: بعد اليوم الذى تم فيه ربط أحيور بالشجرة وتسليمه لبيت فلوى. أصدر أليفانا أوامره لجيوشه بالتحرك نحو اليهودية لمحاربة بنى إسرائيل، فتقدموا نحو بيت فلوى وكان ذلك فى صباح اليوم الذى قضاه الشعب فى الصلاة والصوم حتى الليل، فلم يـسترح الشعب إلا بضع ساعات، حتى رأوا الزحف الأشورى مقبلا عليهم . ولعل هذا كان عكـس مـا توقعه اليهود، إذ ظنوا أن استجابة الله هى إبعاد الجيش الأشورى عنهم، ولكنها حكمة الله التى ستظهر فيما بعد.
ع٢: رجالة
: الجنود والمشاة.
المجلـوين
: الـرجال الـذين أسرهم أليفانا من البلاد التى احتلها وضمهم إلى جيشه ليحاربوا معه.
الفتيان
: الشبان. أصـدر ألـيفانا أوامره لجيوشه بال تحرك نحو اليهودية لمحاربة بنى إسرائيل، وتحرك الجيش العظيم، الذى يذكر الكتاب المقدس، أن عدد جنود المشاة فيه مئة وعشرون ألفا وعدد الفرسـان اثـنان وعـشرون ألفـا، بالإضافة إلى عدة آلاف من الجنود انضموا إلى جيش الأشوريين من البلاد التى إحتلها أليفانا، فزاد عدد جيشه بشكل كبير يصعب حصره، فى حين مـن غيـر المـتوقع أن يزيد جنود مدينة بيت فلوى الصغيرة عن ألف جندى، وهذا يوضح استحالة انتصار بيت فلوى على الأشوريين، إلا بقوة الله التى تصنع المعجزات. يلاحــظ أن عـدد الفرسان المذكور فى النص هو إثنان وعشرون ألفا، مع أن العدد المذكور فى (ص٢: ٧) هو إثنا عشر ألفا ولكن ترجمة الآباء اليسوعيين تذكر فى الإصحاح السابع أن عدد الفرسان هو اثنا عشر ألفا، فلعل رقم اثنين وعشرين ألفا هو خطأ فى الترجمة التى بين أيدينا، أو فى النسخ.
ع٣:
تحرك هذا الجيش الجبار مقبلا على اليهودية من الشمال عن طر يق سهل يزرعيل وهـو سهل على شكل مثلث يقع بين الجليل والسامرة، طوله اثنا عشر ميلا من الشمال إلى الجنوب وعرضه خمسة وعشرون ميلا من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط، ثم تقدم نحـو مكان يسمى قليمون، متجها إلى مدينة بيت فلوي التي تقع على جبل، وهى أول المدن التي تقابـل أليفانا عند دخوله إلى اليهودية، وعسكر جيشه فى وادي يقع بين قليمون شمالا وبيت فلوى جنوبا (أى طولا)، أما عرضا فيقع بين بلما إلى تل دوتان الذى يطل على سهلها. فى هذا الوادى كان منظر الجيش - الذى يصل تعداده لعشرات الآلاف - مخيفا وجبارا. تحرك أليفانا بجيشه الجبار، واثقا من نفسه أنه سيحطم تلك البلاد الصغيرة وأولها بيت فلوى، ولم يعلم أنه يمكن أن توجد قوة أكبر منه وهى قوة الله التى تسند الضعفاء. لا تعتمد على ذاتك وتنسى الله فى مواجهتك للمشاكل وفى علاقتك بالآخرين واتكل على الله وثق فى نفسك المتكلة عليه، فتستقر كل أيام حياتك.
ع٤:
عندما نظر شعب الله - فى بيت فلوى - من مدينتهم التى على الجبل، إلى الوادي الذي أمامهم ورأوا هذا الجيش العظيم، خافوا جدا، فأسرعوا نحو الله ساجدين فى خشوع، بل وضعوا الرماد على رؤوسهم فى تذلل أمامه، وصلوا بتضرع إلى الله؛ ليرحمهم وينقذهم من الأشوريين.
ع٥: المفضية
: المؤدية. أسـرع جنود بيت فلوى إلى حراسة الأماكن المؤدية إلى المضيق الموجود بين الجبلين والمـؤدى إلـى المدينة، فهو المدخل الوحيد إلى المدينة الكائنة على الجبل ونظموا الحراسة المسلحة طوال الليل والنهار . وهكذا ارتفعت الصلوات و امتزجت بالحراسة، أى التجئوا إلى الله وقاموا بواجبهم فى نفس الوقت. لا تنزعج أمام كثرة الأشرار، بل التجئ إلى إلهك بالصلاة والتضرع فى اتضاع وتذلل ،واثقا فى مراحمه، وفى نفس الوقت أدى واجبك بكل أمانة، فتكون متكلا لا متواكلا. واحرس مداخل قلبك، أى حواسك؛ حتى لا ينفذ من خلالها الشر، ولتكن يقظتك الروحية دائمة ليلا ونهارا، وإذ يرى الله جهادك يحفظك من كل خطية.
إذ رأى أليفانا أن المدينة حصينة، أخذ يدور حولها ليعرف كيف يهاجمها. كان يمر على فرسه ومعه مجموعة من الفرسان، فوجدوا خارج المدينة من الجنوب عين الماء الرئيسية، التى تروى المدينة وتخرج منها قناة تدخل إلى داخل المدينة فعلم أنها المصدر الرئيسي للماء، الذى يغذى المدينة، فأمر بردم القناة وبهذا قطع الماء الداخل إلى المدينة ليموت شعب بيت فلوى عطشا، إذ كانت قناة الماء تصب داخل المدينة فى حفرة عميقة، تعتبر كخزان للماء، يرفع منها بعد ذلك إلى أحواض ليشرب منها الناس والبهائم.
