بعد أن أكمل المسيح تعاليمه فى السهل دخل مدينة كفرناحوم، وهى من أكبر الـبلاد فى الجليل شمال بلاد اليهود، ليظهر التطبيق العملى لوصاياه فى المحبة والتحنن على الآخرين.
ع٢
:
قائد المئـة
: رتبة فى الجيش الرومانى مسئُول عن قيادة مائة جندى وكان له عبد أُصيب بمرض شديد كاد يودى بحياته، يذكر متى أنه فالج أى مشلول. وتميز القائد بمحبته لعبيـده، وهنـا يعالج القديس لوقا مشكلة العبودية التى كانت سائدة وقتذاك، ويظهر فيها التسلط والقسوة، أمـا هنا فيعلن لنا الوضع المثالى فى محبة السيد لعبيده، كما ينبغى أن تكون محبة رب البيت لخدمـه، أو الرئيس لمرؤسيه، والتى تظهر فى إهتمام خاص لا يقل عن محبة الأب لأولاده. قائد المئة الأممى يطلب من المسيح شفاء عبده، وسنرى ترحيب المسيح بذلك بل ومدحه للأمم لأنهم أولاده. وقد اهتم القديس لوقا بهذه القصة لأنه يكتب للأمم.
ع٣:
شعر قائد المئة بعدم استحقاقه لمقابلة المسيح لأنه أممى، فأرسل شـيوخ اليهـود، أى قادتهم، ليشفعوا له أمام المسيح حتى يشفى عبده. وهنا تظهر أهمية الشفاعة، والتى تحمل فى طياتها إتضاع المتشفع مما يفرح قلب الله، ويظهـر أيضاً إيمان هذا القائد بقدرة المسيح على الشفاء. كما تظهر محبة هذا القائد لعبده بإرسال شـيوخ اليهود للمسيح.
ع٤-٥:
تشفع شيوخ اليهود أمام المسيح، مترجين منه أن يأتى ليشفى العبد، مع أن قائـد المئة لم يطلب منهم إتيان المسيح، بل فقط شفاء العبد. وأظهروا إستحقاق هذا القائد أن ينال بركة شفاء عبده من يد المسيح لامتلاء قلبه بالمحبة ليس فقط للوثنيين مثله بل لليهود أيضا، فقد بنى لهـم مجمعا فى كفرناحوم لقراءة الكتب المقدسة والعظات الروحية والصلوات. † المحبة تعطيك نعمة فى أعين الكل وتفتح لك الأبواب المغلقة، فساعد من حولك قدر ما تستطيع.
ع٦-٧:
تحرك المسيح مع شيوخ اليهود متجها نحو بيت القائد، وعندما إقترب إليه وعلـم بذلك القائد، أرسل أصدقاءه إلى المسيح ليوضحوا طلبه، فهو لم يقصد أن يأتى المسيح إليه لأنه غير مستحق لذلك، ولأنه يعلم أن ناموس اليهود يقضى بأن اليهودى إذا دخل إلى بيت أممى يتـنجس إلى المساء، لذا فهو فقط يترجى أن يأمر المسيح فيُشفى العبد. وهنا يتضح الفرق بين إيمان القائد وإيمان الشيوخ، فهو يثق أن كلمة المسيح كافية للشـفاء، أما الشيوخ فآمنوا أن لمسة يد المسيح تشفى. ويذكر أنجيل متى أن قائد المئة قابل المسيح (ولكنـه يقصد مقابلة أصدقاءه للمسيح)، فهم يمثلونه ويتكلمون كلامه.
ع٨:
يشرح القائد إيمانه بأن كلمة المسيح كافية للشفاء، لأنه بحكم وظيفته يعلم أن أوامره كافية لتحريك الجنود التابعين له حتى يؤدوا الأعمال المطلوبة منهم. لذلك كان يؤمن أن المسـيح قادر بسلطانه أن يأمر المرض فيذهب عن عبده، وهذا إيمان واضح بلاهوت المسيح.
ع٩:
مجّد المسيح إيمان هذا القائد، وعظَّمه عن إيمان اليهود أنفسهم، الذى هو مرسل إليهم، وهذا التمجيد يعلن محبة المسيح واهتمامه بخلاص العالم كله. وأمر بشفاء العبد كما يفهم من الآية التالية.
ع١٠:
عاد أصدقاء القائد ومعهم شيوخ اليهود إلى البيت بعد انصراف المسيح، فوجـدوا العبد الذى كاد يموت قد تعافى، ففرحوا بعمل الله.
بعد شفاء غلام قائد المئة، الذى يرمز إلى الإهتمام بخلاص الأمم ومحبة الغرباء، انتقل المسيح من كفرناحوم قاصدا قرية نايين التى تبعد عنها ٢٥ ميلا، وكان معه عدد كبير من تلاميذه والجموع المحبة لسماع تعاليمه. وقصد الله من اصطحاب هذا الجمع أن يريهم معجـزة عظيمـة لتثبيت إيمانهم، وهى إقامة ميت.
ع١٢:
اعتاد اليهود دفن موتاهم خارج المدن، لعدم الإصابة بالأمراض وعـدم التـنجس منهم. وقد مات إبن وحيد لأمه، وهى أرملة، فكان حزنها شديدا لأنها بعد فقد عائلـها ، وهـو زوجها، مات أيضا رجاؤها، وهو إبنها، وتعاطفت القلوب معها، فخرج عدد كبير مـن المدينـة لتعزيتها ومساندتها. وهى ترمز للنفس التى فقدت عريسها، وهو الله، ثم فقدت حياتها ونفسها، التى هى إبنها الوحيد. فإهتمام المسيح بها هو إهتمام بالنفس الضعيفة التى بلا سند أو رجاء.
ع١٣
أظهر المسيح حنانه لهذه المرأة بكلمات تطمئنها حتى لا تبكى، ولكنـه لم يكتـفِ بالكلام مثل البشر، ولكن صحبه بالعمل الإيجابى بإقامة الميت. † حاول أن تقرن كلامك الطيب بأعمال تساعد بها الآخرين فى إحتياجاتهم وضيقاتهم.
ع١٤:
من هيبة المسيح عندما لمس النعش، وقف الحاملون إذ فهموا أنه يريد شيئا، ثم أمـر بسلطان لاهوته الشاب الميت ليقوم. فهو القيامة والحياة، القادر أن يهب الخلاص والحياة لكل من سيطرت عليه الخطية وأفقدته القدرة على الحياة الروحية، ولأن المرأة ضعيفة جدا والشاب ميـت غير قادر على طلب شئ من الله، بادر المسيح وعمل المعجزة دون أن يسأله أحد.
†
ثق أن الله يحبك ويسد احتياجاتك حتى لو لم تطلبه، فكم بالأحرى لو طلبته وألححت عليه.
ع١٥:
قام الميت وجلس، وأظهر أنه استرد حياته بأن تحدث مع الجمع، ولعله شكر المسيح ومجد الله. وذُهِلَ الكل ومنهم أمه مما حدث، فساعدها المسيح بأن قرب الشاب إلى أحضانها. فهو الله القادر وحده أن يعيد الحياة لكل نفس حزينة ويائسة مثل هذه المرأة.
ع١٦:
من قوة المعجزة، شعرت الجموع بمخافة الله، وتذكروا الأنبياء إيليا وإليشع اللـذين أقاما موتى، فمجدوا الله إذ رأوا فى المسيح نبيا مثل الأنبياء الأولين، مع أن المسيح أمـر الشـاب بسلطان لاهوته فقام فى الحال، أما الأنبياء فطلبوا من الله وأقاموا الموتى.
ع١٧:
لعظمة المعجزة، انتشر خبرها فى كل البلاد اليهودية المحيطة.
