تفسير الكتاب المقدس

الأصحاح الثانى عشر


الرياء والخوف والاهتمام بالماديات
(١)

الرياء (ع١ -٣):


١ وَفِي أَثْنَاءِ ذلِكَ، إِذِ اجْتَمَعَ رَبَوَاتُ الشَّعْبِ، حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يَدُوسُ بَعْضاً، ابْتَدَأَ يَقُولُ لِتَلاَمِيذِهِ: «أَوَّلاً تَحَرَّزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ الَّذِي هُوَ الرِّيَاءُ، ٢ فَلَيْسَ مَكْتُومٌ لَنْ يُسْتَعْلَنَ، وَلاَ خَفِيٌّ لَنْ يُعْرَفَ. ٣ لِذلِكَ كُلُّ مَا قُلْتُمُوهُ فِي الظُّلْمَةِ يُسْمَعُ فِي النُّورِ، وَمَا كَلَّمْتُمْ بِهِ الأُذْنَ فِي الْمَخَادِعِ يُنَادَى بِهِ عَلَى السُّطُوحِ.

ع١: ذكرت فى (مت١٦: ٦-١٢)


وجه المسيح كلامه السابق للكتبة والفريسيين، أما الآن فإلى تلاميذه، فهذا التحذير الآتى لهم خاصة وللمؤمنين عموماً، وهو الاحتراس من خطية الرياء ومثالها الواضح هو الفريسـيون الـذين يمثلون القيادة الدينية لليهود، فقد اهتموا بمظهر القداسة ولكن داخلهم مملوء شراً بدليل رفضـهم الإيمان بالمسيح، بل محاولة اصطياد أخطاء عليه لأن كبرياءهم أبى أن تتركهم الجموع وتتبع المسيح.
وشبه الرياء بالخميرة، لأن الخميرة تعطى حجماً كبيراً لقطعة العجين الصغيرة ولكن الـداخل هو فقاعات هوائية، وتعمل الخميرة فى الداخل بعيداً عن الأعين، كما يسرى الشر داخل القلـب ويظهر الإنسان بمظهر قداسة كبير يختلف تماماً عما فى داخله.

ع٢

:

ذكرت أيضاً فى (مت١٠: ٢٦)


كل ما يفعله الإنسان من شرور فى هذه الحياة، سيعلن فى يوم الدينونة، بالإضافة إلى فضـح كثير من خطاياه مع مرور الزمن أثناء حياته، وبالتالى لا داعى للرياء الذى سينفضح ويظهر خزى صاحبه.

ع٣

:

ذكرت فى (مت١٠: ٢٧)


ما يفعله الفريسيون سراً، سينفضح أمام نور المسيح العارف بما فى قلوبهم، وبالإنجيل الـذى يكشف بشاعة خطية الرياء.

السطوح

المقصود به سمو بشارة الروح القدس على فم الرسل والمبشرين، الذين سيفضـحون الخطايا ومنها الرياء.
ويقصد أيضاً أن تعاليم التلاميذ التى تقال فى الخفاء مع أعداد قليلة بسبب الاضطهاد، ستنتشر تدريجياً ويأتى وقت السلام وتُعلن جهاراً فى النور ومن على الأماكن العالية مثل السطوح ويسمعها الكثيرون ليؤمنوا بها.

† إ

علم أن كل شر تخفيه فى قلبك ستدان عليه، فتب عنه سريعا وابعد عن الإدانة التى تقولها سرا، فكل شئ سينفضح وقد يعلم من تدينه بما قلته سرا عنه، فتسوء علاقتك به، وبدلا من كـلام الشر، إحرص أن تتكلم عن المحبة والخير ولو مع شخص واحد، فستنتشر هذه المحبـة تـدريجيا وتعلن للكل، ويروها فى حياتك وحياة من كلمتهم عنها.

(٢) عدم الخوف والشهادة للمسيح (ع٤ -١٢):


٤ وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ يَا أَحِبَّائِي: لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ، وَبَعْدَ ذلِكَ لَيْسَ لَهُمْ مَا يَفْعَلُونَ أَكْثَرَ. ٥ بَلْ أُرِيكُمْ مِمَّنْ تَخَافُونَ: خَافُوا مِنَ الَّذِي بَعْدَمَا يَقْتُلُ، لَهُ سُلْطَانٌ أَنْ يُلْقِيَ فِي جَهَنَّمَ. نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ: مِنْ هذَا خَافُوا! ٦ أَلَيْسَتْ خَمْسَةُ عَصَافِيرَ تُبَاعُ بِفَلْسَيْنِ، وَوَاحِدٌ مِنْهَا لَيْسَ مَنْسِيّاً أَمَامَ اللهِ؟ ٧ بَلْ شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ أَيْضاً جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ. فَلاَ تَخَافُوا! أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ! ٨ وَأَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَنِ اعْتَرَفَ بِي قُدَّامَ النَّاسِ، يَعْتَرِفُ بِهِ ابْنُ الإِنْسَانِ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ. ٩ وَمَنْ أَنْكَرَنِي قُدَّامَ النَّاسِ، يُنْكَرُ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ. ١٠ وَكُلُّ مَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلاَ يُغْفَرُ لَهُ. ١١ وَمَتَى قَدَّمُوكُمْ إِلَى الْمَجَامِعِ وَالرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فَلاَ تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَحْتَجُّونَ أَوْ بِمَا تَقُولُونَ، ١٢ لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يُعَلِّمُكُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مَا يَجِبُ أَنْ تَقُولُوهُ».