ع٧:
بعد قطع الماء الآتى من العين الرئيسية المغذية للمدينة لم يبق إلا عيون ماء قليلة جدا داخل المدينة، وبعض عيون قليلة خارج المدينة بجوار أسوارها. فلما انقطع مصدر الماء الرئيسي لم يعد الماء داخل المدينة كافيا لإحتياجات الشعب، فكان بعض من الشعب يخرجون خفـية مـن أبـواب المدينة ويملئون من هذه العيون القريبة، رغم ما فى ذلك من خطورة تعرضهم لبطش جنود أليفانا. وبالطبع لم يكن هذا الماء كافيا لإرواء عطش الشعب كله، فبدئوا يعانون من قلة الماء.
ع٨، ٩: تزرهم
: تحوطهم وتحميهم.
الضنك
: الضيق الشديد الذى يقارب الموت.
الهوى
: جمع هوة أى الوادى.
منيعة
: حصينة. ثـم تقدم المؤابيون وبنى عمون وهم الشعوب المجاورة لبنى إسرائيل بالرغم من وجود قـرابة جـسدية بينهم، إذ هم نسل لوط ابن أخى إبراهيم، أب الشعب اليهودى، ولكنهم كانوا يعـادونهم؛ لأنهم كانوا وثنيين . أما اليهود فعبدوا الله . وتظهر هنا حيلة ومكر أليفانا فى تجنيد الموآبيـين والعمونيـين لمساعدته فى مقاتلة بنى إسرائيل لأنهم أعداء لهم . وهذه كانت عادة معـروفة قـديما فى الحرب، مثل استخدام بيلاطس للسامريين فى إخماد ثورات اليهود فى أورشليم واليهودية. فلمـا رأوا ألـيفانا يستعد لمهاجمة المدينة شمتوا باليهود، بل وأسرعوا يقدمون نصيحة لألـيفانا ليهلك أهل بيت فلوى. فقالوا له أن اليهود الساكنين فى بيت فلوى يعتمدون على أن مدينتهم محصنة فى أعلى الجبل والجبال تحوطها وتحميها، فلا يعتمدون للدفاع عن مدينتهم على الأسلحة المعروفة مثل السيف والرمح، فيمكنك أن تهلكهم بدون حرب عن طريق مراقبة العيون القريبة من الأسوار حتى لا يستقوا منها سرا. إن إبليس فى حربه مع أولاد الله يضيق عليهم فى المصادر الرئيسية لمعيشتهم، فيصيرون فى فقر ومرض ومتاعب كثيرة، لعلهم يتركون الله. وقد يجتمع الأشرار أيضا إذا وجدوا أولاد الله فى بلية؛ ليزيدوا ضيقهم ضيقا، بالتضييق عليهم فى مصادر معيشتهم، حتى الفرعية منها، ليضمنوا هلاكهم، ويشيرون على أعدائهم ليهلكوهم، لعلهم بهذا يظفرون بكرامة، أو أى عطايا من هؤلاء الأعداء. لا تخف من الذى له سلطان أن يؤذى جسدك، فهو أولا لا يستطيع أن يؤذيك، إلا إذا سمح له الله، وبالمقدار الذى يسمحه به فقط، وهو أيضا لا يستطع أن يمس روحك، إن الله يسمح بهذا؛ ليرى مدى ثباتك فى الإيمان واحتمالك للضيقات، وثق أنه فى النهاية ينصرك على أعدائك ولا يسمح بهلاكك. لا تنزعج من اجتماع الأشرار عليك، حتى لو كانوا ذوى قرابتك، فهم لا شيء أمام قوة الله الذى يحميك، حتى لو أخذوا منك مصادر معيشتك، فالله سيعولك بطرق معجزية.
ع١٠:
فأعجـب أليفانا بفكرتهم وأقام جنودا لحراسة هذه العيون وقتل أى إنسان يقترب إلـيها وكان متشددا فأقام على كل عين فرقة من مئة جندى لمنع أية محاولة من بيت فلوى لاستقاء الماء سرا.
ع١١: حياضها
: أى أحواضها وهى جمع حوض. واصل أليفانا حراسته لكل عيون الماء التى خارج أسوار مدينة بيت فلوى، فلم يبق إلا آبار ماء قليلة وبعض تجمعات المياه، أى الأحواض المتصلة بهذه الآبار، وكانت كمية الماء التـى بها لا تكفى الشعب، رغم أنها كانت توزع على كل أسرة بمقدار قليل، وبعد عشرين يوما كادت تجف وما بقى منها كان بالكاد يكفى يوما واحدا.
عندما زاد عطش الشعب وبدئوا يخورون وكادوا يفارقون الحياة، تحركت فيهم قوة للمحافظة على بقائهم، فقاموا بغضب بكل فئاتهم؛ الرجال والنساء والشيوخ والأطفال وأمسكوا بعزيا رئيس المدينة وأخذوا يلومونه بعنف؛ لأنه رفض التفاهم مع الأشوريين وتسليم المدينة لهم، فإحساسهم بحياتهم التى تضيع منهم، جعلهم ينسون إيمانهم بالله ومحبتهم لعزيا رئيس مدينتهم، فوبخوه بشدة، ناسبين الخطأ له، مع أنهم كانوا مقتنعين بالاستعداد الحربي والصلاة الحارة والدموع التى سكبوها أمام الله ولكن انهار كل هذا أمام مواجهة الموت.
ع١٤: نصير
: سند ومنقذ.
نصرع
: نموت. عبـر الشعب عن حالته بأنهم يموتون ببطء من العطش وإذ فقدوا إيمانهم بالله قالوا أنليس لهم من ينقذهم ويسندهم فى محنتهم. عندما تشتد بك الضيقة بدلا من السقوط فى اليأس والغضب على الآخرين وتوجيه الاتهامات لهم، ليتك تسرع وتلقى أتعابك عند قدمي المسيح، فهو يشعر بك، بل وقريب منك أكثر من أى وقت آخر، ومستعد لنجدتك.
