نرى في هذا الأصحاح انتقام الله من الأشرار، الذين يمثلهم جوج وكل جيوشه، وفى نفس الوقت نرى تأديبه لشعبه. والفرق واضح، أنه لأجل عدم إيمان الأشرار يهلكون، أما أولاده المؤمنون فيؤدبهم لفترة هي السبي، ثم يعيدهم بعدها بكرامة عظيمة.
يواصل ابن سيراخ كلامه عن الكاتب المهتم بكلام الله في الشريعة، المذكور في (ع٢٥) في الإصحاح السابق، ويصفه بما يلي:
الصفة الأولى: التلمذة على أيدي الحكماء السابقين:
يبحث عن حكمة الآباء الذين سبقوه، المعروفين بالحكمة؛ ليتعلم من حكمتهم التأمل.
الصفة الثانية: الكتاب المقدس:
يتفرغ ويعطي وقتًا كبيرًا للتأمل في النبوات التي قالها الأنبياء السابقون. فهذا الكاتب يمثل كل إنسان روحي يريد أن يتمتع بعشرة الله، فهو يريد أن يكون صورة حقيقية لله، فيتأمل في الروحانيين الذين سبقوه، وكلامهم؛ ليتمثل بهم؛ لأنهم هم أيضًا يريدون التشبه بالله، فيكون الكاتب ومن سبقوه كلهم صورة لله، تتضح كل يوم من خلال تأمل الإنسان في كلام الله على فم القديسين الذين سبقوه.
ع١، ٢:
يؤكد الله هنا لجوج الجبار العنيف، الذي يملك على بلاد روسيا، كما ذكرنا في الأصحاح الماضى، أن الله هو ضابط الكل، فهو الذي سمح له أن يصعد ويأتى على شعبه إسرائيل، وهو أيضًا الذي سيرده عنه ويهلكه. والعجيب أن الله يذكر أنه سيرده عن إسرائيل قبل أن يصعده عليها؛ لينبهه أنه يدافع عن شعبه وليطمئن شعبه، فلا ينزعج من تهديدات الأعداء.
ويذكر أن جوج سيأتى من الشمال؛ كما أتى أعداء كثيرون من الشمال على شعب الله مثل أشور وبابل، ثم مادي وفارس وبعدهم اليونان، ولكن كل هذا لا يصيب شعب الله بشئ مادام متمسك بالله، فهو يحميه.
ويؤكد هنا قوة أولاده عندما يصفهم بالجبال القوية الصامدة والمرتفعة إلى السماء، كما شرحنا في (حز ٣٦).
ع٢:
أفانين
: فنون
الصفة الثالثة: العمل بأقوال الحكماء:
محب الحكمة ليس فقط يبحث عن أقوال الرجال الأتقياء المشهورين الذين سبقوه، بل أيضًا يفهمها ويحفظها، والمقصود بالحفظ ليس الحفظ الذهني فقط، بل التطبيق العملي، أي يحيا بها، فيتمتع ببركات الحكمة.
أيضًا يدخل في فنون الأمثال، أي يتأمل في أمثال الله، والمقصود بها الأسفار الحكمية، مثل أسفار أيوب، والمزامير، والأمثال ... ليستنتج منها حكمة الله التي تدخل في تفاصيل حياة الإنسان، فيتمتع بفهم حكمة الله التي في أمثاله.
ع٣:
يجرد الله جوج من أسلحته قبل أن يهلكه، فيضربه على يده اليسرى ويسقط منه قوسه، ثم يضربه على يده اليمنى، فتسقط منه سهامه. وهكذا يصير أعزلًا بلا سلاح، عاجزًا عن محاربة شعب الله، بعد هذا يحكم عليه ويهلكه (ع٦).
هكذا أيضًا المسيح بالصليب جرد الشيطان من آخر سلطان له علينا وهو الموت؛ لذا فبالصليب نستطيع أن نكسر كل أسلحته، فيصير أعزلًا بلا سلاح أمامنا وننتصر عليه.
والله الذي قيد الشيطان بالصليب، ويشير إلى ذلك في (رؤ١٩)، بعد هذا يدينه ويلقيه في العذاب الأبدي في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت.
† كلما تجردت من شهوات العالم وخطاياه وكل التعلقات الماضية بالصوم تستطيع أن ترفع قلبك بالصلاة، وحينئذ تنتصر على الشيطان، ويصير تحت قدميك؛ لأن كلام المسيح واضح أن هذا الجنس لا يخرج بشئ إلا بالصلاة والصوم (مت١٧: ٢١).
ع٣:
الأحاجي
: الألغاز.
يتبحر
: يتعمق
الصفة الرابعة: التأمل في الأمثال الشعبية:
من صفات محب الحكمة أيضًا أنه يبحث عما يختفي وراء الأقوال السائرة، وهذه الأقوال هي الأقوال السائدة والمشهورة في هذا الزمان، وقد تكون متوارثة من أجيال سابقة؛ ماذا تعني هذه الأقوال؛ يفحصها؛ ليعرف ما تحتويه، ويتأمل فيها، ليتعلم منها.
الصفة الخامسة: البحث في الظواهر الغامضة:
كذلك يزداد بحثه في الحقائق الغير مفهومة، فيتساءل لماذا يحدث هذا، أو ذاك؟ ويكتشف أسرار وحكمة الله فيه، مثل أن ينظر إلى الماء الذي يسقط كأمطار من السماء، فيملأ الأنهار والبحار، ثم يعود ليتبخر بحرارة الشمس، ويرتفع في الجو، وكيف تتعادل هذه العمليات، وتتوازن. فلا تفيض الأنهار والبحار، ولا تنقص، أو تجف السماء، أو تزداد كميات السحاب فيها، فيرى حكمة الله ضابط الكل، الذي يحفظ الإنسان ويعطيه احتياجاته في الوقت المناسب، والعالم مملوء بالألغاز التي يحاول العلم اكتشافها تدريجيًا ولا تنتهي لأنها كثيرة جدًا.
ع٤، ٥:
يحدد الله مكان هزيمة جوج وجيوشه أنها على جبال إسرائيل. ويقصد هنا شعبه المؤمن به بقوة وصمود كالجبال، فيموت هناك جوج وكل تابعيه، ويصبحون مأكلًا للطيور الجارحة ووحوش الحقل. والطيور ترمز للمؤمن المحلق في السماء، فيستطيع أن ينتصر على الشيطان. وكذلك ترمز الوحوش للقوة الروحية التي لا تقوى عليها الخطية.
ويسقط قتلى جوج على وجه الحقل، والحقل يرمز للمؤمن المثمر الذي يعطى غلة، أي فضائل روحية، فينهزم الشيطان عند قدميه.
وقد سبق أن قتل الله ١٨٥٠٠٠ جندى من جيش سنحاريب، وملأت جثثهم الأرض، فأكلتهم طيور السماء ووحوش الحقل (٢ مل١٩: ٣٥). وهذا ما سيحدث في نهاية الأيام (رؤ١٩: ١٧-٢١).
ع٤:
محب الحكمة كنز عظيم، يستغله العظماء والرؤساء، ويحرصون على ضم هؤلاء إلى مستشاريهم ومساعديهم لماذا؟
١. يرشدوهم في تدبير أمور الدولة.
٢. يساعدوهم في تربية وإرشاد أبنائهم.
٣. يرسلوهم كسفراء للتباحث مع الدول الأخرى، وحل المشاكل.
٤. يرشدوهم في تصريف أمورهم الشخصية.
ومن أمثلة هؤلاء الحكماء، القديس أرسانيوس معلم أولاد الملوك، والمعلم إبراهيم الجوهري، الذي لحكمته صار في مكانة رئيس الوزراء.
ع٦:
ينتقم الله من الأشرار الخارجين من أرض ماجوج بقيادة جوج فيحرقهم بالنار، هذه النار إما نار حقيقية، أو تعنى إهلاك لعدد كبير من الجيش الخارج من ماجوج.
وقد يكون المقصود هلاك الساكنين في ماجوج وليس فقط الجيش الذي خرج منها.
أما الجزائر فهي التي كانت متحالفة مع جوج، وقد يكون المقصود أيضًا البلاد الوثنية الغارقة في الشر وشهوات العالم، لأن الجزيرة محاطة بالبحر، الذي يرمز للعالم وشهواته. ويقول الكتاب أنهم يسكنون في هذه الجزائر آمنين، وهذا الأمن يعتمد على الماديات وليس على الله فهو أمن كاذب؛ لذا فجأة يهلكون؛ لرفضهم الله.
وسيتم هلاك الأشرار، ليس فقط قبل ميلاد المسيح، بل أيضًا قبل مجيئه الثاني، فتحرقهم النار، ثم يلقى إبليس في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت (رؤ٢٠: ١٠).
ونرى هنا أن الله لا يدين فقط الشيطان، بل يحكم عليه ويلقيه للعذاب الأبدي، أي أن الله سيحرقه هو وأتباعه بالنار الأبدية.
من الناحية الروحية فالمؤمن يحمل الروح القدس في داخله، وبنار الروح القدس يحرق كل شر فيه وينقيه، كما يخيف أيضًا الأشرار، إذ يروا قوة الله العاملة فيه.
ع٥:
الصفة السادسة: التعلم من الجميع:
الإنسان محب الحكمة يميل للتعلم من كل إنسان، ولا يكتفى بالاستفادة ممن حوله من الحكماء، والاحتراس من شر السالكين في طريق الخطية المحيطين به، ولكن يشتاق لتعلم معرفة الخير، ورفض الشر من خلال أسفاره في البلاد الأخرى في العالم، فيقابل حكماء، يتعلم منهم الكثير، ويصادف أشرارًا فيحترس، ويتباعد عنهم، فهو بهذا يختبر الخير والشر، أي تزداد خبرته في محبة الخير، ورفض الشر.
ع٧:
إذ يظهر الله قوته في هلاك الأشرار يتمجد في وسط شعبه الذي يُظهر قوته فوق كل الآلهة الوثنية، فيتمسكون بوصاياه ويعبدونه بأمانة. وهذا ما حدث بعد الرجوع من السبي على يد زربابل وعزرا ونحميا.
ولا يعود اسم الله يتنجس، إذ يظل شعبه متمسكًا به، كما حدث أيام المكابيين. والأمم أيضًا تخاف الله.
من هذا نرى اهتمام الله بإيمان شعبه به، وكذلك أن تعرفه الأمم، لعلها تؤمن وتتوب؛ لأن الله خالق الكل ويريد خلاص الجميع.
ع٦-٨:
الابتكار
: الاستيقاظ مبكرًا.
فاه
: فمه.
الصفة السابعة: الصلاة:
محب الحكمة الذي يبحث عنها ليقتنيها، يلزمه أن يقوم باكرًا ليقف أمام الله الذي خلقه وصنعه، ليفعل ما يلي:
١. "يتضرع إلى العلي"
: إذ يشعر أن الله هو أعلى شخص في الوجود، فيتقدم باتضاع أمامه، وتذلل، ويطلب احتياجاته التي هي الحكمة، ومعرفة الله؛ ليشبع ويستطيع بعد هذا أن يعطي، ويرشد الآخرين
٢. "يفتح فاه بالصلاة"
: يفتح الباحث عن الحكمة فمه، ويردد كلمات الصلاة، التي يقترب بها من الله، ويعبر فيها عن شكره، واحتياجه لله. وبكثرة الصلوات يتشبه محب الحكمة بالله، وتنطبع صورة الله عليه، ويصير حكيمًا.
٣. يستغفر لخطاياه
: لا ينسى محب الحكمة ضعفه، فيعترف بخطاياه أمام الله؛ لينال غفرانه ومراحمه، وهكذا بالاتضاع والتوبة يصبح حكيمًا، كهبة ونعمة من الله.
محب الحكمة يميل أن يعطي ما عنده من حكمة للآخرين، بل يعطيها بسخاء، ولا يمسكها عن أحد؛ لأنه غير أناني. ويشبه عطاء محب الحكمة بأنه كالمطر الذي ينزل على الجميع ويسقي الكل.
الصفة التاسعة: شكر الله:
الباحث عن الحكمة يعرف أن كل ما يناله من حكمة هو من الله، ولذا فهو يعترف بالفضل لله، أي يشكره دائمًا على الحكمة التي وهبه إياها.
ع٨:
لأن كلام الله لابد أن يتم، لذلك يقول عن يوم انتصار شعب الله على أعدائه أنه قد "أتى وصار"، وهذا اليوم سبق وأنبأ به الله في (حز ٣٨: ١٩-٢١).
ويوم النصرة هذا ليس فقط على جوج قبل مجئ المسيح، بل أيضًا في نهاية الأيام على الشيطان، فهو حتمًا سيأتى هذا اليوم، وينقذ الله أولاده ويهلك الشيطان. هذا الأمر يطمئن أولاد الله جدًا، فهو يبين اهتمام الله بهم وقدرته على إنقاذهم.
† آمن أن الله معك مهما كنت تعانى من الآلام. إصبر وتمسك بوصاياه، فسيتدخل في الوقت المناسب فينقذك ويباركك عوض كل احتمالك، ليس فقط في السماء، بل ويعطيك بركات أيضًا على الأرض.
ع١٠:
الصفة العاشرة: السلوك بمشورة الله:
محب الحكمة ليس فقط يدرس الكتاب المقدس، ويعرف شريعة الله، ولكنه يحرص أن يسلك في حياته بكلام الله ومشورته، فهو يتعلم حكمة الله ليحيا بها.
الصفة الحادية عشر: التأمل في أعمال الله الخفية:
محب الحكمة يحيا مع الله، والله يعمل في حياته، وأحيانًا تكون أعمال الله غير مفهومة للإنسان الحكيم، ولكنه يقبلها بشكر في وقتها، وبعد فترة قصيرة، أو طويلة يكتشف غاية الله مما حدث في حياته، فيشكر الله، ويزداد في تسليم حياته لله والاتكال عليه.
ع٩:
بعد سقوط جثث جيش جوج، وهروب الباقين تاركين أسلحتهم، سيخرج شعب الله ويحرق المعدات الحربية المختلفة المصنوعة من الخشب، أو الجلد. ولكثرة الأسلحة يحرقونها، في مدة طويلة يذكر أنها سبعة سنوات. ورقم سبعة يرمز للكمال، أي لفترة طويلة، وتفسير آخر أنهم لم يحرقوا السلاح ليتخلصوا منه، ولكنهم احتفظوا به في بيوتهم ليستخدموه كوقود بدلًا من الحطب كما يظهر في (ع١٠).
وكانت كمية هذه الأسلحة كبيرة لدرجة أنها كانت كافية لإحتياجاتهم لمدة سبع سنوات. ومن هذا تظهر قوة الله الذي يحول حروب الشياطين إلى بركة في حياتنا كما تحولت أسلحة الأعداء إلى وقود لفائدة شعب الله.
وهذا يبين قوة الله في قهر جيوش عظيمة أمام شعب إسرائيل الصغير. وسيتم هذا في نهاية الأيام رمزيًا عندما يتخلص أولاد الله من الشيطان ويدخلون إلى الملكوت، فلا توجد حروب للشياطين، أو أسلحة لهم، بل يحترق الشيطان وكل قوته بالنار الأبدية، ويكون وقود النار الأبدية وسببها هو الشرور التي فعلها الأشرار بقيادة الشيطان، فأسلحتهم تظل تُحرق إلى الأبد، ويعانون من العذاب.
