تفسير الكتاب المقدس

اَلأَصْحَاحُ الثامن والثلاثون

الطب والموت والصناعة

(١) الطبيب (ع١-١٥)

(٢) الحزن على الميت (ع ١٦-٢٤)

(٣) الحرفيين (ع ٢٥-٣٩)

اَلأَصْحَاحُ الثَّامِنُ وَالثَّلاَثُونَ

جوج وماجوج

يتكلم هذا الأصحاح والأصحاح التالي عن حرب يقودها ملك يدعى جوج، ومعه مجموعة من الشعوب ضد شعب الله، وكيف تدخل الله وأنقذ شعبه. وتذكر إشارة إلى هذه الحرب التي ستتم في نهاية الأيام في (رؤ٢٠). وهذا يبين أن عمل الله في تجديد شعبه وإحيائهم من بعد الموت كما جاء في (حز ٣٧) ليس معناه أن يتكاسل شعبه؛ لأن أعداءه سيهاجمونه، فإن كان مستعدًا ومتمسكًا بالله سينجيه الله منهم وسينصره عليهم.

(١) مؤامرة جوج وجماعته على إسرائيل (ع١-١٣)

[٢] هجوم جوج (ع١٤-١٦)

[٣] انتقام الله من جوج (ع١٧-٢٣)


(١) الطبيب (ع١-١٥):

١ أَعْطِ الطَّبِيبَ كَرَامَتَهُ، لأَجْلِ فَوَائِدِهِ فَإِنَّ الرَّبَّ خَلَقَهُ. ٢ لأَنَّ الطِّبَّ آتٍ مِنْ عِنْدِ الْعَلِيِّ، وَقَدْ أُفْرِغَتْ عَلَيْهِ جَوَائِزُ الْمُلُوكِ. ٣ عِلْمُ الطَّبِيبِ يُعْلِي رَأْسَهُ، فَيُعْجَبُ بِهِ عِنْدَ الْعُظَمَاءِ. ٤ الرَّبُّ خَلَقَ الأَدْوِيَةَ مِنَ الأَرْضِ، وَالرَّجُلُ الْفَطِنُ لاَ يَكْرَهُهَا. ٥ أَلَيْسَ بِعُودٍ تَحَوَّلَ الْمَاءُ عَذْبًا، حَتَّى تُعْرَفَ قُوَّتُهُ؟ ٦ إِنَّ الْعَلِيَّ أَلْهَمَ النَّاسَ الْعِلْمَ، لِكَيْ يُمَجَّدَ فِي عَجَائِبِهِ. ٧ بِتِلْكَ يَشْفِي وَيُزِيلُ الأَوْجَاعَ، وَمِنْهَا يَصْنَعُ الْعَطَّارُ أَمْزِجَةً، وَصَنَعْتُهُ لاَ نِهَايَةَ لَهَا. ٨ فَيَحِلُّ السَّلاَمُ مِنَ الرَّبِّ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ. ٩ يَا بُنَيَّ، إِذَا مَرِضْتَ فَلاَ تَتَهَاوَنْ، بَلْ صَلِّ إِلَى الرَّبِّ فَهُوَ يَشْفِيكَ. ١٠ أَقْلِعْ عَنْ ذُنُوبِكَ، وَقَوِّمْ أَعْمَالَكَ، وَنَقِّ قَلْبَكَ مِنْ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ١١ قَرِّبْ رَائِحَةً مَرْضِيَّةً وَتَذْكَارَ السَّمِيذِ، وَاسْتَسْمِنِ التَّقْدِمَةَ، كَأَنَّكَ لَسْتَ بِكَائِنٍ. ١٢ ثُمَّ اجْعَلْ مَوْضِعًا لِلطَّبِيبِ؛ فَإِنَّ الرَّبَّ خَلَقَهُ، وَلاَ يُفَارِقْكَ؛ فَإِنَّكَ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ. ١٣ إِنَّ لِلأَطِبَّاءِ وَقْتًا، فِيهِ الْنُّجْحُ عَلَى أيْدِيهِمْ، ١٤ لأَنَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ إِلَى الرَّبِّ، أَنْ يُنْجِحَ عِنَايَتَهُمْ بِالرَّاحَةِ وَالشِّفَاءِ، لاِسْتِرْجَاعِ الْعَافِيَةِ. ١٥ مَنْ خَطِئَ أَمَامَ صَانِعِهِ؛ فَلْيَقَعْ فِي يَدَيِ الطَّبِيبِ.

(١) مؤامرة جوج وجماعته على إسرائيل (ع١-١٣):

١ وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلاً: ٢ «يَا ابْنَ آدَمَ، اجْعَلْ وَجْهَكَ عَلَى جُوجٍ، أَرْضِ مَاجُوجَ رَئِيسِ رُوشٍ مَاشِكَ وَتُوبَالَ، وَتَنَبَّأْ عَلَيْهِ ٣ وَقُلْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا عَلَيْكَ يَا جُوجُ رَئِيسُ رُوشٍ مَاشِكَ وَتُوبَالَ. ٤ وَأُرْجِعُكَ، وَأَضَعُ شَكَائِمَ فِي فَكَّيْكَ، وَأُخْرِجُكَ أَنْتَ وَكُلَّ جَيْشِكَ خَيْلاً وَفُرْسَانًا كُلَّهُمْ لاَبِسِينَ أَفْخَرَ لِبَاسٍ، جَمَاعَةً عَظِيمَةً مَعَ أَتْرَاسٍ وَمَجَانَّ، كُلَّهُمْ مُمْسِكِينَ السُّيُوفَ. ٥ فَارِسَ وَكُوشَ وَفُوطَ مَعَهُمْ، كُلَّهُمْ بِمِجَنٍّ وَخُوذَةٍ، ٦ وَجُومَرَ وَكُلَّ جُيُوشِهِ، وَبَيْتَ تُوجَرْمَةَ مِنْ أَقَاصِي الشِّمَالِ مَعَ كُلِّ جَيْشِهِ، شُعُوبًا كَثِيرِينَ مَعَكَ. ٧ اِسْتَعِدَّ وَهَيِّئْ لِنَفْسِكَ أَنْتَ وَكُلُّ جَمَاعَاتِكَ الْمُجْتَمِعَةِ إِلَيْكَ، فَصِرْتَ لَهُمْ مُوَقَّرًا. ٨ بَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ تُفْتَقَدُ. فِي السِّنِينَ الأَخِيرَةِ تَأْتِي إِلَى الأَرْضِ الْمُسْتَرَدَّةِ مِنَ السَّيْفِ الْمَجْمُوعَةِ مِنْ شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ عَلَى جِبَالِ إِسْرَائِيلَ الَّتِي كَانَتْ دَائِمَةً خَرِبَةً، لِلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنَ الشُّعُوبِ وَسَكَنُوا آمِنِينَ كُلُّهُمْ. ٩ وَتَصْعَدُ وَتَأْتِي كَزَوْبَعَةٍ، وَتَكُونُ كَسَحَابَةٍ تُغَشِّي الأَرْضَ أَنْتَ وَكُلُّ جُيُوشِكَ وَشُعُوبٌ كَثِيرُونَ مَعَكَ. ١٠ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أُمُورًا تَخْطُرُ بِبَالِكَ فَتُفَكِّرُ فِكْرًا رَدِيئًا، ١١ وَتَقُولُ: إِنِّي أَصْعَدُ عَلَى أَرْضٍ أَعْرَاءٍ. آتِي الْهَادِئِينَ السَّاكِنِينَ فِي أَمْنٍ، كُلُّهُمْ سَاكِنُونَ بِغَيْرِ سُورٍ وَلَيْسَ لَهُمْ عَارِضَةٌ وَلاَ مَصَارِيعُ، ١٢ لِسَلْبِ السَّلْبِ وَلِغُنْمِ الْغَنِيمَةِ، لِرَدِّ يَدِكَ عَلَى خِرَبٍ مَعْمُورَةٍ وَعَلَى شَعْبٍ مَجْمُوعٍ مِنَ الأُمَمِ، الْمُقْتَنِي مَاشِيَةً وَقُنْيَةً، السَّاكِنُ فِي أَعَالِي الأَرْضِ. ١٣ شَبَا وَدَدَانُ وَتُجَّارُ تَرْشِيشَ وَكُلُّ أَشْبَالِهَا يَقُولُونَ لَكَ: هَلْ لِسَلْبِ سَلْبٍ أَنْتَ جَاءٍ؟ هَلْ لِغُنْمِ غَنِيمَةٍ جَمَعْتَ جَمَاعَتَكَ، لِحَمْلِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، لأَخْذِ الْمَاشِيَةِ وَالْقُنْيَةِ، لِنَهْبِ نَهْبٍ عَظِيمٍ؟ع١: الطبيب مستحق التكريم؛ لأنه يقدم فوائد كثيرة للإنسان، وهي:

١. شفاء من الأمراض.