ع١٥:
أمام الخوف من الموت، طلب المتقدمون من الشعب أمام عزيا أن يدعو كل من فى المدينة ليخرجوا إلى أليفانا ويسلموا أنفسهم له؛ فيصيروا عبيدا وأسرى، لينجوا من الموت.
ع١٦:
شعر الشعب أن تسليم أنفسهم لأليفانا يهبهم الحياة وهذا أفضل؛ لأن الحياة أفضل مـن الموت، إذ يمكنهم أن يعبدوا الله ويباركوه بصلوات كثيرة وهم أحياء ولكن إن بقوا فى المديـنة سيموتون ويفقدون قدرتهم على الصلاة ويتعذبون برؤية أطفالهم ونسائهم تموت أمام أعينهم وفى النهاية سيموتون هم أيضا . فما أقسى الموت؛ لأن مواجهة الموت صعبة فعندما يشعر الإنسان بالموت يزحف ليسيطر عليه، يضطرب جدا، خاصة وإن كان يرى بعينيه موت أطفالـه؛ لأنهـم أعز عنده من نفسه، فيدافع عنهم بدافع غريزة الأمومة أو الأبوة، لدرجة أن بعض الناس يندفعون فيقتلون أبناءهم، حتى لا يروهم يموتون أمام أعينهم.
ع١٧:أجلنا
: نهاية حياتنا.
أوار العطش
: العطش الشديد جدا. ثم أكدوا على عزيا وشيوخ المدينة وحاولوا أن ينتزعوا منهم وعدا وقسما بتسليم المدينة ومـن فـيها لأليفانا وأعلنوا أنهم خطاة وأن ما يصيبهم من ضيق هو تأديب إلهى، بل قالوا أيضا، إن الموت السريع على يد أليفانا بالسيف، أفضل من الموت عطشا؛ لأن الموت السريع بالـسيف لا يعـذب الإنسان، مثل الموت البطيء بسبب العطش، أى أنهم فى جميع الأحوال مـصرين على تسليم أنفسهم للأشوريين، سواء استحيوهم، أم قتلوهم . وهذا يظهر مدى يأسهم وضعف إيمانهم. ليت الضيقة تقودنا للتمسك بالله، وعلى قدر تعلقنا بالحياة الروحية نحتمل الضيقات المادية ونظل ثابتين على إيماننا، لا نقبل العبودية للخطية، أو تسليم حياتنا للشيطان، فالموت ونحن أنقياء أحرار من الخطية، أفضل من الحياة ونحن غارقون فى الشرور.
ع١٨-٢٢: عويل
: بكاء بصوت عالٍ.
خاروا
: سقطوا على الأرض فى إعياء شديد.
كلوا
: تعبوا. مـن يأس الشعب وصعوبة مواجهتهم للموت عطشا، أظهروا ضيقهم من عزيا واتهموه أنـه سـبب هلاكهـم وطالبوه بتسليم المدينة . ولكن كان إيمانهم مازال حيا وإن كان ضعيفا فالتجئوا إلى الله ملجأهم الوحيد بالصلاة والصراخ والدموع ساعات طويلة، بل كانوا يرددون صلوات جماعية بصوت واحد، تظهر وحدانية مشاعرهم وظهر فى صلواتهم الآتي : ١- توبـتهم واعترافهم بأخطائهم وأخطاء آبائهم . فالتوبة هى أول شيء نستدر به مراحم الله. وذكـرهم خطايـا آبائهم يرجع لاعتقاد خاطئ كان سائدا عند اليهود أن الأبناء يعاقبون بسبب خطايا آبائهم ولكن الله أوضح خطأ هذا الاعتقاد فى (خر١٨: ٢-٤). ٢- ترجيهم مراحم الله لتنقذهم من أعدائهم. ٣- حـيث أن أخطاءهم تستحق العقاب، فلو رأى الله معاقبتهم فليعاقبهم هو ولا يسلمهم إلـى أيدى أعدائهم . وهنا يتشبهون بداود النبى الذى قال "فلنسقط فى يد الرب؛ لأن مراحمه كثيرة ولا أسقط فى يد إنسان" (٢صم٢٤: ١٤). ٤- طلبهم أن ينقذهم الله ويتمجد فيهم، فتظهر قوة الله أمام كل الشعوب بدلا من أن يقال أن الله تـركهم إذا اقتحمهم أليفانا، ومن كثرة صراخهم وصلواتهم تعبوا فسكتوا فى الـنهاية وقلوبهم تتكلم بدلا من شفاههم وانتظروا مراحم الله ومعونته . وهكذا بالتوبة والإيمان والصلوات لله، واضعين رجائهم فيه وليس فى الآلهة الوثنية، استطاعوا أن يستدروا مراحم الله وقدموا جهادا كاملا حتى الموت. ليتنا نلتجئ إلى الله قبل كل شئ لأنه ليس سواه يحبنا وقادر على خلاصنا. وطالما نتقدم بتوبة واتضاع أمامه، فحتما سننال مراحمه، حتى لو سمح بعقابنا، فهو رحيم ولا يتركنا نهلك وفى النهاية يتمجد اسم الله فينا.