ع١١:
الصفة الثانية عشر: قبول تأديب الله:
محب الحكمة ليس فقط يبحث عن الحكمة ليعرفها، أو يحيا بها، ولكنه أيضًا يقبل الضيقات التي تمر به، ويعتبرها تأديب من الله؛ ليتوب عن خطاياه، أو لتحميه الضيقات من الشهوات الشريرة، أو أية أغراض أخرى، المهم أنه يقبل برضا تأديب الله، ثم يعلم من حوله قبول هذا التأديب، فيحتفظوا بسلامهم وسط كل الضيقات.
الصفة الثالثة عشر: الافتخار بالشريعة:
الباحث عن الحكمة ليس فقط يحب شريعة الله، ويقرأها، ويفهمها، ويطبقها، بل أيضًا يفتخر بها، إذ هي أعظم شيء تعلمه، فهو لا يفتخر بعظمة العالم الزائلة، أو كل مقتنياته، لكنه يفتخر فقط بشريعة الله وكلامه.
ع١٠:
الوعور
: الأماكن المهجورة التي تنبت فيها نباتات برية.
ولن يحتاج شعب الله لحطب، أو أي نبات جاف من الحقل، إذ أن النار المشتعلة في أسلحة الأشرار كافية، والله يلهبها بقوته، فلا يحتاج شعب الله إلى معونة مادية؛ لأن إلههم ينجيهم من أيدي الأعداء، ويعذب الأعداء بشرورهم.
وإن كان جوج قد استطاع أن يسلب شيئًا من أولاد الله، فيموت هو وجيشه، وعلى العكس يسلبه أولاد الله، ويغتنمون كل ما تركه جيشه. وفى نهاية الأيام إن كان الشيطان قد سلب أية إمكانيات من أولاد الله عندما أسقطهم في الخطية، ولكنهم بتوبتهم يقبلهم الله ويرفعهم إلى السماء ويعطيهم أماكن الشياطين التي تركوها بسقوطهم، فيحتلها أولاد الله، ويتمتعون إلى الأبد مع الملائكة.
ع ١٢-١٥:
الصفة الرابعة عشر: خلود حكمته:
من يطلب الحكمة، ويقتنيها، ويعطيها للآخرين، فإن الناس تحبه، وتمدحه في حياته، سواء القريبين منه، أو الذين يسمعون عنه؛ حتى لو سكنوا في بلاد بعيدة.
ثم يمتد أيضًا ذكر حكمته إلى ما بعد موته، فيذكره الناس بالخير، وإن كان قد استراح بموته، فقد أفاد نفسه بالحياة الأبدية والتلذذ بعشرة الله، فتظل الناس تذكر كلامه، وحكمته ويتعلمون منها، مثلما يحدث مع القديسين أولاد الله في كل الأجيال، فحكمتهم تنتشر، ويذكرهم ألوف الناس في حياتهم، ثم بعد موتهم تذكرهم أعداد أكبر من الناس، ويتلذذون بذكر كلامهم الحكيم، بل ويسعون لتطبيقه؛ لأنه كلام الله على لسان الحكماء.
† إن الحكمة أفضل شيء تطلبه يا أخي؛ لأنها تقربك إلى الله، وتشبعك، وترشدك في كل خطواتك. فاهتم بالتعلم والتلمذة طوال حياتك مهما تقدمت بك الأيام؛ لتكتشف كل يوم بركات جديدة عن الله.
ع١١:
عباريم
: سلسلة من الجبال تقع جنوب شرق نهر الأردن، وشمال شرق البحر الميت ومعنى اسمها "عبور" وقد أعطيت نصيبًا لسبط رأوبين.
البحر
: يقصد البحر الميت.
يحدد مكان هزيمة جيوش جوج، وهو شرق نهر الأردن وشرق البحر الميت، فتصبح هذه المنطقة قبرًا لجيوش الأعداء. وتصعد نتانة الجثث، فتصير الرائحة الكريهة غير محتملة، حتى أن من يعبر هناك يسد أنفه. وهكذا تحولت عظمة الأشرار إلى كراهة لكل من يعبر بهم. هذا هو الشيطان المستتر وراء لذة الشهوات ولكن في داخلها نتانة وموت.
وموت جوج وجيشه في أرض إسرائيل يرمز إلى موت الخطية داخل قلب الإنسان، فيتطهر ويحيا بكل قلبه لله.
وعلى رأس جبال عباريم فوق قمة جبل نبو صعد موسى لينظر أرض كنعان، فهناك في عباريم مات الأشرار ولم يدخلوا أرض كنعان، أما أولاد الله المشتاقين للوجود مع الله، مثل موسى وكل شعب إسرائيل، فإنهم ينعمون بكنعان السماوية، أي ملكوت السموات.
ونرى هنا أن الأرض التي اشتهى أعداء شعب الله أن يمتلكوها صارت قبرًا، والقبور نجسة عند شعب الله فلا يجرى الإنسان وراء محبته الوقتية لئلا تتجنس حياته.
ويسمون الوادى الذي سقطت فيه جثث جيش جوج وادي جمهور جوج؛ لأن عددهم كان كبيرًا.
يقوم شعب الله بدفن جثث جيش الأعداء ليتخلصوا من نجاستها، أي يصنعوا قبورًا لهم في الأرض، بهذا يطهرون الأرض من هذه الجثث والعظام، ويستغرق ذلك سبعة شهور. إن عمل أولاد الله هو تطهير العالم، وهو عمل مستمر مدى الحياة لأن رقم سبعة يرمز للكمال.
ع١٦:
البدر:
القمر عندما تكمل استدارته، واستنارته.
يعلن ابن سيراخ أنه سيستمر في إعلان أفكاره، التي هي عمل الله فيه، والحكمة التي وهبه إياها، خاصة وأنه يشعر بامتلائه، وشبعه من الحكمة، والاستنارة الروحية، مثل البدر المنير، أي المكتمل في نوره، فهذا يبين امتلاء ابن سيراخ، وميله كأب وخادم أن يفيض على أولاده بحكمة الله، ليعلمهم ويشركهم الفرح بعشرة الله.
ع١٣:
يشترك كل شعب الله في دفن جثث الأعداء؛ لكثرة الجثث وحتى يشعر شعب الله بالنصرة في دفن الأعداء ويثقون بالله، الذي نصرهم، بل يكون هذا تمجيدًا لله، الذي ظهرت قوته في غلبة الأعداء. ويقصد بيوم التمجيد يوم هزيمة الأعداء والفترة التي دفن فيها شعب الله جثثهم.
ولعل يوم النصرة هذا صار عيدًا عند شعب الله، معروفًا ومشهورًا على مدى الأيام. وهو يعنى في حياة كل إنسان أن يتذكر المواقف التي نصره فيها الله على الشيطان، فيشكره ويمجده طوال حياته.
ع١٧:
الأصفياء:
الأتقياء
يحدث الحكيم ابن سيراخ أولاده الروحيين الأتقياء؛ لأنهم محبون للحكمة، ويطلبونها دائمًا؛ وبهذا تتنقى حياتهم، فيطلب منهم أن ينبتوا كورد على نهر الصحراء.
ويشبه الحكمة بنهر يجري في وسط الصحراء، والماء هو أهم شيء يطلبه الإنسان الذي يحيا في الصحراء، هكذا الحكمة هي شرط لحياة الإنسان الروحي وسط برية العالم. هذا النهر هو أيضًا نهر الروح القدس الذي يعطي الحكمة، أما الورد النابت على حواف النهر، فهو ثمار هذا الماء الجاري في الصحراء، ومنظره جميل، ويعطي إحساس بالحيوية، هذه الورود هي ثمار الروح القدس، أو ثمار الحكمة.
فعندما يطلب ابن سيراخ من طالبي الحكمة أن ينبتوا كورد، يقصد أن يعيشوا بالحكمة، ويتغذوا بها، فتظهر ثمارها في حياتهم، ويصيرون كالورد الجميل وسط صحراء العالم، يملأ عيون الناظر إليها بالحيوية، والمنظر الجميل، والرائحة الطيبة. وهذا هو عمل الإنسان الروحي طالب الحكمة، والذي يحيا بها، أن يكون نور للعالم وملح للأرض.
ع١٤، ١٥:
صوة
: علامة مثل حجر أو عمود حجرى، أو أية علامة بعد تطهير الأرض.
يعين شعب الله مجموعة للتأكد من عدم بقاء أي عظام قد نسيت من جيش الأعداء، فيعبرون في كل مكان في الأرض، فإذا وجدوا عظمًا يحفرون ويدفنونه. وهذا يبين تدقيق شعب الله في تطهير الأرض، فالتطهير يحتاج إلى متابعة، كما يحاسب الإنسان نفسه كل يوم بعد توبته واعترافه ليتخلص أولًا بأول من كل خطية، فيعيش حياة التوبة والطهارة.
كذلك كل شعب الله لابد أن يشتركوا في عملية التطهير، فإذا وجد أي إنسان وهو يسير في طريقه عظمًا، لا يلمسه حتى لا يتنجس ولكن يضع بجواره علامة؛ حتى إذا عبر المكلفون بدفن بقايا الجثث يحفرون ويدفنونه، وهذا معناه أن كل إنسان مطالب أن يتابع حياة الطهارة في داخله، ولا يختص بهذا بعض الخطاة، ولكن كل إنسان مهما ارتفعت حياته الروحية لابد أن يظل مهتمًا بطهارة نفسه.
ع١٨:
أفيحوا
:
أنشروا.
عرفكم:
رائحتكم.
اللبان:
البخور.
ويطلب أيضًا ابن سيراخ من طالبي الحكمة أن ينشروا رائحتهم الطيبة، ويقصد أعمالهم الصالحة، وكلماتهم المملوءة حكمة، كما تنتشر رائحة البخور التي تقدم أمام الله في هيكله. ويقصد أيضًا أن التقوى والروحانية التي يحيون فيها، ستؤثر فيمن حولهم، وتنتشر دون أن يقصدوا في كل مكان يذهبون إليه.
ع١٦:
همونة
: اسم عبري معناه جمهور.
ويسمون المدينة التي سقط بجوارها جيش جوج "همونة"، أي جمهور؛ لأن عدد القتلى كان كثيرًا جدًا. وكذلك أيضًا في نهاية الأيام سيكون عدد الهالكين من الأشرار كثيرًا جدًا.
ع١٩:
الزنبق:
الزهر
يطلب أيضًا ابن سيراخ من محبي الحكمة أن يزهروا كالزنبق، أي تظهر في حياتهم فضائل روحية اكتسبوها من الحكمة، فتكون مؤثرة على من حولهم، وكرائحة زكية لله تخرج منهم.
ويطلب منهم أيضًا، أن يسبحوا الله، ويباركوه على كل أعماله العظيمة في رعايته، وعنايته بهم، وبالعالم كله، فيكونوا قدوة للآخرين، ويجذبونهم إلى محبة الله، وشكره وتسبيحه.
: رنموا لله بالحمد والتسبيح، واستخدموا الآلات الموسيقية لتتحرك مشاعركم، وتفرحوا بكل كيانكم، وتمجدوا الله.
٤. وقولوا هكذا بالاعتراف
: أخيرًا يطلب ابن سيراخ من طالبي الحكمة أن يشمل اعترافهم لله، وتسابيحهم موضوعات كثيرة من أعماله، سيأتي تفصيلها في الآيات التالية.
† جيد يا أخي أن تلاحظ أعمال الله معك، وتشكره عليها كل يوم، وترى تدابيره الحسنة حولك، وتمجده، وهذا يزيد ارتباطك به، وتمتعك بعشرته، وتنال بركات وفيرة منه.
ع١٧:
يظهر الله قوته في هزيمة جيش جبار هو جيش جوج، فسقط قتلى كثيرين جدًا، حتى أنه ينادى الطيور الجارحة التي تأكل جثث الموتى والوحوش التي في الأرض؛ لتأتى كلها وتأكل هذه الجثث وتمص دماءها وهذا يبين ما يلي:
١. الحقارة والذل التي أصابتا جوج المتكبر وكل جيشه وحلفائه.
٢. كثرة عدد الجيوش، ولكن هي بلا قيمة أمام قوة الله المساند لشعبه الضعيف.
٣. لعل هذه الذبيحة تدعو الأمم للإيمان بإله إسرائيل، وفى نفس الوقت تثبت إيمان شعب الله به.
وتظهر كثرة الجثث في أن طيور السماء ووحوش الأرض أكلت منها قدر ما يشبعها، ثم بقيت العظام، وما تبقى من الجثث يدفنه شعب إسرائيل؛ حتى يطهروا الأرض.
: وادي خصب يمتد شرق نهر الأردن من جلعاد جنوبًا إلى منابع الأردن شمالًا، وترعى فيها الماشية، فتتميز بأنها سمينة وقوية لأجل خصوبة المرعى.
يذكر الله بالتفصيل ما ستأكله طيور السماء ووحوش الأرض كما يلي:
١. الجنود والرؤساء الجبابرة في الحرب التابعون لجوج وكل حلفائه.
٢. الماشية الثمينة القوية، مثل ماشية باشان التي اصطحبها معه جوج؛ لتكون مأكلًا لجنوده أثناء الحرب، فصارت مأكلًا للوحوش.
ع٢١:
أونتها:
ميعادها.
كل أعمال الله الكبيرة، أو الصغيرة حسنة جدًا؛ لأن الله خلقها ودبرها على أحسن وجه؛ لتفيد الإنسان، ويتمتع بها، بل ويرى الله فيها، فيمجده.
كل أوامر الله، أي تدابيره نظمها لتجري في أوقاتها، فالأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، ولكل كوكب مساره الذي لا يحيد عنه، لئلا يصطدم بغيره، فتكون كارثة في الكون.
وكذلك تدبيره احتياجات الإنسان من النبات والحيوان، وكذلك الهواء والماء، بل وأيضًا جسد الإنسان كل عضو فيه يقوم بدور مهم لحياة الإنسان.
وقد تبدو بعض خلائق الله بلا فائدة، ولكن في الوقت المناسب تظهر أهميتها؛ لذا يوجد في العالم ما يسمى بالتوازن البيئي، فلو زاد، أو قل أحد المخلوقات، يمكن أن يؤثر على البيئة كلها. حتى الخلائق التي تبدو للإنسان أحيانًا أنها ضارة، هي غذاء لمخلوقات أخرى، وبهذا تجري الحياة بطريقة متوازنة لفائدة الإنسان.
ع١٩:
يوضح الله كثرة عدد الجثث في أنها ستشبع الطيور والوحوش إلى أقصى مايمكن، يعبر عن هذا بأمرين:
١. الشبع الكامل فلا تحتاج لتأكل شيئًا آخر وتبقى بعدها بعض الجثث.
٢. تشرب من الدم كميات كبيرة حتى أنها تكاد تسكر من كثرة ما شربته. وهذا كناية عن شرب الدم بكثرة وليس السكر الحقيقي من الخمر.