ع٤-٥: يا

أحبائى

هذه هى أول مرة يظهر المسيح هذا التعبير نحو تابعيه، فهو يعلـن أنهـم خاصته المحبوبون الذين يميزهم عن باقى العالم الشرير ويحفظهم منه.
يعالج المسيح مشكلة الخوف، محتقراً كل عنف واضـطهاد البشـر لأولاده، إذ أن حـدود اضطهادهم هو الإساءة للجسد، ولكنهم لا يستطيعون أن يضروا الروح، بل على العكس تتمسك بالله وتنمو فى معرفته. لكن من يستحق أن تخافه هو الله الذى له سلطان على الروح والجسد، فإذا خافته النفس تخلص من العذاب الأبدى ولا تعود تخاف من الناس لأن الله يحفظها من المخاطر، ولا تحدث لها تجربة إلا بإذنه.

ع٦:

كان العصفوران يُباعان بفلس، وهو أقل عملة مستخدمة، وإذا اشترى الإنسان أربعة عصافير بفلسين، يعطى له عصفور خامس هدية، فتصير الخمسة عصافير بفلسين وهذا العصـفور الذى بلا ثمن، أى الهدية، لا ينساه الله، بل يعتنى به ويعطيه طعامه.
والعصافير الخمسة تشير إلى الحواس الخمسة، وهى تبحث عن طعامها فى الأرض فتسقط على شباك الصياد، ولكن حينما ترتفع إلى السماء تأكل ثمار الأشجار، أى إذا انحـدرت الحـواس إلى الأرضيات يصطادها الشيطان، وإن ارتفعت إلى السماء تقتنى الثمار الروحية.

ع٧:

يؤكد المسيح عنايته بنا مهما كنا ضعفاء أو مرذولين وبلا قيمة فى نظر الناس مثل هذا العصفور، بل وأيضا يعتنى بأدق تفاصيل حياتنا، فيُحصى شعور رؤوسنا أى يعرف عددها، ويعلم تفاصيل كل شعرة فيها. وبالتالى لا مجال للخوف أو القلق، مادام إلهنا يحبنا ويعتنى بنـا إلى هـذه الدرجة.

ع٨-٩:

يظهر المسيح أهمية إعلان الإيمان وليس الاقتناع به قلبيا فقط، ومكافأته هو التمتع بالأبدية، لأن من يشهد للمسيح فى الأرض يشهد له هو فى السماء، فيعطيه مكانا فى الأبدية.
والعكس صحيح، فمن ينكره على الأرض ينكره أيضاً المسيح فى السماء، أى يرفضه ويذهب للعذاب الأبدى.
† الاعتراف بالمسيح، ليس فقط بإعلان مسيحيّتك، بل بإظهار الحق ومساندة المظلوم والسـل وك المسيحى فى التمسك بوصايا الله واحتمال الآلام لأجل ذلك.

ع١٠: جدف على الروح القدس

إذا أنكر إنسان المسيح يمكن أن يتوب ويغفر له، ولكـن من جدف على الروح القدس أى رفض عمله فيه، الذى يدعوه للتوبة، واستمر مُصرا على الخطية طوال حياته، فلن يغفر له، لأن من ينكر المسيح يمكن أن يستجيب بعد ذلك لعمل الروح القـدس فيه فيتوب ويستعيد إيمانه، أما من يرفض التوبة فلا خلاص له. وهنا تظهـر أهميـة سـر التوبـة والإعتراف الذى هو الطريق الوحيد للخلاص.

ع١١-١٢:

يدعونا المسيح ألا نخاف ممن يضطهدنا مهما كان عنفه أو ضعفنا، لأن الروح القدس يعمل فينا ويعلمنا ما نقوله أمام هذه المواجهات، كما حدث فى محاكمة الشهداء، وكيـف أفحموا الولاة الذين حاكموهم مهما كان ضعف تعليمهم أو ذكائهم أو شخصياتهم.

†

لا تضطرب من أى مواجهة فى حياتك، بل التجئ إلى الصلاة واثقا من قوة الله التى فيك.

(٣) مثل الغنى الغبى (ع١٣ - ٢١):


١٣ وَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمْعِ:«يَا مُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ». ١٤ فَقَالَ لَهُ: «يَاإِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِياً أَوْ مُقَسِّما؟»ً ١٥ وَقَالَ لَهُمُ:«انْظُرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ». ١٦ وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلاً قَائِلاً:«إِنْسَانٌ غَنِيٌّ أَخْصَبَتْ كُورَتُهُ، ١٧ فَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ قَائِلاً: مَاذَا أَعْمَلُ، لأَنْ لَيْسَ لِي مَوْضِعٌ أَجْمَعُ فِيهِ أَثْمَارِي؟ ١٨ وَقَالَ: أَعْمَلُ هذَا: أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ، وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَّلاَتِي وَخَيْرَاتِي، ١٩ وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي! ٢٠ فَقَالَ لَهُ اللهُ: يَاغَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟ ٢١ هكَذَا الَّذِي يَكْنِزُ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ هُوَ غَنِيّاً ِللهِ».