تحدث يوحنا مع تلاميذه عن المسيح وأعماله وتعاليمه ليربطهـم بمحبتـه، ثم سألهم هل يا ترى هل هو المسيح المنتظر، فلم يعرفوا الإجابة، فقال لهم لنرسل إثنين منكم يسـألاه صراحة هل هو المسيا؟ فذهب إثنان إلى المسيح وسألاه كما أمرهما يوحنا. وقد كان يوحنا متأكدا أنه المسيح إذ أعلن له الروح القدس عند عماده، ولكنه كان يقصد أن يعلن ذلك لتلاميذه ليتبعـوا المسيح. وهذا يظهر اتضاع المعمدان وإخلاءه لذاته. † هل تقبل أن يُكرم غيرك ولا تكرم أنت؟ وهل تسعى لتقديم الآخرين فى الكرامه عنك؟
ع٢١-٢٢:
عندما وصل التلميذان إلى المسيح، رأياه يشفى كثيرين من المرضى (أدواء = أمراض أو عيوب) ويخرج الشياطين، وسمعا من الجموع أخبار معجزاته مثل إقامة إبن أرملة نايين. فلما سألا يسوع لم يجبها بنعم أولا، لكن قدم الدليل الواضح على أنه المسيا من خلال الأعمـال المعجزية التى يعملها والتى تنبأ عنها الأنبياء أن المسيا سيصنعها، وهى شفاء المرضى وإقامة المـوتى وتبشير المساكين بالخلاص الذى سيقدمه المسيا.
ع٢٣
نبه المسيح التلميذين وكل السامعين، حتى لا يشكوا فيه بسبب وجوده فى الجسد أو آلامه المقبلة وموته، فهو الله القادر على كل شئ بدليل معجزاته، وإن كان يحتمل بإتضاع وجوده فى الجسد وآلامه وموته فذلك لأجل خلاص البشرية.
ع٢٤-٢٦:
بعد انصراف تلميذى يوحنا، وتأكدهما أن هذا هو المسيا المنتظر من معجزاته الكثيرة، انتهز المسيح هذه الفرصة وبدأ يحدث الجموع عن يوحنا المعمدان، فسألهم عن شخصـيته ومركزه، وتخيل مع الجموع عند خروجهم إلى البرية يجدون بعض أعواد القصب البرى تتمايل مع الرياح، وسأل هل يوحنا مجرد شخص عادى يحيا فى البرية مثل قصبة ضمن أعواد القصب البرى، فينفى عن يوحنا هذا التشبيه، أى قصبة تحركها الريح، فهو ليس إنسانا مهتزا فى أفكاره ومبادئه بل قويا وثابتا. ثم يتساءل المسيح عن يوحنا أيضاً عندما خرجت الجموع إلى البرية، هل يا ترى لتنظر إنساناً مرفهاً منشغلاً بتنعمات الحياة التى يشير إليها بالثياب الناعمة؟.. وينفى المسيح بشـدة هـذا لأن المتنعمين يعيشون فى قصور الملوك التى فى المدن وليس فى تقشف البرية، مظهراً بهذا زهد المعمدان. ثم يتساءل للمرة الثالثة عن يوحنا الإنسان المتميز الذى يعيش فى زهد البرية، هل هـو نـبى لأجل تعاليمه القوية ونسكه؟.. ويرد المسيح قائلاً أنه أعظم من الأنبياء العاديين المعـروفين عنـد اليهود. † لا تكن مجرد إنسان يعيش فى العالم يأكل ويشرب ويعمل الأعمال المادية العالمية وتحركه تيارات العالم. بل أنت نور للعالم وملح للأرض... صورة للمسيح فى كل كلامك وأعمالك.
ع٢٧:
يشير المسيح إلى نبوة ملاخى (٣: ١)، التى تحدثت عن يوحنا كملاك، أى رسول يعد الطريق لبشارة المسيح وفدائه.
ع٢٨:
يعلن المسيح أن المعمدان ليس فقط نبيا عظيما، بل أعظم رجال العهد القـديم. ثم يضيف حقيقة جديدة وهو سمو نعمة العهد الجديد عن حياة الناموس فى العهد القـديم، إذ ينـال المسيحيون فى الكنيسة الأسرار المقدسة ويعمل الروح القدس أيضا فى وسائط النعمة بشكل أكـبر تمنى أبناء العهد القديم أن يروا ويعاينوا هذه الأمجاد، فأصغر مؤمن فى الكنيسة يملك الله على قلبـه ويمتعه بنعمته أعظم مما ناله أبناء العهد القديم بما فيهم يوحنا المعمدان. وهناك رأى آخر، أن المقصود بالأصغر هو المسيح، الذى هو أصغر من يوحنا بستة أشـهر، فهو أعظم من يوحنا وكل البشر.
ع٢٩:
ثم يتحدث المسيح عن شعبيه المعمدان، ويشير إليها بجميع الشعب أى عموم الناس، وحتى أكثر الخطاة مثل العشارين، أعلنوا توبتهم ممجدين الله البار القدوس واحتياجهم لمعموديـة التوبة التى نالوها من يد يوحنا.
ع٣٠:
للأسف، لم يشذ عن إجماع الشعب إلا قادة الفكر الدينى اليهودى، وهم الفريسيون والناموسيون المتمسكون بالشريعة حرفيا، فتكبروا وتباهوا بمعلوماتهم وتنفيذهم الحـرفى للنـاموس فرفضوا التوبة ومعمودية يوحنا أى صوت الله ومشورته التى أرسلها إليهم على فم المعمدان.
ع٣١-٣٢:
رفض الفريسيون التوبة ومعمودية يوحنا وكذلك تعاليم المسيح، فقدم يسوع لهم مثلا توضيحيا ليبين لهم شناعة رفضهم والجهل الذى يسقطون فيه. فكأنمـا أولادا يلعبـون فى سوق البلدة قسموا أنفسهم فرقتين، إحداهما تغنى لعل الأخرى تفرح وترقص ولكنها لم تتـأثر، ثم حاولت نفس الفرقة أن تنوح حتى تبكى الفرقة الأخرى فلم تتأثر أيضا، أى رفضت التجاوب مع الفرح أو الحزن. والمقصود هنا بالأغانى، التعاليم الروحية المفرحة، أى بشارة العهد الجديـد الـتى قدمها المسيح لترقص عليها القلوب فرحا برقص روحى وليس جسدانى، أما النوح فهـو تعـاليم المعمدان الصارمة التى تدعو الناس للتوبة والبكاء على خطاياهم.
ع٣٣:
رفض اليهود تعاليم يوحنا المعمدان واعتبروه شريرا به شيطان، من أجـل نسـكه الشديد مع أنه عاش حياة التقشف ليعلن بطلان العالم وأهمية التوبة والحياة مع الله.
ع٣٤:
على العكس، عاش المسيح فى المدينة يأكل ويشرب مثل باقى المحيطين به، ويحيا بالبر فى حياة عادية كالبشر العاديين ليسهل لهم إمكانية الحياة الروحية، ويختلط بالكل حـتى الخطـاة والعشارين فرفض الفريسيون تعاليمه أيضا بسبب عدم نسكه بل تطاولوا عليه، ووصفوه بأنه محب للطعام والشراب ويحب الإختلاط بالخطاة لأنه خاطئ.
ع٣٥
أما الحكمة الحقيقية، أى أقنوم الكلمة المتجسد، فلم يتمجد ويتبرر إلا من التـائبين بمعمودية يوحنا والمؤمنين بالمسيح، فبنى الحكمة هم أولاد الله المؤمنين به. † لا تسرع إلى الإدانة، بل انتبه لصوت الله الذى تسمعه وتتعلمه من الآخرين مهمـا اختلفـت شخصياتهم.
