دعا أحد رؤساء الفريسيين المسيح إلى وليمة فى يوم السبت، وذلك ليس بغرض إكرامه بل ليمسك عليه خطأ فيشكك الشعب فيه أو يثير السلطة عليه، وقبل المسيح الدعوة لأنه لا يخاف من حيلهم، ولينتهز الفرصة لعمل الخير أو تعليمهم الحق؛ فهو يبحث عن خلاص الكل.
†
لا تنزعج من مكايد المحيطين بك فالله يحميك منهم، واستمر فى صنع الخير والمحبة معهم لأجل المسيح.
ع٢
: وجد يسوع أمامه شخصا مريضا بمرض الاستسقاء، وهو احتجاز كميات من الماء فى الجسم، فينتفخ ولا يستفيد من شرب الماء لأنه لا يصل إلى أعضائه بل يختزن بلا فائدة. ولعل هذا الإنسان قد سمع بمجئ المسيح فأتى ليشفى.
ع٣
:
الناموسيين
: هم المهتمون بتطبيق الناموس، وكانوا حاضرين فى بيت الرئيس الفريسى. علم المسيح ما فى قلوب الفريسيين والناموسيين من محاولة اصطياد خطأ عليه، فسألهم هـل يحل الإبراء فى السبت كعمل خير أم لا، ليعلمهم أن يوم الرب هو تفرغ من الأعمال المادية لنملأه بالعبادة وعمل الخير.
ع٤
:
أمسكه
ليعلن شفقته وحنانه عليه.
أطلقه
ليعود إلى بيته ويبعده عن توبيخات الفريسيين له بسبب شفائه فى يوم السبت. عجز الناموسيون عن أن يثبتوا من الناموس فكرهم السئ بعدم عمـل الخـير فى السـبت فصمتوا. ولم يتعطل المسيح بأفكارهم عن عمل الخير، فأمسك بالمريض وشفاه ثم أطلقـه متمتعـاً بالصحة والحرية من المرض.
ع٥-٦
: أكد لهم المسيح ضرورة عمل الخير فى السبت بدليل أن الناموس يقضى بأنـه إذا سقط ثور أحد أو حماره فى حفرة سينشله حتى لا يموت (تث٢٢: ٤)، فكم بـالأحرى النـاس، ينبغى أن نشفق عليهم ونساعدهم فى يوم السبت. وعجزوا أيضا عن الرد عليه لقوة حجته.
كان الفريسيون يشعرون أنهم أفضل من غيرهم، لذلك حرصوا على الجلوس فى موائد الولائم بالأماكن الرئيسية على صدر المائدة. فلكيما يعالج هذا الكبرياء فى كل الناس، والذى قـد يكون لاحظه فى عشاء هذا الفريسى الذى استضافه، قال المثال التالى.
ع٨-٩:
إذا دعيت إلى وليمة عرس، فلا تجلس فى أماكن الصدارة لئلا يأتى صاحب العرس ويطلب منك أن تترك هذا المكان لأن إنسانا ذا مركز أفضل قد حضر بعدك، فتخجـل وتتـرك المكان وتذهب إلى مكان أقل شرفا. فالإنسان إذا ظن أنه أفضل من غيره، سيأتى الرب بالمتضعين ويضعهم فى السماء مكانه، أما هو فيذهب بعيدا عكس ما كان يظن.
ع١٠:
نصح المسيح سامعيه أن يبحث الإنسان عن المتكأ الأخير باتضاع، إذ يشعر أنه أقلمن غيره، ولأن المسيح اتضع بتجسده وموته على الصليب. فإن أخذت الموضع الأقل، تجد المسيح بجوارك، أى تشعر بوجوده معك ويملأ قلبك. ولكن إن دعاك صاحب العـرس لمكـان أفضـل، فاشكره ولا مانع من اتخاذ المكان الأفضل، فتقبله كنعمة من الله لا تستحقها. وبالطبع لا تأخذ المكان الأخير بغرض أن يكرمك صاحب المكان أمـام الكـل، فيظهـر اتضاعك وتنتفخ متكبراً بفضيلة الإتضاع لأن هذا نفاق واتضاع مزيف. وتقديم صاحب العرس لك إلى مكان أفضل يعنى أن الله يكرمك ويمجدك أمام الخليقة كلـها فى يوم الدينونة.
ع١١:
أعلن المسيح الحقيقة واضحة، وهى أن المتكبر الذى يرفع نفسه يضعه الله إلى أسفل، أما من يسعى إلى الاتضاع، يرفعه الله ويكرمه. † الاتضاع والخفاء فى معاملاتك مع الآخرين ليس تنازلا عن مكان أفضل، بل هى حكمة روحية لأنه بعيدا عن العظمة الظاهرة أمام الناس، فتختبر المسيح وتشعر بوجوده معك. فأنت باتضاعك أحكم الناس لأنك تبحث عن أهم شئ وهو عشرة الله التى لا تعطى إلا للمتضعين. ولا تتضايق إن اهملك الناس وشعرت بالوحدة والعزلة، بل أطلب الله وانتهز هذه الفرصة لصلوات وقراءات أكثر، فيستعلن لك الله وتفرح به فرحا لا يعبر عنه.
وجه المسيح كلامه لمن يقيمون ولائم، أن لا يدعون أحباءهم العظماء حتى يكافئون بولائم مماثلة فى بيوتهم، وبهذا تصبح الولائم تجارة، إذ يأخذون مقابل ما يعطون، وليس فيهـا أى عطاء للمحتاجين. ولا تكون الولائم أيضا فرصة للتفاخر بكثرة الأطعمة وترتيبات الوليمة، فالذى يعمل هذا ينال أيضا أجره، وهو مديح الناس، وليس له أجر عند الله. ولكن ليس معنى هذا أن ولائم المحبة للأقارب والأصدقاء مرفوضة، إن كان غرضها هو المحبة والترابط والإحساس بوجود الله وسطهم.