ع٢٣-٢٥:
وأخيرا تكلم عزيا رئيس المدينة والمسئول عن قيادة هذا الشعب. وهـنا تظهر القيادة الحكيمة، فلم يضطرب من اتهامهم له، أو يغضب عليهم وشاركهم مشاعرهم وصلواتهم وصراخهم ودموعهم، وشعر بمسئوليته، فوقف معهم يطمئنهم إلى وجود الله. ثم أخذ قرارا روحيا أفضل مما طلبوه، إذ طلب منهم الانتظار خمسة أيام، فى صلوات؛ ليـروا تدخل الله وإنقاذه لهم، بدلا من أن يسلم المدينة فى الحال كطلبهم . وإن لم يتدخل الله، فبعد خمسة أيام يسلم المدينة. ولعله استأذنهم فى الانتظار خمسة أيام؛ لعلمه أن كمية الماء القليلة فى المدينة يمكن أن تكفـيهم خمسة أيام وبهذا يظهر مدى تمسك عزيا بالاحتمال حتى أقصى ما يستطيع الشعب، فهو جهاد حتى الموت، أى إلى أقصى ما يمكن من الجهاد، كما يعلمنا العهد الجديد أن نجاهد حتى الدم (عب١٢: ٤) ما أجمل أن تتحمل مسئوليتك، سواء كرب أسرة، أو كخادم فى الكنيسة، أو كمسئول فى أى عمل، فتعتنى بمن معك وتحتمل أخطاءهم وتشجعهم وتوجههم توجيها روحي ا. واهتم أيضا بحياتك الروحية؛ لتنمو قامتك الروحية وإيمانك، فتستطيع أن تقوم بمهام خدمتك ومسئوليتك. وعلى قدر القامة الروحية للخادم يستطيع أن يوجه ويقود شعبه روحيا. فواضح أن عزيا ذو قامة روحية أكبر من شعبه. ولو أنه ستظهر بعد ذلك قامة روحية أكبر ليهوديت، ليس فقط عن الشعب، بل عن كل شيوخ المدينة وعن عزيا نفسه.
الإصحاح السابع
أليفانا يحاصر بيت فلوى
١- زحف أليفانا على بيت فلوى (ع١-٥):
١ وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَمَرَ أَلِيفَانَا جَمِيعَ عَسْكَرِهِ أَنْ يَزْحَفُوا عَلَى بَيْتِ فَلْوَى، ٢ وَكَانَ رَجَّالَةُ الْحَرْبِ مِئَةً وَعِشْرِينَ أَلْفاً، وَالْفُرْسَانُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ أَلْفاً، مَا خَلاَ الرِّجَالَ الْمَجْلُوِّينَ وَجَمِيعَ الْفِتْيَانِ الَّذِينَ اسْتَصْحَبَهُمْ مِنَ الأَقَالِيمِ وَالْمُدُنِ. ٣ فَتَأَهَّبَ جَمِيعُهُمْ لِمُقَاتَلَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَجَاءُوا مِنْ جَانِبِ الْجَبَلِ إِلَى الْقِمَّةِ الَّتِي تَنْظُرُ إِلَى دُوتَانَ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بَلْمَا إِلَى قَلِيمُونَ الَّتِي قُبَالَةَ يَزْرَعِيلَ. ٤ فَلَمَّا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ كَثْرَتَهُمْ، خَرُّوا عَلَى الأَرْضِ وَحَثَوُا الرَّمَادَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ، وَصَلَّوْا بِقَلْبٍ وَاحِدٍ إِلَى إِلهِ إِسْرَائِيلَ لِيُظْهِرَ رَحْمَتَهُ عَلَى شَعْبِهِ، ٥ ثُمَّ أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ سِلاَحَهُ وَأَقَامُوا فِي الأَمَاكِنِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْمَضِيقِ بَيْنَ الْجِبَالِ، وَلَمْ يَزَالُوا حَارِسِينَ كُلَّ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ.
ع١:اليوم الثانى
: بعد اليوم الذى تم فيه ربط أحيور بالشجرة وتسليمه لبيت فلوى.أصدر أليفانا أوامره لجيوشه بالتحرك نحو اليهودية لمحاربة بنى إسرائيل، فتقدموا نحو بيت فلوى وكان ذلك فى صباح اليوم الذى قضاه الشعب فى الصلاة والصوم حتى الليل، فلم يـسترح الشعب إلا بضع ساعات، حتى رأوا الزحف الأشورى مقبلا عليهم . ولعل هذا كان عكـس مـا توقعه اليهود، إذ ظنوا أن استجابة الله هى إبعاد الجيش الأشورى عنهم، ولكنها حكمة الله التى ستظهر فيما بعد.
ع٢: رجالة
: الجنود والمشاة.المجلـوين
: الـرجال الـذين أسرهم أليفانا من البلاد التى احتلها وضمهم إلى جيشه ليحاربوا معه.الفتيان
: الشبان.أصـدر ألـيفانا أوامره لجيوشه بال تحرك نحو اليهودية لمحاربة بنى إسرائيل، وتحرك الجيش العظيم، الذى يذكر الكتاب المقدس، أن عدد جنود المشاة فيه مئة وعشرون ألفا وعدد الفرسـان اثـنان وعـشرون ألفـا، بالإضافة إلى عدة آلاف من الجنود انضموا إلى جيش الأشوريين من البلاد التى إحتلها أليفانا، فزاد عدد جيشه بشكل كبير يصعب حصره، فى حين مـن غيـر المـتوقع أن يزيد جنود مدينة بيت فلوى الصغيرة عن ألف جندى، وهذا يوضح استحالة انتصار بيت فلوى على الأشوريين، إلا بقوة الله التى تصنع المعجزات.
يلاحــظ أن عـدد الفرسان المذكور فى النص هو إثنان وعشرون ألفا، مع أن العدد المذكور فى (ص٢: ٧) هو إثنا عشر ألفا ولكن ترجمة الآباء اليسوعيين تذكر فى الإصحاح السابع أن عدد الفرسان هو اثنا عشر ألفا، فلعل رقم اثنين وعشرين ألفا هو خطأ فى الترجمة التى بين أيدينا، أو فى النسخ.
ع٣:
تحرك هذا الجيش الجبار مقبلا على اليهودية من الشمال عن طر يق سهل يزرعيل وهـو سهل على شكل مثلث يقع بين الجليل والسامرة، طوله اثنا عشر ميلا من الشمال إلى الجنوب وعرضه خمسة وعشرون ميلا من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط، ثم تقدم نحـو مكان يسمى قليمون، متجها إلى مدينة بيت فلوي التي تقع على جبل، وهى أول المدن التي تقابـل أليفانا عند دخوله إلى اليهودية، وعسكر جيشه فى وادي يقع بين قليمون شمالا وبيت فلوى جنوبا (أى طولا)، أما عرضا فيقع بين بلما إلى تل دوتان الذى يطل على سهلها.فى هذا الوادى كان منظر الجيش - الذى يصل تعداده لعشرات الآلاف - مخيفا وجبارا.