ع٢٢:
ربوة:
تل صغير
حياض المياه:
سيل المياه وجريانها
عندما أمر الله موسى أن يضرب بعصاه البحر الأحمر، انشق البحر، ووقفت المياه كسور، أو كحائط يمينًا ويسارًا، وعبر بنو إسرائيل على الأرض بين سورين، أو ربوتين من المياه. وكذلك عندما دخل تابوت العهد يحمله الكهنة في نهر الأدرن وقفت المياه كالسور أيضًا، وعبر بنو إسرائيل إلى أرض كنعان، فالمياه السائلة والجارية في البحر الأحمر وقفت فجأة بكلمة الله الذي أمر موسى أن يضرب بعصاه البحر، ووقفت أيضًا المياه الجارية في نهر الأدرن، عندما أمر الله يشوع أن يدخل الكهنة بتابوت عهد الله (يش٣: ١٦).
ع٢٠:
يستكمل الله كلامه للطيور والوحوش بأنها ستأكل الخيول التي تجر المركبات، أو التي يركبها الفرسان، وكذلك جثث هؤلاء الفرسان والجنود ورؤساء الحرب. كل هذا ليؤكد عظمة جيش جوج، وبالتالي قوة الله الذي هزمه.
ع٢٣:
مرضاة:
ما يرضي الله
إن أوامر الله وتدابيره لحياة الإنسان وكل خلائقه تصنع ما يرضي الله، فهي حسنة وصالحة وتقود الإنسان إلى خلاص نفسه، أي تساعده أن يحيا ويشكر الله، ويرى الله في تدابيره، فيثبت إيمانه، ولا يتعلق بالأرض المتغيرة، ولكن ينظر إلى السماء حتى يرتفع إليها.
ع٢١:
بهذا الانتصار الإلهي العظيم وهزيمة أقوى جيوش الأمم تخاف جميع الشعوب من إله إسرائيل وتمجده. والله يقصد من كل هذا أن يدعوهم للإيمان به، بعد أن يرون حكمه على جوج، ويده التي امتدت على جيوشه فأهلكته.
ع٢٤، ٢٥:
الله ضابط الكل، كل شيء مكشوف وعريان أمامه، فهو يرى كل إنسان، ليس فقط في أعماله وكلامه، بل أيضًا يرى أفكاره ونيات قلبه، وهو يرى كل إنسان في أي مكان يذهب إليه، أي يرى جميع الأماكن على الأرض، وفي السماء، ويرى أيضًا الإنسان عبر الزمان، فيرى الإنسان وهو صغير، ثم بعدما يكبر، ويرى الآباء والجدود منذ آدم حتى الآن، ويرى أيضًا الذين سيأتون في المستقبل.
ع٢٢:
قصد الله أيضًا من هذه الهزيمة العظيمة لجيوش جوج أن يؤمن شعب الله بقوته، فلا يهتزوا من قوى العالم على مدى الأجيال؛ لأن إلههم أقوى من كل شيء.
† إن كان إلهك أقوى من كل قوى العالم فلا تضطرب من تقلبات الحياة وعنف البشر؛ لأن إلهك يحميك. استند عليه وارفع قلبك وتمتع بحبه واشكره وسبحه في كل يوم.
ع٢٦:
الله هو وحده الخالق والمدبر للعالم كله، وأعطى الإنسان عقلًا لكي يميز قدرما يستطيع، ولكن بالطبع لا يفهم الإنسان كل حكمة الله الغير محدودة، فإن آمن الإنسان بالله، واتكل عليه، سيقبل كل تدابيره، ولكن إن أهمل وجود الله، وفكر بعقله فقط، فقد يظن أن بعض المخلوقات ضارة، أو ليس لها فائدة، ولا داعي لخلقتها، فيخطئ بسبب ضعفه وعجزه، والأولى به أن يؤمن بالله، ويثق أن كل أعماله صالحة، ولا يخلق شيئًا ضارًا، أو بلا فائدة، ولكنه سيفهم فيما بعد سبب وجود كل كائن، سواء إن عاش مع الله فيعطيه فهمًا، أو بعدما يترك هذا الجسد ويذهب للحياة الأخرى، يستطيع أن يعرف.
ع٢٣، ٢٤:
أجلوا
: تم إجلاءهم، أي سبيهم.
يوضح الله أن الهدف من سبى شعبه إلى أشور، ثم بابل هو بسبب خطاياهم، وأن إلههم قوى قادر على صد أشور وبابل، ولكنه سمح بهذا لتأديبهم حتى يتوبوا. وتظهر قوته بعد ذلك في صد جيوش جوج، إذن فلم يكن ضعيفًا عن أن يصد جيوش بابل أو أشور، كل هذا سيتضح أمام الأمم، حتى يؤمنوا بأن إله إسرائيل قادر على كل شيء وأقوى من جميع الآلهة.
وقد تكرر غضب الله على اليهود بسبب صلبهم للمسيح، فتخلى عنهم ودمر الرومان أورشليم وقتلوا اليهود عام ٧٠ م، لعل الباقين يؤمنون.
ع٢٧، ٢٨:
بركات الله تفيض على أولاده مثل النهر الذي يروي الأراضي التي يمر بها. ونهر النيل يأتيه الفيضان في أشهر الصيف، فيروي الأراضي العطشى، وتنبت الزروع، فمياه الفيضان تغمر الأراضي الجافة في صعيد مصر، فتنبت الزروع ويأتي الخير.
من ناحية أخرى، إذا استمر الأشرار في خطاياهم، فالله يغضب عليهم، ويعاقبهم، كما عاقب سدوم وعمورة وخربها، وأحرقها، وكما غضب على قورح، وداثان وأبيرام، فانشقت الأرض وابتلعتهم. (تث ٢٩: ٢٣، تث ١١: ٦)
جمع عثرة، وهي المعطلات والموانع التي تسقط الإنسان وتؤذيه، وقد تهلكه.
الأثماء:
الخطاة
الله الحنون يهتم بأولاده الذين قدسهم لإيمانهم به، فيحفظهم في طرقهم، وإن كان يعوقهم في طريقهم شيء ما، يحوله لهم إلى طريق سهل، كما شق البحر الأحمر لشعبه، فساروا فيه على أرض ناشفة بسهولة، ونفس هذا البحر، أي البحر الأحمر الذي انشق وعبر فيه بنو إسرائيل، هو الذي غرق فيه فرعون وكل جيشه؛ لأنهم أشرار يريدون إذلال واستعباد شعب الله (خر١٥: ٤).
فالله خلق البحر الأحمر؛ ليعبر فيه أولاده بسلام، ولكن فرعون وجيشه لأنهم أشرار، تحول لهم البحر إلى سبب لهلاكهم.
ووصايا الله صالحة ومفيدة لأولاده الذين يطبقونها في حياتهم، وفي نفس الوقت هذه الوصايا ثقيلة على الأشرار، ويرفضونها، وتدينهم؛ لأنهم لا يعملون بها، فيهلكوا.
ع٢٥:
يعلن الله بقوة أنه سيرجع شعبه من السبي البابلي إلى أورشليم واليهودية، وبهذا تظهر:
١. قوة الله القادرة أن تعيد شعبه إلى بلادهم.
٢. رحمة الله الواسعة التي تغفر لشعبه كل خطاياهم.
٣. محبة الله كعريس يغار على شعبه كعروس، فينقذهم من عبودية السبي.
وعندما يقول أرد سبى يعقوب، أي اسم يعقوب الأول إشارة إلى انغماسهم في خطاياهم، ثم يقول أرحم إسرائيل وهو الاسم الثاني ليعقوب الذي ناله عندما صارع الله ونال بركته، وهذا ما سيحدث عند رجوعه من السبي حيث ينال بركات الله العظيمة.
ع٣١، ٣٢:
سميذ الحنطة:
الدقيق الفاخر المأخوذ من القمح الجيد.
دم العنب:
عصير العنب الذي لونه أحمر.
اللباس:
الملابس
الله خلق للإنسان أمورًا أساسية مفيدة، فيفرح بها الإنسان، ويستخدمها لخيره؛ هذا بالنسبة للأبرار، أما الأشرار فتكون لأذيتهم وهلاكهم.
فمثلًا، الماء يستخدمه الإنسان للشرب، أو يعبر فيه بالسفن، ليصل إلى المكان الذي يقصده، وفي نفس الوقت يهلك الأشرار، مثل الفيضانات التي تقتل الكثيرين.
والنار يستخدمها الإنسان في نواحي كثيرة من حياته؛ سواء للإنارة والتدفئة، أو الطهي، أو تسخين المياه للأغراض المختلفة النافعة، وفي نفس الوقت، النار تعلن غضب الله التي تحرق الأشرار، كما حدث في الضربات العشر، وفي حرق سدوم وعمورة.
والحديد تصنع منه آلات كثيرة مفيدة، وفي نفس الوقت تُصنع منه آلات للحرب يستخدمها الأشرار في إهلاك الآخرين.
والملح مفيد في الطعام وحفظ الأطعمة، وإذا زاد عن مقداره يتلف الطعام، ويفسده.
وسميذ الحنطة والعسل واللبن أطعمة مفيدة للإنسان ليحيا بها، وفي نفس الوقت، الانغماس في التلذذ بها، يشغل الإنسان عن الله، وتعلقه بشهوتها، ونسيانه للفقراء يغضب الله، كما في مثل الغنى ولعازر.
ودم العنب كعصير، مفيد للإنسان الطبيعي، ومضر لمن يجعله يختمر، فيشربه بكثرة ويسكر به.
والزيت مفيد كطعام، وكعلاج لبعض الأمراض، وفي نفس الوقت إذا ألقى جزء منه على الطريق يتسبب في حوادث وهلاك الناس.
واللباس يدفئ الإنسان ويستره وهذا مفيد، ولكنه ممكن أن يشغل البعض عن الله، ويقلقهم إذا نقص، ويتعلقون به إذا زاد، فيضرهم كل هذا.
وهذه المواد ترمز لأمور روحية هامة؛ فالماء واللباس يرمزان للمعمودية، ولبس الطبيعة الجديدة.
وسميذ الحنطة ودم العنب يرمزان لجسد المسيح ودمه في سر الإفخارستيا، والنار والزيت يرمزان لعمل الروح القدس المطهر والشافي، والحديد يرمز لقوة الله. والملح واللبن يرمزان للطعام الروحي، أي كلمة الله. وإهمال هذه الأمور يفقد الإنسان بركاتها، وكذا نوالها بدون استحقاق يدينه.
ع٢٦:
يصف الله حالة شعبه قبل السبي، عندما كانوا يسكنون آمين في أرض كنعان بحماية الله ورعايته، ولكنهم للأسف انغمسوا في شهواتهم وعبادة الأوثان، فغطاهم الخزي بسبب خيانتهم لله، أي كانوا مرفوضين من الله بسبب خطاياهم.
وللأسف لم يفهم شعب الله أن الأمن الذي يحيون فيه نعمة من الله وفرصة ليتوبوا، بل ظنوا أنهم بسبب تقواهم، وأنه بوجود هيكل الله في وسطهم لن يصيبهم ضرر.
ع٣٣، ٣٤:
سياطها:
جمع سوط وهو الكرباج.
وقت الإنقضاء:
وقت إتمام مشيئة الله، أو وقت تنفيذ إرادته.
الأرواح المقصود بها الرياح، فبعض الرياح شديدة، كالعواصف، وتظهر غضب الله على الأشرار، وتكون مؤلمة مثل ضرب السياط، بل يمكن أن تهلك من تأتي عليه. هذه العواصف في وقت هبوبها تنفذ إرادة الله في عقاب الأشرار، فتسكن غضب الله، كما نزل البرد من السماء في الضربات العشر، فأهلك الكثيرين، ومثل الريح الشديدة التي شق بها الله البحر الأحمر؛ ليعبر أولاده ويغرق الأشرار؛ فرعون وكل جنوده (خر ١٤: ٢١). ولذا تصلي الكنيسة من أجل أهوية السماء في القداس الإلهي.
وهذه الرياح العاصفة يمكن أن تكون الممالك التي استخدمها الله لتأديب شعبه، أو معاقبة الأشرار، فمملكة آشور، ثم مملكة بابل خربت بلاد اليهود، واستولت عليها وأحرقتها، وأخذت اليهود سبايا، وبعثرتهم في الأرض كلها، ثم قامت مملكة مادي وفارس فعاقبت بابل وأذلتها، وأعادت شعب الله إلى بلاده.
والمقصود بغضب الله (صانعها)، تأديبه وعقابه للأشرار لعلهم يتوبون.
ع٢٧:
ثم يتدخل الله بعد أن أدبهم بالسبي وتابوا ورجعوا إليه، فيجمعهم من بين الأمم الذين تشتتوا بينهم ويعيدهم إلى أورشليم، فيعودون مقدسين ومخصصين لعبادة الله، ولا يرجعون لعبادة الأوثان ويظهر هذا واضحًا أمام كل الأمم، أي تمسك شعب الله بعبادته.
ع٣٥-٣٧:
البرد:
قطع ثلجية تتساقط بكثرة كأمطار على الأرض تصيب وتهلك من تسقط عليه.
السباع:
الأسود
كل خلائق الله أدوات يستخدمها لتنفيذ إرادته، ولإعلان غضبه، فيسمح ببعض الظواهر الطبيعية، أو تصرفات البشر مع بعضهم، أن تكون مؤذية ومهلكة للآخرين. فالنار والبرد نزلت معًا في الضربات العشر، وأهلكت الكثيرين (خر٩: ٢٤)، والجوع الذي حدث سبع سنوات أيام يوسف (تك٤١: ٥٤)، والموت الذي نتج عنه، والسباع التي هجمت على الأمم الذين أسكنهم الآشوريون مكان اليهود في مملكة إسرائيل، فمات عدد كبير منهم (٢ مل١٧: ٢٦)، والأفاعي لدغت شعب الله بعد تذمرهم وأكلهم اللحم في البرية، فنظروا إلى الحية النحاسية، فنالوا الشفاء (عد ٢١: ٥-٦). أما السيف فقد ظهر في حروب كثيرة، وأمات الكثيرون، مثل هجوم بابل على أورشليم.
كل هذه الأدوات تطيع الله؛ لتنفيذ إرادته، وتأديب أولاده، وعقاب الأشرار؛ حتى يرجع إلى الله بالتوبة كل من ينخسه قلبه، وهي في حدود تنفيذ إرادة الله، فينتبه الإنسان من غفلته ويتوب.
ع٢٨:
من تشتيت الله لشعبه بين الأمم بالسبي ثم إرجاعهم إلى بلادهم تظهر محبة الله واهتمامه بكل فرد منهم، فلا يترك أحدًا منهم يريد الرجوع إلى أورشليم، إلا ويرجعه، فقد كان النداء على يد زربابل؛ ليعود كل يهودي يريد أن يعبد الله في هيكله.
ومن ناحية أخرى فالله لا يترك أحدًا ظروفه تمنعه من العودة لأورشليم بسبب المرض أو الشيخوخة، أو أي سبب آخر فيباركه ويسنده؛ لأنه يحب الله ويعبده وحده.