ع١٣-١٤: الجُدع
: من قطعت أنفهم أو أحد أطرافهم، فهم مشوهون ومعوقـون عـن الأعمال العادية، وبالتالى فقراء.
قيامة الأبرار
أى اليوم الأخير حيث يكافأ الأبرار فى ملكوت السموات، ويُطرح الأشـرار فى العذاب الأبدى. نصح المسيح بإضافة المساكين سواء الضعفاء والمشوهين (الجُدع) أو العرج والعمى، وكـل إنسان يبدو فقيرﹰا أو أقل مقاما فى المجتمع، فهؤلاء غير قادرين على عمل ولائم مماثلة، وبهذا تكون وليمتك محبة بلا مقابل، فيعوضك الله عنها بالأجر السمائى، أى يكرمك ويضيفك فى ملكـوت السموات. † اهتم بالعطاء دون مقابل، أى لا ترجُ مقابل من كل من حولك فالأجر السمائى أفضل من كل مقابل أرضى. واخدم ليس فقط الفقراء ماديا، بل بالأحرى الضعفاء والمشوهين روحيا بكثـرة الخطايا، والعرج الذين لا يستطيعون السير فى طريق الملكوت، والعمى الذين لا يبصـرون الله لإنهماكهم فى شهوات العالم.
يبدو أن واحدا من الفريسيين أو اليهود قد فرح بكلام المسيح عن المكافأة السمائية لمن يضيف المساكين، فمدح من يأكل طعاما فى ملكوت السموات، لأن فكرته عن السماء كانت مادية، إذ يظن أن هناك أكلا وشربا مثلما فى العالم.
ع١٦: دعا
قبول الدعوة هو الاستعداد للحياة مع الله وليس هو الحياة نفسها، بـدليل أن كثيرين قد قبلوا الدعوة ولكن فى وقت التنفيذ رفضوا لأسباب كثيرة كما يحدث اليوم، إذ يعلـن كثيرون إيمانهم نظريا ولكن عند التطبيق العملى فى عبادة الله ومحبة الآخرين يعتـذرون بأسـباب مختلفة. أعطى المسيح بهذه المناسبة مثلاً عن الاستعداد للملكوت السماوى، وهو أن إنسـاناً صـنع عشاءً، ودعا إليه كثيرين. هذا
الإنسان
يرمز إلى الله، وقد صنع
عشاء
بموته على الصليب، وتقديم جسده ودمـه علـى المذبح كل يوم فى الكنيسة، الذى هو عربون الوليمة السمائية الروحيـة الـتى يهبـها لأولاده فى السماء.
ودعا كثيرين
، فهو مات لفداء العالم كله فهو "الذى يريد أن جميع الناس يخلصـون وإلى معرفة الحق يقبلون" (١تى٢: ٤).
ع١٧: عبده
: أى المسيح الذى أخذ صورة العبد بتجسده، وأتى يدعو البشر لوليمة جسده ودمه الأقدسين التى يتممها على الصليب. كما يرمز العبد أيضا للرسل الذين يـدعون النـاس إلى الكنيسة والإستعداد للملكوت.
كل شئ قد أعد
الكنيسة مفتوحة وفيها جسد الرب ودمه، وتنتظر المؤمنين ليتحدوا به.
ع١٨-٢٠: الجميع
يقصد أغلب المدعوين أولا، وهم اليهود شعب الله.
برأى واحد
: اتفقوا على إهمال الإيمان بالمسيح منشغلين بالماديات والكرامة.
خمسة أزواج بقر
ترمز للخمسة حواس أى الشهوات الحسية. عند دعوة المدعوين اعتذروا عن الحضور، فالله يدعونا للتوبة مرات كثيرة ونحن نرفض. وكانت الأعذار سخيفة جداً، فالأول اعتذر لأنه قد اشترى حقلاً ويريد أن ينظره، مـع أن فحص الحقول لا يكون ليلاً وقت العشاء. وهذا الأول يرمز للمنهمكين فى الأرضيات ومحبة القنية. أما الثانى، فاعتذر لشرائه خمسة أزواج بقر ويريد أن يمتحنها. وهذا أيضاً لا يتم وقت العشاء بل فى النهار، وهو يرمز للمنشغلين بالشهوات الجسدية. أما الثالث، فاعتذر لزواجه. وهو يرمز للمنشغلين بالعالم وارتباطاته. وهؤلاء الثلاثة يشيرون لمن يرفضون الله من اليهود لأن الله دعاهم أولاً فرفضوا، ثم دعا بعـد ذلك الأمم. † إفحص الأعذار التى تقولها لنفسك لتبرر ابتعادك عن الكنيسة والصلوات والخدمة، لئلا تكـون سخيفة وتفقدك الملكوت.
ع٢١:
غضب الله، صاحب العشاء، لرفض الفريسيين والكهنة ورؤساء اليهـود دعوتـه للخلاص، وأرسل يدعو عامة اليهود المساكين والبسطاء، وكذا الأمم إلى ملكوته، وجمعهم مـن أماكنهم الحقيرة فى الشوارع والأزقة ليرفعهم بحبه إلى السماء.
ع٢٢:
فعل العبيد، أى الرسل، كما أمرهم الله، ودخل الكثيرون من اليهود البسطاء والأمم إلى الإيمان، فأخبر الرسل الله بكل خدمتهم وبأنه يوجد مكان أيضا فى الملكوت، أى أن دم المسيح مقدم لخلاص الكل إن آمنوا.
ع٢٣-٢٤: الطرق والسياجات
أماكن خارج المدن وترمز للأمم البعيدين.
حتى يمتلئ بيتى
لأن الله يفرح بقبول كل المؤمنين فى ملكوته.