٢. تخفيف آلامه.

٣. إنقاذه من الموت.

والله خلقه، وأعطاه هذا العلم والمعرفة الطبية؛ ليفيد بها العالم، والمسيح أشار إلى نفسه أنه الطبيب الآتي لعلاج أمراضنا عندما قال: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى" (مر ٢: ١٧)، والكنيسة تدعوه في أوشية (صلاة) المرضى، الطبيب الحقيقي؛ لأن الأطباء البشريين يقدمون علمهم وأدويتهم لعلاج المرضى، أما الذي يشفيهم بواسطة هذه الأمور هو الله نفسه، الطبيب الحقيقي.

ع١-٣:

جوج

: ملك بربرى تميز بالعنف والوحشية، وكان ملكًا على ماجوج. ومعنى اسمه امتداد، وهو من نسل جوج ثانى ابن ليافث (تك١٠: ١٢).

ماجوج

: البلاد التي حكمها جوج ومعنى اسمها اتساع، وهي تشمل روش وماشك وتوبال. ودعيت كل هذه بالقبائل السيكيثية. وكذلك أطلق عليهم التتار.

روش

: هي البلاد التي صارت فيما بعد باسم روسيا، وتقع شمال بحر قزوين والبحر الأسود.

ماشك

: هي المنطقة التي سميت فيما بعد موسكو عاصمة روسيا الحالية.

توبال

: وهي توبالت وهذه تقع شمال آسيا وتسمى سيبريا.

أمر الله حزقيال أن يتنبأ عن شعب قوى يقع شمال قارة أسيا، في منطقة تسمى ماجوج، تحت رئاسة ملك دموى يسمى جوج. وأعلن الله غضبه عليه، وأنه سيقف ضده لإيقاف وحشيته والانتقام منه.

والكلام في هذا الأصحاح عن اقتحام بلاد إسرائيل، بعد رجوعهم من السبي، بواسطة هذا الملك جوج وحلفائه الذي كانت جيوشه عظيمة جدًا.

وهناك تفسير آخر بأن جوج يرمز لأعداء أولاد الله الذين سيظهرون في نهاية الأيام ويحاربون المؤمنين، ولكن الله سينتقم منهم، إذ هم يمثلون الشيطان (رؤ٢٠).

ع٢:

لأن الطب نعمة يهبها الله للأطباء، أي الفهم والتمييز للمرض وعلاجه؛ لذا قدم البشر وعلى رأسهم الملوك والرؤساء جوائزهم، أي عطاياهم وكل أموالهم للأطباء شكرًا لهم، ولله الذي عمل بهم.

ع٤: شكائم

: جمع شكيمة وهي اللجام الحديدى الذي يوضع في فم الفرس.

أتراس

: جمع ترس وهو قطعة خشبية مغطاة غالبًا بالجلد، ولها عروة خلفية يضع فيها الجندى يده، فيحرك الترس أمام رأسه وجسمه، ليحمى نفسه به من سهام العدو.

مجان

: جمع مجن وهو نوع من الأتراس يستخدمه الجندى في الدفاع عن نفسه.

يظهر الله في هذه النبوة قوة جيش ماجوج ويصفه بما يلي:

١. خيول عليها فرسان مدربة.

٢. يلبسون أفخر الثياب الحربية.

٣. عدد الجيش عظيم جدًا.

٤. معهم أسلحة دفاعية تحميهم في الحرب هي الأتراس والمجان.

٥. يحملون أسلحة هجومية هي السيوف.

ولكن يطمئن الله شعبه أنه رغم قوة جيش الأعداء، فإن الله لن يتركهم يهلكون شعبه، بل هو ضابط الكل الذي سيرجعهم في الوقت المناسب عن شعبه. ويعبرعن أنه هو المتحكم فيهم بما يلي:

١. يرجعهم في الوقت المناسب.

٢. يضع شكيمة في فكيه، أي يتحكم في سرعة الحرب وقوة جيش الأعداء.

٣. هو الذي سمح لهم أن يجتمعوا على شعبه ويهاجموه إذ قال "أخرجك".

وكون الله ضابط الكل يطمئن شعبه، ويظهر لهم أن قوة إلههم أقوى من جيش الأعداء مهما كان قويًا. كذلك الله يسمح بهذا الهجوم ليعلم شعبه أن يتمسكوا بالله، ويكونوا مستعدين في كل حين، ويكونوا أقوياء دائمًا.

† كن مطمئنًا دائمًا مهما كانت حروب إبليس، أو مهما أحاط بك الأشرار وهددوك، فإن إلهك ضابط الكل يحميك ولا يدعك تجرب فوق ما تحتمل، وينقذك من الأعداء. فهو يسمح لك بالتجربة لتثبت فيه وتتقوى وتزداد ثقتك به، فتمو في معرفته وتتقدم في طريق الملكوت.

ع٣:

على قدر ما يعرف الطبيب من معلومات تساعده على تمييز المرض ووضع العلاج المناسب له، على قدر هذا ترتفع مكانة الطبيب، أي "تعلى رأسه"، فيعجب به العظماء، ويلجأون إليه؛ ليشخص أمراضهم ويعالجها.

ع٥: فارس

: وهي بلاد إيران الحالية.

كوش

: وهي بلاد أثيوبيا الحالية.

فوط

: وهي دولة ليبيا الحالية.

خوذة

: غطاء معدنى يلبس على الرأس لحمايته.

انضمت إلى جيوش ماجوج جيوش أخرى من حلفائه من بلاد فارس وكوش وفوط، وكلهم كانوا مسلحين بالخوذة والترس. وهؤلاء الحلفاء كانوا مشهورين في الحرب، فالفرس تميزوا بالعنف، أما الكوشيون فكانوا طوال القامة، وكانت الحرب قديمًا تعتمد على القوة البدنية. والفوطيون أيضًا كانوا معروفين في الحروب القديمة، أي أن الجيوش كانت قوية جدًا عند هجومها على شعب الله.

ع٤:

الفطن:

الحكيم والعاقل

الله أعطانا الأدوية من الأرض، وهي الأعشاب التي تُستخرج منها الأدوية؛ لأننا بشر، أي لنا أجساد، ونحتاج إلى علاج ملموس، وليس شفاء من الله غير مرئي، فالله هو الشافي، ولكن يستخدم الأدوية التي يصفها الطبيب؛ لأن هذا يناسب وجودنا بالجسد، والإنسان الفطن العاقل يفهم هذا ويشكر الله والطبيب على العلاج الذي يقدمه لشفاء المرض.

ع٦: جومر

: قبائل سكنت تركيا، واستقرت على ضفاف نهرى الراين والدانوب بعد أن هاجرت من روسيا، وقد تكون هي أصل ألمانيا الشرقية.