† إن الله يهتم بكل إنسان مهما بدا ضعيفًا. أو مرذولًا من الآخرين. فثق أن الله يسمع صلاتك ويهتم بك، حتى لو نسيك كل إنسان، أو وجدت بين غرباء، أو أناس لا يقدمون لك محبة.
ع٣٨، ٣٩:
ترسخت:
تأكدت وتيقنت.
رسمت في كتابي:
كتبت
عندما رأى ابن سيراخ أعمال الله، وتأمل فيها، تأكد من صلاح الله الذي رتب كل شيء في وقته؛ ليتم ويعلن مشيئته لفائدة الإنسان، فيدعو الناس إلى الإيمان والحياة معه، والتوبة عن الخطية، وكتب ذلك في كتابه، الذي هو سفر حكمة يشوع بن سيراخ.
ع٢٩:
بإرجاع الله شعبه يحل في وسطهم، وعندما يعبدونه بأمانة لا يحجب وجهه عنهم، بل يعمل بروحه القدوس فيهم ويباركهم.
يمتد معنى هذه الآية إلى كنيسة العهد الجديد، عندما يمتع أولاده في كنيسته بالأسرار المقدسة، ويسكب عليهم روحه القدوس فيسكن فيهم إلى الأبد، كما يؤكد ذلك يوحنا الحبيب (رؤ٢٠: ٤).
أما كمال تطبيق هذه الآية فيتم في ملكوت السموات، عندما يتمتع المؤمنون برؤية الله إلى الأبد، وبعمل روحه القدوس المسكوب عليهم.
وهكذا نرى في هذا الأصحاح النصرة على جوج الذي يرمز للشيطان ويتحقق هذا في ثلاثة اتجاهات :
١. رجوع شعب الله من السبي، وبناء الهيكل ومدينة أورشليم وأسوارها، وعبادة الله.
٢. انتصار الكنيسة على الشيطان في المسيح المخلص، ووصول بنيها إلى ملكوت السموات.
٣. انتصار كل مؤمن بالمسيح على الشيطان في حياته الخاصة وتمتعه بعشرة الله.
في الأصحاح الأول في سفر حزقيال أعلن الله أنه يفارق هيكله، وفى نهاية هذا الأصحاح يعلن أنه سيظل مع شعبه ولا يحجب وجهه عنهم، ثم في باقي إصحاحات السفر يحدثنا عن هيكل الله الجديد.
مقدمة للأصحاحات من ٤٠ حتى ٤٨
هذه الأصحاحات تتكلم بوضوح عن الهيكل الجديد، أي كنيسة العهد الجديد.
فيمكن تقسيم سفر حزقيال إلى ما يلي:
الجزء الأول (حز ١-٢٤):
يتحدث عن ظهور الله في هيكله بمجده العظيم، ثم مفارقته للهيكل بسبب خطايا شعبه ورفضهم له. وهذا ما حدث مع البشرية، عندما تمتعت مع الله في جنة عدن، ثم طردت منه وعاشت في ألم وضيق طوال العهد القديم. وتحمل هذه الأصحاحات إنذارات ودعوة البشرية للتوبة حتى تستعيد طهارتها ومجدها.
الجزء الثاني (حز ٢٥-٣٢):
نبوات عن الأمم ترمز لقوة الله وقهره للشيطان، الذي تم بالصليب.
الجزء الثالث (حز ٣٣-٣٩):
نبوات عن شعب الله الجديد وانتصاره على الشيطان. وهو يرمز لحياة المؤمنين في العهد الجديد، التي تعتمد على التوبة ورعاية الله لهم وانتصارهم على حروب الشياطين. وضرورة تطهيرهم بالمعمودية (حز ٣٦: ٢٥) وسكب الروح القدس عليهم (حز ٣٩: ٢٩) وبهذا يتأهلون لدخول الهيكل المذكور في (حز ٤٠-٤٨).
الجزء الرابع (حز ٤٠-٤٨):
نبوات عن الهيكل الجديد، أي الكنيسة والخدمة فيها.
ونجد تشابه بين الكلام عن الهيكل هنا (حز ٤٠-٤٨) وبين ما كتب عن أورشليم السمائية في سفر الرؤيا (رؤ٢١، ٢٢)، فكلاهما على جبل عالٍ، ويتكلم بطريقة رمزية، والمدينة من السماء، ويدخل إليها الآتين من الضيقة، ففى أيام حزقيال ضيقة السبي، وفى الأيام الأخيرة الضيقة العظيمة.
ونلاحظ أن الله يقدم الهيكل لحزقيال بطريقة رمزية، لذا فمقاساته لها معانٍ روحية، ولكن سنجد أن بعضها غير مناسب للتطبيق العملى لبناء واقعى؛ لأنه يركز على الرمز أهم من الواقع.
ويمكن تقسيم هذا الجزء الرابع كما يلي:
١. الهيكل (حز ٤٠-٤٣).
٢. العاملون في الهيكل والأعياد (حز ٤٤-٤٦).
٣. الأرض المقدسة (حز ٤٧، ٤٨).
ع٤٠، ٤١:
وحيث أن تدابير الله تضع كل شيء بمقداره، وفي وقته المناسب، لا يندفع إنسان ويقول إن هذا الأمر صعب، أو شرير، وكان ينبغي أن يكون بدلًا منه أمر آخر، فالله يعرف كل شيء، ويدبر بحكمته كل شيء لمصلحة الإنسان، ويبقى فقط أن يتفرغ الإنسان لتسبيح الله وتمجيده بكل قلبه، ويبارك اسمه القدوس على أعماله العظيمة الصالحة.
† ليتك يا أخي تشكر الله كل يوم على الظروف التي تمر بك، وتعلم أن كل تدابيره لخيرك، بل أن كل الأشياء تعمل معًا لخيرك، فتكون مطمئنًا، وتطلب فقط معونته لتعبر وسط الأمور الصعبة بسلام، وتتمتع بكل عطاياه الصالحة.
اَلأَصْحَاحُ التاسع وَالثَّلاَثُونَ
الحكيم وتسبيح الله على أعماله
(١) محب الحكمة (ع١-١٥)
(٢) التسبيح (ع ١٦-٢٠)
(٣) أعمال الله صالحة (ع ٢١-٤١)
اَلأَصْحَاحُ التَّاسِعُ وَالثَّلاَثُونَ
الانتصار على جوج وجيوشه
نرى في هذا الأصحاح انتقام الله من الأشرار، الذين يمثلهم جوج وكل جيوشه، وفى نفس الوقت نرى تأديبه لشعبه. والفرق واضح، أنه لأجل عدم إيمان الأشرار يهلكون، أما أولاده المؤمنون فيؤدبهم لفترة هي السبي، ثم يعيدهم بعدها بكرامة عظيمة.
(١) هلاك جوج ومملكته (ع١-٧)
(٢) دفن جوج وجيشه (ع٨-١٦)
[٣] وليمة الطيور الجارحة (ع١٧-٢٤)
[٤] رد سبي إسرائيل (ع٢٥-٢٩)
(١) محب الحكمة (ع١-١٥):
† ١ فَإِنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ حِكْمَةِ جَمِيعِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَيَتَفَرَّغُ لِلنُّبُوءَاتِ. ٢ يَحْفَظُ أَحَادِيثَ الرِّجَالِ الْمَشْهُورِينَ، وَيَدْخُلُ فِي أَفَانِينَ الأَمْثَالِ. ٣ يَبْحَثُ عَنْ خَفَايَا الأَقْوَالِ السَّائِرَةِ، وَيَتَبَحَّرُ فِي أَلْغَازِ الأَحَاجِيِّ. ٤ يَخْدِمُ بَيْنَ أَيْدِي الْعُظَمَاءِ، وَيَقِفُ أَمَامَ الرَّئِيسِ. ٥ يَجُولُ فِي أَرْضِ الأُمَمِ الْغَرِيبَةِ؛ فَيَخْتَبِرُ فِي النَّاسِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. ٦ يُوَجِّهُ قَلْبَهُ إِلَى الاِبْتِكَارِ، أَمَامَ الرَّبِّ صَانِعِهِ، وَيَتَضَرَّعُ إِلَى الْعَلِيِّ، ٧ وَيَفْتَحُ فَاهُ بِالصَّلاَةِ، وَيَسْتَغْفِرُ لِخَطَايَاهُ. ٨ فَإِنْ شَاءَ الرَّبُّ الْعَظِيمُ، يَمْلأُهُ مِنْ رُوحِ الْفَهْمِ. ٩ فَيُمْطُرُ بِأَقْوَالِ حِكْمَتِهِ، وَفِي الصَّلاَةِ يَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ. ١٠ يَسْتَهْدِي بِمَشُورَتِهِ وَعِلْمِهِ، وَيَتَأَمَّلُ فِي خَفَايَاهُ. ١١ يُبَيِّنُ تَأْدِيبَ إِرْشَادِهِ، وَيَفْتَخِرُ بِشَرِيعَةِ عَهْدِ الرَّبِّ. ١٢ كَثِيرُونَ يَمْدَحُونَ حِكْمَتَهُ، وَهِيَ لاَ تُمْحَى إِلَى الأَبَدِ. ١٣ ذِكْرُهُ لاَ يَزُولُ، وَاسْمُهُ يَحْيَا إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ. ١٤ تُحَدِّثُ الأُمَمُ بِحِكْمَتِهِ، وَتُشِيدُ الْجَمَاعَةُ بِحَمْدِهِ. ١٥ إِنْ بَقِيَ، خَلَّفَ اسْمًا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ، وَإِنْ دَخَلَ إِلَى الرَّاحَةِ، أَفَادَ نَفْسَهُ.
(١) هلاك جوج ومملكته (ع١-٧):
١ «وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ، تَنَبَّأْ عَلَى جُوجٍ وَقُلْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا عَلَيْكَ يَا جُوجُ رَئِيسُ رُوشٍ مَاشِكَ وَتُوبَالَ. ٢ وَأَرُدُّكَ وَأَقُودُكَ وَأُصْعِدُكَ مِنْ أَقَاصِي الشِّمَالِ وَآتِي بِكَ عَلَى جِبَالِ إِسْرَائِيلَ. ٣ وَأَضْرِبُ قَوْسَكَ مِنْ يَدِكَ الْيُسْرَى، وَأُسْقِطُ سِهَامَكَ مِنْ يَدِكَ الْيُمْنَى. ٤ فَتَسْقُطُ عَلَى جِبَالِ إِسْرَائِيلَ أَنْتَ وَكُلُّ جَيْشِكَ وَالشُّعُوبُ الَّذِينَ مَعَكَ. أَبْذُلُكَ مَأْكَلاً لِلطُّيُورِ الْكَاسِرَةِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ وَلِوُحُوشِ الْحَقْلِ. ٥ عَلَى وَجْهِ الْحَقْلِ تَسْقُطُ، لأَنِّي تَكَلَّمْتُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. ٦ وَأُرْسِلُ نَارًا عَلَى مَاجُوجَ وَعَلَى السَّاكِنِينَ فِي الْجَزَائِرِ آمِنِينَ، فَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ. ٧ وَأُعَرِّفُ بِاسْمِي الْمُقَدَّسِ فِي وَسْطِ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ، وَلاَ أَدَعُ اسْمِي الْمُقَدَّسَ يُنَجَّسُ بَعْدُ، فَتَعْلَمُ الأُمَمُ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ.
ع١:
المتقدمين:
السابقين.يواصل ابن سيراخ كلامه عن الكاتب المهتم بكلام الله في الشريعة، المذكور في (ع٢٥) في الإصحاح السابق، ويصفه بما يلي:
الصفة الأولى: التلمذة على أيدي الحكماء السابقين:
يبحث عن حكمة الآباء الذين سبقوه، المعروفين بالحكمة؛ ليتعلم من حكمتهم التأمل.
الصفة الثانية: الكتاب المقدس:
يتفرغ ويعطي وقتًا كبيرًا للتأمل في النبوات التي قالها الأنبياء السابقون. فهذا الكاتب يمثل كل إنسان روحي يريد أن يتمتع بعشرة الله، فهو يريد أن يكون صورة حقيقية لله، فيتأمل في الروحانيين الذين سبقوه، وكلامهم؛ ليتمثل بهم؛ لأنهم هم أيضًا يريدون التشبه بالله، فيكون الكاتب ومن سبقوه كلهم صورة لله، تتضح كل يوم من خلال تأمل الإنسان في كلام الله على فم القديسين الذين سبقوه.
ع١، ٢:
يؤكد الله هنا لجوج الجبار العنيف، الذي يملك على بلاد روسيا، كما ذكرنا في الأصحاح الماضى، أن الله هو ضابط الكل، فهو الذي سمح له أن يصعد ويأتى على شعبه إسرائيل، وهو أيضًا الذي سيرده عنه ويهلكه. والعجيب أن الله يذكر أنه سيرده عن إسرائيل قبل أن يصعده عليها؛ لينبهه أنه يدافع عن شعبه وليطمئن شعبه، فلا ينزعج من تهديدات الأعداء.ويذكر أن جوج سيأتى من الشمال؛ كما أتى أعداء كثيرون من الشمال على شعب الله مثل أشور وبابل، ثم مادي وفارس وبعدهم اليونان، ولكن كل هذا لا يصيب شعب الله بشئ مادام متمسك بالله، فهو يحميه.
ويؤكد هنا قوة أولاده عندما يصفهم بالجبال القوية الصامدة والمرتفعة إلى السماء، كما شرحنا في (حز ٣٦).
ع٢:
أفانين
: فنونالصفة الثالثة: العمل بأقوال الحكماء:
محب الحكمة ليس فقط يبحث عن أقوال الرجال الأتقياء المشهورين الذين سبقوه، بل أيضًا يفهمها ويحفظها، والمقصود بالحفظ ليس الحفظ الذهني فقط، بل التطبيق العملي، أي يحيا بها، فيتمتع ببركات الحكمة.
أيضًا يدخل في فنون الأمثال، أي يتأمل في أمثال الله، والمقصود بها الأسفار الحكمية، مثل أسفار أيوب، والمزامير، والأمثال ... ليستنتج منها حكمة الله التي تدخل في تفاصيل حياة الإنسان، فيتمتع بفهم حكمة الله التي في أمثاله.
ع٣:
يجرد الله جوج من أسلحته قبل أن يهلكه، فيضربه على يده اليسرى ويسقط منه قوسه، ثم يضربه على يده اليمنى، فتسقط منه سهامه. وهكذا يصير أعزلًا بلا سلاح، عاجزًا عن محاربة شعب الله، بعد هذا يحكم عليه ويهلكه (ع٦).هكذا أيضًا المسيح بالصليب جرد الشيطان من آخر سلطان له علينا وهو الموت؛ لذا فبالصليب نستطيع أن نكسر كل أسلحته، فيصير أعزلًا بلا سلاح أمامنا وننتصر عليه.
والله الذي قيد الشيطان بالصليب، ويشير إلى ذلك في (رؤ١٩)، بعد هذا يدينه ويلقيه في العذاب الأبدي في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت.