ليس واحد من أولئك الرجال المدعوين
السابق دعوتهم فى بداية المثل، ورفضوا الحضور للعشاء أى الحياة مع الله على الأرض، فهؤلاء ليس لهم مكان فى ملكوت السموات. أرسل الله خدامه مرة ثانية ليلزموا المساكن البعيدين عن الله، أى يشجعوهم ويسندوهم بقوة، إذ من فرط ضعفهم وقعوا فى اليأس ومحتاجين للمساندة، فهو يطلب خلاص كل البعيدين الذين لا يعرفون الطريق إلى الملكوت، أما العارفين الرافضين فالله يؤكد أنه لن يدخلهم إلى ملكوته. فـالله يشفق على الضعفاء والخطاة، يبحث عنهم ويسندهم ويدفعهم فى طريق الملكوت، ولكنه يكـره العناد والاستهتار واستباحة الخطية.
كان المسيح فى طريقه من الجليل إلى أورشليم، فكان أهل المدن والقرى يخرجون إليه ويتبعونه لسماع تعاليمه وشفاء أمراضهم. لكيما يقاوم المسيح السطحية فى حياة تابعيه، وضع شروطاً للخلاص وطالبنـا أن نراجـع أنفسنا عليها، فهى نفقات الحصول على الخلاص. فبالرغم أن الخلاص مجانى بدم المسيح، لكـن لا يهبه إلا للمجاهدين الروحيين. وأول شرط فى الجهاد الروحى هو أن نحب الله من كـل القلـب، ونحب أقاربنا وأحباءنا الذين وهبهم الله لنا، ولكن إن كانت محبتنا لأحد أو لأنفسنا تعطلنا عن الله فلنبغضها ونرفضها. فنحب الناس وأنفسنا من خلال الله ومن أجل الله الذى وهبنا إياها.
ع٢٧:
الشرط الثانى فى الجهاد الروحى هو حمل الصـليب، أى احتمـال الآلام لأجـل التمسك بالإيمان، وكذلك جهاد العبادة الروحية والخدمة وبهذا نصير تلاميذ المسيح.
ع٢٨-٣٠:
أعطى المسيح مثالا فى حساب النفقة، وهو أن إنسانا يريد أن يـبنى برجا فيحسب هل يملك تكاليف البناء، لئلا يضع الأساس ولا يستطيع استكمال البناء، فيهزأ به النـاس لأنه أضاع أمواله عبثا ولم يصل إلى شئ. فالإنسان الروحى الذى يريد أن يبنى برجاً، أى علاقة روحية تربطه بالسماء، ينبغى أن يضع الأساس وهو الإيمان بالمسيح، ويكون له استعداد للجهاد فى الصلوات والأصوام والتمسك بالوصايا والتوبة بانسحاق، حينئذ لا تهزأ به الشياطين أعداؤه. فمن يريد أن يتبع المسيح، يسأل نفسه هل هو مستعد ألا ينشغل بمحبـة نفسـه والتعلـق بالآخرين، وكذلك هل مستعد للتجرد واحتمال الآلام لأجل الإيمان؟! إن كان كذلك، فليتقدم بالثقة فى الحياة الروحية، ولكن من يتأثر بكلام المسيح ولكن قلبـه متعلق بمحبة العالم والتعلقات العاطفية التى تشغله عن الله، لن يستطيع استكمال طريقـة مـع الله. فدعوة المسيح لحساب النفقة ليس تخويفاً لتابعيه من صعوبة الطريق، لكن ليدفعهم حتى يسـتعدوا بوضعه هدفاً وحيداً لهم والإرتباط بمحبته، فيضمنوا الوصول للملكوت والتمتع بعشـرته المفرحـة دائماً.
ع٣١-٣٢:
المثل الآخر فى حساب النفقة هو ملك له جيش مكون مـن عشـرة آلاف جندى، سيحارب آخر قوامه عشرون ألف جندى، فينبغى أن يفكر أولا هل له إمكانيات الإنتصار أم يعقد صلحا حتى لا يتعرض للهزيمة والموت. والمقصود أن هذا الملك المحارب ينبغى أن يفحـص قوته، هل هو قادر على مواجهة جيش الأعداء؟ وكذلك أيضا من يريد أن يسير مع الله لـ يفحص استعداده لترك تعلقه بالماديات والبشر من أجل الله، حتى ينجح فى الإنتصار على كـل شـهواته وظروف الحياة المعاكسة ويضمن بالتالى الوصول للملكوت. ويرمز الملك المحارب ذو العشرة آلاف جندى إلى الإنسان الروحى، وعدد عشـرة يشـير للوصايا، والألف للسماء. فالإنسان الروحى يحارب بوصايا الله والتعلق بالأبدية، أما العدو وهـو الشيطان فيحارب بعشرين، وهى حرب تنقسم إلى قسمين: القسم الأول ويرمز إليه بعشـرة أى حرب كاملة تتمثل فى الضربات اليمينية وهى المبالغة فى العبادة وعمل الخـير بغـرض الكبريـاء، والقسم الثانى ويرمز إليه بالعشرة الثانية أى حرب كاملة أيضاً تتمثل فى الضربات اليسارية التى هى جميع أنواع الخطايا والشهوات. فإن شعر الإنسان إنه ضعيف، ينبغى أن يتصالح مع الله ليكون هو قوته فيغلب الشياطين، فهو يرسل شفاعة القديسين، أى السفارة، ويتوب عن خطاياه فيصطلح مع الله. ويمكن أيضاً أن يرمز الملك المحارب بالعشرة آلاف إلى الروح، والملك العدو الذى له عشرين ألف يرمز للجسد، فيفحص الإنسان نفسه هل الروح قوية وقادرة أن تنتصر على الجسد وتقوده فى طريق الحياة الروحية، وإلا يرسل سفاره أى يستشير أب إعتراف ويتصالح مع جسده بأخذ تداريب روحية أقل يستطيع الجسد احتمالها، ثم بالتدريج ينمو فى جهاده وتداريبه الروحية والروح والجسد متفقان ومتصالحان فى طريق الملكوت.
