هكذا يُفسد الشر الإنسان الشرير"."
"ليس للشر وجود في ذاته، لأنه ليس من ضمن المخلوقات وليس له مادة. إنما النفس بانحرافها عن الفضيلة تصير شهوانية وتلد الخطية، فتتألم حيث لا تجد لها راحة طبيعية في ذاتها. هكذا تُنتج النفس الشر بذاتها وتعود تتألم منه."
"نرى الأمر عينه في الأمراض الجسدية، إن سلك إنسانًا في حياته بغير نظام ولا يهتم بصحته، فإن هذا يُنتج مغالاة أو نقص في أمر ما يخص جسده، مما يسبب المرض. ولكن لم يكن يوجد المرض من قبل... وعندما يُشفي الجسد لا يعود للمرض أي وجود بالمرة."
"يجب على الإنسان أن يقتلع لا الشهوات فحسب بل وأسبابها ويُسمد حاله بسماد التوبة والحزن، عندئذ فقط يبدأ يلقى البذار الحسنة، أي الأعمال الصالحة."
"كل إنسان يرغب في أن يخلص يلزمه ليس فقط أن يبتعد عن صنع الشر بل ويصنع الخير، كما قيل: "حدْ عن الشر واصنع الخير" مز 14:43. فلو سقط إنسان في الغضب يلزمه ليس فقط أن يكف عن الغضب بل ويطلب الوداعة. وإن كان متكبرًا يجب عليه ألا يكون متكبرًا فحسب بل ويصير متواضعًا أيضًا. فكل رذيلة لها ما يضادها من الفضائل: الكبرياء - التواضع؛ القسوة - الحب المترفق؛ الزنا - العفة؛ القلب الخائر - الاحتمال؛ الغضب - الوداعة؛ الكراهية - الحب."
"يلزمنا ألا نضطرب حتى عندما تضايقنا الشهوة. لماذا تتعجب أيها الإنسان الشهواني؟ ولماذا تضطرب عندما تثيرك شهوة ما؟ أنت الذي جبلتها (صوَّرتها) ووافقت أن تحفظها في داخلك ومع هذا تضطرب؟! لقد قبلت علاماتها ومع ذلك تقول: لماذا تقلقني الشهوة؟ فإنه خير لك أن تحتمل وتجاهد وتصلى إلى الله لكي يعينك، لأنه من المستحيل على إنسان أن يطيع الشهوات ولا يعانى من هجومها المؤلم. وكما يقول الأب صيصوي: "آنيتها في داخلك، رد لها ما لها (فيك) وهي تتركك". فطالما نحن نحبها ونخرج بها إلى حيز التنفيذ، فإنه من المستحيل علينا ألا ننجذب إلى الأفكار الشهوانية التي تثيرنا -ولو بغير إرادتنا- لكي نطيعها، لأننا بإرادتنا قد سلمنا أنفسنا بين أيديها."
"بالنسبة للإنسان الذي تهاجمه الأفكار الشهوانية، فإنه قبلما يبدأ في تنفيذها يكون لا يزال في مدينته حرًا والله يعينه. بمجرد أن يتواضع أمام الله ويحارب قليلًا يلحقه العون الإلهي ليخلصه من هجوم الأعداء. لكن إذا لم يحارب تاركًا نفسه تتدنس، مستسلمًا للملذات الجسدية، ينسحب العون الإلهي عن النفس، فتستميلها للقيام بالفعل الشهواني، تتعبد للشهوة أرادت أو لم ترد."
"خوف الرب يحث النفس على حفظ الوصايا، وعن طريق حفظ الوصايا يُشيد منزل النفس. إذًا ليتنا نخاف الرب ونُشيد منازل لأنفسنا، حتى نجد مأوى في الشتاء حيث المطر والرعد، لأن من لا منزل له يعانى من مخاطر عظيمة في وقت الشتاء."
"يمكننا أن نتعلم كيف نبني منزل النفس من طريقة بناء البيت العادي. فمن يبنى بيتًا يقيم حوائط في الأربعة جهات معًا، ولا يهتم بجانب واحد فقط، وإلا أفسد عمله وخسر نفقاته. هكذا أيضًا بالنسبة للإنسان الذي يشيد بيتًا للنفس، فإنه لا يهتم بجانب واحد فقط من بنائه، بل يبنى الكل معًا بتساوٍ وتوافقٍ. هذا ما عناه الأب يوحنا عندما قال: "إنني أشبه إنسانًا ينال كل يوم قليلًا من كل فضيلة. ولا أصنع مثل الآخرين الذين يمسكون بفضيلة واحدة ويبقون فيها متدربين عليها وحدها ولا يهتمون بغيرها"."