† كلما تجردت من شهوات العالم وخطاياه وكل التعلقات الماضية بالصوم تستطيع أن ترفع قلبك بالصلاة، وحينئذ تنتصر على الشيطان، ويصير تحت قدميك؛ لأن كلام المسيح واضح أن هذا الجنس لا يخرج بشئ إلا بالصلاة والصوم (مت١٧: ٢١).
ع٣:
الأحاجي
: الألغاز.يتبحر
: يتعمقالصفة الرابعة: التأمل في الأمثال الشعبية:
من صفات محب الحكمة أيضًا أنه يبحث عما يختفي وراء الأقوال السائرة، وهذه الأقوال هي الأقوال السائدة والمشهورة في هذا الزمان، وقد تكون متوارثة من أجيال سابقة؛ ماذا تعني هذه الأقوال؛ يفحصها؛ ليعرف ما تحتويه، ويتأمل فيها، ليتعلم منها.
الصفة الخامسة: البحث في الظواهر الغامضة:
كذلك يزداد بحثه في الحقائق الغير مفهومة، فيتساءل لماذا يحدث هذا، أو ذاك؟ ويكتشف أسرار وحكمة الله فيه، مثل أن ينظر إلى الماء الذي يسقط كأمطار من السماء، فيملأ الأنهار والبحار، ثم يعود ليتبخر بحرارة الشمس، ويرتفع في الجو، وكيف تتعادل هذه العمليات، وتتوازن. فلا تفيض الأنهار والبحار، ولا تنقص، أو تجف السماء، أو تزداد كميات السحاب فيها، فيرى حكمة الله ضابط الكل، الذي يحفظ الإنسان ويعطيه احتياجاته في الوقت المناسب، والعالم مملوء بالألغاز التي يحاول العلم اكتشافها تدريجيًا ولا تنتهي لأنها كثيرة جدًا.
ع٤، ٥:
يحدد الله مكان هزيمة جوج وجيوشه أنها على جبال إسرائيل. ويقصد هنا شعبه المؤمن به بقوة وصمود كالجبال، فيموت هناك جوج وكل تابعيه، ويصبحون مأكلًا للطيور الجارحة ووحوش الحقل. والطيور ترمز للمؤمن المحلق في السماء، فيستطيع أن ينتصر على الشيطان. وكذلك ترمز الوحوش للقوة الروحية التي لا تقوى عليها الخطية.ويسقط قتلى جوج على وجه الحقل، والحقل يرمز للمؤمن المثمر الذي يعطى غلة، أي فضائل روحية، فينهزم الشيطان عند قدميه.
وقد سبق أن قتل الله ١٨٥٠٠٠ جندى من جيش سنحاريب، وملأت جثثهم الأرض، فأكلتهم طيور السماء ووحوش الحقل (٢ مل١٩: ٣٥). وهذا ما سيحدث في نهاية الأيام (رؤ١٩: ١٧-٢١).
ع٤:
محب الحكمة كنز عظيم، يستغله العظماء والرؤساء، ويحرصون على ضم هؤلاء إلى مستشاريهم ومساعديهم لماذا؟١. يرشدوهم في تدبير أمور الدولة.
٢. يساعدوهم في تربية وإرشاد أبنائهم.
٣. يرسلوهم كسفراء للتباحث مع الدول الأخرى، وحل المشاكل.
٤. يرشدوهم في تصريف أمورهم الشخصية.
ومن أمثلة هؤلاء الحكماء، القديس أرسانيوس معلم أولاد الملوك، والمعلم إبراهيم الجوهري، الذي لحكمته صار في مكانة رئيس الوزراء.
ع٦:
ينتقم الله من الأشرار الخارجين من أرض ماجوج بقيادة جوج فيحرقهم بالنار، هذه النار إما نار حقيقية، أو تعنى إهلاك لعدد كبير من الجيش الخارج من ماجوج.وقد يكون المقصود هلاك الساكنين في ماجوج وليس فقط الجيش الذي خرج منها.
أما الجزائر فهي التي كانت متحالفة مع جوج، وقد يكون المقصود أيضًا البلاد الوثنية الغارقة في الشر وشهوات العالم، لأن الجزيرة محاطة بالبحر، الذي يرمز للعالم وشهواته. ويقول الكتاب أنهم يسكنون في هذه الجزائر آمنين، وهذا الأمن يعتمد على الماديات وليس على الله فهو أمن كاذب؛ لذا فجأة يهلكون؛ لرفضهم الله.
وسيتم هلاك الأشرار، ليس فقط قبل ميلاد المسيح، بل أيضًا قبل مجيئه الثاني، فتحرقهم النار، ثم يلقى إبليس في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت (رؤ٢٠: ١٠).
ونرى هنا أن الله لا يدين فقط الشيطان، بل يحكم عليه ويلقيه للعذاب الأبدي، أي أن الله سيحرقه هو وأتباعه بالنار الأبدية.
من الناحية الروحية فالمؤمن يحمل الروح القدس في داخله، وبنار الروح القدس يحرق كل شر فيه وينقيه، كما يخيف أيضًا الأشرار، إذ يروا قوة الله العاملة فيه.
ع٥:
الصفة السادسة: التعلم من الجميع:
الإنسان محب الحكمة يميل للتعلم من كل إنسان، ولا يكتفى بالاستفادة ممن حوله من الحكماء، والاحتراس من شر السالكين في طريق الخطية المحيطين به، ولكن يشتاق لتعلم معرفة الخير، ورفض الشر من خلال أسفاره في البلاد الأخرى في العالم، فيقابل حكماء، يتعلم منهم الكثير، ويصادف أشرارًا فيحترس، ويتباعد عنهم، فهو بهذا يختبر الخير والشر، أي تزداد خبرته في محبة الخير، ورفض الشر.
ع٧:
إذ يظهر الله قوته في هلاك الأشرار يتمجد في وسط شعبه الذي يُظهر قوته فوق كل الآلهة الوثنية، فيتمسكون بوصاياه ويعبدونه بأمانة. وهذا ما حدث بعد الرجوع من السبي على يد زربابل وعزرا ونحميا.ولا يعود اسم الله يتنجس، إذ يظل شعبه متمسكًا به، كما حدث أيام المكابيين. والأمم أيضًا تخاف الله.
من هذا نرى اهتمام الله بإيمان شعبه به، وكذلك أن تعرفه الأمم، لعلها تؤمن وتتوب؛ لأن الله خالق الكل ويريد خلاص الجميع.
ع٦-٨:
الابتكار
: الاستيقاظ مبكرًا.فاه
: فمه.الصفة السابعة: الصلاة:
محب الحكمة الذي يبحث عنها ليقتنيها، يلزمه أن يقوم باكرًا ليقف أمام الله الذي خلقه وصنعه، ليفعل ما يلي:
١. "يتضرع إلى العلي"
: إذ يشعر أن الله هو أعلى شخص في الوجود، فيتقدم باتضاع أمامه، وتذلل، ويطلب احتياجاته التي هي الحكمة، ومعرفة الله؛ ليشبع ويستطيع بعد هذا أن يعطي، ويرشد الآخرين٢. "يفتح فاه بالصلاة"
: يفتح الباحث عن الحكمة فمه، ويردد كلمات الصلاة، التي يقترب بها من الله، ويعبر فيها عن شكره، واحتياجه لله. وبكثرة الصلوات يتشبه محب الحكمة بالله، وتنطبع صورة الله عليه، ويصير حكيمًا.٣. يستغفر لخطاياه
: لا ينسى محب الحكمة ضعفه، فيعترف بخطاياه أمام الله؛ لينال غفرانه ومراحمه، وهكذا بالاتضاع والتوبة يصبح حكيمًا، كهبة ونعمة من الله.(٢) دفن جوج وجيشه (ع٨-١٦):
٨ «هَا هُوَ قَدْ أَتَى وَصَارَ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. هذَا هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي تَكَلَّمْتُ عَنْهُ. ٩ وَيَخْرُجُ سُكَّانُ مُدُنِ إِسْرَائِيلَ وَيُشْعِلُونَ وَيُحْرِقُونَ السِّلاَحَ وَالْمَجَانَّ وَالأَتْرَاسَ وَالْقِسِيَّ وَالسِّهَامَ وَالْحِرَابَ وَالرِّمَاحَ، وَيُوقِدُونَ بِهَا النَّارَ سَبْعَ سِنِينَ. ١٠ فَلاَ يَأْخُذُونَ مِنَ الْحَقْلِ عُودًا، وَلاَ يَحْتَطِبُونَ مِنَ الْوُعُورِ، لأَنَّهُمْ يُحْرِقُونَ السِّلاَحَ بِالنَّارِ، وَيَنْهَبُونَ الَّذِينَ نَهَبُوهُمْ، وَيَسْلُبُونَ الَّذِينَ سَلَبُوهُمْ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. ١١ وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، أَنِّي أُعْطِي جُوجًا مَوْضِعًا هُنَاكَ لِلْقَبْرِ فِي إِسْرَائِيلَ، وَوَادِي عَبَارِيمَ بِشَرْقِيِّ الْبَحْرِ، فَيَسُدُّ نَفَسَ الْعَابِرِينَ. وَهُنَاكَ يَدْفِنُونَ جُوجًا وَجُمْهُورَهُ كُلَّهُ، وَيُسَمُّونَهُ: وَادِيَ جُمْهُورِ جُوجٍ. ١٢ وَيَقْبِرُهُمْ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ لِيُطَهِّرُوا الأَرْضَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ. ١٣ كُلُّ شَعْبِ الأَرْضِ يَقْبِرُونَ، وَيَكُونُ لَهُمْ يَوْمُ تَمْجِيدِي مَشْهُورًا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. ١٤ وَيُفْرِزُونَ أُنَاسًا مُسْتَدِيمِينَ عَابِرِينَ فِي الأَرْضِ، قَابِرِينَ مَعَ الْعَابِرِينَ أُولئِكَ الَّذِينَ بَقُوا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ. تَطْهِيرًا لَهَا. بَعْدَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ يَفْحَصُونَ. ١٥ فَيَعْبُرُ الْعَابِرُونَ فِي الأَرْضِ، وَإِذَا رَأَى أَحَدٌ عَظْمَ إِنْسَانٍ يَبْنِي بِجَانِبِهِ صُوَّةً حَتَّى يَقْبِرَهُ الْقَابِرُونَ فِي وَادِي جُمْهُورِ جُوجٍ، ١٦ وَأَيْضًا اسْمُ الْمَدِينَةِ «هَمُونَةُ»، فَيُطَهِّرُونَ الأَرْضَ.
ع٩:
الصفة الثامنة: تعليم الآخرين:
محب الحكمة يميل أن يعطي ما عنده من حكمة للآخرين، بل يعطيها بسخاء، ولا يمسكها عن أحد؛ لأنه غير أناني. ويشبه عطاء محب الحكمة بأنه كالمطر الذي ينزل على الجميع ويسقي الكل.
الصفة التاسعة: شكر الله:
الباحث عن الحكمة يعرف أن كل ما يناله من حكمة هو من الله، ولذا فهو يعترف بالفضل لله، أي يشكره دائمًا على الحكمة التي وهبه إياها.
ع٨:
لأن كلام الله لابد أن يتم، لذلك يقول عن يوم انتصار شعب الله على أعدائه أنه قد "أتى وصار"، وهذا اليوم سبق وأنبأ به الله في (حز ٣٨: ١٩-٢١).ويوم النصرة هذا ليس فقط على جوج قبل مجئ المسيح، بل أيضًا في نهاية الأيام على الشيطان، فهو حتمًا سيأتى هذا اليوم، وينقذ الله أولاده ويهلك الشيطان. هذا الأمر يطمئن أولاد الله جدًا، فهو يبين اهتمام الله بهم وقدرته على إنقاذهم.
† آمن أن الله معك مهما كنت تعانى من الآلام. إصبر وتمسك بوصاياه، فسيتدخل في الوقت المناسب فينقذك ويباركك عوض كل احتمالك، ليس فقط في السماء، بل ويعطيك بركات أيضًا على الأرض.
ع١٠:
الصفة العاشرة: السلوك بمشورة الله:
محب الحكمة ليس فقط يدرس الكتاب المقدس، ويعرف شريعة الله، ولكنه يحرص أن يسلك في حياته بكلام الله ومشورته، فهو يتعلم حكمة الله ليحيا بها.
الصفة الحادية عشر: التأمل في أعمال الله الخفية:
محب الحكمة يحيا مع الله، والله يعمل في حياته، وأحيانًا تكون أعمال الله غير مفهومة للإنسان الحكيم، ولكنه يقبلها بشكر في وقتها، وبعد فترة قصيرة، أو طويلة يكتشف غاية الله مما حدث في حياته، فيشكر الله، ويزداد في تسليم حياته لله والاتكال عليه.
ع٩:
بعد سقوط جثث جيش جوج، وهروب الباقين تاركين أسلحتهم، سيخرج شعب الله ويحرق المعدات الحربية المختلفة المصنوعة من الخشب، أو الجلد. ولكثرة الأسلحة يحرقونها، في مدة طويلة يذكر أنها سبعة سنوات. ورقم سبعة يرمز للكمال، أي لفترة طويلة، وتفسير آخر أنهم لم يحرقوا السلاح ليتخلصوا منه، ولكنهم احتفظوا به في بيوتهم ليستخدموه كوقود بدلًا من الحطب كما يظهر في (ع١٠).وكانت كمية هذه الأسلحة كبيرة لدرجة أنها كانت كافية لإحتياجاتهم لمدة سبع سنوات. ومن هذا تظهر قوة الله الذي يحول حروب الشياطين إلى بركة في حياتنا كما تحولت أسلحة الأعداء إلى وقود لفائدة شعب الله.
وهذا يبين قوة الله في قهر جيوش عظيمة أمام شعب إسرائيل الصغير. وسيتم هذا في نهاية الأيام رمزيًا عندما يتخلص أولاد الله من الشيطان ويدخلون إلى الملكوت، فلا توجد حروب للشياطين، أو أسلحة لهم، بل يحترق الشيطان وكل قوته بالنار الأبدية، ويكون وقود النار الأبدية وسببها هو الشرور التي فعلها الأشرار بقيادة الشيطان، فأسلحتهم تظل تُحرق إلى الأبد، ويعانون من العذاب.
ع١١:
الصفة الثانية عشر: قبول تأديب الله:
محب الحكمة ليس فقط يبحث عن الحكمة ليعرفها، أو يحيا بها، ولكنه أيضًا يقبل الضيقات التي تمر به، ويعتبرها تأديب من الله؛ ليتوب عن خطاياه، أو لتحميه الضيقات من الشهوات الشريرة، أو أية أغراض أخرى، المهم أنه يقبل برضا تأديب الله، ثم يعلم من حوله قبول هذا التأديب، فيحتفظوا بسلامهم وسط كل الضيقات.
الصفة الثالثة عشر: الافتخار بالشريعة:
الباحث عن الحكمة ليس فقط يحب شريعة الله، ويقرأها، ويفهمها، ويطبقها، بل أيضًا يفتخر بها، إذ هي أعظم شيء تعلمه، فهو لا يفتخر بعظمة العالم الزائلة، أو كل مقتنياته، لكنه يفتخر فقط بشريعة الله وكلامه.