ع٣٣:
يضع المسيح الشرط الثالث فى الجهاد الروحى، وهو الإعتماد على الله وليس أموال العالم، فيتجرد منها الإنسان الروحى ويعطيها للمحتاجين، ولا ينزعج إذا خسر شيئا منها.
ع٣٤-٣٥: أذنان
يقصد أن يسمع بكلتى أذنيه، أى بكل إهتمام، ويقصد أيضا بـالأذنين الأذن الخارجية والأذن الداخلية فى القلب أى الفهم الروحى، ويعنى سماع كلامه وفهمه وتطبيقه فى الحياة. الملح يحفظ الطعام من الفساد ويعطيه مذاقاً حسناً، كذلك أبناء الله مسئولون عن إعلان الحق وعمل الخير وحفظ وصايا الله، ولكن إن فسد الملح (أولاد الله) بإختلاطـه بالعـالم والشـهوات ورفض حمل الصليب وكل جهاد روحى، سيفقد ملوحته وكل مميزاته، وحينئذ يكون بـلا نفـع فيُلقى فى العذاب الأبدى، أى يُدان أولاد الله الذين تركوا حياتهم الروحية وانهمكـوا فى العـالم فتكون دينونتهم أصعب. † إن كان الله قد كشف لنا شروط الخلاص، فينبغى أن نجاهد فيها واثقين من محبته التى تسندنا وتهبنا الملكوت.
الأصحاح الرابع عشر
شفاء المستسق - المتكأ الأخير - مثل عشاء السيد وحساب النفقة
(١) شفاء المستسق (ع١ -٦):
١ وَإِذْ جَاءَ إِلَى بَيْتِ أَحَدِ رُؤَسَاءِ الْفَرِّيسِيِّينَ فِي السَّبْتِ لِيَأْكُلَ خُبْزاً، كَانُوا يُرَاقِبُونَهُ. ٢ وَإِذَا إِنْسَانٌ مُسْتَسْق كَانَ قُدَّامَهُ. ٣ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَكَلَّمَ النَّامُوسِيِّينَ وَالْفَرِّيسِيِّينَ قِائِلاً:«هَلْ يَحِلُّ الإِبْرَاءُ فِي السَّبْتِ؟» ٤ فَسَكَتُوا. فَأَمْسَكَهُ وَأَبْرَأَهُ وَأَطْلَقَهُ. ٥ ثُمَّ أجَابَهم وَقَالَ:«مَنْ مِنْكُمْ يَسْقُطُ حِمَارُهُ أَوْ ثَوْرُهُ فِي بِئْرٍ وَلاَ يَنْشُلُهُ حَالاً فِي يَوْمِ السَّبْتِ؟» ٦ فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُجِيبُوهُ عَنْ ذلِكَ.
ع١:
دعا أحد رؤساء الفريسيين المسيح إلى وليمة فى يوم السبت، وذلك ليس بغرض إكرامه بل ليمسك عليه خطأ فيشكك الشعب فيه أو يثير السلطة عليه، وقبل المسيح الدعوة لأنه لا يخاف من حيلهم، ولينتهز الفرصة لعمل الخير أو تعليمهم الحق؛ فهو يبحث عن خلاص الكل.†
لا تنزعج من مكايد المحيطين بك فالله يحميك منهم، واستمر فى صنع الخير والمحبة معهم لأجل المسيح.ع٢
: وجد يسوع أمامه شخصا مريضا بمرض الاستسقاء، وهو احتجاز كميات من الماء فى الجسم، فينتفخ ولا يستفيد من شرب الماء لأنه لا يصل إلى أعضائه بل يختزن بلا فائدة.ولعل هذا الإنسان قد سمع بمجئ المسيح فأتى ليشفى.
ع٣
:الناموسيين
: هم المهتمون بتطبيق الناموس، وكانوا حاضرين فى بيت الرئيس الفريسى.علم المسيح ما فى قلوب الفريسيين والناموسيين من محاولة اصطياد خطأ عليه، فسألهم هـل يحل الإبراء فى السبت كعمل خير أم لا، ليعلمهم أن يوم الرب هو تفرغ من الأعمال المادية لنملأه بالعبادة وعمل الخير.
ع٤
:أمسكه
ليعلن شفقته وحنانه عليه.أطلقه
ليعود إلى بيته ويبعده عن توبيخات الفريسيين له بسبب شفائه فى يوم السبت.عجز الناموسيون عن أن يثبتوا من الناموس فكرهم السئ بعدم عمـل الخـير فى السـبت فصمتوا. ولم يتعطل المسيح بأفكارهم عن عمل الخير، فأمسك بالمريض وشفاه ثم أطلقـه متمتعـاً بالصحة والحرية من المرض.