ع١٣:

كثيرا ما يحدث خلاف على الميراث بين الإخوة، وكان المعتاد سؤال المعلمين للفصل فى هذه القضايا، ويبدو أن أحدهم كان طماعا، يريد أن يأخذ نصيبا أكثر مما يستحقه من الميراث.

ع١٤:

رفض المسيح أن يكون قاضيا ومقسما للميراث، لأن هدفه روحى وهو خـلاص النفس وليس المُلك الأرضى. وكانوا بهذا أيضا يحاولون اصطياد خطأ عليه، وهو أنه أقـام نفسـه قاضيا مدنيا دون إذن من السلطة المدنية أو الدينية.

ع١٥: حياته

أى سعادته على الأرض، فهى هبة من الله لأولاده.
ثم واجه المسيح المشكلة الحقيقية فى النزاع بين البشر، وهو الطمع فى الماديات، وأعلن حقيقة واضحة أن الحياة السعيدة ليست بالمال، بل بالوجود مع الله، فلماذا محبة المال؟

ع١٦-١٧:

ضرب لهم المسيح مثلا، أن إنسانا غنيا له حقول كثيرة، وفى أحد السنين كان محصول أرضه عظيما أكثر من باقى السنين الماضية، وبالتالى لا تسعها مخازنه. لم يفكر فى توزيـع هذا الخير على المحتاجين، بل انشغل بكيفية إيجاد مخازن كثيرة تسع كل هذا الخير ليستخدمه لنفسه فقط.

ع١٨-١٩: غلاتى وخيراتى

نسب الخير لنفسه ولم يشكر الله.

موضوعة لسنين كـثيرة

نسى هذا الغنى أنه لا يعرف متى ينتهى عمره، وظن أن أمامه سـنين كثيرة، فلم يستعد لأبديته بعمل الخير.

كلى واشربى وافرحى

ظن أن الفرح هو بكثرة الأكل والشرب وليس بالله، كأنه حيوان يهمه الطعام فقط، وليس إنسان فيه روح تشبع وتفرح بالله.
فكر هذا الغنى فى حل مشكلته بأن يهدم مخازنه ويبنى مخازن أكبر تتسـع لثمـار محاصـيله الكثيرة، وشعر بالطمأنينة والفرح، وحدث نفسه أن تتمتع إذ لها الأمان فى كثرة المخزون عنده من ثمار تكفيه سنيناً كثيرة مقبلة من عمره.

ع٢٠-٢١: تطلب نفسك منك

تموت وتنفصل روحك وتقف أمام الديان العادل لتحاسب على إنشغالها بالماديات عن الله.

لمن تكون

لن يكون لك سلطان على كل هذه الخيرات التى اقتنيتها، بل توزع على آخـرين، أى الذين يرثونك، وقد يكون بعضهم ممن لا تريد أن تعطيهم، فلن تأخذ شيئا منـها وسـتعطى لآخرين.

يكنز لنفسه

فهو أنانى يجمع خيرات الأرض لنفسه، وليس ليتصدق بها على المحتاجين مع أنـه غنى ويفيض عنه الكثير.

ليس هو غنياً ﷲ

لم يهتم بمحبته ﷲ وعبادته، وكذلك لم يهتم بالإحسان على المحتاجين، ليكنز له كنزا فى السماء.
فى اليوم الذى فكر فيه الغنى بهذه الأفكار، حدثه الله منذراً إياه أنه سيموت فى هذه الليلة ولن يستفيد من كل هذه الخيرات المادية.
فكل من يعتمد على الماديات دون الله هو غبى جاهل، لا يعرف كيف يعيش، لأن الحياة هى فى الله الذى يدوم معه إلى الأبد.

†

إسأل نفسك فى نهاية كل يوم، كم انشغلت بمحبة المال، وكم من الوقت انشغلت بمحبة الله؟

(٤) الاهتمام بالماديات (ع٢٢ - ٣١):


٢٢ وَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ:«مِنْ أَجْلِ هذَا أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ، وَلاَ لِلْجَسَدِ بِمَا تَلْبَسُونَ. ٢٣ اَلْحَيَاةُ أَفْضَلُ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلُ مِنَ اللِّبَاسِ. ٢٤ تَأَمَّلُوا الْغِرْبَانَ: أَنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ، وَلَيْسَ لَهَا مَخْدَعٌ وَلاَ مَخْزَنٌ، وَاللهُ يُقِيتُهَا. كَمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلُ مِنَ الطُّيُورِ! ٢٥ وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعاً وَاحِدَة؟ً ٢٦ فَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَقْدِرُونَ وَلاَ عَلَى الأَصْغَرِ، فَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِالْبَوَاقِي؟ ٢٧ تَأَمَّلُوا الزَّنَابِقَ كَيْفَ تَنْمُو: لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ، وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. ٢٨ فَإِنْ كَانَ الْعُشْبُ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ فِي الْحَقْلِ وَيُطْرَحُ غَداً فِي التَّنُّورِ يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟ ٢٩ فَلاَ تَطْلُبُوا أَنْتُمْ مَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَشْرَبُونَ وَلاَ تَقْلَقُوا، ٣٠ فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا أُمَمُ الْعَالَمِ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَبُوكُمْ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ. ٣١ بَلِ اطْلُبُوا مَلَكُوتَ اللهِ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ.