لأهمية هذا الجزء تضعه الكنيسة فى صلاتها اليومية فى الخدمة الثانية من صلاة نصف الليل بالأجبية، لأجل المعانى الروحية العميقة التى يحتاجها كل من يسهر ويهتم بحياته الروحية. لم تكن عداوة الفريسيين للمسيح قد زادت فى بداية خدمته، ففكر هذا الفريسى أن يتعرف على شخصيته لذا دعاهُ إلى وليمة فى بيته، ولم يرفض المسيح وإنتهزها كفرصة للخدمة والتبشير.
ع٣٧:
كانت هذه المرأة مشهورة بخطيتها، التى غالبا كانت الزنا، فأتـت دون دعـوة إلى بيت الفريسي لتقدم محبتها للمسيح الذى سمعت عنه، وقد تكون رأته وسمعته قبلاً، وحملت معهـا زجاجة رائحة طيبة. وهذه طبعﹰا غير مريم أخت لعازر، التى سكبت الطيب على المسيح فى بيـت عنيا بجوار أورشليم، لأن المكان هنا فى الجليل والمرأة هنا خاطئة واعترض الحاضرون على اقترابهـا من المسيح لخطيتها، أما مريم أخت لعازر فاعترض عليها الحاضرون لارتفاع قيمة الطيب وأحقيـة الفقراء به أكثر من المسيح. وهنا فى بيت سمعان الفريسى أما الأخرى فكانـت فى بيـت سمعـان الأبرص (مت٢٦: ٦-١٣؛ مر١٤: ٣-٥؛ يو١٢: ٣-٨)
ع٣٨:
أعتاد اليهود فى الولائم أن يجلس كل واحد على سرير أو أريكة (كنبه أو دكـة) وهم يأكلون على المائدة، فتوضع هذه الأسره حول المائدة ويتكئ الإنسان بمرفق ذراعه الأيسر على المائدة ورأسه يستند على كفه الأيسر ويأكل بيده اليمنى، أما رجلاه فتمتد أمامه على السرير، وإذ يثنى ركبتيه تكون قدماه خلفه وليس فى اتجاه المائدة. فعندما دخلت هذه المرأة، اتجهت نحو المسيح ووقفت أمام القدمين، ثم ركعت وبدأت تبكى فى توبة عن خطاياها الكـثيرة إذ شـعرت بعـدم استحقاقها للدنو من المسيح البار، ولكثرة دموعها بللت قدميه. فهى هنا ترمز للنفس التائبة، الـتى تريد أن تعرف طريق الحياة الجديدة من خلال خطوات أقدام المسيح، بل تريده أن يدخل ويسـير داخل قلبها، وعندما يتسخ بأوساخ خطاياها تقدم دموع توبتها ليقبلها الله ويزيـل عنـها كـل شرورها. إن هذه الدموع تشير إلى ماء المعمودية، الذى يغسل كل دنس الإنسان، ودموع التوبـة فى سر الإعتراف التى تنزع الخطية. ولم تجد المرأة أغلى من تاج رأسها، أى شعرها، لتمسح به قدمى المسـيح ، معلنـة تذللـها وإتضاعها أمامه، فتاجها هو قدمى المسيح. وتحركت أشواق حبها نحو المسيح، الذى تثق بمحبته وغفرانه وحنانه فأخذت تقبل قدميه. وعبرت أيضاً عن حبها بسكب الطيب على قدميه ودهنهما به، إذ لم تشعر باسـتحقاقها أن تسكبه على رأسه كعادة اليهود فى استقبال ضيوفهم، بل باتضاع دهنت به قدميه. † إن قدمت توبتك باتضاع وإيمان وحب تنال غفران خطاياك، بل تكريم المسيح لك. حاسـب نفسك كل يوم عن خطاياك لترجع بالتوبة المتضعة، وتتحرك مشاعر حبـك نحـو الله فتنـال مراحمه.إذ رأى الفريسى هذه المرأة الخاطئة تلمس المسيح، وغالباً كانت زانية كمـا ذكرنـا، لأن خطيتها معروفة فى المدينة، ولم يجد إعتراضاً من المسيح مع أن هذا مخالف للشريعة والعرف السائد بابتعاد الأبرار عن الأشرار، قال فى نفسه أن المسيح شخص عادى، لأنه لو كان نبياً لعلـم أنهـا خاطئة ورفض أن تلمسه، متناسياً أمراً أهم وهو أن المسيا المنتظر سيأتى ليخلص الخطـاة ولـيس ليبعدهم عنه، وأن الخطاة إذا تابوا ولمسوه يطهرون من نجاستهم.
†
لا تتسرع فى الحكم على الآخرين، وارفع قلبك فى صلاة قصيرة ليرشدك الله فتـرى جميـع جوانب الموضوع وتنكشف لك الحقيقة.
ع٤٠:
علم المسيح ما فى فكر سمعان، وهذا يثبت لاهوته، ولكنه لم يحرجه بإعلان مـا فى فكره، بل بلطف استأذنه أن يقول له شيئا أى يوضح له خطأه، ولكن من خلال مثل عملى يقرب الفكرة الروحية إلى ذهنه. † إن أساء إليك الآخرون لا تغضب، ولكن بلطف تستطيع أن تقنعهم وتكسبهم.
ع٤١:
الدائن هو الله، والمديونان أحدهما مديونيته عشرة أضعاف الآخر، ويقصد بصاحب الدين الكبير المرأة الخاطئة لكثرة خطاياها المعروفة فى المدينة، وصاحب الدين الصغير هـو سمعـان الفريسى لأنه تمسك بالشريعة ولكنه سقط فى الكبرياء والإدانة والتقصير فى واجبات الضيافة.
ع٤٢:
إذ وجد صاحب المال عجز المديونين عن سداد ديونهما، سامحهما بمحبـة ، فكـل البشر عاجزون عن إيفاء ديونهم نحو الله لسقوط الكل فى الخطية. ثم سأل المسيح سمعان: يا ترى َمَن من المديونين يحب ويشعر بمحبة صاحب المال أكثر من غيره؟
ع٤٣:
أجاب سمعان إجابة، وهى أن صاحب الدين الأكبر سيشعر بتسامح ومحبة صاحب المال أكثر من الآخر، فيحبه لأجل جميله العظيم معه. فمدح المسيح إجابته.
ع٤٤:
بعد المثل التمهيدى، عقد المسيح مقارنة بين محبة الفريسى ومحبـة المـرأة الخاطئـة للمسيح، ليظهر عظمتها وتميزها. فقال لسمعان إن من واجبات الضيافة غسل أقدام الضـيف لأن المشى بنعال مفتوحة، أى صنادل، فى أرض ترابية لابد أن يجعل الأقدام متسخة، فأول شئ يحتاجه الضيف هو غسل قدميه. ولكن سمعان لم يفعل ذلك، أما المرأة فقد غسلت قدمى المسيح، ليس بماء بل بما هو أعظم وهو دموع توبتها، ومسحتهما ليس بمنشفة عادية بل بتاج رأسها، وهو شـعرها ،فقد أكملت نقص الفريسى وتقصيره فى واجبات الضيافة بمحبتها المتميزة.
ع٤٥:
من واجبات الضيافة إظهار المحبة بتقبيل الضيف فى رأسه أو خده، وهذا أيضا قصّر فيه سمعان، فأكملته هذه المرأة بإتضاع شديد بتقبيلها لقدمى المسيح، ليس فقط قبلة واحـدة بـل قبلات كثيرة تعلن عن محبتها وأشواقها.
ع٤٦:
من واجبات الضيافة أيضا دهن رأس الضيف بزيت، أى طيب ذى رائحة عطـرة ، فينعشه، وهذا أيضا لم يفعله سمعان وفعلته هذه المرأة، إذ سكبت الطيب على قدمى المسيح باتضاع. فأغلى ما عندها تقدمه عند قدميه، لأنها تشعر بعدم استحقاقها أن تضعه على رأسه كما هو معتاد.