ع٥-٦
: أكد لهم المسيح ضرورة عمل الخير فى السبت بدليل أن الناموس يقضى بأنـه إذا سقط ثور أحد أو حماره فى حفرة سينشله حتى لا يموت (تث٢٢: ٤)، فكم بـالأحرى النـاس، ينبغى أن نشفق عليهم ونساعدهم فى يوم السبت. وعجزوا أيضا عن الرد عليه لقوة حجته.(٢) المتكأ الأخير (ع٧ -١١):
٧ وَقَالَ لِلْمَدْعُوِّينَ مَثَلاً، وَهُوَ يُلاَحِظُ كَيْفَ اخْتَارُوا الْمُتَّكَآتِ الأُولَى قِائِلاً لَهُمْ: ٨ «مَتَى دُعِيتَ مِنْ أَحَدٍ إِلَى عُرْسٍ فَلاَ تَتَّكِئْ فِي الْمُتَّكَإِ الأَوَّلِ، لَعَلَّ أَكْرَمَ مِنْكَ يَكُونُ قَدْ دُعِيَ مِنْهُ. ٩ فَيَأْتِيَ الَّذِي دَعَاكَ وَإِيَّاهُ وَيَقُولَ لَكَ: أَعْطِ مَكَاناً لِهذَا. فَحِينَئِذٍ تَبْتَدِئُ بِخَجَل تَأْخُذُ الْمَوْضِعَ الأَخِيرَ. ١٠ بَلْ مَتَى دُعِيتَ فَاذْهَبْ وَاتَّكِئْ فِي الْمَوْضِعِ الأَخِيرِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ الَّذِي دَعَاكَ يَقُولُ لَكَ: يَا صَدِيقُ، ارْتَفِعْ إِلَى فَوْقُ. حِينَئِذٍ يَكُونُ لَكَ مَجْدٌ أَمَامَ الْمُتَّكِئِينَ مَعَكَ. ١١ لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ»
ع٧:
كان الفريسيون يشعرون أنهم أفضل من غيرهم، لذلك حرصوا على الجلوس فى موائد الولائم بالأماكن الرئيسية على صدر المائدة. فلكيما يعالج هذا الكبرياء فى كل الناس، والذى قـد يكون لاحظه فى عشاء هذا الفريسى الذى استضافه، قال المثال التالى.ع٨-٩:
إذا دعيت إلى وليمة عرس، فلا تجلس فى أماكن الصدارة لئلا يأتى صاحب العرس ويطلب منك أن تترك هذا المكان لأن إنسانا ذا مركز أفضل قد حضر بعدك، فتخجـل وتتـرك المكان وتذهب إلى مكان أقل شرفا. فالإنسان إذا ظن أنه أفضل من غيره، سيأتى الرب بالمتضعين ويضعهم فى السماء مكانه، أما هو فيذهب بعيدا عكس ما كان يظن.ع١٠:
نصح المسيح سامعيه أن يبحث الإنسان عن المتكأ الأخير باتضاع، إذ يشعر أنه أقلمن غيره، ولأن المسيح اتضع بتجسده وموته على الصليب. فإن أخذت الموضع الأقل، تجد المسيح بجوارك، أى تشعر بوجوده معك ويملأ قلبك. ولكن إن دعاك صاحب العـرس لمكـان أفضـل، فاشكره ولا مانع من اتخاذ المكان الأفضل، فتقبله كنعمة من الله لا تستحقها.وبالطبع لا تأخذ المكان الأخير بغرض أن يكرمك صاحب المكان أمـام الكـل، فيظهـر اتضاعك وتنتفخ متكبراً بفضيلة الإتضاع لأن هذا نفاق واتضاع مزيف.
وتقديم صاحب العرس لك إلى مكان أفضل يعنى أن الله يكرمك ويمجدك أمام الخليقة كلـها فى يوم الدينونة.
ع١١:
أعلن المسيح الحقيقة واضحة، وهى أن المتكبر الذى يرفع نفسه يضعه الله إلى أسفل، أما من يسعى إلى الاتضاع، يرفعه الله ويكرمه.† الاتضاع والخفاء فى معاملاتك مع الآخرين ليس تنازلا عن مكان أفضل، بل هى حكمة روحية لأنه بعيدا عن العظمة الظاهرة أمام الناس، فتختبر المسيح وتشعر بوجوده معك. فأنت باتضاعك أحكم الناس لأنك تبحث عن أهم شئ وهو عشرة الله التى لا تعطى إلا للمتضعين. ولا تتضايق إن اهملك الناس وشعرت بالوحدة والعزلة، بل أطلب الله وانتهز هذه الفرصة لصلوات وقراءات أكثر، فيستعلن لك الله وتفرح به فرحا لا يعبر عنه.
(٣) إضافة المساكين (ع١٢ - ١٤):
١٢ وَقَالَ أَيْضاً لِلَّذِي دَعَاهُ:«إِذَا صَنَعْتَ غَدَاءً أَوْ عَشَاءً فَلاَ تَدْعُ أَصْدِقَاءَكَ وَلاَ إِخْوَتَكَ وَلاَ أَقْرِبَاءَكَ وَلاَ الْجِيرَانَ الأَغْنِيَاءَ، لِئَلاَّ يَدْعُوكَ هُمْ أَيْضاً، فَتَكُونَ لَكَ مُكَافَاةٌ. ١٣ بَلْ إِذَا صَنَعْتَ ضِيَافَةً فَادْعُ: الْمَسَاكِينَ، الْجُدْعَ، الْعُرْجَ، الْعُمْيَ، ١٤ فَيَكُونَ لَكَ الطُّوبَى إِذْ لَيْسَ لَهُمْ حَتَّى يُكَافُوكَ، لأَنَّكَ تُكَافَى فِي قِيَامَةِ الأَبْرَارِ».
ع١٢:
وجه المسيح كلامه لمن يقيمون ولائم، أن لا يدعون أحباءهم العظماء حتى يكافئون بولائم مماثلة فى بيوتهم، وبهذا تصبح الولائم تجارة، إذ يأخذون مقابل ما يعطون، وليس فيهـا أى عطاء للمحتاجين. ولا تكون الولائم أيضا فرصة للتفاخر بكثرة الأطعمة وترتيبات الوليمة، فالذى يعمل هذا ينال أيضا أجره، وهو مديح الناس، وليس له أجر عند الله.ولكن ليس معنى هذا أن ولائم المحبة للأقارب والأصدقاء مرفوضة، إن كان غرضها هو المحبة والترابط والإحساس بوجود الله وسطهم.