توجرمة

: قبائل سكنت جنوب شرق أرمينيا.

يستكمل الله ذكر حلفاء جوج، فيذكر قبائل جومر، وقبائل توجرمة التي سكنت في شمال قارة آسيا. وقد كونوا جيوشًا كبيرة انضمت إلى جوج لتهاجم شعب الله، وهذا يوضح شراسة وعنف الشر وتهييج الشيطان للأشرار ضد أولاد الله.

ع٥:

مثال لما ورد في الآية السابقة، وهي تقديم الأدوية من الأعشاب الناتجة من الأرض، ما حدث أيام موسى، عندما وجد الشعب ماءً مرًا، وتذمر، فألقى موسى شجرة في الماء المر، فتحول عذبًا (خر١٥: ٢٣-٢٥)، هذا هو العود المذكور في هذه الآية.

وهذا العود، أو الشجرة، رمز للصليب، الذي ترُشم به مياه المعمودية، فتصير لها قوة لولادة الإنسان ولادة جديدة بطبيعة جديدة، تميل للحياة مع الله، وتتشبه به.

ع٧:

يخاطب الله جوج ليستعد ويهئ الأسلحة والطعام اللازم ويجمع جيوشه وحلفاءه، فقد صار لهم موقرًا، أي رئيسًا يخضعون له ويقودهم لمهاجمة شعب الله.

ع٦:

الله يعطي علم معرفة الأدوية وعلاج الأمراض للإنسان، أي للطبيب؛ ليشفي بها المرضى، فنمجده؛ لأنه هو مصدر هذا العلم، وهو يحب أن يمجد من خلال تكريم أولاده الأطباء، ويفرح بشفاء أولاده المرضى.

ع٨:

بعد أيام كثيرة، أي بعد رجوع شعب الله من السبي يفتقده الله بتجربة؛ لتثبيته في الإيمان. وهناك رأي آخر بأنه بعد أيام كثيرة مرت على جوج في رئاسته لبلاده وعظمته بين باقي الدول، يفتقده الله ليظهر له ضعفه أمام قوة الله المساند لشعب إسرائيل، حين يتقدم جوج بجيوش كثيرة ليهاجم شعب الله، ولا يستطيع؛ لأن الله يمنعه، فيعلم ضعفه أمام شعب صغير ولكن الله معه.

ثم يؤكد الله ثانية أن زمن هجوم الأعداء سيكون في السنين الأخيرة، أي بعد الرجوع من السبي بمدة، لذا ظن البعض أن المقصود بجوج هو أنطيوخس السلوقى، الذي كان في زمن الإمبراطورية اليونانية، وهاجم بلاد اليهود، فقامت الثورة المكابية ضده، كما يظهر في أسفار المكابيين وكان ذلك في القرن الثاني قبل الميلاد. وقد يعنى بالسنين الأخيرة مجئ ضد المسيح في نهاية الأيام.

فتأتى جيوش الأعداء على أرض إسرائيل المستردة من سيف بابل، وذلك عندما قامت مملكة مادى وفارس، وأرجعت شعب الله بعد سقوط بابل عام ٥٣٦ ق.م.

وكانت عشائر شعب الله مجموعة من شعوب كثيرة كانت مشتتة بينها في المملكة البابلية، فعادت إلى جبال إسرائيل، أي إلى أورشليم واليهودية وما حولها.

كانت بلاد إسرائيل خربة بعد تدمير بابل لها ومن قبلها أشور. في هذه البلاد الخربة سكن شعب الله الراجع من السبي بعد أن بنى المدن وعمر الخرب. فسكنوا في أمان، وزرعوا الحقول، وعاشوا في سلام تحت رعاية الله، لذلك صارت بلاد شعب الله مطمعًا للأعداء إذ كانت بلادًا مملوءة بالخيرات، فهجم عليها الأعداء. ولكن نسى هؤلاء الأعداء أن الله يحمى شعبه وخيراته ويحفظهم في طمأنينة بين يديه، فهذا ما سنراه في هذا الأصحاح والأصحاح لتالى.

وترمز هذه الآية إلى الأمم الراجعة إلى الإيمان في العهد الجديد. هؤلاء كانوا مشتتين في العالم وتحت قبضة إبليس، فاستردوا حياتهم من سيف الشر، وأتوا إلى الكنيسة، التي هى جبال إسرائيل الجديدة، حيث الخيرات الكثيرة والبنيان الروحي، بعد أن كانوا في خراب؛ ليعيشوا في أمان داخل الكنيسة بين يدى الله.

ويلاحظ أنه عندما يجتمع شعب الله حوله ويثبتوا فيه يسمح الله للشيطان أن يحاربهم وذلك؛ لأنهم أصبحوا أقوياء بالله؛ فلا ينزعجوا من حروب إبليس، بل ينهزم تحت أقدامهم.

ع٧، ٨:

بهذه الأدوية يستطيع الطبيب عند تقديمها للمريض أن يشفيه من أمراضه، وهذه الأدوية يصنعها العطار الذي يبيع الأعشاب المتنوعة، فيمزج هذه المواد معًا، ويوجد عنده أنواع كثيرة من الأمزجة، كل مزيج يصلح لعلاج مرض معين، فيضع أعشاب مع سوائل مختلفة، وهو ما يعمله الآن الصيدلي، ومن خلال عمل الطبيب والعطار (الصيدلي) يعطي الله الشفاء للمريض، ويحل السلام في قلب المريض ومن حوله من قبل الرب.

ع٩: تغشى

: تغطى.

يستكمل الله حديثه مع جوج، فيقول له أنك ستصعد إلى جبال إسرائيل وتهاجمها بعنف كالزوبعة، التي تعصف فجأة بالساكنين في أمان. ولكثرة عدد جيوشه هو وحلفائه يشبهه بسحابة تغطى المكان، أي يبدومرتفعًا متسلطًا على شعب الله. هذا هو المظهر فقط، ولكن الحقيقة أن الله سيوقف كبرياءه، ويبين ضعفه في عجزه عن اقتحام شعب الله.

وهذا ما يحدث في كل جيل عندما يثور الأشرار على أولاد الله، سواء على شعب الله الراجع من السبي، أو في هياج الوثنيين واليهود على الكنيسة، ثم في هياج ضد المسيح في الضيقة العظيمة على أولاد الله في نهاية الأيام.

ع٩:

تشرح هذه الآية، والآيات الثلاث التالية الخطوات التي ينبغي أن يتبعها المريض، ونرى في هذه الآية:

الخطوة الأولى

:

الصلاة لله ليشفيك

؛ لأن الله وحده هو الطبيب الحقيقي الذي يشفي أمراضنا، ومن أجل إيمانك يتدخل الله ويعطيك شفاءً وسلامًا.

ع١٠:

يخاطب الله جوج، أو ضد المسيح، أو الشيطان، بكل صورة في شكل الأشرار على مدى الأجيال، أنه في يوم تفكيرهم على أولاد الله بالشر، أن الله عالم بكل أفكارهم، ولن يسمح لهم أن يؤذوا أولاده، فهذا يطمئن جدًا المؤمنين أن إلههم لا يخفى عليه شيء، وهو قادر على كل شيء، فيستطيع أن يبطل مؤامرات الأعداء.

ع١٠:

أقلع:

امتنع

الخطوة الثانية:

١-

أقلع عن ذنوبك:

أي حاسب نفسك وقدم توبة بأن تبتعد عن ذنوبك، أي تقر بها في توبة، ولا تستمر فيها.

٢-

"قوم أعمالك"

: إن كانت بعض أعمالك غير مستقيمة، فأصلحها لتكون مستقيمة، أي إن كان هناك تهاون في الأمانة، أو أي خطأ في أعمالك مع القريبين، أو البعيدين، فاصلحها ليرضى عنك الله.