ع٤٧:
من أجل هذه المحبة المتميزة للمرأة الخاطئة، منحها الله غفرانا كـبيرا يزيـل عنـها خطاياها الكثيرة. أما من كانت محبته قليلة مثل سمعان، الذى اقتصر على عمل وليمـة للمسـيح وكبرياؤه عطلة عن الإيمان به، فلن يغفر له إلا قليلاﹰ من خطاياه. † الله يقدر محبتك حتى لو كانت قليلة مثل سمعان، ومستعد أن يبارك حياتك وبيتك بدخولـه إليهما. ولكن إن كانت لك محبة كبيرة مثل المرأة الخاطئة، فمهما كانت خطاياك تغفر كلـها. فسمعان لم يتبرر من خطاياه، بل مجرد نال بركة من المسيح، أما المرأة فنالت غفرانـا كـاملا وتمجيدا من المسيح.
ع٤٨:
أعلن المسيح، بسلطان لاهوته، غفران كل خطايا هذه المرأة، لتشتهر فيما بعـد فى المدينة وكل العالم ليس بخطاياها بل بمحبتها العظيمة التى نالت بها غفرانا كاملا.
ع٤٩:
اعترض المتكئون، وهم من الفريسيين أصدقاء سمعان، بكبرياء على غفران المسـيح للمـرأة، محتقرين كلامه، لأن الذى له سلطان الغفران هو الله وحده أما يسوع ففى نظرهم مجرد إنسان عادى ولا حتى نبى. فكبرياؤهم منعهم من فهم مثل المديونين وما أظهره المسيح من محبة هذه المرأة له. † إحترس من الكبرياء، فإنه يعمى القلب، فيعجز الإنسان عن فهم كلام الله وإرشاداته المرسـلة على فم المحيطين.
ع٥٠:
إذ لم يفهم الفريسيون، بارك المسيح المرأة، معلنا عظمة إيمانها الـذى عجـز عنـه الفريسيون، والذى ظهر عمليا فى دموع توبتها واتضاعها عند قدميه، ومحبتها فى الطيب المسكوب، فنالت غفرانا وخلاصا، واستحقت أن يمتلئ قلبها سلاما تمضى وتكمل به حياتها. † الإيمان العملى المرتبط بالتوبة والإتضاع والحب هو الذى يخلصك، وليس مجرد الإيمان النظرى الذى يشاركك فيه الشياطين.
الأصحاح السابع
عبد قائد المئة - إبن أرملة نايين - الحديث عن المعمدان - الخاطئة فى بيت الفريسى
(١) شفاء عبد قائد المئة (ع١ -١٠):
١ وَلَمَّا أَكْمَلَ أَقْوَالَهُ كُلَّهَا فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ دَخَلَ كَفْرَنَاحُومَ. ٢ وَكَانَ عَبْدٌ لِقَائِدِ مِئَةٍ، مَرِيضاً مُشْرِفاً عَلَى الْمَوْتِ، وَكَانَ عَزِيزاً عِنْدَهُ. ٣ فَلَمَّا سَمِعَ عَنْ يَسُوعَ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ شُيُوخَ الْيَهُودِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَأْتِيَ وَيَشْفِيَ عَبْدَهُ. ٤ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَى يَسُوعَ طَلَبُوا إِلَيْهِ بِاجْتِهَادٍ قَائِلِينَ:«إِنَّهُ مُسْتَحِقٌ أَنْ يُفْعَلَ لَهُ هذَا، ٥ لأَنَّهُ يُحِبُّ أُمَّتَنَا، وَهُوَ بَنَى لَنَا الْمَجْمَعَ». ٦ فَذَهَبَ يَسُوعُ مَعَهُمْ. وَإِذْ كَانَ غَيْرَ بَعِيدٍ عَنِ الْبَيْتِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ قَائِدُ الْمِئَةِ أَصْدِقَاءَ يَقُولُ لَهُ:«يَا سَيِّدُ، لاَ تَتْعَبْ. لأَنِّي لَسْتُ مُسْتَحِقّاً أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي. ٧ لِذلِكَ لَمْ أَحْسِبْ نَفْسِي أَهْلاً أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ. لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَيَبْرَأَ غُلاَمِي. ٨ لأَنِّي أَنَا أَيْضاً إِنْسَانٌ مُرَتَّبٌ تَحْتَ سُلْطَانٍ، لِي جُنْدٌ تَحْتَ يَدِي. وَأَقُولُ لِهذَا: اذْهَبْ! فَيَذْهَبُ، وَلآخَرَ: ائْتِ! فَيَأْتِي، وَلِعَبْدِي: افْعَلْ هذَا! فَيَفْعَلُ». ٩ وَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ هذَا تَعَجَّبَ مِنْهُ، وَالْتَفَتَ إِلَى الْجَمْعِ الَّذِي يَتْبَعُهُ وَقَالَ:«أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَاناً بِمِقْدَارِ هذَا!». ١٠ وَرَجَعَ الْمُرْسَلُونَ إِلَى الْبَيْتِ، فَوَجَدُوا الْعَبْدَ الْمَرِيضَ قَدْ صَحَّ.
ع١:
بعد أن أكمل المسيح تعاليمه فى السهل دخل مدينة كفرناحوم، وهى من أكبر الـبلاد فى الجليل شمال بلاد اليهود، ليظهر التطبيق العملى لوصاياه فى المحبة والتحنن على الآخرين.ع٢
:قائد المئـة
: رتبة فى الجيش الرومانى مسئُول عن قيادة مائة جندى وكان له عبد أُصيب بمرض شديد كاد يودى بحياته، يذكر متى أنه فالج أى مشلول. وتميز القائد بمحبته لعبيـده، وهنـا يعالج القديس لوقا مشكلة العبودية التى كانت سائدة وقتذاك، ويظهر فيها التسلط والقسوة، أمـا هنا فيعلن لنا الوضع المثالى فى محبة السيد لعبيده، كما ينبغى أن تكون محبة رب البيت لخدمـه، أو الرئيس لمرؤسيه، والتى تظهر فى إهتمام خاص لا يقل عن محبة الأب لأولاده.قائد المئة الأممى يطلب من المسيح شفاء عبده، وسنرى ترحيب المسيح بذلك بل ومدحه للأمم لأنهم أولاده. وقد اهتم القديس لوقا بهذه القصة لأنه يكتب للأمم.
ع٣:
شعر قائد المئة بعدم استحقاقه لمقابلة المسيح لأنه أممى، فأرسل شـيوخ اليهـود، أى قادتهم، ليشفعوا له أمام المسيح حتى يشفى عبده.وهنا تظهر أهمية الشفاعة، والتى تحمل فى طياتها إتضاع المتشفع مما يفرح قلب الله، ويظهـر أيضاً إيمان هذا القائد بقدرة المسيح على الشفاء. كما تظهر محبة هذا القائد لعبده بإرسال شـيوخ اليهود للمسيح.
ع٤-٥:
تشفع شيوخ اليهود أمام المسيح، مترجين منه أن يأتى ليشفى العبد، مع أن قائـد المئة لم يطلب منهم إتيان المسيح، بل فقط شفاء العبد. وأظهروا إستحقاق هذا القائد أن ينال بركة شفاء عبده من يد المسيح لامتلاء قلبه بالمحبة ليس فقط للوثنيين مثله بل لليهود أيضا، فقد بنى لهـم مجمعا فى كفرناحوم لقراءة الكتب المقدسة والعظات الروحية والصلوات.† المحبة تعطيك نعمة فى أعين الكل وتفتح لك الأبواب المغلقة، فساعد من حولك قدر ما تستطيع.