ع١٣-١٤: الجُدع
: من قطعت أنفهم أو أحد أطرافهم، فهم مشوهون ومعوقـون عـن الأعمال العادية، وبالتالى فقراء.قيامة الأبرار
أى اليوم الأخير حيث يكافأ الأبرار فى ملكوت السموات، ويُطرح الأشـرار فى العذاب الأبدى.نصح المسيح بإضافة المساكين سواء الضعفاء والمشوهين (الجُدع) أو العرج والعمى، وكـل إنسان يبدو فقيرﹰا أو أقل مقاما فى المجتمع، فهؤلاء غير قادرين على عمل ولائم مماثلة، وبهذا تكون وليمتك محبة بلا مقابل، فيعوضك الله عنها بالأجر السمائى، أى يكرمك ويضيفك فى ملكـوت السموات.
† اهتم بالعطاء دون مقابل، أى لا ترجُ مقابل من كل من حولك فالأجر السمائى أفضل من كل مقابل أرضى. واخدم ليس فقط الفقراء ماديا، بل بالأحرى الضعفاء والمشوهين روحيا بكثـرة الخطايا، والعرج الذين لا يستطيعون السير فى طريق الملكوت، والعمى الذين لا يبصـرون الله لإنهماكهم فى شهوات العالم.
(٤) العشاء والمدعوين (ع١٥ - ٢٤):
١٥ فَلَمَّا سَمِعَ ذلِكَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُتَّكِئِينَ قَالَ لَهُ:«طُوبَى لِمَنْ يَأْكُلُ خُبْزاً فِي مَلَكُوتِ اللهِ». ١٦ فَقَالَ لَهُ:«إِنْسَانٌ صَنَعَ عَشَاءً عَظِيماً وَدَعَا كَثِيرِينَ، ١٧ وَأَرْسَلَ عَبْدَهُ فِي سَاعَةِ الْعَشَاءِ لِيَقُولَ لِلْمَدْعُوِّينَ: تَعَالَوْا لأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ أُعِدَّ. ١٨ فَابْتَدَأَ الْجَمِيعُ بِرَأْيٍ وَاحِدٍ يَسْتَعْفُونَ. قَالَ لَهُ الأَوَّلُ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ حَقْلاً، وَأَنَا مُضْطَرٌّ أَنْ أَخْرُجَ وَأَنْظُرَهُ. أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي. ١٩ وَقَالَ آخَرُ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْسَةَ أَزْوَاجِ بَقَرٍ، وَأَنَا مَاضٍ لأَمْتَحِنَهَا. أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي. ٢٠ وَقَالَ آخَرُ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ بِامْرَأَةٍ، فَلِذلِكَ لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَجِيءَ. ٢١ فَأَتَى ذلِكَ الْعَبْدُ وَأَخْبَرَ سَيِّدَهُ بِذلِكَ. حِينَئِذٍ غَضِبَ رَبُّ الْبَيْتِ، وَقَالَ لِعَبْدِهِ: اخْرُجْ عَاجِلاً إِلَى شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ وَأَزِقَّتِهَا، وَأَدْخِلْ إِلَى هُنَا الْمَسَاكِينَ وَالْجُدْعَ وَالْعُرْجَ وَالْعُمْيَ. ٢٢ فَقَالَ الْعَبْدُ: يَا سَيِّدُ، قَدْ صَارَ كَمَا أَمَرْتَ، وَيُوجَدُ أَيْضاً مَكَانٌ. ٢٣ فَقَالَ السَّيِّدُ لِلْعَبْدِ: اخْرُجْ إِلَى الطُّرُقِ وَالسِّيَاجَاتِ وَأَلْزِمْهُمْ بِالدُّخُولِ حَتَّى يَمْتَلِئَ بَيْتِي، ٢٤ لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْ أُولئِكَ الرِّجَالِ الْمَدْعُوِّينَ يَذُوقُ عَشَائِي».
ع١٥:
يبدو أن واحدا من الفريسيين أو اليهود قد فرح بكلام المسيح عن المكافأة السمائية لمن يضيف المساكين، فمدح من يأكل طعاما فى ملكوت السموات، لأن فكرته عن السماء كانت مادية، إذ يظن أن هناك أكلا وشربا مثلما فى العالم.ع١٦: دعا
قبول الدعوة هو الاستعداد للحياة مع الله وليس هو الحياة نفسها، بـدليل أن كثيرين قد قبلوا الدعوة ولكن فى وقت التنفيذ رفضوا لأسباب كثيرة كما يحدث اليوم، إذ يعلـن كثيرون إيمانهم نظريا ولكن عند التطبيق العملى فى عبادة الله ومحبة الآخرين يعتـذرون بأسـباب مختلفة.أعطى المسيح بهذه المناسبة مثلاً عن الاستعداد للملكوت السماوى، وهو أن إنسـاناً صـنع عشاءً، ودعا إليه كثيرين.
هذا
الإنسان
يرمز إلى الله، وقد صنععشاء
بموته على الصليب، وتقديم جسده ودمـه علـى المذبح كل يوم فى الكنيسة، الذى هو عربون الوليمة السمائية الروحيـة الـتى يهبـها لأولاده فى السماء.ودعا كثيرين
، فهو مات لفداء العالم كله فهو "الذى يريد أن جميع الناس يخلصـون وإلى معرفة الحق يقبلون" (١تى٢: ٤).ع١٧: عبده
: أى المسيح الذى أخذ صورة العبد بتجسده، وأتى يدعو البشر لوليمة جسده ودمه الأقدسين التى يتممها على الصليب. كما يرمز العبد أيضا للرسل الذين يـدعون النـاس إلى الكنيسة والإستعداد للملكوت.كل شئ قد أعد
الكنيسة مفتوحة وفيها جسد الرب ودمه، وتنتظر المؤمنين ليتحدوا به.ع١٨-٢٠: الجميع
يقصد أغلب المدعوين أولا، وهم اليهود شعب الله.برأى واحد
: اتفقوا على إهمال الإيمان بالمسيح منشغلين بالماديات والكرامة.خمسة أزواج بقر
ترمز للخمسة حواس أى الشهوات الحسية.عند دعوة المدعوين اعتذروا عن الحضور، فالله يدعونا للتوبة مرات كثيرة ونحن نرفض.