٣-

"نق قلبك من كل خطيئة"

: وهي التوبة عن كل الأفكار والمشاعر الردية، ورفضها ليسامحك الله.

وفي العهد الجديد، يُضاف إلى هذه التوبة، التمتع بسر الاعتراف والغفران من الله على يد الكاهن، ونوال الإرشاد الإلهي؛ لتحيا في نقاوة.

والاهتمام بالتوبة خطوة أساسية في علاج المرض، كما يظهر من سر مسحة المرضى، كما ذُكر في (يع ٥: ١٤، ١٥)، حيث يُذكر إن كان قد فعل خطية تُغفر له عن طريق الاعتراف على يد الكهنة الموجودين أثناء السر، ويظهر أيضًا من كلام المسيح عن المخلع الذي كان عند بركة بيت حسدا الذي قال له المسيح بعد الشفاء: "لا تعود تخطئ لئلا يكون لك أشر" (يو ٥: ١٤).

ع١١: إعراء

: أراضي بلا أسوار، أو حواجز مفتوحة ليدخل إليها أي إنسان.

عارضة

: قطع خشبية هي القائمة العليا للباب، أو إحدى قائمتى الباب الجانبيتين، والمقصود أنه لا توجد أبواب للمدن.

مصاريع

: هي الأبواب.

يكشف الله أفكار جوج، فيقول له أنك تفكر أن جيوشك عظيمة، وستهجم على بلاد إسرائيل، التي لا تحاط بأسوار، وليس لها أبواب تحميها، وسكانها يسكنون في هدوء داخلها، فيسهل الانقضاض عليها وإهلاكهم. ولكنك نسيت أيها الشرير أن الله ساكن وسط شعبه، وهو سور لهم ويحميهم (زك٢: ٥).

وهدوء أولاد الله والتصاقهم بإلههم يثير عدو الخير عليهم، فهم هادئون لا يهاجمون أحدًا، فيغتاظ منهم إبليس ويهاجمهم، فينهزم أمام الله الذي يحميهم.

ع١١:

الخطوة الثالثة

: هي الذهاب للهيكل، وتقديم تقدمة القربان (لا٢: ١)، والمذكورة هنا بتذكار السميذ، ويوصى أن تكون التقدمة بسخاء، فيقول: "استسمن التقدمة" لأن هذه فرصتك في التقرب إلى الله، فأنت لا تضمن عمرك يومًا واحدًا، وهذا هو المقصود بتعبير: "كأنك لست بكائن".

والذهاب إلى الهيكل معناه تقديم عبادة لله، وثقة بأنه هو وحده الشافي، فيذهب المريض إلى بيت الرب، ويقدم تقدمته ليرضى الله، ويفرح قلبه.

وفي العهد الجديد، يذهب المريض إلى الكنيسة، ويتناول من الأسرار المقدسة؛ لأن هذه الذبيحة هي الشفاء الحقيقي قبل أية أدوية أخرى يعطيها الطبيب.

يمكن أيضًا أن يقدم المريض نذورًا لله إذا أتم شفاءه، فهذا تعبير عن محبة المريض لله، أكثر من محبته لأموال العالم.

وإن كان المريض عاجزًا عن الذهاب للكنيسة، يذهب إليه الكاهن، ويعمل له سر مسحة المرضى مادام المرض صعبًا.

ع١٢:

يكشف الله أيضًا أطماع الأشرار الذين يريدون أن يسرقوا خيرات أولاده ويأخذونها كغنيمة لهم، بعد انتصارهم عليهم، إذ رأوا أن بلاد إسرائيل التي خربت بواسطة بابل عمرها الراجعون من السبي، الذين كانوا مشتتين، وجمعهم الله، وأرجعهم إلى بلادهم، فأصبح لهم مقتنيات كثيرة من الماشية، وزرعوا أراضيهم، فأعطت خيرات، وهم يسكنون جبال إسرائيل.

ويرمز اليهود إلى أولاد الله في كل جيل، الذين لهم بركات روحية كثيرة، ولهم سمو عن الأرضيات، فيحاول إبليس مهاجمتهم وسلب بركاتهم ولكنه يفشل لتمسكهم بالله.

وظاهر من هذه الآية أن أولاد الله بدونه حياتهم خربة وما فيها من خير معرض للسلب، أما بالله فيمتلئون خيرات روحية ومادية، ولا يستطيع إبليس أن يأخذها منهم؛ لأن الله يحميهم.

ع١٢:

الخطوة الرابعة

: هي الالتجاء للطبيب الذي خلقه الله، وأعده لشفاء أمراضك، فهو يفحصك، ويميز مرضك، ويعطيك الأدوية المناسبة، ويظل يتابعك؛ حتى يتم الله الشفاء على يديه.

ع١٣: شبا

: قبائل عربية تسكن جنوب شبه الجزيرة، أي في اليمن الحالية.

ددان

: قبائل عربية تسكن شبه الجزيرة العربية وعلى صلة وثيقة بشبا ويعملون بالتجارة مثل شبا.

ترشيش

: مدينة مشهورة بالتجارة تقع جنوب أسبانيا.

أشبالها

: أبناؤها.

يثور تجار العالم المشهورون، ومنهم شبا وددان وترشيش عندما يرون أطماع جوج للإستيلاء على خيرات شعب إسرائيل؛ لأنه بهذا يضعف تجارتهم، فيقفون ضده لأن لهم أطماع في أرض إسرائيل. هكذا كل الأشرار يطمعون في سلب أولاد الله، ولكن الله، دائمًا يحمى أولاده.


ع١٣، ١٤:

النجح:

النجاح.

الخطوة الرابعة التي ذكرناها في الآية السابقة هي المختصة بالطبيب، والتي ينجح فيها شفاء المريض على يد الطبيب بقوة الله، وهذا الطبيب ينبغي أن يصلي أولًا لله؛ ليتدخل ويرشده في تشخيص المرض، وتقديم العلاج المناسب، ثم يتم الشفاء بمتابعة الطبيب، ويقوم المريض مستعيدًا صحته وعافيته.

[٢] هجوم جوج (ع١٤-١٦):

١٤ «لِذلِكَ تَنَبَّأْ يَا ابْنَ آدَمَ، وَقُلْ لِجُوجٍ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: فِي ذلِكَ الْيَوْمِ عِنْدَ سُكْنَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ آمِنِينَ، أَفَلاَ تَعْلَمُ؟ ١٥ وَتَأْتِي مِنْ مَوْضِعِكَ مِنْ أَقَاصِي الشِّمَالِ أَنْتَ وَشُعُوبٌ كَثِيرُونَ مَعَكَ، كُلُّهُمْ رَاكِبُونَ خَيْلاً، جَمَاعَةٌ عَظِيمَةٌ وَجَيْشٌ كَثِيرٌ. ١٦ وَتَصْعَدُ عَلَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ كَسَحَابَةٍ تُغَشِّي الأَرْضَ. فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ يَكُونُ. وَآتِي بِكَ عَلَى أَرْضِي لِكَيْ تَعْرِفَنِي الأُمَمُ، حِينَ أَتَقَدَّسُ فِيكَ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ يَا جُوجُ.

ع١٥:

تؤكد هذه الآية ما ذكره (ع ١٠) وهي إن أصاب إنسانًا مرضٌ ما فليراجع نفسه، ويتوب عن خطاياه التي قد تكون سببًا في أن يسمح له الله (صانعه) بهذا المرض، فيتوب عن خطاياه، والله سيعطيه الشفاء من المرض.

† المرض وسيلة يناديك بها الله لتقترب إليه بالصلاة والتوبة والاتضاع، فتتحسن روحيًا، ثم يعطي الشفاء من المرض، فتفرح وتمجد الله، وتشكر الطبيب.