ع٢٢-٢٣: من أجل هذا:

ما بينه فى مثل الغنى الغبى من بطلان الماديات.
يواجه المسيح مشكلة كل البشر، وهى التعلق والانشغال بالماديـات، فيـدعوهم إلى عـدم الاهتمام بالطعام واللباس، موجها النظر إلى الغرض من كل هذه الوسائل وهو الحياة التى ينبغى أن نتمتع بها مع الله.
† حقا ما أغرب أن ينشغل الإنسان بالوسيلة عن الهدف، فيخسر الهدف. فى بداية كـل يـوم، تذكر هدفك، وهو محبة الله، واترك عنك هموم العالم والمناقشات غير المفيدة.

ع٢٤:

يعطى المسيح مثالا واضحا فى عدم الإهتمام بالطعام، وهو الطيور التى اختار منـها الغربان. فرغم أنها طيور غير محبوبة، كما أنها لا تهتم بتدبير طعامها، فلا تزرع ولا تحصد ولا تجمع ولا تهتم بإعداد مساكن تقيم فيها، لكن الله يقوتها من بواقى المزروعات المنتشرة فى العالم.
فإن كان الله يهتم بالطيور، فكم بالأحرى الإنسان رأس الخليقة كلها؟!

ع٢٥-٢٦: الأصغر

زيادة طول أحدكم نحو ٥٠سم، فهو شئ ضئيل بالقيـاس بخلقـة الإنسان كله الذى عمله الله.

البواقى

احتياجات الإنسان من الطعام اللباس.
ثم يقدم دليلاً منطقياً على عدم الإهتمام بالطعام، وهو أنه مهما كان اهتمـام الإنسـان، لا يستطيع أن يضيف إلى طوله ذراعاً واحداً (أى حوالى نصف متر). فإن كان لا يقـدر أن يزيـد طوله، فهو أيضاً لا يستطيع أن يحافظ على جسده، بل الله هو الذى يحفظه له ويـدبر احتياجاتـه المادية.
فالإنسان عاجز عن أقل شئ، لذا يلزمه أن يتكل على الله الذى خلقه، ويـدبر لـه كـل احتياجاته.

ع٢٧-٢٨: تتعب وتغزل

تهتم بصنع مظهرها وملابسها.

قليلى الإيمان

دعوة لنا لنؤمن بأبوة الله وبتدبيره لحياتنا، فلا نقلق وننشغل باحتياجاتنا المادية.
يعطى المسيح لنا مثالاً لعدم الاهتمام بالملبس، وهو الأزهار بألوانها وأشكالها الجميلة، والـتى يحاول الإنسان تقليدها فيجعل ملابسه مثل ألوانها وأشكالها، ولكن الأصل وهو الأزهار الطبيعيـة شكلها أفضل، فسليمان الملك فى كل مجده بملابسه الفاخرة لم يصل جماله إلى جمال هذه الأزهار، أى الزنابق. وهذه الزنابق هى أعشاب أى نباتات تنمو فى الحقل لبضعة شهور، ثم تجف وتُلقى فى التنور (الفرن) فإن كان الله يهتم بها ويعطيها هذا الشكل الجميل، ألا يهتم بملابسنا وشكلنا إن آمنا به واتكلنا عليه؟

ع٢٩-٣١: أبوكم

يعلن الله كأب يهتم بأولاده ويعرف كل احتياجاتهم.

تُزاد

لأن الله يعطينا الحياة معه وهى الأهم، ثم يزيد عليها احتياجات الجسد.
يعطى هنا الخلاصة، وهى عدم القلق لأجل الطعام واللباس، فالعالم كله يجرى ورائها، أمـا نحن، أبناء الله، فنثق فى إلهنا الذى يدبر لنا احتياجاتنا، لنطلب ما هو أهم، أى ملك الله على قلوبنا، وكل الاحتياجات المادية هى شئ صغير يسميه الباقى، وهو مضمون من يد الله المهتم بنا.
† تذكر عناية الله بك وبكل الخليقة المحيطة، حتى لا تقلق على شئ.

(٥) الاستعداد للملكوت (ع٣٢ - ٤٨):