وكانت الأعذار سخيفة جداً، فالأول اعتذر لأنه قد اشترى حقلاً ويريد أن ينظره، مـع أن فحص الحقول لا يكون ليلاً وقت العشاء.
وهذا الأول يرمز للمنهمكين فى الأرضيات ومحبة القنية.
أما الثانى، فاعتذر لشرائه خمسة أزواج بقر ويريد أن يمتحنها. وهذا أيضاً لا يتم وقت العشاء بل فى النهار، وهو يرمز للمنشغلين بالشهوات الجسدية.
أما الثالث، فاعتذر لزواجه. وهو يرمز للمنشغلين بالعالم وارتباطاته.
وهؤلاء الثلاثة يشيرون لمن يرفضون الله من اليهود لأن الله دعاهم أولاً فرفضوا، ثم دعا بعـد ذلك الأمم.
† إفحص الأعذار التى تقولها لنفسك لتبرر ابتعادك عن الكنيسة والصلوات والخدمة، لئلا تكـون سخيفة وتفقدك الملكوت.
ع٢١:
غضب الله، صاحب العشاء، لرفض الفريسيين والكهنة ورؤساء اليهـود دعوتـه للخلاص، وأرسل يدعو عامة اليهود المساكين والبسطاء، وكذا الأمم إلى ملكوته، وجمعهم مـن أماكنهم الحقيرة فى الشوارع والأزقة ليرفعهم بحبه إلى السماء.ع٢٢:
فعل العبيد، أى الرسل، كما أمرهم الله، ودخل الكثيرون من اليهود البسطاء والأمم إلى الإيمان، فأخبر الرسل الله بكل خدمتهم وبأنه يوجد مكان أيضا فى الملكوت، أى أن دم المسيح مقدم لخلاص الكل إن آمنوا.ع٢٣-٢٤: الطرق والسياجات
أماكن خارج المدن وترمز للأمم البعيدين.حتى يمتلئ بيتى
لأن الله يفرح بقبول كل المؤمنين فى ملكوته.ليس واحد من أولئك الرجال المدعوين
السابق دعوتهم فى بداية المثل، ورفضوا الحضور للعشاء أى الحياة مع الله على الأرض، فهؤلاء ليس لهم مكان فى ملكوت السموات.أرسل الله خدامه مرة ثانية ليلزموا المساكن البعيدين عن الله، أى يشجعوهم ويسندوهم بقوة، إذ من فرط ضعفهم وقعوا فى اليأس ومحتاجين للمساندة، فهو يطلب خلاص كل البعيدين الذين لا يعرفون الطريق إلى الملكوت، أما العارفين الرافضين فالله يؤكد أنه لن يدخلهم إلى ملكوته. فـالله يشفق على الضعفاء والخطاة، يبحث عنهم ويسندهم ويدفعهم فى طريق الملكوت، ولكنه يكـره العناد والاستهتار واستباحة الخطية.
(٥) حساب النفقة (ع٢٥ - ٣٥):
٢٥ وَكَانَ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ سَائِرِينَ مَعَهُ، فَالْتَفَتَ وَقَالَ لَهُمْ: ٢٦ «إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضاً، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذاً. ٢٧ وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذاً. ٢٨ وَمَنْ مِنْكُمْ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بُرْجاً لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَحْسِبُ النَّفَقَةَ، هَلْ عِنْدَهُ مَا يَلْزَمُ لِكَمَالِهِ؟ ٢٩ لِئَلاَّ يَضَعَ الأَسَاسَ وَلاَ يَقْدِرَ أَنْ يُكَمِّلَ، فَيَبْتَدِئَ جَمِيعُ النَّاظِرِينَ يَهْزَأُونَ بِهِ، ٣٠ قَائِلِينَ: هذَا الإِنْسَانُ ابْتَدَأَ يَبْنِي وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُكَمِّلَ. ٣١ وَأَيُّ مَلِكٍ إِنْ ذَهَبَ لِمُقَاتَلَةِ مَلِكٍ آخَرَ فِي حَرْبٍ، لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَتَشَاوَرُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُلاَقِيَ بِعَشَرَةِ آلاَفٍ الَّذِي يَأْتِي عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفا؟ً ٣٢ وَإِلاَّ فَمَا دَامَ ذلِكَ بَعِيداً، يُرْسِلُ سِفَارَةً وَيَسْأَلُ مَا هُوَ لِلصُّلْحِ. ٣٣ فَكَذلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لاَ يَتْرُكُ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ، لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذاً. ٣٤ «اَلْمِلْحُ جَيِّدٌ. وَلكِنْ إِذَا فَسَدَ الْمِلْحُ، فَبِمَاذَا يُصْلَحُ؟ ٣٥ لاَ يَصْلُحُ لأَرْضٍ وَلاَ لِمَزْبَلَةٍ، فَيَطْرَحُونَهُ خَارِجاً. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ».
ع٢٥-٢٦: جموع كثيرة سائرين
كان المسيح فى طريقه من الجليل إلى أورشليم، فكان أهل المدن والقرى يخرجون إليه ويتبعونه لسماع تعاليمه وشفاء أمراضهم.لكيما يقاوم المسيح السطحية فى حياة تابعيه، وضع شروطاً للخلاص وطالبنـا أن نراجـع أنفسنا عليها، فهى نفقات الحصول على الخلاص. فبالرغم أن الخلاص مجانى بدم المسيح، لكـن لا يهبه إلا للمجاهدين الروحيين. وأول شرط فى الجهاد الروحى هو أن نحب الله من كـل القلـب، ونحب أقاربنا وأحباءنا الذين وهبهم الله لنا، ولكن إن كانت محبتنا لأحد أو لأنفسنا تعطلنا عن الله فلنبغضها ونرفضها. فنحب الناس وأنفسنا من خلال الله ومن أجل الله الذى وهبنا إياها.