تحرك أليفانا بجيشه الجبار، واثقا من نفسه أنه سيحطم تلك البلاد الصغيرة وأولها بيت فلوى، ولم يعلم أنه يمكن أن توجد قوة أكبر منه وهى قوة الله التى تسند الضعفاء. لا تعتمد على ذاتك وتنسى الله فى مواجهتك للمشاكل وفى علاقتك بالآخرين واتكل على الله وثق فى نفسك المتكلة عليه، فتستقر كل أيام حياتك.
ع٤:
عندما نظر شعب الله - فى بيت فلوى - من مدينتهم التى على الجبل، إلى الوادي الذي أمامهم ورأوا هذا الجيش العظيم، خافوا جدا، فأسرعوا نحو الله ساجدين فى خشوع، بل وضعوا الرماد على رؤوسهم فى تذلل أمامه، وصلوا بتضرع إلى الله؛ ليرحمهم وينقذهم من الأشوريين.ع٥: المفضية
: المؤدية.أسـرع جنود بيت فلوى إلى حراسة الأماكن المؤدية إلى المضيق الموجود بين الجبلين والمـؤدى إلـى المدينة، فهو المدخل الوحيد إلى المدينة الكائنة على الجبل ونظموا الحراسة المسلحة طوال الليل والنهار . وهكذا ارتفعت الصلوات و امتزجت بالحراسة، أى التجئوا إلى الله وقاموا بواجبهم فى نفس الوقت.
لا تنزعج أمام كثرة الأشرار، بل التجئ إلى إلهك بالصلاة والتضرع فى اتضاع وتذلل ،واثقا فى مراحمه، وفى نفس الوقت أدى واجبك بكل أمانة، فتكون متكلا لا متواكلا. واحرس مداخل قلبك، أى حواسك؛ حتى لا ينفذ من خلالها الشر، ولتكن يقظتك الروحية دائمة ليلا ونهارا، وإذ يرى الله جهادك يحفظك من كل خطية.
٢- قطع أليفانا الماء عن المدينة (ع٦-١١):
٦ وَلَمَّا كَانَ أَلِيفَانَا يَطُوفُ فِي الأَرْضِ، وَجَدَ الْعَيْنَ الَّتِي كَانَتْ تَجْرِي إِلَى دَاخِلِ الْمَدِينَةِ مِنْ نَاحِيَةِ الْجَنُوبِ لَهَا قَنَاةٌ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَ أَنْ يَقْطَعُوا الْقَنَاةَ. ٧ وَكَانَتْ عُيُونٌ أُخَرُ عَلَى قُرْبٍ مِنَ السُّورِ كَانُوا يَخْرُجُونَ فَيَسْتَقُونَ مِنْهَا خُفْيَةً لِكَيْ يَكْسِرُوا حِدَّةَ عَطَشِهِمْ وَإِنْ كَانُوا لاَ يَرْتَوُونَ. ٨ فَتَقَدَّمَ بَنُو عَمُّونَ وَمُوآبَ إِلَى أَلِيفَانَا وَقَالُوا لَهُ: «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ يَتَّكِلُونَ عَلَى الرُّمْحِ وَالسَّهْمِ، وَلكِنَّ الْجِبَالَ تَزِرُهُمْ وَالتِّلاَلَ الَّتِي بَيْنَ الْهُوَى تُحَصِّنُهُمْ. ٩ فَالآنَ حَتَّى تَظْفَرَ بِهِمْ بِلاَ قِتَالٍ، أَقِمْ أَرْصَاداً عَلَى الْيَنَابِيعِ لِئَلاَّ يَسْتَقُوا مِنْهَا مَاءً فَتَقْتُلَهُمْ بِغَيْرِ سَيْفٍ، أَوْ يُلْجِئَهُمْ مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ مِنَ الضَّنْكِ أَنْ يُسَلِّمُوا مَدِينَتَهُمُ الَّتِي يَعُدُّونَهَا مَنِيعَةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا عَلَى الْجِبَالِ». ١٠ فَأُعْجِبَ أَلِيفَانَا وَسَائِرُ عَبِيدِهِ بِهذَا الْكَلاَمِ، فَجَعَلَ أَرْصَاداً عَلَى الْعُيُونِ مِنْ أَصْحَابِ الْمِئَةِ عَلَى كُلِّ عَيْنٍ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ. ١١ فَأَقَامُوا عَلَى هذِهِ الْمُحَافَظَةِ عِشْرِينَ يَوْماً حَتَّى جَفَّتْ مِيَاهُ آبَارِ بَيْتَ فَلْوَى وَحِيَاضِهَا بِأَسْرِهَا حَتَّى لَمْ يَكُنْ فِي دَاخِلِ الْمَدِينَةِ مَا يُرْوِيهِمْ يَوْماً وَاحِداً لأَنَّ الْمَاءَ كَانَ يُعْطَى لِلشَّعْبِ كُلَّ يَوْمٍ بِمِقْدَارٍ.