ع١٤:

يخاطب الله جوج في هذه النبوة لينذره، إذ هو مزمع أن يهاجم شعب الله؛ لأنهم يسكنون في هدوء وأمان. ويظهر ضعفهم في عدم وجود أسوار حولهم. وتكراره لهذه الآية (ع١١)؛ ليؤكد المعنى أنهم ضعفاء. ولكن ينبه جوج ويقول له "ألا تعلم" أي ألا تعلم أنى في وسطهم وأحميهم ! فقوتهم منى، رغم ضعفهم الظاهر، فمن يستطيع أن يقف أمامي !

† لا تندفع وتسئ إلى إنسان مهما كان خطأه لأن إلهه ينظر. ولا تستغل ضعف إنسان لأن الله يحمى الضعفاء الملتجئين إليه. إتضع وإخشى الله، فتنضبط في كل تصرفاتك وأفكارك؛ وبمعونة الله تستطيع ان تسامح المخطئين؛ كما يسامحك الله.

(٢) الحزن على الميت (ع ١٦-٢٤):

١٦ يَا بُنَيَّ، اذْرِفِ الدُّمُوعَ عَلَى الْمَيْتِ، وَاشْرَعْ فِي النِّيَاحَةِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِذِي مُصِيبَةٍ شَدِيدَةٍ، وَكَفِّنْ جَسَدَهُ كَمَا يَحِقُّ، وَلاَ تَتَهَاوَنْ بِدَفْنِهِ. ١٧ لِيَكُنْ بُكَاؤُكَ مُرًّا، وَتَوَهَّجْ فِي النَّحِيبِ. ١٨ أَقِمِ الْمَنَاحَةَ بِحَسَبِ مَنْزِلَتِهِ، يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ دَفْعًا لِلْغِيبَةِ، ثُمَّ تَعَزَّ عَنِ الْحُزْنِ. ١٩ فَإِنَّ الْحُزْنَ يَجْلُبُ الْمَوْتَ، وَغُمَّةَ الْقَلْبِ تَحْنِي الْقُوَّةَ. ٢٠ فِي الاِنْفِرَادِ الْحُزْنُ يَتَشَدَّدُ، وَحَيَاةُ الْبَائِسِ هِيَ عَلَى حَسَبِ قَلْبِهِ. ٢١ لاَ تُسَلِّمْ قَلْبَكَ إِلَى الْحُزْنِ، بَلِ اصْرِفْهُ ذَاكِرًا الأَوَاخِرَ. ٢٢ لاَ تَنْسَ؛ فَإِنَّهُ لاَ رُجُوعَ مِنْ هُنَاكَ، وَلَسْتَ تَنْفَعُهُ، وَلكِنَّكَ تَضُرُّ نَفْسَكَ. ٢٣ اُذْكُرْ أَنَّ مَا قُضِيَ عَلَيْهِ يُقْضَى عَلَيْكَ. لِي أَمْسِ وَلَكَ الْيَوْمُ. ٢٤ إِذَا اسْتَرَاحَ الْمَيْتُ، فَاسْتَرِحْ مِنْ تَذَكُّرِهِ، وَتَعَزَّ عَنْهُ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ.

ع١٥، ١٦:

يعيد أيضًا هنا ما ذكره في (ع٩)؛ ليؤكد أن لا يعتمد جوج على قوته الحربية وحلفائه؛ لأن الله سيتقدس فيه أمام شعوب العالم عندما يهلكه، فيظهر ضعفه أمام قوة الله؛ لأنه تجاسر وهاجم شعبه.

ويقول في الأيام الأخيرة يكون، ويقصد إما أنه قبل ميلاد المسيح وذلك في عصر الإمبراطورية اليونانية، أو في الأيام الأخيرة قبل مجئ المسيح الثاني، عندما يقوم ضد المسيح ويهاجم أولاد الله، ولكن الله يهلكه ويحفظ أولاده.


ع١٦:

إذرف الدموع:

اجعل دموعك تسيل.

اشرع:

ابدأ.

النياحة:

النوح، أي البكاء الكثير.

بذى:

صاحب.

إذا مات إنسان قريب، أو معروف لديك، فاترك نفسك تبكي عليه، فهذا تصرف طبيعي؛ لأن المسيح نفسه بكى على قبر لعازر الذي كان يحبه.

وابدأ خطوات المناحة كمشاعر طبيعية وتكريم للذي مات. وكانت بعض الشعوب قديمًا تستمر المناحة فيها فترة قد تكون أسبوعًا، أو أربعين يومًا، حسب عادة كل بلد من البلاد. لأنه بموت الإنسان لا يعود موجودًا على الأرض، وهذه مصيبة كبيرة، ليس أصعب منها؛ لذا كن طبيعيًا في مشاعرك، وإن كنت كإنسان روحي تثق أن هناك حياة أخرى أفضل، فهذا يعزي قلبك، ولكن لا يلغي المشاعر والبكاء.

وينبغي أن تقوم بكل إجراءات تكفين الميت؛ ليدفن بإكرام بعد الصلاة عليه، وقراءة أجزاء من الكتاب المقدس، وكان ذلك عند اليهود أما في العهد الجديد، فهناك صلاة طقسية كاملة ممتلئة بالمزامير وأجزاء من الكتاب المقدس، تظهر مشاعر الكنيسة وكل المؤمنين المحبين للميت، وتعزي القلوب.

ومن دفن الميت يكفن جسده، بلفه بقماش، ووضع عطور وحنوط عليه، ويوضع في صندوق خشبي. هذا ما كان معتادًا عند اليهود، ومازال عند المسيحيين، وبعد ذلك يدفن في مقبرة، أي مدفن ويغلق عليه، هذا هو إكرام جسد الميت؛ لأننا نثق أن الجسد سيتحول في اليوم الأخير إلى جسم روحي، ويتحد بالروح، ويقف أمام الله ليحاسب.

وتوصينا الآية، أن نهتم بدفن الميت، فالمسيح كفنوه ودفنوه بإكرام في قبر جديد منحوت في الصخر داخل حقل الفخاري (مت ٢٧: ٧).

وطوبيا الرجل الكريم، كان يهتم بدفن أجساد الذين يقتلهم أعداء اليهود، ويحتمل الاضطهاد، حتى أنه كاد يموت لأجل اهتمامه بدفن الموتى. وبالتالي، يفهم من هذا أنه لا يصح إهمال دفن الموتى.

[٣] انتقام الله من جوج (ع١٧-٢٣):

١٧ « هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هَلْ أَنْتَ هُوَ الَّذِي تَكَلَّمْتُ عَنْهُ فِي الأَيَّامِ الْقَدِيمَةِ عَنْ يَدِ عَبِيدِي أَنْبِيَاءِ إِسْرَائِيلَ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ سِنِينًا أَنْ آتِيَ بِكَ عَلَيْهِمْ؟ ١٨ وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَوْمَ مَجِيءِ جُوجٍ عَلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، أَنَّ غَضَبِي يَصْعَدُ فِي أَنْفِي. ١٩ وَفِي غَيْرَتِي، فِي نَارِ سَخَطِي تَكَلَّمْتُ، أَنَّهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ رَعْشٌ عَظِيمٌ فِي أَرْضِ إِسْرَائِيلَ. ٢٠ فَتَرْعَشُ أَمَامِي سَمَكُ الْبَحْرِ وَطُيُورُ السَّمَاءِ وَوُحُوشُ الْحَقْلِ وَالدَّابَّاتُ الَّتِي تَدُبُّ عَلَى الأَرْضِ، وَكُلُّ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، وَتَنْدَكُّ الْجِبَالُ وَتَسْقُطُ الْمَعَاقِلُ وَتَسْقُطُ كُلُّ الأَسْوَارِ إِلَى الأَرْضِ. ٢١ وَأَسْتَدْعِي السَّيْفَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ جِبَالِي، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، فَيَكُونُ سَيْفُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى أَخِيهِ. ٢٢ وَأُعَاقِبُهُ بِالْوَبَإِ وَبِالدَّمِ، وَأُمْطِرُ عَلَيْهِ وَعَلَى جَيْشِهِ وَعَلَى الشُّعُوبِ الْكَثِيرَةِ الَّذِينَ مَعَهُ مَطَرًا جَارِفًا وَحِجَارَةَ بَرَدٍ عَظِيمَةً وَنَارًا وَكِبْرِيتًا. ٢٣ فَأَتَعَظَّمُ وَأَتَقَدَّسُ وَأُعْرَفُ فِي عُيُونِ أُمَمٍ كَثِيرَةٍ، فَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ.اصحاح ٣٩

ع١٧:

توهج في النحيب:

إبكِ بحرارة.