ع٦-٧:
تحرك المسيح مع شيوخ اليهود متجها نحو بيت القائد، وعندما إقترب إليه وعلـم بذلك القائد، أرسل أصدقاءه إلى المسيح ليوضحوا طلبه، فهو لم يقصد أن يأتى المسيح إليه لأنه غير مستحق لذلك، ولأنه يعلم أن ناموس اليهود يقضى بأن اليهودى إذا دخل إلى بيت أممى يتـنجس إلى المساء، لذا فهو فقط يترجى أن يأمر المسيح فيُشفى العبد.وهنا يتضح الفرق بين إيمان القائد وإيمان الشيوخ، فهو يثق أن كلمة المسيح كافية للشـفاء، أما الشيوخ فآمنوا أن لمسة يد المسيح تشفى. ويذكر أنجيل متى أن قائد المئة قابل المسيح (ولكنـه يقصد مقابلة أصدقاءه للمسيح)، فهم يمثلونه ويتكلمون كلامه.
ع٨:
يشرح القائد إيمانه بأن كلمة المسيح كافية للشفاء، لأنه بحكم وظيفته يعلم أن أوامره كافية لتحريك الجنود التابعين له حتى يؤدوا الأعمال المطلوبة منهم. لذلك كان يؤمن أن المسـيح قادر بسلطانه أن يأمر المرض فيذهب عن عبده، وهذا إيمان واضح بلاهوت المسيح.ع٩:
مجّد المسيح إيمان هذا القائد، وعظَّمه عن إيمان اليهود أنفسهم، الذى هو مرسل إليهم، وهذا التمجيد يعلن محبة المسيح واهتمامه بخلاص العالم كله. وأمر بشفاء العبد كما يفهم من الآية التالية.ع١٠:
عاد أصدقاء القائد ومعهم شيوخ اليهود إلى البيت بعد انصراف المسيح، فوجـدوا العبد الذى كاد يموت قد تعافى، ففرحوا بعمل الله.(٢) إقامة إبن أرملة نايين (ع١١ -١٧):
١١ وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي ذَهَبَ إِلَى مَدِينَةٍ تُدْعَى نَايِينَ، وَذَهَبَ مَعَهُ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ وَجَمْعٌ كَثِيرٌ. ١٢ فَلَمَّا اقْتَرَبَ إِلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، إِذَا مَيْتٌ مَحْمُولٌ، ابْنٌ وَحِيدٌ لأُمِّهِ، وَهِيَ أَرْمَلَةٌ وَمَعَهَا جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ. ١٣ فَلَمَّا رَآهَا الرَّبُّ تَحَنَّنَ عَلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا:«لاَ تَبْكِي». ١٤ ثُمَّ تَقَدَّمَ وَلَمَسَ النَّعْشَ، فَوَقَفَ الْحَامِلُونَ. فَقَالَ: «أَيُّهَا الشَّابُّ، لَكَ أَقُولُ: قُمْ!». ١٥ فَجَلَسَ الْمَيْتُ وَابْتَدَأَ يَتَكَلَّمُ، فَدَفَعَهُ إِلَى أُمِّهِ. ١٦ فَأَخَذَ الْجَمِيعَ خَوْفٌ، وَمَجَّدُوا اللهَ قَائِلِينَ:«قَدْ قَامَ فِينَا نَبِيٌّ عَظِيمٌ، وَافْتَقَدَ اللهُ شَعْبَهُ». ١٧ وَخَرَجَ هذَا الْخَبَرُ عَنْهُ فِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَفِي جَمِيعِ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ.
ع١١:
بعد شفاء غلام قائد المئة، الذى يرمز إلى الإهتمام بخلاص الأمم ومحبة الغرباء، انتقل المسيح من كفرناحوم قاصدا قرية نايين التى تبعد عنها ٢٥ ميلا، وكان معه عدد كبير من تلاميذه والجموع المحبة لسماع تعاليمه. وقصد الله من اصطحاب هذا الجمع أن يريهم معجـزة عظيمـة لتثبيت إيمانهم، وهى إقامة ميت.ع١٢:
اعتاد اليهود دفن موتاهم خارج المدن، لعدم الإصابة بالأمراض وعـدم التـنجس منهم. وقد مات إبن وحيد لأمه، وهى أرملة، فكان حزنها شديدا لأنها بعد فقد عائلـها ، وهـو زوجها، مات أيضا رجاؤها، وهو إبنها، وتعاطفت القلوب معها، فخرج عدد كبير مـن المدينـة لتعزيتها ومساندتها. وهى ترمز للنفس التى فقدت عريسها، وهو الله، ثم فقدت حياتها ونفسها، التى هى إبنها الوحيد. فإهتمام المسيح بها هو إهتمام بالنفس الضعيفة التى بلا سند أو رجاء.ع١٣
أظهر المسيح حنانه لهذه المرأة بكلمات تطمئنها حتى لا تبكى، ولكنـه لم يكتـفِ بالكلام مثل البشر، ولكن صحبه بالعمل الإيجابى بإقامة الميت.† حاول أن تقرن كلامك الطيب بأعمال تساعد بها الآخرين فى إحتياجاتهم وضيقاتهم.
ع١٤:
من هيبة المسيح عندما لمس النعش، وقف الحاملون إذ فهموا أنه يريد شيئا، ثم أمـر بسلطان لاهوته الشاب الميت ليقوم. فهو القيامة والحياة، القادر أن يهب الخلاص والحياة لكل من سيطرت عليه الخطية وأفقدته القدرة على الحياة الروحية، ولأن المرأة ضعيفة جدا والشاب ميـت غير قادر على طلب شئ من الله، بادر المسيح وعمل المعجزة دون أن يسأله أحد.†
ثق أن الله يحبك ويسد احتياجاتك حتى لو لم تطلبه، فكم بالأحرى لو طلبته وألححت عليه.ع١٥:
قام الميت وجلس، وأظهر أنه استرد حياته بأن تحدث مع الجمع، ولعله شكر المسيح ومجد الله. وذُهِلَ الكل ومنهم أمه مما حدث، فساعدها المسيح بأن قرب الشاب إلى أحضانها. فهو الله القادر وحده أن يعيد الحياة لكل نفس حزينة ويائسة مثل هذه المرأة.ع١٦:
من قوة المعجزة، شعرت الجموع بمخافة الله، وتذكروا الأنبياء إيليا وإليشع اللـذين أقاما موتى، فمجدوا الله إذ رأوا فى المسيح نبيا مثل الأنبياء الأولين، مع أن المسيح أمـر الشـاب بسلطان لاهوته فقام فى الحال، أما الأنبياء فطلبوا من الله وأقاموا الموتى.ع١٧:
لعظمة المعجزة، انتشر خبرها فى كل البلاد اليهودية المحيطة.(٣) حديث المسيح عن يوحنا المعمدان (ع١٨ - ٣٥):
١٨ فَأَخْبَرَ يُوحَنَّا تَلاَمِيذُهُ بِهذَا كُلِّهِ. ١٩ فَدَعَا يُوحَنَّا اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى يَسُوعَ قَائِلاً:«أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟» ٢٠ فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهِ الرَّجُلاَنِ قَالاَ:«يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ قَدْ أَرْسَلَنَا إِلَيْكَ قَائِلاً: أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟» ٢١ وَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ شَفَى كَثِيرِينَ مِنْ أَمْرَاضٍ وَأَدْوَاءٍ وَأَرْوَاحٍ شِرِّيرَةٍ، وَوَهَبَ الْبَصَرَ لِعُمْيَانٍ كَثِيرِينَ. ٢٢ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُماَ: «اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا رَأَيْتُمَا وَسَمِعْتُمَا: إِنَّ الْعُمْيَ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجَ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصَ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمَّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينَ يُبَشَّرُونَ. ٢٣ وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ». ٢٤ فَلَمَّا مَضَى رَسُولاَ يُوحَنَّا، ابْتَدَأَ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ عَنْ يُوحَنَّا:«مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ؟ ٢٥ بَلْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَإِنْسَاناً لاَبِساً ثِيَاباً نَاعِمَة؟ً هُوَذَا الَّذِينَ فِي اللِّبَاسِ الْفَاخِرِ وَالتَّنَعُّمِ هُمْ فِي قُصُورِ الْمُلُوكِ. ٢٦ بَلْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيّا؟ً نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ: وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ! ٢٧ هذَا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ! ٢٨ لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ لَيْسَ نَبِيٌّ أَعْظَمَ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ أَعْظَمُ مِنْهُ». ٢٩ وَجَمِيعُ الشَّعْبِ إِذْ سَمِعُوا وَالْعَشَّارُونَ بَرَّرُوا اللهَ مُعْتَمِدِينَ بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا. ٣٠ وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ وَالنَّامُوسِيُّونَ فَرَفَضُوا مَشُورَةَ اللهِ مِنْ جِهَةِ أَنْفُسِهِمْ، غَيْرَ مُعْتَمِدِينَ مِنْهُ. ٣١ ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ:«فَبِمَنْ أُشَبِّهُ أُنَاسَ هذَا الْجِيلِ؟ وَمَاذَا يُشْبِهُونَ؟ ٣٢ يُشْبِهُونَ أَوْلاَداً جَالِسِينَ فِي السُّوقِ يُنَادُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَيَقُولُونَ: زَمَّرْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَرْقُصُوا. نُحْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَبْكُوا. ٣٣ لأَنَّهُ جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ لاَ يَأْكُلُ خُبْزاً وَلاَ يَشْرَبُ خَمْراً، فَتَقُولُونَ: بِهِ شَيْطَانٌ. ٣٤ جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، فَتَقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ، مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ. ٣٥ وَالْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ جَمِيعِ بَنِيهَا».