ع٦:
إذ رأى أليفانا أن المدينة حصينة، أخذ يدور حولها ليعرف كيف يهاجمها. كان يمر على فرسه ومعه مجموعة من الفرسان، فوجدوا خارج المدينة من الجنوب عين الماء الرئيسية، التى تروى المدينة وتخرج منها قناة تدخل إلى داخل المدينة فعلم أنها المصدر الرئيسي للماء، الذى يغذى المدينة، فأمر بردم القناة وبهذا قطع الماء الداخل إلى المدينة ليموت شعب بيت فلوى عطشا، إذ كانت قناة الماء تصب داخل المدينة فى حفرة عميقة، تعتبر كخزان للماء، يرفع منها بعد ذلك إلى أحواض ليشرب منها الناس والبهائم.ع٧:
بعد قطع الماء الآتى من العين الرئيسية المغذية للمدينة لم يبق إلا عيون ماء قليلة جدا داخل المدينة، وبعض عيون قليلة خارج المدينة بجوار أسوارها. فلما انقطع مصدر الماء الرئيسي لم يعد الماء داخل المدينة كافيا لإحتياجات الشعب، فكان بعض من الشعب يخرجون خفـية مـن أبـواب المدينة ويملئون من هذه العيون القريبة، رغم ما فى ذلك من خطورة تعرضهم لبطش جنود أليفانا. وبالطبع لم يكن هذا الماء كافيا لإرواء عطش الشعب كله، فبدئوا يعانون من قلة الماء.ع٨، ٩: تزرهم
: تحوطهم وتحميهم.الضنك
: الضيق الشديد الذى يقارب الموت.الهوى
: جمع هوة أى الوادى.منيعة
: حصينة.ثـم تقدم المؤابيون وبنى عمون وهم الشعوب المجاورة لبنى إسرائيل بالرغم من وجود قـرابة جـسدية بينهم، إذ هم نسل لوط ابن أخى إبراهيم، أب الشعب اليهودى، ولكنهم كانوا يعـادونهم؛ لأنهم كانوا وثنيين . أما اليهود فعبدوا الله . وتظهر هنا حيلة ومكر أليفانا فى تجنيد الموآبيـين والعمونيـين لمساعدته فى مقاتلة بنى إسرائيل لأنهم أعداء لهم . وهذه كانت عادة معـروفة قـديما فى الحرب، مثل استخدام بيلاطس للسامريين فى إخماد ثورات اليهود فى أورشليم واليهودية.
فلمـا رأوا ألـيفانا يستعد لمهاجمة المدينة شمتوا باليهود، بل وأسرعوا يقدمون نصيحة لألـيفانا ليهلك أهل بيت فلوى. فقالوا له أن اليهود الساكنين فى بيت فلوى يعتمدون على أن مدينتهم محصنة فى أعلى الجبل والجبال تحوطها وتحميها، فلا يعتمدون للدفاع عن مدينتهم على الأسلحة المعروفة مثل السيف والرمح، فيمكنك أن تهلكهم بدون حرب عن طريق مراقبة العيون القريبة من الأسوار حتى لا يستقوا منها سرا.
إن إبليس فى حربه مع أولاد الله يضيق عليهم فى المصادر الرئيسية لمعيشتهم، فيصيرون فى فقر ومرض ومتاعب كثيرة، لعلهم يتركون الله.
وقد يجتمع الأشرار أيضا إذا وجدوا أولاد الله فى بلية؛ ليزيدوا ضيقهم ضيقا، بالتضييق عليهم فى مصادر معيشتهم، حتى الفرعية منها، ليضمنوا هلاكهم، ويشيرون على أعدائهم ليهلكوهم، لعلهم بهذا يظفرون بكرامة، أو أى عطايا من هؤلاء الأعداء.
لا تخف من الذى له سلطان أن يؤذى جسدك، فهو أولا لا يستطيع أن يؤذيك، إلا إذا سمح له الله، وبالمقدار الذى يسمحه به فقط، وهو أيضا لا يستطع أن يمس روحك، إن الله يسمح بهذا؛ ليرى مدى ثباتك فى الإيمان واحتمالك للضيقات، وثق أنه فى النهاية ينصرك على أعدائك ولا يسمح بهلاكك.
لا تنزعج من اجتماع الأشرار عليك، حتى لو كانوا ذوى قرابتك، فهم لا شيء أمام قوة الله الذى يحميك، حتى لو أخذوا منك مصادر معيشتك، فالله سيعولك بطرق معجزية.
ع١٠:
فأعجـب أليفانا بفكرتهم وأقام جنودا لحراسة هذه العيون وقتل أى إنسان يقترب إلـيها وكان متشددا فأقام على كل عين فرقة من مئة جندى لمنع أية محاولة من بيت فلوى لاستقاء الماء سرا.ع١١: حياضها
: أى أحواضها وهى جمع حوض.واصل أليفانا حراسته لكل عيون الماء التى خارج أسوار مدينة بيت فلوى، فلم يبق إلا آبار ماء قليلة وبعض تجمعات المياه، أى الأحواض المتصلة بهذه الآبار، وكانت كمية الماء التـى بها لا تكفى الشعب، رغم أنها كانت توزع على كل أسرة بمقدار قليل، وبعد عشرين يوما كادت تجف وما بقى منها كان بالكاد يكفى يوما واحدا.