ع١٠:
الوعور
: الأماكن المهجورة التي تنبت فيها نباتات برية.ولن يحتاج شعب الله لحطب، أو أي نبات جاف من الحقل، إذ أن النار المشتعلة في أسلحة الأشرار كافية، والله يلهبها بقوته، فلا يحتاج شعب الله إلى معونة مادية؛ لأن إلههم ينجيهم من أيدي الأعداء، ويعذب الأعداء بشرورهم.
وإن كان جوج قد استطاع أن يسلب شيئًا من أولاد الله، فيموت هو وجيشه، وعلى العكس يسلبه أولاد الله، ويغتنمون كل ما تركه جيشه. وفى نهاية الأيام إن كان الشيطان قد سلب أية إمكانيات من أولاد الله عندما أسقطهم في الخطية، ولكنهم بتوبتهم يقبلهم الله ويرفعهم إلى السماء ويعطيهم أماكن الشياطين التي تركوها بسقوطهم، فيحتلها أولاد الله، ويتمتعون إلى الأبد مع الملائكة.
ع ١٢-١٥:
الصفة الرابعة عشر: خلود حكمته:
من يطلب الحكمة، ويقتنيها، ويعطيها للآخرين، فإن الناس تحبه، وتمدحه في حياته، سواء القريبين منه، أو الذين يسمعون عنه؛ حتى لو سكنوا في بلاد بعيدة.
ثم يمتد أيضًا ذكر حكمته إلى ما بعد موته، فيذكره الناس بالخير، وإن كان قد استراح بموته، فقد أفاد نفسه بالحياة الأبدية والتلذذ بعشرة الله، فتظل الناس تذكر كلامه، وحكمته ويتعلمون منها، مثلما يحدث مع القديسين أولاد الله في كل الأجيال، فحكمتهم تنتشر، ويذكرهم ألوف الناس في حياتهم، ثم بعد موتهم تذكرهم أعداد أكبر من الناس، ويتلذذون بذكر كلامهم الحكيم، بل ويسعون لتطبيقه؛ لأنه كلام الله على لسان الحكماء.
† إن الحكمة أفضل شيء تطلبه يا أخي؛ لأنها تقربك إلى الله، وتشبعك، وترشدك في كل خطواتك. فاهتم بالتعلم والتلمذة طوال حياتك مهما تقدمت بك الأيام؛ لتكتشف كل يوم بركات جديدة عن الله.
ع١١:
عباريم
: سلسلة من الجبال تقع جنوب شرق نهر الأردن، وشمال شرق البحر الميت ومعنى اسمها "عبور" وقد أعطيت نصيبًا لسبط رأوبين.البحر
: يقصد البحر الميت.يحدد مكان هزيمة جيوش جوج، وهو شرق نهر الأردن وشرق البحر الميت، فتصبح هذه المنطقة قبرًا لجيوش الأعداء. وتصعد نتانة الجثث، فتصير الرائحة الكريهة غير محتملة، حتى أن من يعبر هناك يسد أنفه. وهكذا تحولت عظمة الأشرار إلى كراهة لكل من يعبر بهم. هذا هو الشيطان المستتر وراء لذة الشهوات ولكن في داخلها نتانة وموت.
وموت جوج وجيشه في أرض إسرائيل يرمز إلى موت الخطية داخل قلب الإنسان، فيتطهر ويحيا بكل قلبه لله.
وعلى رأس جبال عباريم فوق قمة جبل نبو صعد موسى لينظر أرض كنعان، فهناك في عباريم مات الأشرار ولم يدخلوا أرض كنعان، أما أولاد الله المشتاقين للوجود مع الله، مثل موسى وكل شعب إسرائيل، فإنهم ينعمون بكنعان السماوية، أي ملكوت السموات.
ونرى هنا أن الأرض التي اشتهى أعداء شعب الله أن يمتلكوها صارت قبرًا، والقبور نجسة عند شعب الله فلا يجرى الإنسان وراء محبته الوقتية لئلا تتجنس حياته.
ويسمون الوادى الذي سقطت فيه جثث جيش جوج وادي جمهور جوج؛ لأن عددهم كان كبيرًا.
(٢) التسبيح (ع ١٦-٢٠):
† ١٦ إِنِّي أَسْتَمِرُّ عَلَى بَيَانِ أَفْكَارِي، لأَنِّي امْتَلأْتُ كَبَدْرِ تِمٍّ. ١٧ اسْمَعُونِي، أَيُّهَا الْبَنُونَ الأَصْفِيَاءُ. انْبُتُوا كَوَرْدٍ مَغْرُوسٍ عَلَى نَهْرِ الصَّحْرَاءِ، ١٨ وَأَفِيحُوا عَرْفَكُمْ كَاللُّبَانِ، ١٩ وَأَزْهِرُوا كَالْزَّنْبَقِ. انْشُرُوا عَرْفَكُمْ، وَسَبِّحُوا بِتَرْنِيمِكُمْ. بَارِكُوا الرَّبَّ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِهِ، ٢٠ وَعَظِّمُوا اسْمَهُ. اِعْتَرِفُوا لَهُ بِالتَّسْبِيحِ بِتَرَانِيمِ الشِّفَاهِ وَبِالْكِنَّارَةِ، وَقُولُوا هكَذَا بِالاِعْتِرَافِ.
ع١٢:
يقوم شعب الله بدفن جثث جيش الأعداء ليتخلصوا من نجاستها، أي يصنعوا قبورًا لهم في الأرض، بهذا يطهرون الأرض من هذه الجثث والعظام، ويستغرق ذلك سبعة شهور. إن عمل أولاد الله هو تطهير العالم، وهو عمل مستمر مدى الحياة لأن رقم سبعة يرمز للكمال.ع١٦:
البدر:
القمر عندما تكمل استدارته، واستنارته.يعلن ابن سيراخ أنه سيستمر في إعلان أفكاره، التي هي عمل الله فيه، والحكمة التي وهبه إياها، خاصة وأنه يشعر بامتلائه، وشبعه من الحكمة، والاستنارة الروحية، مثل البدر المنير، أي المكتمل في نوره، فهذا يبين امتلاء ابن سيراخ، وميله كأب وخادم أن يفيض على أولاده بحكمة الله، ليعلمهم ويشركهم الفرح بعشرة الله.
ع١٣:
يشترك كل شعب الله في دفن جثث الأعداء؛ لكثرة الجثث وحتى يشعر شعب الله بالنصرة في دفن الأعداء ويثقون بالله، الذي نصرهم، بل يكون هذا تمجيدًا لله، الذي ظهرت قوته في غلبة الأعداء. ويقصد بيوم التمجيد يوم هزيمة الأعداء والفترة التي دفن فيها شعب الله جثثهم.ولعل يوم النصرة هذا صار عيدًا عند شعب الله، معروفًا ومشهورًا على مدى الأيام. وهو يعنى في حياة كل إنسان أن يتذكر المواقف التي نصره فيها الله على الشيطان، فيشكره ويمجده طوال حياته.
ع١٧:
الأصفياء:
الأتقياءيحدث الحكيم ابن سيراخ أولاده الروحيين الأتقياء؛ لأنهم محبون للحكمة، ويطلبونها دائمًا؛ وبهذا تتنقى حياتهم، فيطلب منهم أن ينبتوا كورد على نهر الصحراء.
ويشبه الحكمة بنهر يجري في وسط الصحراء، والماء هو أهم شيء يطلبه الإنسان الذي يحيا في الصحراء، هكذا الحكمة هي شرط لحياة الإنسان الروحي وسط برية العالم. هذا النهر هو أيضًا نهر الروح القدس الذي يعطي الحكمة، أما الورد النابت على حواف النهر، فهو ثمار هذا الماء الجاري في الصحراء، ومنظره جميل، ويعطي إحساس بالحيوية، هذه الورود هي ثمار الروح القدس، أو ثمار الحكمة.
فعندما يطلب ابن سيراخ من طالبي الحكمة أن ينبتوا كورد، يقصد أن يعيشوا بالحكمة، ويتغذوا بها، فتظهر ثمارها في حياتهم، ويصيرون كالورد الجميل وسط صحراء العالم، يملأ عيون الناظر إليها بالحيوية، والمنظر الجميل، والرائحة الطيبة. وهذا هو عمل الإنسان الروحي طالب الحكمة، والذي يحيا بها، أن يكون نور للعالم وملح للأرض.
ع١٤، ١٥:
صوة
: علامة مثل حجر أو عمود حجرى، أو أية علامة بعد تطهير الأرض.يعين شعب الله مجموعة للتأكد من عدم بقاء أي عظام قد نسيت من جيش الأعداء، فيعبرون في كل مكان في الأرض، فإذا وجدوا عظمًا يحفرون ويدفنونه. وهذا يبين تدقيق شعب الله في تطهير الأرض، فالتطهير يحتاج إلى متابعة، كما يحاسب الإنسان نفسه كل يوم بعد توبته واعترافه ليتخلص أولًا بأول من كل خطية، فيعيش حياة التوبة والطهارة.
كذلك كل شعب الله لابد أن يشتركوا في عملية التطهير، فإذا وجد أي إنسان وهو يسير في طريقه عظمًا، لا يلمسه حتى لا يتنجس ولكن يضع بجواره علامة؛ حتى إذا عبر المكلفون بدفن بقايا الجثث يحفرون ويدفنونه، وهذا معناه أن كل إنسان مطالب أن يتابع حياة الطهارة في داخله، ولا يختص بهذا بعض الخطاة، ولكن كل إنسان مهما ارتفعت حياته الروحية لابد أن يظل مهتمًا بطهارة نفسه.
ع١٨:
أفيحوا
:
أنشروا.عرفكم:
رائحتكم.اللبان:
البخور.ويطلب أيضًا ابن سيراخ من طالبي الحكمة أن ينشروا رائحتهم الطيبة، ويقصد أعمالهم الصالحة، وكلماتهم المملوءة حكمة، كما تنتشر رائحة البخور التي تقدم أمام الله في هيكله. ويقصد أيضًا أن التقوى والروحانية التي يحيون فيها، ستؤثر فيمن حولهم، وتنتشر دون أن يقصدوا في كل مكان يذهبون إليه.
ع١٦:
همونة
: اسم عبري معناه جمهور.ويسمون المدينة التي سقط بجوارها جيش جوج "همونة"، أي جمهور؛ لأن عدد القتلى كان كثيرًا جدًا. وكذلك أيضًا في نهاية الأيام سيكون عدد الهالكين من الأشرار كثيرًا جدًا.
ع١٩:
الزنبق:
الزهريطلب أيضًا ابن سيراخ من محبي الحكمة أن يزهروا كالزنبق، أي تظهر في حياتهم فضائل روحية اكتسبوها من الحكمة، فتكون مؤثرة على من حولهم، وكرائحة زكية لله تخرج منهم.
ويطلب منهم أيضًا، أن يسبحوا الله، ويباركوه على كل أعماله العظيمة في رعايته، وعنايته بهم، وبالعالم كله، فيكونوا قدوة للآخرين، ويجذبونهم إلى محبة الله، وشكره وتسبيحه.
[٣] وليمة الطيور الجارحة (ع١٧-٢٤):
١٧ «وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَهكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: قُلْ لِطَائِرِ كُلِّ جَنَاحٍ، وَلِكُلِّ وُحُوشِ الْبَرِّ: اجْتَمِعُوا، وَتَعَالَوْا، احْتَشِدُوا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، إِلَى ذَبِيحَتِي الَّتِي أَنَا ذَابِحُهَا لَكُمْ، ذَبِيحَةً عَظِيمَةً عَلَى جِبَالِ إِسْرَائِيلَ، لِتَأْكُلُوا لَحْمًا وَتَشْرَبُوا دَمًا. ١٨ تَأْكُلُونَ لَحْمَ الْجَبَابِرَةِ وَتَشْرَبُونَ دَمَ رُؤَسَاءِ الأَرْضِ. كِبَاشٌ وَحُمْلاَنٌ وَأَعْتِدَةٌ وَثِيرَانٌ كُلُّهَا مِنْ مُسَمَّنَاتِ بَاشَانَ. ١٩ وَتَأْكُلُونَ الشَّحْمَ إِلَى الشَّبَعِ، وَتَشْرَبُونَ الدَّمَ إِلَى السُّكْرِ مِنْ ذَبِيحَتِي الَّتِي ذَبَحْتُهَا لَكُمْ. ٢٠ فَتَشْبَعُونَ عَلَى مَائِدَتِي مِنَ الْخَيْلِ وَالْمَرْكَبَاتِ وَالْجَبَابِرَةِ وَكُلِّ رِجَالِ الْحَرْبِ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. ٢١ وَأَجْعَلُ مَجْدِي فِي الأُمَمِ، وَجَمِيعُ الأُمَمِ يَرَوْنَ حُكْمِي الَّذِي أَجْرَيْتُهُ، وَيَدِي الَّتِي جَعَلْتُهَا عَلَيْهِمْ، ٢٢ فَيَعْلَمُ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُهُمْ مِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ فَصَاعِدًا. ٢٣ وَتَعْلَمُ الأُمَمُ أَنَّ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ قَدْ أُجْلُوا بِإِثْمِهِمْ لأَنَّهُمْ خَانُونِي، فَحَجَبْتُ وَجْهِي عَنْهُمْ وَسَلَّمْتُهُمْ لِيَدِ مُضَايِقِيهِمْ، فَسَقَطُوا كُلُّهُمْ بِالسَّيْفِ. ٢٤ كَنَجَاسَتِهِمْ وَكَمَعَاصِيهِمْ فَعَلْتُ مَعَهُمْ وَحَجَبْتُ وَجْهِي عَنْهُمْ.
ع٢٠:
الكنارة:
آلة موسيقية تشبه القيثارةيواصل ابن سيراخ تشجيعه لطالبي الحكمة ليقدموا عبادة مقدسه لله تشمل:
١. عظموا اسمه
: تمجيد الله وترديد اسمه القدوس، فينال الإنسان قوة، ومساندة من الله، ويبشر باسمه حتى يجذب البعيدين والمنشغلين عن الله إليه.٢. اعترفوا له بالتسبيح
: قدموا تسابيح شكر لله، تعترفون فيها بأعماله العظيمة، وتدابيره الرعوية لأولاده.٣. ترانيم الشفاه، وبالكنارة
: رنموا لله بالحمد والتسبيح، واستخدموا الآلات الموسيقية لتتحرك مشاعركم، وتفرحوا بكل كيانكم، وتمجدوا الله.٤. وقولوا هكذا بالاعتراف
: أخيرًا يطلب ابن سيراخ من طالبي الحكمة أن يشمل اعترافهم لله، وتسابيحهم موضوعات كثيرة من أعماله، سيأتي تفصيلها في الآيات التالية.† جيد يا أخي أن تلاحظ أعمال الله معك، وتشكره عليها كل يوم، وترى تدابيره الحسنة حولك، وتمجده، وهذا يزيد ارتباطك به، وتمتعك بعشرته، وتنال بركات وفيرة منه.