ع١٨-٢٠:
تحدث يوحنا مع تلاميذه عن المسيح وأعماله وتعاليمه ليربطهـم بمحبتـه، ثم سألهم هل يا ترى هل هو المسيح المنتظر، فلم يعرفوا الإجابة، فقال لهم لنرسل إثنين منكم يسـألاه صراحة هل هو المسيا؟ فذهب إثنان إلى المسيح وسألاه كما أمرهما يوحنا. وقد كان يوحنا متأكدا أنه المسيح إذ أعلن له الروح القدس عند عماده، ولكنه كان يقصد أن يعلن ذلك لتلاميذه ليتبعـوا المسيح. وهذا يظهر اتضاع المعمدان وإخلاءه لذاته.† هل تقبل أن يُكرم غيرك ولا تكرم أنت؟ وهل تسعى لتقديم الآخرين فى الكرامه عنك؟
ع٢١-٢٢:
عندما وصل التلميذان إلى المسيح، رأياه يشفى كثيرين من المرضى (أدواء = أمراض أو عيوب) ويخرج الشياطين، وسمعا من الجموع أخبار معجزاته مثل إقامة إبن أرملة نايين. فلما سألا يسوع لم يجبها بنعم أولا، لكن قدم الدليل الواضح على أنه المسيا من خلال الأعمـال المعجزية التى يعملها والتى تنبأ عنها الأنبياء أن المسيا سيصنعها، وهى شفاء المرضى وإقامة المـوتى وتبشير المساكين بالخلاص الذى سيقدمه المسيا.ع٢٣
نبه المسيح التلميذين وكل السامعين، حتى لا يشكوا فيه بسبب وجوده فى الجسد أو آلامه المقبلة وموته، فهو الله القادر على كل شئ بدليل معجزاته، وإن كان يحتمل بإتضاع وجوده فى الجسد وآلامه وموته فذلك لأجل خلاص البشرية.ع٢٤-٢٦:
بعد انصراف تلميذى يوحنا، وتأكدهما أن هذا هو المسيا المنتظر من معجزاته الكثيرة، انتهز المسيح هذه الفرصة وبدأ يحدث الجموع عن يوحنا المعمدان، فسألهم عن شخصـيته ومركزه، وتخيل مع الجموع عند خروجهم إلى البرية يجدون بعض أعواد القصب البرى تتمايل مع الرياح، وسأل هل يوحنا مجرد شخص عادى يحيا فى البرية مثل قصبة ضمن أعواد القصب البرى، فينفى عن يوحنا هذا التشبيه، أى قصبة تحركها الريح، فهو ليس إنسانا مهتزا فى أفكاره ومبادئه بل قويا وثابتا.ثم يتساءل المسيح عن يوحنا أيضاً عندما خرجت الجموع إلى البرية، هل يا ترى لتنظر إنساناً مرفهاً منشغلاً بتنعمات الحياة التى يشير إليها بالثياب الناعمة؟.. وينفى المسيح بشـدة هـذا لأن المتنعمين يعيشون فى قصور الملوك التى فى المدن وليس فى تقشف البرية، مظهراً بهذا زهد المعمدان.
ثم يتساءل للمرة الثالثة عن يوحنا الإنسان المتميز الذى يعيش فى زهد البرية، هل هـو نـبى لأجل تعاليمه القوية ونسكه؟.. ويرد المسيح قائلاً أنه أعظم من الأنبياء العاديين المعـروفين عنـد اليهود.
† لا تكن مجرد إنسان يعيش فى العالم يأكل ويشرب ويعمل الأعمال المادية العالمية وتحركه تيارات العالم. بل أنت نور للعالم وملح للأرض... صورة للمسيح فى كل كلامك وأعمالك.
ع٢٧:
يشير المسيح إلى نبوة ملاخى (٣: ١)، التى تحدثت عن يوحنا كملاك، أى رسول يعد الطريق لبشارة المسيح وفدائه.ع٢٨:
يعلن المسيح أن المعمدان ليس فقط نبيا عظيما، بل أعظم رجال العهد القـديم. ثم يضيف حقيقة جديدة وهو سمو نعمة العهد الجديد عن حياة الناموس فى العهد القـديم، إذ ينـال المسيحيون فى الكنيسة الأسرار المقدسة ويعمل الروح القدس أيضا فى وسائط النعمة بشكل أكـبر تمنى أبناء العهد القديم أن يروا ويعاينوا هذه الأمجاد، فأصغر مؤمن فى الكنيسة يملك الله على قلبـه ويمتعه بنعمته أعظم مما ناله أبناء العهد القديم بما فيهم يوحنا المعمدان.وهناك رأى آخر، أن المقصود بالأصغر هو المسيح، الذى هو أصغر من يوحنا بستة أشـهر، فهو أعظم من يوحنا وكل البشر.