٣- عطش الشعب وطلبهم تسليم المدينة (ع١٢-٢٥):
١٢ حِينَئِذٍ اجْتَمَعَ عَلَى عُزِّيَّا جَمِيعُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالشُّبَّانِ وَالأَطْفَالِ وَكُلُّهُمْ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ ١٣ وَقَالُوا: «يَحْكُمُ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، فَإِنَّكَ قَدْ جَنَيْتَ عَلَيْنَا شُرُوراً إِذْ أَبَيْتَ أَنْ تُخَاطِبَ الأَشُّورِيِّينَ بِالْمُسَالَمَةِ، وَلِذلِكَ بَاعَنَا اللهُ إِلَى أيْدِيهِمْ؛ ١٤ وَالآنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَنَا مِنْ نَصِيرٍ، وَلَكِنَّا نُصْرَعُ أَمَامَ عُيُونِهِمْ مِنْ قِبَلِ الْعَطَشِ وَالدَّمَارِ الْعَظِيمِ. ١٥ فَالآنَ ادْعُوا جَمِيعَ مَنْ فِي الْمَدِينَةِ وَلْنَسْتَسْلِمْ بِأَجْمَعِنَا إِلَى أَصْحَابِ أَلِيفَانَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِنَا، ١٦ فَخَيْرٌ لَنَا أَن نُبَارِكَ الرَّبَّ وَنَحْنُ أَحْيَاءٌ فِي الْجَلاَءِ مِنْ أَنْ نَمُوتَ وَنَكُونَ عَاراً عِنْدَ جَمِيعِ الْبَشَرِ بَعْدَ أَنْ نَكُونَ عَايَنَّا نِسَاءَنَا وَأَطْفَالَنَا يَمُوتُونَ أَمَامَنَا. ١٧ وَنَسْتَحْلِفُكُمُ الْيَوْمَ بِالسَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَبِإِلهِ آبَائِنَا الَّذِي يَنْتَقِمُ مِنَّا بِحَسَبِ خَطَايَانَا، أَنْ تُسَلِّمُوا الْمَدِينَةَ إِلَى أَيْدِي جَيْشِ أَلِيفَانَا فَيُقْضَى أَجَلُنَا سَرِيعاً بِحَدِّ السَّيْفِ وَلاَ يَتَمَادَى فِي أُوَارِ الْعَطَشِ». ١٨ فَلَمَّا قَالُوا هذَا حَدَثَ بُكَاءٌ وَعَوِيلٌ عَظِيمٌ فِي الْجَمَاعَةِ كُلِّهَا، وَصَرَخُوا إِلَى اللهِ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ سَاعَاتٍ كَثِيرَةً قَائِلِينَ: ١٩ «قَدْ خَطِئْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا وَصَنَعْنَا الظُّلْمَ وَالإِثْمَ، ٢٠ ارْحَمْنَا لأَنَّكَ رَحِيمٌ أَوْ فَانْتَقِمْ عَنْ آثَامِنَا بِأَنْ تُعَاقِبَنَا أَنْتَ وَلاَ تُسَلِّمَ الْمُعْتَرِفِينَ بِكَ إِلَى شَعْبٍ لاَ يَعْرِفُكَ ٢١ لِئَلاَّ يُقَالَ فِي الأُمَمِ أَيْنَ إِلهُهُمْ»؟ ٢٢ ثُمَّ إِنَّهُمْ كَلُّوا مِنَ الصُّرَاخِ وَخَارُوا مِنَ الْبُكَاءِ، فَسَكَتُوا. ٢٣ فَقَامَ عُزِّيَّا وَدُمُوعُهُ سَائِلَةٌ وَقَالَ لَهُمْ: «كُونُوا طَيِّبِي الْقُلُوبِ يَا إِخْوَتِي وَلْنَنْتَظِرْ رَحْمَةً مِنْ لَدُنِ الرَّبِّ هذِهِ الْخَمْسَةَ الأَيَّامَ، ٢٤ فَلَعَلَّهُ يَكُفُّ غَضَبَهُ وَيُقِيمُ مَجْداً لاسْمِهِ. ٢٥ فَإِذَا انْقَضَتْ خَمْسَةُ أَيَّامٍ وَلَمْ تَأْتِنَا مَعُونَةٌ فَعَلْنَا مَا تَقُولُونَ».
ع١٢، ١٣:
عندما زاد عطش الشعب وبدئوا يخورون وكادوا يفارقون الحياة، تحركت فيهم قوة للمحافظة على بقائهم، فقاموا بغضب بكل فئاتهم؛ الرجال والنساء والشيوخ والأطفال وأمسكوا بعزيا رئيس المدينة وأخذوا يلومونه بعنف؛ لأنه رفض التفاهم مع الأشوريين وتسليم المدينة لهم، فإحساسهم بحياتهم التى تضيع منهم، جعلهم ينسون إيمانهم بالله ومحبتهم لعزيا رئيس مدينتهم، فوبخوه بشدة، ناسبين الخطأ له، مع أنهم كانوا مقتنعين بالاستعداد الحربي والصلاة الحارة والدموع التى سكبوها أمام الله ولكن انهار كل هذا أمام مواجهة الموت.ع١٤: نصير
: سند ومنقذ.نصرع
: نموت.عبـر الشعب عن حالته بأنهم يموتون ببطء من العطش وإذ فقدوا إيمانهم بالله قالوا أنليس لهم من ينقذهم ويسندهم فى محنتهم.
عندما تشتد بك الضيقة بدلا من السقوط فى اليأس والغضب على الآخرين وتوجيه الاتهامات لهم، ليتك تسرع وتلقى أتعابك عند قدمي المسيح، فهو يشعر بك، بل وقريب منك أكثر من أى وقت آخر، ومستعد لنجدتك.
ع١٥:
أمام الخوف من الموت، طلب المتقدمون من الشعب أمام عزيا أن يدعو كل من فى المدينة ليخرجوا إلى أليفانا ويسلموا أنفسهم له؛ فيصيروا عبيدا وأسرى، لينجوا من الموت.ع١٦:
شعر الشعب أن تسليم أنفسهم لأليفانا يهبهم الحياة وهذا أفضل؛ لأن الحياة أفضل مـن الموت، إذ يمكنهم أن يعبدوا الله ويباركوه بصلوات كثيرة وهم أحياء ولكن إن بقوا فى المديـنة سيموتون ويفقدون قدرتهم على الصلاة ويتعذبون برؤية أطفالهم ونسائهم تموت أمام أعينهم وفى النهاية سيموتون هم أيضا . فما أقسى الموت؛ لأن مواجهة الموت صعبة فعندما يشعر الإنسان بالموت يزحف ليسيطر عليه، يضطرب جدا، خاصة وإن كان يرى بعينيه موت أطفالـه؛ لأنهـم أعز عنده من نفسه، فيدافع عنهم بدافع غريزة الأمومة أو الأبوة، لدرجة أن بعض الناس يندفعون فيقتلون أبناءهم، حتى لا يروهم يموتون أمام أعينهم.ع١٧:أجلنا
: نهاية حياتنا.أوار العطش
: العطش الشديد جدا.ثم أكدوا على عزيا وشيوخ المدينة وحاولوا أن ينتزعوا منهم وعدا وقسما بتسليم المدينة ومـن فـيها لأليفانا وأعلنوا أنهم خطاة وأن ما يصيبهم من ضيق هو تأديب إلهى، بل قالوا أيضا، إن الموت السريع على يد أليفانا بالسيف، أفضل من الموت عطشا؛ لأن الموت السريع بالـسيف لا يعـذب الإنسان، مثل الموت البطيء بسبب العطش، أى أنهم فى جميع الأحوال مـصرين على تسليم أنفسهم للأشوريين، سواء استحيوهم، أم قتلوهم . وهذا يظهر مدى يأسهم وضعف إيمانهم.