ع١٧:
يظهر الله قوته في هزيمة جيش جبار هو جيش جوج، فسقط قتلى كثيرين جدًا، حتى أنه ينادى الطيور الجارحة التي تأكل جثث الموتى والوحوش التي في الأرض؛ لتأتى كلها وتأكل هذه الجثث وتمص دماءها وهذا يبين ما يلي:١. الحقارة والذل التي أصابتا جوج المتكبر وكل جيشه وحلفائه.
٢. كثرة عدد الجيوش، ولكن هي بلا قيمة أمام قوة الله المساند لشعبه الضعيف.
٣. لعل هذه الذبيحة تدعو الأمم للإيمان بإله إسرائيل، وفى نفس الوقت تثبت إيمان شعب الله به.
وتظهر كثرة الجثث في أن طيور السماء ووحوش الأرض أكلت منها قدر ما يشبعها، ثم بقيت العظام، وما تبقى من الجثث يدفنه شعب إسرائيل؛ حتى يطهروا الأرض.
(٣) أعمال الله صالحة (ع ٢١-٤١):
† ٢١ أَعْمَالُ الرَّبِّ كُلُّهَا حَسَنَةٌ جِدًّا، وَجَمِيعُ أَوَامِرِهِ تُجْرَى فِي أَوْقَاتِهَا، وَكُلُّهَا تُطْلَبُ فِي آوِنَتِهَا. ٢٢ بِكَلِمَتِهِ وَقَفَ الْمَاءُ كَرِبْوَةٍ، وَقَفَتْ حِيَاضُ الْمِيَاهِ بِقَوْلِ فَمِهِ. ٢٣ فِي أَمْرِهِ كُلُّ مَرْضَاةٍ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَمْنَعُ تَمَامَ خَلاَصِهِ. ٢٤ أَعْمَالُ كُلِّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ، وَلاَ شَيْءَ يَخْفَى عَنْ عَيْنَيْهِ. ٢٥ يَنْظُرُ مِنْ دَهْرٍ إِلَى دَهْرٍ، وَلَيْسَ شَيْءٌ عَجِيبًا أَمَامَهُ. ٢٦ لَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: «مَا هذَا؟» أَوْ: «لِمَ هذَا؟» لأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ خُلِقَ لِفَوَائِدَ تَخْتَصُّ بِهِ. ٢٧ فَاضَتْ بَرَكَتُهُ كَنَهْرٍ، ٢٨ وَرَوَّتِ الْيَبَسَ كَطُوفَانٍ. كَذلِكَ يُورِثُ الأُمَمَ غَضَبَهُ، ٢٩ كَمَا حَوَّلَ الْمِيَاهَ إِلَى يَبَسٍ. طُرُقُهُ مُسْتَقِيمَةٌ لِلْقِدِّيسِينَ، كَذلِكَ هِيَ مَعَاثِرُ لِلأُثَمَاءِ. ٣٠ الصَّالِحَاتُ خُلِقَتْ لِلصَّالِحِينَ مُنْذُ الْبَدْءِ، كَذلِكَ الشُّرُورُ لِلأَشْرَارِ. ٣١ رَأْسُ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ حَيَاةُ الإِنْسَانِ: الْمَاءُ وَالنَّارُ وَالْحَدِيدُ وَالْمِلْحُ وَسَمِيذُ الْحِنْطَةِ وَالْعَسَلُ وَاللَّبَنُ وَدَمُ الْعِنَبِ وَالزَّيْتُ وَاللِّبَاسُ. ٣٢ كُلّ هذِهِ خَيْرَاتٌ لِلأَتْقِيَاءِ، وَكَذلِكَ هِيَ تَتَحَوَّلُ لِلْخَطَأَةِ شُرُورًا. ٣٣ مِنَ الأَرْوَاحِ أَرْوَاحٌ خُلِقَتْ لِلاِنْتِقَامِ، وَهذِهِ فِي غَضَبِهَا تُشَدَّدُ سِيَاطَهَا. ٣٤ وَفِي وَقْتِ الاِنْقِضَاءِ تَصُبُّ قُوَّتَهَا، وَتُسَكِّنُ غَضَبَ صَانِعِهَا. ٣٥ النَّارُ وَالْبَرَدُ وَالْجُوعُ وَالْمَوْتُ، كُلُّ هذِهِ خُلِقَتْ لِلاِنْتِقَامِ. ٣٦ أَنْيَابُ السِّبَاعِ وَالْعَقَارِبُ وَالأَفَاعِي وَالسَّيْفُ، تَنْتَقِمُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِإِهْلاَكِهِمْ. ٣٧ هذِهِ تَفْرَحُ بِوَصِيَّتِهِ، وَعَلَى الأَرْضِ تَسْتَعِدُّ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ، وَفِي أَزْمِنَتِهَا لاَ تَتَعَدَّى كَلِمَتَهُ. ٣٨ فَلِذلِكَ تَرَسَّخْتُ مُنْذُ الْبَدْءِ، وَتَأَمَّلْتُ وَرَسَمْتُ فِي كِتَابِي، ٣٩ أَنَّ جَمِيعَ أَعْمَالِ الرَّبِّ صَالِحَةٌ، فَتُؤْتِي كُلَّ فَائِدَةٍ فِي سَاعَتِهَا، ٤٠ وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: «إِنَّ هذَا شَرٌّ مِنْ هذَا»، فَإِنَّ كُلَّ أَمْرٍ يُسْتَحْسَنُ فِي وَقْتِهِ. ٤١ فَالآنَ سَبِّحُوا بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ وَأَفْوَاهِكُمْ، وَبَارِكُوا اسْمَ الرَّبِّ.
ع١٨:
اعتده
: جمع عتود وهو ذكر الماعز الجبلي القوي.باشان
: وادي خصب يمتد شرق نهر الأردن من جلعاد جنوبًا إلى منابع الأردن شمالًا، وترعى فيها الماشية، فتتميز بأنها سمينة وقوية لأجل خصوبة المرعى.يذكر الله بالتفصيل ما ستأكله طيور السماء ووحوش الأرض كما يلي:
١. الجنود والرؤساء الجبابرة في الحرب التابعون لجوج وكل حلفائه.
٢. الماشية الثمينة القوية، مثل ماشية باشان التي اصطحبها معه جوج؛ لتكون مأكلًا لجنوده أثناء الحرب، فصارت مأكلًا للوحوش.
ع٢١:
أونتها:
ميعادها.كل أعمال الله الكبيرة، أو الصغيرة حسنة جدًا؛ لأن الله خلقها ودبرها على أحسن وجه؛ لتفيد الإنسان، ويتمتع بها، بل ويرى الله فيها، فيمجده.
كل أوامر الله، أي تدابيره نظمها لتجري في أوقاتها، فالأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، ولكل كوكب مساره الذي لا يحيد عنه، لئلا يصطدم بغيره، فتكون كارثة في الكون.
وكذلك تدبيره احتياجات الإنسان من النبات والحيوان، وكذلك الهواء والماء، بل وأيضًا جسد الإنسان كل عضو فيه يقوم بدور مهم لحياة الإنسان.
وقد تبدو بعض خلائق الله بلا فائدة، ولكن في الوقت المناسب تظهر أهميتها؛ لذا يوجد في العالم ما يسمى بالتوازن البيئي، فلو زاد، أو قل أحد المخلوقات، يمكن أن يؤثر على البيئة كلها. حتى الخلائق التي تبدو للإنسان أحيانًا أنها ضارة، هي غذاء لمخلوقات أخرى، وبهذا تجري الحياة بطريقة متوازنة لفائدة الإنسان.
ع١٩:
يوضح الله كثرة عدد الجثث في أنها ستشبع الطيور والوحوش إلى أقصى مايمكن، يعبر عن هذا بأمرين:١. الشبع الكامل فلا تحتاج لتأكل شيئًا آخر وتبقى بعدها بعض الجثث.
٢. تشرب من الدم كميات كبيرة حتى أنها تكاد تسكر من كثرة ما شربته. وهذا كناية عن شرب الدم بكثرة وليس السكر الحقيقي من الخمر.
ع٢٢:
ربوة:
تل صغيرحياض المياه:
سيل المياه وجريانهاعندما أمر الله موسى أن يضرب بعصاه البحر الأحمر، انشق البحر، ووقفت المياه كسور، أو كحائط يمينًا ويسارًا، وعبر بنو إسرائيل على الأرض بين سورين، أو ربوتين من المياه. وكذلك عندما دخل تابوت العهد يحمله الكهنة في نهر الأدرن وقفت المياه كالسور أيضًا، وعبر بنو إسرائيل إلى أرض كنعان، فالمياه السائلة والجارية في البحر الأحمر وقفت فجأة بكلمة الله الذي أمر موسى أن يضرب بعصاه البحر، ووقفت أيضًا المياه الجارية في نهر الأدرن، عندما أمر الله يشوع أن يدخل الكهنة بتابوت عهد الله (يش٣: ١٦).
ع٢٠:
يستكمل الله كلامه للطيور والوحوش بأنها ستأكل الخيول التي تجر المركبات، أو التي يركبها الفرسان، وكذلك جثث هؤلاء الفرسان والجنود ورؤساء الحرب. كل هذا ليؤكد عظمة جيش جوج، وبالتالي قوة الله الذي هزمه.ع٢٣:
مرضاة:
ما يرضي اللهإن أوامر الله وتدابيره لحياة الإنسان وكل خلائقه تصنع ما يرضي الله، فهي حسنة وصالحة وتقود الإنسان إلى خلاص نفسه، أي تساعده أن يحيا ويشكر الله، ويرى الله في تدابيره، فيثبت إيمانه، ولا يتعلق بالأرض المتغيرة، ولكن ينظر إلى السماء حتى يرتفع إليها.
ع٢١:
بهذا الانتصار الإلهي العظيم وهزيمة أقوى جيوش الأمم تخاف جميع الشعوب من إله إسرائيل وتمجده. والله يقصد من كل هذا أن يدعوهم للإيمان به، بعد أن يرون حكمه على جوج، ويده التي امتدت على جيوشه فأهلكته.ع٢٤، ٢٥:
الله ضابط الكل، كل شيء مكشوف وعريان أمامه، فهو يرى كل إنسان، ليس فقط في أعماله وكلامه، بل أيضًا يرى أفكاره ونيات قلبه، وهو يرى كل إنسان في أي مكان يذهب إليه، أي يرى جميع الأماكن على الأرض، وفي السماء، ويرى أيضًا الإنسان عبر الزمان، فيرى الإنسان وهو صغير، ثم بعدما يكبر، ويرى الآباء والجدود منذ آدم حتى الآن، ويرى أيضًا الذين سيأتون في المستقبل.ع٢٢:
قصد الله أيضًا من هذه الهزيمة العظيمة لجيوش جوج أن يؤمن شعب الله بقوته، فلا يهتزوا من قوى العالم على مدى الأجيال؛ لأن إلههم أقوى من كل شيء.† إن كان إلهك أقوى من كل قوى العالم فلا تضطرب من تقلبات الحياة وعنف البشر؛ لأن إلهك يحميك. استند عليه وارفع قلبك وتمتع بحبه واشكره وسبحه في كل يوم.
ع٢٦:
الله هو وحده الخالق والمدبر للعالم كله، وأعطى الإنسان عقلًا لكي يميز قدرما يستطيع، ولكن بالطبع لا يفهم الإنسان كل حكمة الله الغير محدودة، فإن آمن الإنسان بالله، واتكل عليه، سيقبل كل تدابيره، ولكن إن أهمل وجود الله، وفكر بعقله فقط، فقد يظن أن بعض المخلوقات ضارة، أو ليس لها فائدة، ولا داعي لخلقتها، فيخطئ بسبب ضعفه وعجزه، والأولى به أن يؤمن بالله، ويثق أن كل أعماله صالحة، ولا يخلق شيئًا ضارًا، أو بلا فائدة، ولكنه سيفهم فيما بعد سبب وجود كل كائن، سواء إن عاش مع الله فيعطيه فهمًا، أو بعدما يترك هذا الجسد ويذهب للحياة الأخرى، يستطيع أن يعرف.ع٢٣، ٢٤:
أجلوا
: تم إجلاءهم، أي سبيهم.يوضح الله أن الهدف من سبى شعبه إلى أشور، ثم بابل هو بسبب خطاياهم، وأن إلههم قوى قادر على صد أشور وبابل، ولكنه سمح بهذا لتأديبهم حتى يتوبوا. وتظهر قوته بعد ذلك في صد جيوش جوج، إذن فلم يكن ضعيفًا عن أن يصد جيوش بابل أو أشور، كل هذا سيتضح أمام الأمم، حتى يؤمنوا بأن إله إسرائيل قادر على كل شيء وأقوى من جميع الآلهة.
وقد تكرر غضب الله على اليهود بسبب صلبهم للمسيح، فتخلى عنهم ودمر الرومان أورشليم وقتلوا اليهود عام ٧٠ م، لعل الباقين يؤمنون.
ع٢٧، ٢٨:
بركات الله تفيض على أولاده مثل النهر الذي يروي الأراضي التي يمر بها. ونهر النيل يأتيه الفيضان في أشهر الصيف، فيروي الأراضي العطشى، وتنبت الزروع، فمياه الفيضان تغمر الأراضي الجافة في صعيد مصر، فتنبت الزروع ويأتي الخير.من ناحية أخرى، إذا استمر الأشرار في خطاياهم، فالله يغضب عليهم، ويعاقبهم، كما عاقب سدوم وعمورة وخربها، وأحرقها، وكما غضب على قورح، وداثان وأبيرام، فانشقت الأرض وابتلعتهم. (تث ٢٩: ٢٣، تث ١١: ٦)
[٤] رد سبي إسرائيل (ع٢٥-٢٩):
٢٥ « لِذلِكَ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: الآنَ أَرُدُّ سَبْيَ يَعْقُوبَ، وَأَرْحَمُ كُلَّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ، وَأَغَارُ عَلَى اسْمِي الْقُدُّوسِ. ٢٦ فَيَحْمِلُونَ خِزْيَهُمْ وَكُلَّ خِيَانَتِهِمِ الَّتِي خَانُونِي إِيَّاهَا عِنْدَ سَكَنِهِمْ فِي أَرْضِهِمْ مُطْمَئِنِّينَ وَلاَ مُخِيفٌ. ٢٧ عِنْدَ إِرْجَاعِي إِيَّاهُمْ مِنَ الشُّعُوبِ، وَجَمْعِي إِيَّاهُمْ مِنْ أَرَاضِي أَعْدَائِهِمْ، وَتَقْدِيسِي فِيهِمْ أَمَامَ عُيُونِ أُمَمٍ كَثِيرِينَ، ٢٨ يَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُهُمْ بِإِجْلاَئِي إِيَّاهُمْ إِلَى الأُمَمِ، ثُمَّ جَمْعِهِمْ إِلَى أَرْضِهِمْ. وَلاَ أَتْرُكُ بَعْدُ هُنَاكَ أَحَدًا مِنْهُمْ، ٢٩ وَلاَ أَحْجُبُ وَجْهِي عَنْهُمْ بَعْدُ، لأَنِّي سَكَبْتُ رُوحِي عَلَى بَيْتِ إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ».