ع٢٧:
الشرط الثانى فى الجهاد الروحى هو حمل الصـليب، أى احتمـال الآلام لأجـل التمسك بالإيمان، وكذلك جهاد العبادة الروحية والخدمة وبهذا نصير تلاميذ المسيح.ع٢٨-٣٠:
أعطى المسيح مثالا فى حساب النفقة، وهو أن إنسانا يريد أن يـبنى برجا فيحسب هل يملك تكاليف البناء، لئلا يضع الأساس ولا يستطيع استكمال البناء، فيهزأ به النـاس لأنه أضاع أمواله عبثا ولم يصل إلى شئ.فالإنسان الروحى الذى يريد أن يبنى برجاً، أى علاقة روحية تربطه بالسماء، ينبغى أن يضع الأساس وهو الإيمان بالمسيح، ويكون له استعداد للجهاد فى الصلوات والأصوام والتمسك بالوصايا والتوبة بانسحاق، حينئذ لا تهزأ به الشياطين أعداؤه.
فمن يريد أن يتبع المسيح، يسأل نفسه هل هو مستعد ألا ينشغل بمحبـة نفسـه والتعلـق بالآخرين، وكذلك هل مستعد للتجرد واحتمال الآلام لأجل الإيمان؟!
إن كان كذلك، فليتقدم بالثقة فى الحياة الروحية، ولكن من يتأثر بكلام المسيح ولكن قلبـه متعلق بمحبة العالم والتعلقات العاطفية التى تشغله عن الله، لن يستطيع استكمال طريقـة مـع الله.
فدعوة المسيح لحساب النفقة ليس تخويفاً لتابعيه من صعوبة الطريق، لكن ليدفعهم حتى يسـتعدوا بوضعه هدفاً وحيداً لهم والإرتباط بمحبته، فيضمنوا الوصول للملكوت والتمتع بعشـرته المفرحـة دائماً.
ع٣١-٣٢:
المثل الآخر فى حساب النفقة هو ملك له جيش مكون مـن عشـرة آلاف جندى، سيحارب آخر قوامه عشرون ألف جندى، فينبغى أن يفكر أولا هل له إمكانيات الإنتصار أم يعقد صلحا حتى لا يتعرض للهزيمة والموت. والمقصود أن هذا الملك المحارب ينبغى أن يفحـص قوته، هل هو قادر على مواجهة جيش الأعداء؟ وكذلك أيضا من يريد أن يسير مع الله لـ يفحص استعداده لترك تعلقه بالماديات والبشر من أجل الله، حتى ينجح فى الإنتصار على كـل شـهواته وظروف الحياة المعاكسة ويضمن بالتالى الوصول للملكوت.ويرمز الملك المحارب ذو العشرة آلاف جندى إلى الإنسان الروحى، وعدد عشـرة يشـير للوصايا، والألف للسماء. فالإنسان الروحى يحارب بوصايا الله والتعلق بالأبدية، أما العدو وهـو الشيطان فيحارب بعشرين، وهى حرب تنقسم إلى قسمين: القسم الأول ويرمز إليه بعشـرة أى حرب كاملة تتمثل فى الضربات اليمينية وهى المبالغة فى العبادة وعمل الخـير بغـرض الكبريـاء، والقسم الثانى ويرمز إليه بالعشرة الثانية أى حرب كاملة أيضاً تتمثل فى الضربات اليسارية التى هى جميع أنواع الخطايا والشهوات.
فإن شعر الإنسان إنه ضعيف، ينبغى أن يتصالح مع الله ليكون هو قوته فيغلب الشياطين، فهو يرسل شفاعة القديسين، أى السفارة، ويتوب عن خطاياه فيصطلح مع الله.
ويمكن أيضاً أن يرمز الملك المحارب بالعشرة آلاف إلى الروح، والملك العدو الذى له عشرين ألف يرمز للجسد، فيفحص الإنسان نفسه هل الروح قوية وقادرة أن تنتصر على الجسد وتقوده فى طريق الحياة الروحية، وإلا يرسل سفاره أى يستشير أب إعتراف ويتصالح مع جسده بأخذ تداريب روحية أقل يستطيع الجسد احتمالها، ثم بالتدريج ينمو فى جهاده وتداريبه الروحية والروح والجسد متفقان ومتصالحان فى طريق الملكوت.
ع٣٣:
يضع المسيح الشرط الثالث فى الجهاد الروحى، وهو الإعتماد على الله وليس أموال العالم، فيتجرد منها الإنسان الروحى ويعطيها للمحتاجين، ولا ينزعج إذا خسر شيئا منها.ع٣٤-٣٥: أذنان
يقصد أن يسمع بكلتى أذنيه، أى بكل إهتمام، ويقصد أيضا بـالأذنين الأذن الخارجية والأذن الداخلية فى القلب أى الفهم الروحى، ويعنى سماع كلامه وفهمه وتطبيقه فى الحياة.الملح يحفظ الطعام من الفساد ويعطيه مذاقاً حسناً، كذلك أبناء الله مسئولون عن إعلان الحق وعمل الخير وحفظ وصايا الله، ولكن إن فسد الملح (أولاد الله) بإختلاطـه بالعـالم والشـهوات ورفض حمل الصليب وكل جهاد روحى، سيفقد ملوحته وكل مميزاته، وحينئذ يكون بـلا نفـع فيُلقى فى العذاب الأبدى، أى يُدان أولاد الله الذين تركوا حياتهم الروحية وانهمكـوا فى العـالم فتكون دينونتهم أصعب.
† إن كان الله قد كشف لنا شروط الخلاص، فينبغى أن نجاهد فيها واثقين من محبته التى تسندنا وتهبنا الملكوت.