أثناء دفن الميت، وعمل مناحة عليه، اترك مشاعرك كما هي، وحينئذ ستبكي بكاءً شديدًا؛ هذا ليس فيه خطأ لأنها مشاعر طبيعية، تظهر مدى محبتنا للمنتقلين.

ع١٧:

يوجه الله سؤال استنكارى إلى جوج، فيعنى بقوله هل أنت؟ أي أنى أعرفك وتنبأت عليك على يد أنبيائى منذ سنين كثيرة، عندما تنبأوا على أعداء شعبه، مثل نبوات موسى وداود وأشعياء (تث٣٢: ٤٣، مز٩: ١٥، أش٢٧: ١).

وهذا يبين أن الله يراقب جوج ويعرف ما سيعمله، فهو ضابط الكل، ويستطيع أن يمنعه من الإساءة إلى أولاده، بل يهلكه أمامهم، وبالتالي كل هذا يطمئن أولاد الله.

† كن دائمًا مطمئنًا لأن الله إلهك ضابط الكل يعرف كل شيء، ويستطيع إيقاف هجمات الشيطان، وإن سمح له أن يحاربك، فيستطيع أن يهزمه عند قدميك مهما كان ضعفك؛ لأن الله هو العامل فيك.

ع١٨:

الغيبة:

ذكر العيوب في غياب الشخص.

كانت تقام المناحات، أي أيام لقبول التعزية للذي مات، لمدد طويلة، تصل إلى سبعين يومًا، كما حدث في المناحة التي أقيمت ليعقوب أب الأباء (تك ٥٠: ٣). ولكن هنا يقول ابن سيراخ بأن تقام المناحة لمدة يوم، أو يومين حسب مكانة الميت لإكرامه، أو هكذا كان يرى ابن سيراخ أن هذه المدة كافية. ثم يقول: يتعزى الناس بعد هذا عن أحزانهم، ولعله بروح النبوة عرف ما سيحدث في العهد الجديد، وهو قيامة المسيح في اليوم الثالث؛ لذا تقام صلاة الثالث على الميت في اليوم الثالث، تذكارًا لقيامة المسيح، وتنتهي المناحة، ويتعزى الناس بإيمانهم أن الراحل يتمتع بالفردوس. وهكذا يحدثنا الكتاب المقدس عن التعزية، فيقول بولس الرسول: "لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم" (اتس٤: ١٣). ونحن نتأثر ونحزن كمشاعر طبيعية، ولكن في نفس الوقت لنا رجاء أن المنتقلين يذهبون إلى حياة أفضل في السماء.

ع١٨:

يعبر الله عن شدة غضبه على جوج، الذي يهاجم أولاده، بأن غضب الله يصعد إلى أنفه، أي أن غضبه سيكون شديدًا وانتقامًا قويًا؛ لأن جوج تجاسر واعتمد على قوته؛ متغافلًا قوة الله، بل متحديًا له.

ع١٩:

إن الحزن الذي بلا رجاء، أي المصحوب باليأس، يهلك الإنسان ويميته، ويضعف قوته، فلا يجد حماسًا للحياة والعمل والنشاط. أما الحزن الذي فيه رجاء، فيعزي الإنسان، ويقوم من جديد بنشاط وقوة أكبر، معتمدًا على المسيح القائم من بين الأموات.

ع١٩، ٢٠: رعش

: زلزال.

تندك

: تنهدم وتتحطم.

المعاقل

: الحصون والمخابئ التي على الجبال بين الصخور.

يغار الله على شعبه كعريس يغار على عروسه، فيتحرك لينقذها ممن يضايقونها. ويتقدم الله بقوة في غضب شديد؛ كأنه نار تحرق أعداء شعب الله، ويعبر عن هذا السخط بزلزال يخيف أعداء الله وينقذ شعبه.

وهذا الزلزال في نهاية الأيام الذي تشير إليه هذه الآية، يؤكده زكريا النبي في (زك١٤: ١-٥) وأيضًا يوحنا في سفر الرؤيا (رؤ١٦: ١٨) وأن هذا الزلزال سيساعد على نجاة أولاد الله.

وفى قيامة رب المجد يسوع المسيح حدثت زلزلة، فخاف الحراس، وهو يشير إلى ما يحدث في قيامة كل إنسان من خطيته بالتوبة، فينزعج الشيطان، وينجو التائب المؤمن بالله ويفرح.

هذا الزلزال الذي سيكون قويًا لدرجة أن ترتعش منه كل الكائنات سواء الحيوانات، أو الجبال التي تبدو قوية بكل ما فيها من معاقل وتسقط أيضًا الأسوار التي يقيمها الأعداء، وهكذا يخيف الله الأشرار، ويبطل قوتهم ويحفظ أولاده.

وفى نهاية الأيام يحطم الله ضد المسيح وأعوانه، فتسقط قوته، سواء أفكاره، فيظهر بطلانها، أو إمكانياته فيظهر ضعفها، ويتمجد الله في أولاده الثابتين في الإيمان به.

ع٢٠:

إذا كان الإنسان حزينًا، وجلس وحده، فإن أحزانه تزداد، ولكن وجوده مع آخرين يخفف من أحزانه بكلامهم المعزي، ولا يجد الشيطان فرصة أن يسقطه في الاكتئاب.

والإنسان البائس، أي الحزين، إذا فكر فيما فقده يزداد حزنه، ولكن إذا نظر إلى الله يتعزى قلبه، كما فعل داود عندما كان صائمًا، مصليًا أثناء مرض ابنه الطفل الصغير، ولكن بعد موت الطفل نظر إلى الله والحياة الأخرى، فتعزى قلبه، وقام وأكل (٢ صم ١٢: ٢٢، ٢٣)

ع٢١:

الضربة الثانية التي يضرب بها الله أعداء شعبه هي السيف، أي تقوم حروب أهلية، فيضرب الأشرار بعضهم بعضًا، فينجو أولاد الله من أيديهم.

ع٢١:

إذا مات أحد أحبائك، فلا تستسلم للحزن، أي تنسى الله، ورجاءك فيه، ويساعدك على التعزية والهدوء أمران هما:

١. أنك ستقابل حبيبك هذا في السماء بعد أن تترك هذا العالم؛ بل وأيضًا أنت قادر أن تتصل به وأنت على الأرض، من خلال الاشتراك معه في الصلاة، وتتشفع به، بل أيضًا تقابله في القداس الإلهي، عندما تذكر اسمه، فتشترك روحه في الصلاة معك.

٢. الله إلهك يراك، فلا تغضبه بالاستسلام لليأس، أو كلمات التذمر، بل تعزي بأن الله معك، ولا تغضبه بأية خطية في حزنك؛ لأنك ستقف أمامه في الآخرة، أي يوم الدينونة.