٣٢ «لاَ تَخَفْ، أَيُّهَا الْقَطِيعُ الصَّغِيرُ، لأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الْمَلَكُوتَ. ٣٣ بِيعُوا مَا لَكُمْ وَأَعْطُوا صَدَقَةً. اِعْمَلُوا لَكُمْ أَكْيَاساً لاَ تَفْنَى وَكَنْزاً لاَ يَنْفَدُ فِي السَّمَاوَاتِ، حَيْثُ لاَ يَقْرَبُ سَارِقٌ وَلاَ يُبْلِي سُوسٌ، ٣٤ لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكُمْ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكُمْ أَيْضاً. ٣٥ «لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً، ٣٦ وَأَنْتُمْ مِثْلُ أُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ سَيِّدَهُمْ مَتَى يَرْجعُ مِنَ الْعُرْسِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ وَقَرَعَ يَفْتَحُونَ لَهُ لِلْوَقْتِ. ٣٧ طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَتَمَنْطَقُ وَيُتْكِئُهُمْ وَيَتَقَدَّمُ وَيَخْدُمُهُمْ. ٣٨ وَإِنْ أَتَى فِي الْهَزِيعِ الثَّانِي أَوْ أَتَى فِي الْهَزِيعِ الثَّالِثِ وَوَجَدَهُمْ هكَذَا، فَطُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ. ٣٩ وَإِنَّمَا اعْلَمُوا هذَا: أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ رَبُّ الْبَيْتِ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي السَّارِقُ لَسَهِرَ، وَلَمْ يَدَعْ بَيْتَهُ يُنْقَبُ. ٤٠ فَكُونُوا أَنْتُمْ إِذاً مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ». ٤١ فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ:«يَارَبُّ، أَلَنَا تَقُولُ هذَا الْمَثَلَ أَمْ لِلْجَمِيعِ أَيْضا؟»ً ٤٢ فَقَالَ الرَّبُّ: «فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟ ٤٣ طُوبَى لِذلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هكَذَا! ٤٤ بِالْحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يُقِيمُهُ عَلَى جَمِيعِ أَمْوَالِهِ. ٤٥ وَلكِنْ إِنْ قَالَ ذلِكَ الْعَبْدُ فِي قَلْبِهِ: سَيِّدِي يُبْطِئُ قُدُومَهُ، فَيَبْتَدِئُ يَضْرِبُ الْغِلْمَانَ وَالْجَوَارِيَ، وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَسْكَرُ. ٤٦ يَأْتِي سَيِّدُ ذلِكَ الْعَبْدِ فِي يَوْمٍ لاَ يَنْتَظِرُهُ وَفِي سَاعَةٍ لاَ يَعْرِفُهَا، فَيَقْطَعُهُ وَيَجْعَلُ نَصِيبَهُ مَعَ الْخَائِنِينَ. ٤٧ وَأَمَّا ذلِكَ الْعَبْدُ الَّذِي يَعْلَمُ إِرَادَةَ سَيِّدِهِ وَلاَ يَسْتَعِدُّ وَلاَ يَفْعَلُ بحَسَبِ إِرَادَتِهِ، فَيُضْرَبُ كَثِيراً. ٤٨ وَلكِنَّ الَّذِي لاَ يَعْلَمُ، وَيَفْعَلُ مَا يَسْتَحِقُّ ضَرَبَاتٍ، يُضْرَبُ قَلِيلاً. فَكُلُّ مَنْ أُعْطِيَ كَثِيراً يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ، وَمَنْ يُودِعُونَهُ كَثِيراً يُطَالِبُونَهُ بِأَكْثَرَ.

ع٣٢:

يدعو المسيح أولاده المؤمنين به القطيع الصغير، لأن المـؤمنين السـالكين بحسـب وصاياه أقلية، ليس فقط فى وقت وجوده على الأرض بل وحتى الآن. إذ أن الإنسان ينجـذب إلى الشر بسهولة. ولكن يطمئنهم أنه أبوهم وأنهم متميزون عن العالم كله، بأن الله أعد لهم الملكـوت ويفرح أن يسكنهم فيه.
† تأمل أبوة الله، فهو يفرح أن يهبك الملكوت، ليطمئن قلبك وسط ضيقات الحياة، ويدفعك هذا للتمسك بوصاياه فى جهاد مستمر لتتمتع بكل ما أعده لك.

ع٣٣-٣٤: بيعوا

تخلصوا من التعلق بالماديات.... أى بيعوها من قلوبكم.

مالكم

كل ما تملكون من ماديات.

أكياساً لا تبلى

يشبه الكنز السماوى بكيس لا يتلف إلى الأبد، يوضع فيـه لـيس الفضـة والذهب بل أعمال الرحمة.

كنزاً لا ينفذ

طبيعة أموال العالم أنها معرضة للنقص والانتهاء، أما الكنز السماوى فيبقـى إلى الأبد.
يوجه المسيح نظر أولاده لكيفية الاستعداد للملكوت، وذلك بعمل الصدقة لكـل محتـاج، فيتنازل الإنسان عن كل ماله من مال وصحة وقدرات مختلفة ويعطيها بحب للآخرين. وبهذا يحول كنوزه المادية المعرضة للسرقة والفساد بفعل الزمن أو الحشرات، ويرسل هذه الكنوز إلى السـماء بعمل الرحمة.
وبعمل الرحمة يصير الكنز فى السماء، فيتعلق القلب أكثر بها، فيزداد فى الصـلوات وعمـل الخير.

ع٣٥:

يدعونا المسيح أيضا إلى منطقة الأحقاء، والمنطقة هى حزام جلدى يُربط على وسط الإنسان فيكون مستعدا للعمل، وهذا الحزام مصنوع من جلود الحيوانات الميتة، فيرمز لموت الجسد عن التعلقات المادية بالصوم والتجرد وضبط الشهوات.
ويستكمل الاستعداد بإيقاد السُرج. والسراج هو النور الذى فى الإنسان، أى النفس عنـدما تستنير بمحبة الله والعبادة الروحية واقتناء الفضائل.

ع٣٦-٣٧ : يتمنطق

: السيد هو المسيح، الذى لبس جسدنا، وتمنطق به لكى يحمل فيـه كل خطايانا وأتعابنا ويفدينا على الصليب.