ع٢٩:
ثم يتحدث المسيح عن شعبيه المعمدان، ويشير إليها بجميع الشعب أى عموم الناس، وحتى أكثر الخطاة مثل العشارين، أعلنوا توبتهم ممجدين الله البار القدوس واحتياجهم لمعموديـة التوبة التى نالوها من يد يوحنا.ع٣٠:
للأسف، لم يشذ عن إجماع الشعب إلا قادة الفكر الدينى اليهودى، وهم الفريسيون والناموسيون المتمسكون بالشريعة حرفيا، فتكبروا وتباهوا بمعلوماتهم وتنفيذهم الحـرفى للنـاموس فرفضوا التوبة ومعمودية يوحنا أى صوت الله ومشورته التى أرسلها إليهم على فم المعمدان.ع٣١-٣٢:
رفض الفريسيون التوبة ومعمودية يوحنا وكذلك تعاليم المسيح، فقدم يسوع لهم مثلا توضيحيا ليبين لهم شناعة رفضهم والجهل الذى يسقطون فيه. فكأنمـا أولادا يلعبـون فى سوق البلدة قسموا أنفسهم فرقتين، إحداهما تغنى لعل الأخرى تفرح وترقص ولكنها لم تتـأثر، ثم حاولت نفس الفرقة أن تنوح حتى تبكى الفرقة الأخرى فلم تتأثر أيضا، أى رفضت التجاوب مع الفرح أو الحزن. والمقصود هنا بالأغانى، التعاليم الروحية المفرحة، أى بشارة العهد الجديـد الـتى قدمها المسيح لترقص عليها القلوب فرحا برقص روحى وليس جسدانى، أما النوح فهـو تعـاليم المعمدان الصارمة التى تدعو الناس للتوبة والبكاء على خطاياهم.ع٣٣:
رفض اليهود تعاليم يوحنا المعمدان واعتبروه شريرا به شيطان، من أجـل نسـكه الشديد مع أنه عاش حياة التقشف ليعلن بطلان العالم وأهمية التوبة والحياة مع الله.ع٣٤:
على العكس، عاش المسيح فى المدينة يأكل ويشرب مثل باقى المحيطين به، ويحيا بالبر فى حياة عادية كالبشر العاديين ليسهل لهم إمكانية الحياة الروحية، ويختلط بالكل حـتى الخطـاة والعشارين فرفض الفريسيون تعاليمه أيضا بسبب عدم نسكه بل تطاولوا عليه، ووصفوه بأنه محب للطعام والشراب ويحب الإختلاط بالخطاة لأنه خاطئ.ع٣٥
أما الحكمة الحقيقية، أى أقنوم الكلمة المتجسد، فلم يتمجد ويتبرر إلا من التـائبين بمعمودية يوحنا والمؤمنين بالمسيح، فبنى الحكمة هم أولاد الله المؤمنين به.† لا تسرع إلى الإدانة، بل انتبه لصوت الله الذى تسمعه وتتعلمه من الآخرين مهمـا اختلفـت شخصياتهم.
(٤) المرأة الخاطئة فى بيت الفريسى (ع٣٦ - ٥٠):
٣٦ وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ الْفَرِّيسِيِّ وَاتَّكَأَ. ٣٧ وَإِذَا امْرَأَةٌ فِي الْمَدِينَةِ كَانَتْ خَاطِئَةً، إِذْ عَلِمَتْ أَنَّهُ مُتَّكِئٌ فِي بَيْتِ الْفَرِّيسِيِّ، جَاءَتْ بِقَارُورَةِ طِيبٍ ٣٨ وَوَقَفَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ بَاكِيَةً، وَابْتَدَأَتْ تَبُلُّ قَدَمَيْهِ بِالدُّمُوعِ، وَكَانَتْ تَمْسَحُهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا، وَتُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَتَدْهَنُهُمَا بِالطِّيبِ. ٣٩ فَلَمَّا رَأَى الْفَرِّيسِيُّ الَّذِي دَعَاهُ ذلِكَ، تَكَلَّمَ فِي نَفْسِهِ قِائِلاً:«لَوْ كَانَ هذَا نَبِيّاً، لَعَلِمَ مَنْ هذِهِ الامَرْأَةُ الَّتِي تَلْمِسُهُ وَمَا هِيَ! إِنَّهَا خَاطِئَةٌ». ٤٠ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«يَاسِمْعَانُ، عِنْدِي شَيْءٌ أَقُولُهُ لَكَ». فَقَالَ:«قُلْ، يَامُعَلِّمُ». ٤١ «كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ. ٤٢ وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعاً. فَقُلْ: أَيُّهُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ حُبّاً لَهُ؟» ٤٣ فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَالَ:«أَظُنُّ الَّذِي سَامَحَهُ بِالأَكْثَرِ». فَقَالَ لَهُ:«بِالصَّوَابِ حَكَمْتَ». ٤٤ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَرْأَةِ وَقَالَ لِسِمْعَانَ:«أَتَنْظُرُ هذِهِ الْمَرْأَةَ؟ إِنِّي دَخَلْتُ بَيْتَكَ، وَمَاءً لأَجْلِ رِجْلَيَّ لَمْ تُعْطِ. وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ بِالدُّمُوعِ وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا. ٤٥ قُبْلَةً لَمْ تُقَبِّلْنِي، وَأَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ رِجْلَيَّ. ٤٦ بِزَيْتٍ لَمْ تَدْهُنْ رَأْسِي، وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ دَهَنَتْ بِالطِّيبِ رِجْلَيَّ. ٤٧ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَقُولُ لَكَ: قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الْكَثِيرَةُ، لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيراً. وَالَّذِي يُغْفَرُ لَهُ قَلِيلٌ يُحِبُّ قَلِيلا»ً. ٤٨ ثُمَّ قَالَ لَهَا:«مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ». ٤٩ فَابْتَدَأَ الْمُتَّكِئُونَ مَعَهُ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ:«مَنْ هذَا الَّذِي يَغْفِرُ خَطَايَا أَيْضا؟»ً. ٥٠ فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ:«إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ».
ع٣٦:
لأهمية هذا الجزء تضعه الكنيسة فى صلاتها اليومية فى الخدمة الثانية من صلاة نصف الليل بالأجبية، لأجل المعانى الروحية العميقة التى يحتاجها كل من يسهر ويهتم بحياته الروحية.لم تكن عداوة الفريسيين للمسيح قد زادت فى بداية خدمته، ففكر هذا الفريسى أن يتعرف على شخصيته لذا دعاهُ إلى وليمة فى بيته، ولم يرفض المسيح وإنتهزها كفرصة للخدمة والتبشير.
ع٣٧:
كانت هذه المرأة مشهورة بخطيتها، التى غالبا كانت الزنا، فأتـت دون دعـوة إلى بيت الفريسي لتقدم محبتها للمسيح الذى سمعت عنه، وقد تكون رأته وسمعته قبلاً، وحملت معهـا زجاجة رائحة طيبة. وهذه طبعﹰا غير مريم أخت لعازر، التى سكبت الطيب على المسيح فى بيـت عنيا بجوار أورشليم، لأن المكان هنا فى الجليل والمرأة هنا خاطئة واعترض الحاضرون على اقترابهـا من المسيح لخطيتها، أما مريم أخت لعازر فاعترض عليها الحاضرون لارتفاع قيمة الطيب وأحقيـة الفقراء به أكثر من المسيح. وهنا فى بيت سمعان الفريسى أما الأخرى فكانـت فى بيـت سمعـان الأبرص (مت٢٦: ٦-١٣؛ مر١٤: ٣-٥؛ يو١٢: ٣-٨)ع٣٨:
أعتاد اليهود فى الولائم أن يجلس كل واحد على سرير أو أريكة (كنبه أو دكـة) وهم يأكلون على المائدة، فتوضع هذه الأسره حول المائدة ويتكئ الإنسان بمرفق ذراعه الأيسر على المائدة ورأسه يستند على كفه الأيسر ويأكل بيده اليمنى، أما رجلاه فتمتد أمامه على السرير، وإذ يثنى ركبتيه تكون قدماه خلفه وليس فى اتجاه المائدة. فعندما دخلت هذه المرأة، اتجهت نحو المسيح ووقفت أمام القدمين، ثم ركعت وبدأت تبكى فى توبة عن خطاياها الكـثيرة إذ شـعرت بعـدم استحقاقها للدنو من المسيح البار، ولكثرة دموعها بللت قدميه. فهى هنا ترمز للنفس التائبة، الـتى تريد أن تعرف طريق الحياة الجديدة من خلال خطوات أقدام المسيح، بل تريده أن يدخل ويسـير داخل قلبها، وعندما يتسخ بأوساخ خطاياها تقدم دموع توبتها ليقبلها الله ويزيـل عنـها كـل شرورها.إن هذه الدموع تشير إلى ماء المعمودية، الذى يغسل كل دنس الإنسان، ودموع التوبـة فى سر الإعتراف التى تنزع الخطية.