ع٢٢: برد

: أجزاء ثلجية مثل الحجارة تسقط من السماء، وتكون حادة، وتقتل من يصادفها.

الضربة الثالثة بعد الزلزال والسيف، يعاقب الله أعداءه بالوبأ، فتنتشر الأمراض بينهم، وتهلك الكثيرين، بالإضافة إلى الذين هلكوا وسالت دماؤهم من السيف.

والضربة الرابعة هي سقوط برد من الماء مع نار، فتهلك أعدادًا ضخمة من الأشرار.

هذه الضربات سمعنا عنها في ضربات الله للمصريين حتى ينقذ أولاده من عبودية مصر، ويخرجهم بقوته. وتكرار هذه الضربات يذكر أولاد الله أن إلههم الذي أخرجهم من أرض مصر ينجيهم من الأعداء في كل جيل، سواء قبل ميلاد المسيح، أو قبل مجيئه الثاني في نهاية الأيام (رؤ٩: ١٧، ١٨).

ونرى عظمة الله في إهلاك أعدائه، بإرساله أمور متناقضة وهي البرد مع النار، أي يستخدم وسائل غير متوقعة لإهلاك الأشرار وإنقاذ أولاده.

ع٢٢:

لا تنسى نفسك وتستسلم للحزن، وذلك لما يلي:

١. حزنك لن يغير شيئًا من وضع الراحل، فهو لن يرجع إليك بهذا الحزن، بل هو قد استقر في السماء.

٢. حزنك هذا لا ينفع الراحل في شيء.

٣. حزنك يمكن أن يضرك عندما تخطئ بكلمات تذمر، أو مشاعر ضيق من الله، أو أفكار يأس.

٤. الذي رحل دخل في السعادة الأبدية عندما دخل للفردوس، فينبغي أن تفرح، وتطوبه، وتتمنى أن تجاهد مع الله مثله؛ حتى تصل للسماء وتكون معه.

ع٢٣:

من خلال كل هذه الضربات تعرف الأمم قوة الله التي تفوق كل الآلهة الوثنية، فيروا عظمة الله لعلهم بهذا ينجذبون إلى الإيمان به، ويتركون عبادة الأوثان، أو كل أفكارهم الشريرة.

ع٢٣:

تذكر يا من تحزن على موت أحد الأحباء، أن ما حدث له (قُضي عليه)، سيحدث أيضًا معك، وهو يقول لك: "ليَّ أمس ولك اليوم" أي أننى كنت أعيش بالأمس، وأحاول أن أستعد لأبديتي، ولك اليوم فرصة لتستعد لأبديتك؛ حتى إذا دعاك الله، وتركت هذه الحياة، تكون مستعدًا لدخول السماء.

ع٢٤:

إذا استراح الميت، أي إذا كان إنسانًا له علاقة مع الله، ومات، فقد استراح من أتعاب العالم، وإذا كان مريضًا، أو يعاني من أية ضيقة، فقد استراح منها.

لذا فاسترح من تذكره، أي استرح عند تفكيرك فيه؛ لأنه سعيد في السماء.

وعند موت هذا الإنسان، وخروج روحه تعزي من جهته؛ لأنه قد استراح من هذا العالم الباطل، ودخل في حياة أفضل، هي الحياة السماوية، فابن سيراخ يؤمن بالحياة الأخرى، ويؤكد عليها، ويدعونا للاستعداد لها.

† إذا انتقل أحد أحبائك، وترك هذه الحياة، فلا تنسَ أن ترفع قلبك إلى السماء، وليستعد قلبك بجهاد كثير، من توبة وصلوات؛ ليكون لك مكان في السعادة الأبدية.


(٣) الحرفيين (ع ٢٥-٣٩):

† ٢٥ الْكَاتِبُ يَكْتَسِبُ الْحِكْمَةَ فِي أَوَانِ الْفَرَاغِ، وَالْقَلِيلُ الاِشْتِغَالِ يَحْصُلُ عَلَيْهَا. ٢٦ كَيْفَ يَحْصُلُ عَلَى الْحِكْمَةِ الَّذِي يُمْسِكُ الْمِحْرَاثَ، وَيَفْتَخِرُ بِالْمِنْخَسِ، وَيَسُوقُ الْبَقَرَ، وَيَتَرَدَّدُ فِي أَعْمَالِهَا، وَحَدِيثُهُ فِي أَوْلاَدِ الثِّيرَانِ؟ ٢٧ قَلْبُهُ فِي خُطْوطِ الْمِحْرَاثِ، وَسَهَرُهُ فِي تَسْمِينَ الْعِجَالِ. ٢٨ كَذلِكَ كُلُّ صَانِعٍ وَمُهَنْدِسٍ مِمَّنْ يَقْضِي اللَّيْلَ كَالنَّهَارِ، وَالْحَافِرُونَ نُقُوشَ الْخَوَاتِمِ، الْجَاهِدُونَ فِي تَنْوِيعِ الأَشْكَالِ، الَّذِينَ قُلُوبُهُمْ فِي تَمْثِيلِ الصُّورَةِ بِأَصْلِهَا، وَسَهَرُهُمْ فِي اسْتِكْمَالِ صَنْعَتِهِمْ. ٢٩ وَكَذلِكَ الْحَدَّادُ الْجَالِسُ عِنْدَ السَّنْدَانِ، الْمُكِبُّ عَلَى صَوْغِ حَدِيدَةٍ ضَخْمَةٍ، يُصَلِّبُ وَهَجُ النَّارِ لَحَمَهُ، وَهُوَ يُكَافِحُ حَرَّ الْكِيرِ. ٣٠ صَوْتُ الْمِطْرَقَةِ يَتَتَابَعُ عَلَى أُذُنَيْهِ، وَعَيْنَاهُ إِلَى مِثَالِ الْمَصْنُوعِ. ٣١ قَلْبُهُ فِي إِتْمَامِ الْمَصْنُوعَاتِ، وَسَهَرُهُ فِي تَزْيِينِهَا إِلَى التَّمَامِ. ٣٢ وَهكَذَا الْخَزَّافُ الْجَالِسُ عَلَى عَمَلِهِ، الْمُدِيرُ دُولاَبَهُ بِرِجْلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لاَ يَزَالُ مُهْتَمًّا بِعَمَلِهِ، وَيُحْصِي جَمِيعَ مَصْنُوعَاتِهِ. ٣٣ بِذِرَاعِهِ يَعْرُكُ الطِّينَ، وَأَمَامَ قَدَمَيْهِ يَحْنِي قُوَّتَهُ. ٣٤ قَلْبُهُ فِي إِتْقَانِ الدِّهَانِ، وَسَهَرُهُ فِي تَنْظِيفِ الأَتُونِ. ٣٥ هؤُلاَءِ كُلُّهُمْ يَتَوَكَّلُونَ عَلَى أيْدِيهِمْ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ حَكِيمٌ فِي صِنَاعَتِهِ. ٣٦ بِدُونِهِمْ لاَ تُعْمَرُ مَدِينَةٌ. ٣٧ لاَ يَأْوُونَ الْمُدُنَ، وَلاَ يَتَمَشَّوْنَ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَمَاعَةَ، ٣٨ وَلاَ يَجْلِسُونَ عَلَى مِنْبَرِ الْقَاضِي، وَلاَ يَفْقَهُونَ فُنُونَ الدَّعَاوِي، وَلاَ يَشْرَحُونَ الْحُكْمَ وَالْقَضَاءَ، وَلاَ يَضْرِبُونَ الأَمْثَالَ. ٣٩ لكِنَّهُمْ يُصْلِحُونَ الأَشْيَاءَ الدَّهْرِيَّةَ، وَدُعَاؤُهُمْ لأَجْلِ عَمَلِ صِنَاعَتِهِمْ، خِلاَفًا لِمَنْ يُسَلِّمُ نَفْسَهُ إِلَى التَّأَمُّلِ فِي شَرِيعَةِ الْعَلِيِّ.