"يُبنى بيت النفس بتساوٍ وباتفاق كما يلي: أولًا: يجب على الإنسان أن يضع أساس الإيمان، إذ "بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه" عب 6:11. عندئذ يشيد المنزل فوق الأساس بطريقة متناسقة، بمعنى أنه متى سنحت فرصة الطاعة يضع الإنسان حجر الطاعة، وإن جاءه من يسئ إليه يضع حجر ضبط النفس، وهكذا يضع حجرًا من كل فضيلة، فإذ تسنح الفرص يقوم البناء بهذه الطريقة في كل الجوانب، واضعًا تارة حجر حنو، وأخرى حجر قطع للإرادة، وحجر للطاعة الخ. إلا أنه يلزمنا أن نعطى اهتمامًا للصبر والشجاعة، فإنهما حجرا زاوية يربطان البناء والحوائط مع بعضها البعض. فبدونهما لا يقدر أحد أن يكمل فضيلة واحدة. فقد قيل "بصبركم اقتنوا أنفسكم" لو 19:21."
"يضع الإنسان عند بنائه بيتًا طينًا (مونة) فوق كل حجر، لأنه لو وضع حجرًا على حجرٍ دون أن يضع بينهما طينًا فستسقط الحجارة وينهدم البيت. الطين (في بناء النفس) هو التواضع، مادام مأخوذًا من الأرض وتحت أقدام الكل، وأية فضيلة تمارس بدون تواضع ليست بفضيلة. هذا أيضًا ما قاله الآباء: "كما أن السفينة لا يمكن أن تشيد بدون مسامير هكذا لا يخلص إنسان بدون تواضع"."
"أمر آخر يتطلبه هذا البناء وهو أن يكون البناء ماهرًا، وإلا قام ببناء حائطٍ مائلٍ، فينهدم البيت بعد أيام قليلة. ويكون الإنسان عاقلًا إن كان ينفذ الفضائل بتعقل. فإن حدث أن إنسانًا قام بالعمل في الفضائل بدون تعقل فإنه يفسد عمله أو يصطدم معها (الفضائل) دائمًا. وهكذا لا يقدر أن يقدم بناء كاملًا بل بينما يبنى إذا به يهدم."
"وإليك مثل واحد من أمثلة متعددة. إذا صام إنسان بزهوٍ أو بالتفكير أنه قد تمم أمرًا فاضلًا خاصًا، حاسبًا في نفسه شيئًا عظيمًا، هذا يصوم بغباء ويبدأ يدين أخاه. هذا بالتأكيد ليس فقط بينما يبنى حجرًا يهدم اثنين، بل يلحق به خطر هدم كل الحائط بإدانته لأخيه. إما الإنسان الذي يصوم بحكمة، فإنه لا يفكر أنه يصنع شيئًا صالحًا خاصًا، ولا يود أن يمدحه الغير على صومه. إنما يفكر أنه بالنسك ينال العفة، وهكذا يصل إلى التواضع، وكما يقول الآباء: "الطريق إلى التواضع هو الأعمال الجسدية عندما تنفذها بتعقل". فيكون مثل البناء الماهر القادر على تشييد بيته تشييدًا راسخًا."
"لا تخدعك الأفكار بأن الفضيلة فوق طاقتك ومستحيلة بالنسبة لك، بل عندما يوحي إليك الإيمان ابدأ بشجاعة ُمظهرًا إرادتك الحسنة وجهادك أمام الله، فسترى العون الذي يرسله لك لممارسة الفضيلة."
"إن طلبنا نجد، وإن سألنا نأخذ، فقد جاء في الإنجيل: "اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم" مت 7:7. لقد قيل: "اسألوا"، أي نطلب من الله بالصلاة حتى يعيننا. "اطلبوا" تعنى أنه بتعلمنا عن مصدر الفضيلة وكيفية نوالها نجاهد طالبين إياها، أما "اقرعوا" فتعنى ممارسة الوصايا. لأن من يقرع يستخدم يداه. واليدان يعينان العمل. هكذا يلزمنا لا أن نسأل فقط بل ونطلب ونعمل مجاهدين، كقول الرسول: "تزدادون في كل عمل صالح" 2 كو 8:9 (راجع 2 تى 17:3)، بمعنى أن نكون مستعدين بالكامل لتنفيذ إرادة الله كما يريد هو وكما يُسر."