ع٢٩، ٣٠:
معاثر:
جمع عثرة، وهي المعطلات والموانع التي تسقط الإنسان وتؤذيه، وقد تهلكه.الأثماء:
الخطاةالله الحنون يهتم بأولاده الذين قدسهم لإيمانهم به، فيحفظهم في طرقهم، وإن كان يعوقهم في طريقهم شيء ما، يحوله لهم إلى طريق سهل، كما شق البحر الأحمر لشعبه، فساروا فيه على أرض ناشفة بسهولة، ونفس هذا البحر، أي البحر الأحمر الذي انشق وعبر فيه بنو إسرائيل، هو الذي غرق فيه فرعون وكل جيشه؛ لأنهم أشرار يريدون إذلال واستعباد شعب الله (خر١٥: ٤).
فالله خلق البحر الأحمر؛ ليعبر فيه أولاده بسلام، ولكن فرعون وجيشه لأنهم أشرار، تحول لهم البحر إلى سبب لهلاكهم.
ووصايا الله صالحة ومفيدة لأولاده الذين يطبقونها في حياتهم، وفي نفس الوقت هذه الوصايا ثقيلة على الأشرار، ويرفضونها، وتدينهم؛ لأنهم لا يعملون بها، فيهلكوا.
ع٢٥:
يعلن الله بقوة أنه سيرجع شعبه من السبي البابلي إلى أورشليم واليهودية، وبهذا تظهر:١. قوة الله القادرة أن تعيد شعبه إلى بلادهم.
٢. رحمة الله الواسعة التي تغفر لشعبه كل خطاياهم.
٣. محبة الله كعريس يغار على شعبه كعروس، فينقذهم من عبودية السبي.
وعندما يقول أرد سبى يعقوب، أي اسم يعقوب الأول إشارة إلى انغماسهم في خطاياهم، ثم يقول أرحم إسرائيل وهو الاسم الثاني ليعقوب الذي ناله عندما صارع الله ونال بركته، وهذا ما سيحدث عند رجوعه من السبي حيث ينال بركات الله العظيمة.
ع٣١، ٣٢:
سميذ الحنطة:
الدقيق الفاخر المأخوذ من القمح الجيد.دم العنب:
عصير العنب الذي لونه أحمر.اللباس:
الملابسالله خلق للإنسان أمورًا أساسية مفيدة، فيفرح بها الإنسان، ويستخدمها لخيره؛ هذا بالنسبة للأبرار، أما الأشرار فتكون لأذيتهم وهلاكهم.
فمثلًا، الماء يستخدمه الإنسان للشرب، أو يعبر فيه بالسفن، ليصل إلى المكان الذي يقصده، وفي نفس الوقت يهلك الأشرار، مثل الفيضانات التي تقتل الكثيرين.
والنار يستخدمها الإنسان في نواحي كثيرة من حياته؛ سواء للإنارة والتدفئة، أو الطهي، أو تسخين المياه للأغراض المختلفة النافعة، وفي نفس الوقت، النار تعلن غضب الله التي تحرق الأشرار، كما حدث في الضربات العشر، وفي حرق سدوم وعمورة.
والحديد تصنع منه آلات كثيرة مفيدة، وفي نفس الوقت تُصنع منه آلات للحرب يستخدمها الأشرار في إهلاك الآخرين.
والملح مفيد في الطعام وحفظ الأطعمة، وإذا زاد عن مقداره يتلف الطعام، ويفسده.
وسميذ الحنطة والعسل واللبن أطعمة مفيدة للإنسان ليحيا بها، وفي نفس الوقت، الانغماس في التلذذ بها، يشغل الإنسان عن الله، وتعلقه بشهوتها، ونسيانه للفقراء يغضب الله، كما في مثل الغنى ولعازر.
ودم العنب كعصير، مفيد للإنسان الطبيعي، ومضر لمن يجعله يختمر، فيشربه بكثرة ويسكر به.
والزيت مفيد كطعام، وكعلاج لبعض الأمراض، وفي نفس الوقت إذا ألقى جزء منه على الطريق يتسبب في حوادث وهلاك الناس.
واللباس يدفئ الإنسان ويستره وهذا مفيد، ولكنه ممكن أن يشغل البعض عن الله، ويقلقهم إذا نقص، ويتعلقون به إذا زاد، فيضرهم كل هذا.
وهذه المواد ترمز لأمور روحية هامة؛ فالماء واللباس يرمزان للمعمودية، ولبس الطبيعة الجديدة.
وسميذ الحنطة ودم العنب يرمزان لجسد المسيح ودمه في سر الإفخارستيا، والنار والزيت يرمزان لعمل الروح القدس المطهر والشافي، والحديد يرمز لقوة الله. والملح واللبن يرمزان للطعام الروحي، أي كلمة الله. وإهمال هذه الأمور يفقد الإنسان بركاتها، وكذا نوالها بدون استحقاق يدينه.
ع٢٦:
يصف الله حالة شعبه قبل السبي، عندما كانوا يسكنون آمين في أرض كنعان بحماية الله ورعايته، ولكنهم للأسف انغمسوا في شهواتهم وعبادة الأوثان، فغطاهم الخزي بسبب خيانتهم لله، أي كانوا مرفوضين من الله بسبب خطاياهم.وللأسف لم يفهم شعب الله أن الأمن الذي يحيون فيه نعمة من الله وفرصة ليتوبوا، بل ظنوا أنهم بسبب تقواهم، وأنه بوجود هيكل الله في وسطهم لن يصيبهم ضرر.
ع٣٣، ٣٤:
سياطها:
جمع سوط وهو الكرباج.وقت الإنقضاء:
وقت إتمام مشيئة الله، أو وقت تنفيذ إرادته.الأرواح المقصود بها الرياح، فبعض الرياح شديدة، كالعواصف، وتظهر غضب الله على الأشرار، وتكون مؤلمة مثل ضرب السياط، بل يمكن أن تهلك من تأتي عليه. هذه العواصف في وقت هبوبها تنفذ إرادة الله في عقاب الأشرار، فتسكن غضب الله، كما نزل البرد من السماء في الضربات العشر، فأهلك الكثيرين، ومثل الريح الشديدة التي شق بها الله البحر الأحمر؛ ليعبر أولاده ويغرق الأشرار؛ فرعون وكل جنوده (خر ١٤: ٢١). ولذا تصلي الكنيسة من أجل أهوية السماء في القداس الإلهي.
وهذه الرياح العاصفة يمكن أن تكون الممالك التي استخدمها الله لتأديب شعبه، أو معاقبة الأشرار، فمملكة آشور، ثم مملكة بابل خربت بلاد اليهود، واستولت عليها وأحرقتها، وأخذت اليهود سبايا، وبعثرتهم في الأرض كلها، ثم قامت مملكة مادي وفارس فعاقبت بابل وأذلتها، وأعادت شعب الله إلى بلاده.
والمقصود بغضب الله (صانعها)، تأديبه وعقابه للأشرار لعلهم يتوبون.
ع٢٧:
ثم يتدخل الله بعد أن أدبهم بالسبي وتابوا ورجعوا إليه، فيجمعهم من بين الأمم الذين تشتتوا بينهم ويعيدهم إلى أورشليم، فيعودون مقدسين ومخصصين لعبادة الله، ولا يرجعون لعبادة الأوثان ويظهر هذا واضحًا أمام كل الأمم، أي تمسك شعب الله بعبادته.ع٣٥-٣٧:
البرد:
قطع ثلجية تتساقط بكثرة كأمطار على الأرض تصيب وتهلك من تسقط عليه.السباع:
الأسودكل خلائق الله أدوات يستخدمها لتنفيذ إرادته، ولإعلان غضبه، فيسمح ببعض الظواهر الطبيعية، أو تصرفات البشر مع بعضهم، أن تكون مؤذية ومهلكة للآخرين. فالنار والبرد نزلت معًا في الضربات العشر، وأهلكت الكثيرين (خر٩: ٢٤)، والجوع الذي حدث سبع سنوات أيام يوسف (تك٤١: ٥٤)، والموت الذي نتج عنه، والسباع التي هجمت على الأمم الذين أسكنهم الآشوريون مكان اليهود في مملكة إسرائيل، فمات عدد كبير منهم (٢ مل١٧: ٢٦)، والأفاعي لدغت شعب الله بعد تذمرهم وأكلهم اللحم في البرية، فنظروا إلى الحية النحاسية، فنالوا الشفاء (عد ٢١: ٥-٦). أما السيف فقد ظهر في حروب كثيرة، وأمات الكثيرون، مثل هجوم بابل على أورشليم.
كل هذه الأدوات تطيع الله؛ لتنفيذ إرادته، وتأديب أولاده، وعقاب الأشرار؛ حتى يرجع إلى الله بالتوبة كل من ينخسه قلبه، وهي في حدود تنفيذ إرادة الله، فينتبه الإنسان من غفلته ويتوب.
ع٢٨:
من تشتيت الله لشعبه بين الأمم بالسبي ثم إرجاعهم إلى بلادهم تظهر محبة الله واهتمامه بكل فرد منهم، فلا يترك أحدًا منهم يريد الرجوع إلى أورشليم، إلا ويرجعه، فقد كان النداء على يد زربابل؛ ليعود كل يهودي يريد أن يعبد الله في هيكله.ومن ناحية أخرى فالله لا يترك أحدًا ظروفه تمنعه من العودة لأورشليم بسبب المرض أو الشيخوخة، أو أي سبب آخر فيباركه ويسنده؛ لأنه يحب الله ويعبده وحده.
† إن الله يهتم بكل إنسان مهما بدا ضعيفًا. أو مرذولًا من الآخرين. فثق أن الله يسمع صلاتك ويهتم بك، حتى لو نسيك كل إنسان، أو وجدت بين غرباء، أو أناس لا يقدمون لك محبة.
ع٣٨، ٣٩:
ترسخت:
تأكدت وتيقنت.رسمت في كتابي:
كتبتعندما رأى ابن سيراخ أعمال الله، وتأمل فيها، تأكد من صلاح الله الذي رتب كل شيء في وقته؛ ليتم ويعلن مشيئته لفائدة الإنسان، فيدعو الناس إلى الإيمان والحياة معه، والتوبة عن الخطية، وكتب ذلك في كتابه، الذي هو سفر حكمة يشوع بن سيراخ.
ع٢٩:
بإرجاع الله شعبه يحل في وسطهم، وعندما يعبدونه بأمانة لا يحجب وجهه عنهم، بل يعمل بروحه القدوس فيهم ويباركهم.يمتد معنى هذه الآية إلى كنيسة العهد الجديد، عندما يمتع أولاده في كنيسته بالأسرار المقدسة، ويسكب عليهم روحه القدوس فيسكن فيهم إلى الأبد، كما يؤكد ذلك يوحنا الحبيب (رؤ٢٠: ٤).
أما كمال تطبيق هذه الآية فيتم في ملكوت السموات، عندما يتمتع المؤمنون برؤية الله إلى الأبد، وبعمل روحه القدوس المسكوب عليهم.
وهكذا نرى في هذا الأصحاح النصرة على جوج الذي يرمز للشيطان ويتحقق هذا في ثلاثة اتجاهات :
١. رجوع شعب الله من السبي، وبناء الهيكل ومدينة أورشليم وأسوارها، وعبادة الله.
٢. انتصار الكنيسة على الشيطان في المسيح المخلص، ووصول بنيها إلى ملكوت السموات.
٣. انتصار كل مؤمن بالمسيح على الشيطان في حياته الخاصة وتمتعه بعشرة الله.
في الأصحاح الأول في سفر حزقيال أعلن الله أنه يفارق هيكله، وفى نهاية هذا الأصحاح يعلن أنه سيظل مع شعبه ولا يحجب وجهه عنهم، ثم في باقي إصحاحات السفر يحدثنا عن هيكل الله الجديد.
مقدمة للأصحاحات من ٤٠ حتى ٤٨
هذه الأصحاحات تتكلم بوضوح عن الهيكل الجديد، أي كنيسة العهد الجديد.
فيمكن تقسيم سفر حزقيال إلى ما يلي:
الجزء الأول (حز ١-٢٤):
يتحدث عن ظهور الله في هيكله بمجده العظيم، ثم مفارقته للهيكل بسبب خطايا شعبه ورفضهم له. وهذا ما حدث مع البشرية، عندما تمتعت مع الله في جنة عدن، ثم طردت منه وعاشت في ألم وضيق طوال العهد القديم. وتحمل هذه الأصحاحات إنذارات ودعوة البشرية للتوبة حتى تستعيد طهارتها ومجدها.
الجزء الثاني (حز ٢٥-٣٢):
نبوات عن الأمم ترمز لقوة الله وقهره للشيطان، الذي تم بالصليب.
الجزء الثالث (حز ٣٣-٣٩):
نبوات عن شعب الله الجديد وانتصاره على الشيطان. وهو يرمز لحياة المؤمنين في العهد الجديد، التي تعتمد على التوبة ورعاية الله لهم وانتصارهم على حروب الشياطين. وضرورة تطهيرهم بالمعمودية (حز ٣٦: ٢٥) وسكب الروح القدس عليهم (حز ٣٩: ٢٩) وبهذا يتأهلون لدخول الهيكل المذكور في (حز ٤٠-٤٨).
الجزء الرابع (حز ٤٠-٤٨):
نبوات عن الهيكل الجديد، أي الكنيسة والخدمة فيها.
ونجد تشابه بين الكلام عن الهيكل هنا (حز ٤٠-٤٨) وبين ما كتب عن أورشليم السمائية في سفر الرؤيا (رؤ٢١، ٢٢)، فكلاهما على جبل عالٍ، ويتكلم بطريقة رمزية، والمدينة من السماء، ويدخل إليها الآتين من الضيقة، ففى أيام حزقيال ضيقة السبي، وفى الأيام الأخيرة الضيقة العظيمة.
ونلاحظ أن الله يقدم الهيكل لحزقيال بطريقة رمزية، لذا فمقاساته لها معانٍ روحية، ولكن سنجد أن بعضها غير مناسب للتطبيق العملى لبناء واقعى؛ لأنه يركز على الرمز أهم من الواقع.
ويمكن تقسيم هذا الجزء الرابع كما يلي:
١. الهيكل (حز ٤٠-٤٣).
٢. العاملون في الهيكل والأعياد (حز ٤٤-٤٦).
٣. الأرض المقدسة (حز ٤٧، ٤٨).
ع٤٠، ٤١:
وحيث أن تدابير الله تضع كل شيء بمقداره، وفي وقته المناسب، لا يندفع إنسان ويقول إن هذا الأمر صعب، أو شرير، وكان ينبغي أن يكون بدلًا منه أمر آخر، فالله يعرف كل شيء، ويدبر بحكمته كل شيء لمصلحة الإنسان، ويبقى فقط أن يتفرغ الإنسان لتسبيح الله وتمجيده بكل قلبه، ويبارك اسمه القدوس على أعماله العظيمة الصالحة.† ليتك يا أخي تشكر الله كل يوم على الظروف التي تمر بك، وتعلم أن كل تدابيره لخيرك، بل أن كل الأشياء تعمل معًا لخيرك، فتكون مطمئنًا، وتطلب فقط معونته لتعبر وسط الأمور الصعبة بسلام، وتتمتع بكل عطاياه الصالحة.