ع٢٥:

الكاتب هو من يهتم بكتابة ونسخ المواضيع والأحاديث الهامة، والمقصود هنا بالأكثر هو كاتب أسفار الكتاب المقدس، وأسفار الشريعة، فيعرف شريعة الله، ويفهمها ويتأمل فيها. وإن كان يحب الحكمة، ففى وقت فراغه، سيقرأ ويتأمل، ويتعلم ويتتلمذ، ويتدرب حتى يتقن الحكمة.

وكذلك من يعمل لمدة قليلة في أية حرفة، أو عمل، يكن له وقت أطول، يستطيع أن يستغله - مادام محبًا للحكمة - في السعي للحصول عليها، وأيضًا كل من يسعَ لاقتناء الحكمة سيفرغ وقتًا لها، ويقلل مشاغله قدر الإمكان ليتفرغ للحكمة.

والخلاصة، أن الحكمة أمر عظيم جدًا، ويحتاج لوقت طويل حتى يقتنيها الإنسان.

ع٢٦، ٢٧:

المحراث:

آلة زراعية لتقليب التربة وعمل خطوط فيها وتنقيتها من الحشائش.

المنخس:

قضيب من الخشب، أو الحديد طرفه مدبب، ينخس به الحيوان في مؤخرته، فيسرع في المشيء أو الجري.

يتردد:

يواصل.

العجال:

العجول.

يتعجب ابن سيراخ من الفلاح المنشغل بالزراعة، والذي يركب على المحراث، والآلات الزراعية المختلفة اللازمة لزراعة الأرض، ويفتخر أن له منخسًا يحرك به الحيوانات التي يركبها؛ لتجري سريعًا؛ حتى يكمل أعماله.

وإلى جانب الأعمال الزراعية يهتم بتربية البقر والثيران؛ ليستخدمها في أعماله الزراعية، ويأخذ منها اللبن ومنتجاته، والعجول (أبناء الثيران) ليبيعها، فهو مشغول بالنباتات التي يزرعها في خطوط حقله، ومشغولًا أيضًا بتسمين العجول لتكبر، ويبيعها، أو يستخدمها في أعماله ومنتجاته.

كل هذه الأعمال ستشغل الفلاح طوال النهار، ويحتاج أن يستريح عند المساء ليأكل ويشرب، ثم ينام ليستيقظ مبكرًا لأعماله، وبالتالي ليس عنده وقت لاقتناء الحكمة.

ع٢٩-٣١:

السندان:

كتلة حديد صلب مثبتة على قاعدة، يطرق عليها الحداد الحديد الساخن لتشكيله.

المكب:

المنهمك والمنشغل.

يصلب .. لحمه:

يجعل لحمه وجلده يابسًا وجافًا.

وهج النار:

شدة اشتعال النار.

الكير:

الفرن

مثال آخر للمنشغلين بأعمال الحياة، حرفة الحدادة، فالحداد يجلس أمام السندان، ليطرق عليه قطعة حديد ساخنة، حتى يشكلها بالشكل الذي يريده، وفيما هو جالس أمام السندان، وكذلك الفرن الذي يضع فيه الحديد، ليصير ساخنًا، ثم يطرقه على السندان، تجعل حرارة النار لحمه جافًا يابسًا.

وفيما هو يطرق الحديد على السندان يسمع هذه الطرقات المتوالية، وعيناه تنظران إلى النموذج الذي أمامه، والذي يريد أن يصنع مثله من قطعة الحديد.

وقلب الحداد يكون منشغلًا في إتمام تشكيل هذه القطعة الحديدية، حتى يتم صنعها وتشكيلها.

كل هذا الانشغال على مدى ساعات اليوم يجعله غير متفرغ لتعلم الحكمة، بل لإتمام مصنوعاته، وبعد هذا يستريح قليلًا؛ ليأكل، ويشرب، ثم ينام، وبعد ذلك يصحو ليبدأ يومًا جديدًا في نفس نشاطه.

ع٣٢-٣٤:

المدير:

الذي يجعل الآلة تدور.

دولابه:

الآلة التي يعمل عليها الخزاف لتشكيل قطعة الطين الخزفي بالشكل الذي يريده.

يعرك:

يعجن.

يحنى قوته:

يجعل الطين مرنًا قابلًا للتشكيل.

الأتون:

الفرن

وأيضًا مثال جديد للصانع المنشغل بصناعته، هو الخزاف، الذي يحرك دولابه برجليه، وكل اهتمامه في إتمام عمله، أي تشكيل الخزف، وإنتاج العدد المطلوب منه.

ويستخدم يديه في تشكيل الطين، وبتدوير الآلة بقدميه، يصبح الطين سهل التشكيل بين يديه.

وبعد تشكيل الخزف بالشكل الذي يريده، يهتم أن يدهنه بالدهانات المناسبة، وبعد الانتهاء من عمله يسهر لينظف الفرن الذي كان يضع الخزف فيه.

بعد العمل طول النهار حتى الليل، لا يبقى وقت للخزاف إلا أن يأكل وينام، ولا يجد عنده وقتًا لاكتساب الحكمة.

ع٣٥، ٣٦:

هؤلاء الحرفيون، أو الصناع؛ سواء الفلاح، أو الحداد، أو الخزاف، وغيرهم من أصحاب الحرف يعملون بأيديهم، وحرفهم هامة جدًا لقيام الحياة في الدول المختلفة، فلهم دور أساسي في حياة المجتمعات، ولا يمكن الاستغناء عنهم، ولكن ليس عندهم وقت للانشغال بالحكمة التي تخصص فيها فئات أخرى من المجتمع، ولكن يمكنهم أن يحيوا بالحكمة الإلهية التي تجعلهم يحبون الله، ويصلون، ويعيشون بكلام الله. من الصناع نذكر هؤلاء الذين كانوا مع بصلئيل وأهولياب الذين صنعوا خيمة الاجتماع بمهارة ودقة، وبركة الله، كما رسم الله لموسى وعلمه على الجبل (خر٣٦: ٢).

ع٣٧، ٣٨:

يأوون:

يسكنون.

يفقهون:

يفهمون.

الدعاوى:

المشاكل التي تقدم للقاضي.

هؤلاء الصناع السابق ذكرهم منشغلون في صناعتهم بجوار المدن، وفي أطرافها، فلا يسكنون في وسط المدن، حيث تتواجد جماعات الناس في المحاكم، ولا يعملون كقضاة، أو مشيرين، أو حكماء يعلمون الناس.

ع٣٩:

الأشياء الدهرية:

الصناعات والحرف التي يحتاجها المجتمع على مدى الأجيال.

الخلاصة، أن الحرفيين يقومون بأعمال يحتاجها المجتمع على مدى الدهور، ويدعون ويصلون لينجح الله أعمالهم، فهم يعيشون مع الله، وعلى قدر اهتمامهم بتوبتهم وصلواتهم، وتطبيقهم لشريعة الله، يفرح الله بهم، ويباركهم.

هؤلاء الحرفيون يختلفون عن الذين تخصصوا في كتابة وقراءة وتعلم شرائع الله، وتعليمها للآخرين؛ سواء من الكتاب، أو الكهنة، أو اللاويين، أو معلمي الشريعة، الذين أُشير إليهم في (ع٢٥).

† كن أمينًا في عملك، وتخصصك لترضي الله، ولا تنسَ علاقتك الشخصية مع الله من خلال ارتباطك بالأسرار المقدسة، وجهادك داخل مخدعك في صلواتك وقراءتك، وكل ما يتصل بها.

زر الذهاب إلى الأعلى

معاني الكلمات في الأصحاح

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

Please consider supporting us by disabling your ad blocker!