يتكئهم

: أعطى المسيح راحة لأولاده فى بشارته على الأرض بشفاء المرضى وإخراج الشياطين وإشباع الجموع، كل هذا رمز للراحة التى يهبها لهم فى الملكوت، والكرامة العظيمة بجلوسـهم فى مجد سماوى، وخادمهم المسيح بدمه الفادى.

يقوم فيخدمهم

حين رفع على الصليب وسفك دمه فداء للبشرية. ويظل يخدمهم فى الملكوت ببركاته التى لا تنتهى.
يدعونا المسيح إلى أمر رابع فى الاستعداد للملكوت، وهو السهر الروحى، من خلال مثـل مجموعة من العبيد ينتظرون رجوع سيدهم من العرس، ويطوبهم إن كانوا ساهرين.
وهؤلاء العبيد يرمزون لقدرات ومواهب الإنسان، التى تنتظر المسيح الآتى فى مجيئه الثانى من السماء، حيث عرسه مع ملائكته فى فرح وتهليل دائم. فإن كان العبيد ساهرين دائماً، يسـرعون بملاقاة سيدهم متى قرع الباب، أى ناداهم لإنهاء حياتهم على الأرض والوجود معه فى السماء.
والسهر الروحى هو ارتباط الإنسان بالعبادة الروحية والتوبة والابتعاد عن مصادر الخطية، أى الاهتمام الدائم بخلاص النفس.
ويقدم السيد محبة فوق إدراك العقل، إذ يتشدد بمنطقة ويقوم فيخدم عبيده بنفسه، وهذا يرمز إلى محبة المسيح الفادى الذى يكرم أولاده المؤمنين فى الملكوت، ويفـرحهم باسـتحقاقات دمـه المسفوك على الصليب، الذى بذله لأجله فيمجدهم معه إلى الأبد.

ع٣٨:

يشرح المسيح أهمية السهر فى المثل السابق، بأن السيد إن أتى فى الهزيـع الثـانى أو الثالث من الليل، أى الربع الثانى أو الثالث منه، يجدهم ساهرين فيطوبهم.
ويرمز الهزيع الأول للطفولة، أما الثانى فللرجولة، والثالث للشيخوخة. ففى أى وقت يطلب الله نفس الإنسان، يجده مستعداً. ولم يذكر الهزيع الأول، لأن الطفل ناقص فى إدراكـه وتحملـه لمسؤولية الخطية، فيحاسب فقط الرجل أو الشيخ. وأيضاً ليس من المعتاد رجوع أحد من العرس فى الهزيع الأول، وهو من بداية الليل فى السادسة مساءً إلى التاسعة ليلاً.
والهزيع الثانى هو التاسعة ليلاً إلى الثانية عشر، أى منتصف الليل، والهزيع الثالث من الثانيـة عشر إلى الثالثة صباحاً، وليس من المعتاد أيضاً قديماً الرجوع فى الهزيع الرابـع الـذى يصـل إلى السادسة صباحاً أى الفجر.

ع٣٩-٤٠: ذكر هذا المثل فى (مت٢٤: ٤٢-٤٤)


ينقب

أى يحفر ويكسر فى جدران البيت ليدخل السارق من هذه الثغرة ويسرق ما يريد.
يؤكد أهمية السهر بمثل آخر، وهو حراسة البيت من اللصوص، فحيث أن رب البيت لا يعلم أية ساعة يأتى السارق، فيلزم أن يسهر دائماً حتى لا يُسرق بيته.
† من كل ما سبق، ينبغى علينا السهر الروحى لئلا يطلب الله حياتنا فى أى وقت، أو يـأتى فى مجيئه الثانى. واليقظة الروحية تعنى التوبة المستمرة والبعد عن مصادر الخطية، والاهتمام بأعمال الخير والخدمة.

ع٤١:

بعد ما سمع بطرس كلام المسيح عن الاستعداد للملكوت، سـأل عـن المقصـود بالعبيد، أهم تلاميذ المسيح أم كل الجموع؟

ع٤٢: ذكر هذا المثل فى (مت٢٤: ٤٥-٥١)


رد المسيح على سؤال بطرس بسؤال آخر، سيجيب عليه بنفسه، وهو من هو الوكيل الأمين الحكيم، الذى يقيمه سيده على عبيده.
والعبيد أو الخدم هم حواس الإنسان وقدراته، فهو وكيل عليها ليرعاها ويستخدمها حسناً.
والعبيد أيضاً يرمزون للأبناء، والوالدين وكلاء من الله لرعايتهم والإهتمـام باحتياجـاتهم.
كذلك خدام الكنيسة هم مسئولون عن رعاية من يخدمونهم أطفال أو كبار.
إذا إجابة المسيح على سؤال بطرس، أن الاستعداد للملكوت موجه لكل الشعب وليس فقط الرسل، فكل إنسان لديه مسئوليات، هو وكيل عليها ويلزم أن يقدم حساب وكالته ﷲ.

ع٤٣-٤٤:

يطوب المسيح الوكيل الأمين، لأنه فهم أن سلطانه مأخوذ من الله وهو مجرد وكيل فكان أمينا فى تفاصيل حياته. ومكافأة هذا الوكيل هو أن يقيمه السيد على جميع أمواله، أى يعطيه المُلك الأبدى.