ليت الضيقة تقودنا للتمسك بالله، وعلى قدر تعلقنا بالحياة الروحية نحتمل الضيقات المادية ونظل ثابتين على إيماننا، لا نقبل العبودية للخطية، أو تسليم حياتنا للشيطان، فالموت ونحن أنقياء أحرار من الخطية، أفضل من الحياة ونحن غارقون فى الشرور.
ع١٨-٢٢: عويل
: بكاء بصوت عالٍ.خاروا
: سقطوا على الأرض فى إعياء شديد.كلوا
: تعبوا.مـن يأس الشعب وصعوبة مواجهتهم للموت عطشا، أظهروا ضيقهم من عزيا واتهموه أنـه سـبب هلاكهـم وطالبوه بتسليم المدينة . ولكن كان إيمانهم مازال حيا وإن كان ضعيفا فالتجئوا إلى الله ملجأهم الوحيد بالصلاة والصراخ والدموع ساعات طويلة، بل كانوا يرددون صلوات جماعية بصوت واحد، تظهر وحدانية مشاعرهم وظهر فى صلواتهم الآتي :
١- توبـتهم واعترافهم بأخطائهم وأخطاء آبائهم . فالتوبة هى أول شيء نستدر به مراحم الله. وذكـرهم خطايـا آبائهم يرجع لاعتقاد خاطئ كان سائدا عند اليهود أن الأبناء يعاقبون بسبب خطايا آبائهم ولكن الله أوضح خطأ هذا الاعتقاد فى (خر١٨: ٢-٤).
٢- ترجيهم مراحم الله لتنقذهم من أعدائهم.
٣- حـيث أن أخطاءهم تستحق العقاب، فلو رأى الله معاقبتهم فليعاقبهم هو ولا يسلمهم إلـى أيدى أعدائهم . وهنا يتشبهون بداود النبى الذى قال "فلنسقط فى يد الرب؛ لأن مراحمه كثيرة ولا أسقط فى يد إنسان" (٢صم٢٤: ١٤).
٤- طلبهم أن ينقذهم الله ويتمجد فيهم، فتظهر قوة الله أمام كل الشعوب بدلا من أن يقال أن الله تـركهم إذا اقتحمهم أليفانا، ومن كثرة صراخهم وصلواتهم تعبوا فسكتوا فى الـنهاية وقلوبهم تتكلم بدلا من شفاههم وانتظروا مراحم الله ومعونته . وهكذا بالتوبة والإيمان والصلوات لله، واضعين رجائهم فيه وليس فى الآلهة الوثنية، استطاعوا أن يستدروا مراحم الله وقدموا جهادا كاملا حتى الموت.
ليتنا نلتجئ إلى الله قبل كل شئ لأنه ليس سواه يحبنا وقادر على خلاصنا. وطالما نتقدم بتوبة واتضاع أمامه، فحتما سننال مراحمه، حتى لو سمح بعقابنا، فهو رحيم ولا يتركنا نهلك وفى النهاية يتمجد اسم الله فينا.
ع٢٣-٢٥:
وأخيرا تكلم عزيا رئيس المدينة والمسئول عن قيادة هذا الشعب.وهـنا تظهر القيادة الحكيمة، فلم يضطرب من اتهامهم له، أو يغضب عليهم وشاركهم مشاعرهم وصلواتهم وصراخهم ودموعهم، وشعر بمسئوليته، فوقف معهم يطمئنهم إلى وجود الله. ثم أخذ قرارا روحيا أفضل مما طلبوه، إذ طلب منهم الانتظار خمسة أيام، فى صلوات؛ ليـروا تدخل الله وإنقاذه لهم، بدلا من أن يسلم المدينة فى الحال كطلبهم . وإن لم يتدخل الله، فبعد خمسة أيام يسلم المدينة.
ولعله استأذنهم فى الانتظار خمسة أيام؛ لعلمه أن كمية الماء القليلة فى المدينة يمكن أن تكفـيهم خمسة أيام وبهذا يظهر مدى تمسك عزيا بالاحتمال حتى أقصى ما يستطيع الشعب، فهو جهاد حتى الموت، أى إلى أقصى ما يمكن من الجهاد، كما يعلمنا العهد الجديد أن نجاهد حتى الدم (عب١٢: ٤)
ما أجمل أن تتحمل مسئوليتك، سواء كرب أسرة، أو كخادم فى الكنيسة، أو كمسئول فى أى عمل، فتعتنى بمن معك وتحتمل أخطاءهم وتشجعهم وتوجههم توجيها روحي ا. واهتم أيضا بحياتك الروحية؛ لتنمو قامتك الروحية وإيمانك، فتستطيع أن تقوم بمهام خدمتك ومسئوليتك. وعلى قدر القامة الروحية للخادم يستطيع أن يوجه ويقود شعبه روحيا.
فواضح أن عزيا ذو قامة روحية أكبر من شعبه. ولو أنه ستظهر بعد ذلك قامة روحية أكبر ليهوديت، ليس فقط عن الشعب، بل عن كل شيوخ المدينة وعن عزيا نفسه.