ولم تجد المرأة أغلى من تاج رأسها، أى شعرها، لتمسح به قدمى المسـيح ، معلنـة تذللـها وإتضاعها أمامه، فتاجها هو قدمى المسيح.
وتحركت أشواق حبها نحو المسيح، الذى تثق بمحبته وغفرانه وحنانه فأخذت تقبل قدميه.
وعبرت أيضاً عن حبها بسكب الطيب على قدميه ودهنهما به، إذ لم تشعر باسـتحقاقها أن تسكبه على رأسه كعادة اليهود فى استقبال ضيوفهم، بل باتضاع دهنت به قدميه.
† إن قدمت توبتك باتضاع وإيمان وحب تنال غفران خطاياك، بل تكريم المسيح لك. حاسـب نفسك كل يوم عن خطاياك لترجع بالتوبة المتضعة، وتتحرك مشاعر حبـك نحـو الله فتنـال مراحمه.إذ رأى الفريسى هذه المرأة الخاطئة تلمس المسيح، وغالباً كانت زانية كمـا ذكرنـا، لأن خطيتها معروفة فى المدينة، ولم يجد إعتراضاً من المسيح مع أن هذا مخالف للشريعة والعرف السائد بابتعاد الأبرار عن الأشرار، قال فى نفسه أن المسيح شخص عادى، لأنه لو كان نبياً لعلـم أنهـا خاطئة ورفض أن تلمسه، متناسياً أمراً أهم وهو أن المسيا المنتظر سيأتى ليخلص الخطـاة ولـيس ليبعدهم عنه، وأن الخطاة إذا تابوا ولمسوه يطهرون من نجاستهم.
†
لا تتسرع فى الحكم على الآخرين، وارفع قلبك فى صلاة قصيرة ليرشدك الله فتـرى جميـع جوانب الموضوع وتنكشف لك الحقيقة.ع٤٠:
علم المسيح ما فى فكر سمعان، وهذا يثبت لاهوته، ولكنه لم يحرجه بإعلان مـا فى فكره، بل بلطف استأذنه أن يقول له شيئا أى يوضح له خطأه، ولكن من خلال مثل عملى يقرب الفكرة الروحية إلى ذهنه.† إن أساء إليك الآخرون لا تغضب، ولكن بلطف تستطيع أن تقنعهم وتكسبهم.
ع٤١:
الدائن هو الله، والمديونان أحدهما مديونيته عشرة أضعاف الآخر، ويقصد بصاحب الدين الكبير المرأة الخاطئة لكثرة خطاياها المعروفة فى المدينة، وصاحب الدين الصغير هـو سمعـان الفريسى لأنه تمسك بالشريعة ولكنه سقط فى الكبرياء والإدانة والتقصير فى واجبات الضيافة.ع٤٢:
إذ وجد صاحب المال عجز المديونين عن سداد ديونهما، سامحهما بمحبـة ، فكـل البشر عاجزون عن إيفاء ديونهم نحو الله لسقوط الكل فى الخطية. ثم سأل المسيح سمعان: يا ترى َمَن من المديونين يحب ويشعر بمحبة صاحب المال أكثر من غيره؟ع٤٣:
أجاب سمعان إجابة، وهى أن صاحب الدين الأكبر سيشعر بتسامح ومحبة صاحب المال أكثر من الآخر، فيحبه لأجل جميله العظيم معه. فمدح المسيح إجابته.ع٤٤:
بعد المثل التمهيدى، عقد المسيح مقارنة بين محبة الفريسى ومحبـة المـرأة الخاطئـة للمسيح، ليظهر عظمتها وتميزها. فقال لسمعان إن من واجبات الضيافة غسل أقدام الضـيف لأن المشى بنعال مفتوحة، أى صنادل، فى أرض ترابية لابد أن يجعل الأقدام متسخة، فأول شئ يحتاجه الضيف هو غسل قدميه. ولكن سمعان لم يفعل ذلك، أما المرأة فقد غسلت قدمى المسيح، ليس بماء بل بما هو أعظم وهو دموع توبتها، ومسحتهما ليس بمنشفة عادية بل بتاج رأسها، وهو شـعرها ،فقد أكملت نقص الفريسى وتقصيره فى واجبات الضيافة بمحبتها المتميزة.ع٤٥:
من واجبات الضيافة إظهار المحبة بتقبيل الضيف فى رأسه أو خده، وهذا أيضا قصّر فيه سمعان، فأكملته هذه المرأة بإتضاع شديد بتقبيلها لقدمى المسيح، ليس فقط قبلة واحـدة بـل قبلات كثيرة تعلن عن محبتها وأشواقها.ع٤٦:
من واجبات الضيافة أيضا دهن رأس الضيف بزيت، أى طيب ذى رائحة عطـرة ، فينعشه، وهذا أيضا لم يفعله سمعان وفعلته هذه المرأة، إذ سكبت الطيب على قدمى المسيح باتضاع.فأغلى ما عندها تقدمه عند قدميه، لأنها تشعر بعدم استحقاقها أن تضعه على رأسه كما هو معتاد.
ع٤٧:
من أجل هذه المحبة المتميزة للمرأة الخاطئة، منحها الله غفرانا كـبيرا يزيـل عنـها خطاياها الكثيرة. أما من كانت محبته قليلة مثل سمعان، الذى اقتصر على عمل وليمـة للمسـيح وكبرياؤه عطلة عن الإيمان به، فلن يغفر له إلا قليلاﹰ من خطاياه.† الله يقدر محبتك حتى لو كانت قليلة مثل سمعان، ومستعد أن يبارك حياتك وبيتك بدخولـه إليهما. ولكن إن كانت لك محبة كبيرة مثل المرأة الخاطئة، فمهما كانت خطاياك تغفر كلـها. فسمعان لم يتبرر من خطاياه، بل مجرد نال بركة من المسيح، أما المرأة فنالت غفرانـا كـاملا وتمجيدا من المسيح.
ع٤٨:
أعلن المسيح، بسلطان لاهوته، غفران كل خطايا هذه المرأة، لتشتهر فيما بعـد فى المدينة وكل العالم ليس بخطاياها بل بمحبتها العظيمة التى نالت بها غفرانا كاملا.ع٤٩:
اعترض المتكئون، وهم من الفريسيين أصدقاء سمعان، بكبرياء على غفران المسـيح للمـرأة، محتقرين كلامه، لأن الذى له سلطان الغفران هو الله وحده أما يسوع ففى نظرهم مجرد إنسان عادى ولا حتى نبى. فكبرياؤهم منعهم من فهم مثل المديونين وما أظهره المسيح من محبة هذه المرأة له.† إحترس من الكبرياء، فإنه يعمى القلب، فيعجز الإنسان عن فهم كلام الله وإرشاداته المرسـلة على فم المحيطين.
ع٥٠:
إذ لم يفهم الفريسيون، بارك المسيح المرأة، معلنا عظمة إيمانها الـذى عجـز عنـه الفريسيون، والذى ظهر عمليا فى دموع توبتها واتضاعها عند قدميه، ومحبتها فى الطيب المسكوب، فنالت غفرانا وخلاصا، واستحقت أن يمتلئ قلبها سلاما تمضى وتكمل به حياتها.† الإيمان العملى المرتبط بالتوبة والإتضاع والحب هو الذى يخلصك، وليس مجرد الإيمان النظرى الذى يشاركك فيه الشياطين.