ع٤٥-٤٦: سيدى يبطئ قدومه

: يهمل الاستعداد للملكوت، متناسـيا أن الله يمكـن أن يطلبه فى أى لحظة وينهى حياته.

يضرب الجوارى والغلمان

: يكون قاسيا على من يخدمهم، فلا يتعاطف مع المحتاجين أو الخطاة وبقسوته يبعدهم عن الملكوت.

يأكل ويشرب ويسـكر

ليس فقط يأكل ويشرب ما يحتاجه جسده، بل ينهمك فى الشـرب حتى السكر أى ينغمس فى الاهتمامات المادية.

فى يوم لا يتوقعه وساعة لا يعرفها

الموت يأتى فجأة للإنسان، فى وقت لا يتوقعه غير المسـتعد للملكوت.

يقطعه:

ينهى حياته.

نصيبه:

مكافأة حياته.

الخـائنين:

كل وكيل غير أمين هو خائن لسيده، ويعنى بهم الأشرار الذين يلقيهم فى العـذاب الأبدى، ويقصد أيضا بالخائنين الشياطين الذين عصوا الله.
أما إن كان الوكيل غير أمين فى العناية بمن هو مسئول عنهم، سواء حواسه أو أبنائه أو مـن يخدمهم فى الكنيسة، وذلك لإنهماكه فى شهواته، فلا ينتظر هذا العبد إلا مفاجأة سيده له بأن ينهى حياته، ويلقيه مع الأشرار الخائنين فى العذاب الأبدى.
ويُفهم مما سبق أهمية السهر الروحى بالأمانة فى كل إمكانياتنا التى وهبها الله لنا.

ع٤٧-٤٨:

يوضح المسيح درجات فى العقاب والعذاب الأبدى، فمن تمتع بنعمة العهـد الجديد وعرف محبة المسيح الفادى، ثم خالف وصاياه، سيعاقب فى الأبدية أكثر من الذى أخطـأ نفس الأخطاء ولكنه لم يعرف المسيح.
فمن يعرف أكثر عن الله ويصر على الخطية، يكون عقابه شديداً أما من يعرف قلي ﹰلا عن الله أو لا يعلم وصايا الله فضميره هو صوت الله له، فيعاقب ولكن أقل من السابق.
† إن كنت قد عرفت طريق المسيح والكنيسة، فتمتع به لئلا إذا أهملته سيكون عقابك مخيفاً.

(٦) الإيمان والألم (ع٤٩ - ٥٣):


٤٩ «جِئْتُ لأُلْقِيَ نَاراً عَلَى الأَرْضِ، فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟ ٥٠ وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا، وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟ ٥١ أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَماً عَلَى الأَرْضِ؟ كَّلاَّ، أَقُولُ لَكُمْ: بَلِ انْقِسَاماً. ٥٢ لأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الآنَ خَمْسَةٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مُنْقَسِمِينَ: ثَلاَثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ، وَاثْنَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ. ٥٣ يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الابْنِ، وَالابْنُ عَلَى الأَبِ، وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ، وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ، وَالْحَمَاةُ عَلَى كَنَّتِهَا، وَالْكَنَّةُ عَلَى حَمَاتِهَا».

ع٤٩: نارا

لهيب علم الروح القدس فى أولاده، والتى فى نفس الوقت تظهر شر الأشـرار فيقومون على أولاده ويضطهدونهم، فالنار ترمز أيضا إلى الإضطهادات.

اضطرمت

اشتعلت، ويقصد زيادة عمل الروح القدس، فيجذب قلـوب الكـثيرين الـذين يضحون بكل شئ لأجله، إذ هو أول من أحتمل هذه النيران فى جسده بموته على الصليب لفـداء أولاده، حتى يتعلموا منه ويحملوا صليبهم وراءه.

ع٥٠: الصبغة

هى صبغة الألم التى قبلها المسيح منذ تجسده حتى الصليب، ليسير كل أولاده المؤمنين فى نفس الطريق، فيحتملوا الآلام من أجل تطبيق وصاياه، ويسعون بالحب نحـو الكـل، محتملين أتعابا كثيرة مثل فاديهم حتى تكمل محبتهم له فينطلقوا إلى فردوس النعيم.

كيف أنحصر

أى لا أستطيع إلا أن أتمم الفداء.

تكمل

إتمام الفداء.

ع٥١: ذكر هذا الكلام أيضاً فى (مت١٠: ٣٤-٣٦).


على مستوى الأسرة، عندما يؤمن بعضها تثور الأفراد الأخرى عليه، ويحتمل المـؤمن لأن محبته ﷲ أعظم من محبته للبشر مهما كان قربهم إليه، فيحدث انقسام داخل الأسرة بـين المـؤمنين وغير المؤمنين سببه شر غير المؤمنين، فلا يكون سلام فى العلاقات داخل الأسرة، ولكـن يحـتفظ المؤمنون بسلامهم الداخلى فى المسيح يسوع.

ع٥٢-٥٣: الإثنان

هما اليهود والأمم، ضد ثلاثة أى المسيحين المؤمنين بالثالوث القدوس.

الأب

يرمز للشيطان، الذى يقيم نفسه أبﹰا للعالم ضد إبنه الوثنى الذى صار مسيحيا.

الأم

هى مجمع اليهود ضد

إبنتها

أى الكنيسة المكونة من اليهود المتنصرين.

الحماة

ترمز أيضا إلى مجمع اليهود، ضد

كنتها

أى الأمم الذين صاروا مسيحيين.
يعطى المسيح مثالاً لأسرة تتكون من خمسة أفراد، فينقسم إثنين على ثلاثة، وبالتفصيل يقوم الأب على إبنه، والأم ضد ابنتها، والحماة ضد كنتها (زوجة إبنها) والعكس صحيح.

†

هل تتمسك بوصايا الله حتى لو عارضك أهل بيتك؟ وهل تحتمل الألم بفرح من أجل المسيح؟

(٧) روح التمييز(ع٥٤ - ٥٩):


٥٤ ثُمَّ قَالَ أَيْضاً لِلْجُمُوعِ:«إِذَا رَأَيْتُمُ السَّحَابَ تَطْلُعُ مِنَ الْمَغَارِبِ فَلِلْوَقْتِ تَقُولُونَ: إِنَّهُ يَأْتِي مَطَرٌ، فَيَكُونُ هكَذَا. ٥٥ وَإِذَا رَأَيْتُمْ رِيحَ الْجَنُوبِ تَهُبُّ تَقُولُونَ: إِنَّهُ سَيَكُونُ حَرٌّ، فَيَكُونُ. ٥٦ يَامُرَاؤُونَ! تَعْرِفُونَ أَنْ تُمَيِّزُوا وَجْهَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَأَمَّا هذَا الزَّمَانُ فَكَيْفَ لاَ تُمَيِّزُونَهُ؟ ٥٧ وَلِمَاذَا لاَ تَحْكُمُونَ بِالْحَقِّ مِنْ قِبَلِ نُفُوسِكُمْ؟ ٥٨ حِينَمَا تَذْهَبُ مَعَ خَصْمِكَ إِلَى الْحَاكِمِ، ابْذُلِ الْجَهْدَ وَأَنْتَ فِي الطَّرِيقِ لِتَتَخَلَّصَ مِنْهُ، لِئَلاَّ يَجُرَّكَ إِلَى الْقَاضِي، وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الْحَاكِمِ، فَيُلْقِيَكَ الْحَاكِمُ فِي السِّجْنِ. ٥٩ أَقُولُ لَكَ: لاَ تَخْرُجُ مِنْ هُنَاكَ حَتَّى تُوفِيَ الْفَلْسَ الأَخِيرَ».

ع٥٤-٥٥:

اعتمد العالم على الزراعة كحرفة أساسية، والزارع اعتاد أن يميـز الظـواهر الطبيعية المؤثرة على زراعته، مثل الضباب الذى يمطر على النباتات فتنمو، ورياح الجنوب التى تحمل دفئا يساعد على النمو.
ترمز الأمطار روحا إلى النعم السمائية،

ورياح الجنوب

الحارة إلى عمل الروح القدس، وهذاما تم بتجسد المسيح وفدائه إذ أفاض على البشرية بالخلاص، ووهبـهم الـروح القـدس المجـدد لطبيعتهم.

ع٥٦:

إن كان الإنسان يفهم تمييز حالة الجو وما ينبئ به، فلماذا لم يفهم اليهود نبـوات الأنبياء عن المسيح الذى يرونه أمامهم؟ بالطبع هناك أسباب، وهى كبرياء الإنسان وانغماسـه فى الماديات الذى يفقده روح التمييز والحكمة.

ع٥٧:

إمتدادا لعدم التمييز، لا يحاسب الإنسان نفسه على خطاياه ليتوب ويرجع إلى الله، أى يرفض الخضوع للحق الإلهى ويتمادى فى الخطية مبررا نفسه.

ع٥٨-٥٩: وردت أيضاً فى العظة على الجبل (مت٥: ٢٥)


يقدم مثالاً عملياً وهو حدوث نزاع مع خصم، فإن لم تصالحه ستقف أمام القاضى الـذى يحكم على خطأك ويسلمك إلى الحاكم الذى يلقيك فى السجن، ولا تخرج منه حتى توفى العدالـة حقها بالكمال، فإن كنت قد إغتصبت شيئاً فستوفى أياماً فى السجن مقابل أخر فلس (أصغر عملة نقدية).
وإلى جانب أن هذا يدعونا لفض النزاعات مع الآخرين والإبتعاد عن المحاكم بكل طاقتنـا، لكنه يرمز روحياً إلى النزاع مع الله، والخصم هو الوصية أو الضمير أو الروح القدس، والقاضى هو الله الديان فى اليوم الأخير، والحاكم أو الشرطى كما يقول إنجيل متى هم الملائكة الـذين يلقـون النفس فى السجن أى العذاب الأبدى، وحيث أن خطايانا غير محدودة لأنها موجهة ﷲ غير المحدود، فلن نستطيع أن نوفى أخر فلس بل نظل إلى الأبد فى العذاب.
† إخضع لوصايا الله ولصوت ضميرك ولعمل الروح القدس، أطع أب إعترافك وتعاليم الكنيسة، وتمسك بحياة التوبة فتخلص فى اليوم الأخير وتتمتع بالملكوت السماوى.
زر الذهاب إلى الأعلى

معاني الكلمات في الأصحاح

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

Please consider supporting us by disabling your ad blocker!