تفسير الكتاب المقدس

اَلأَصْحَاحُ السَّابِعُ وَالثَّلاَثُونَ

الصديق والمشير

(١) الأصدقاء والمشيرون الأشرار (ع١-١٤)

[٢] المشورة الصالحة (١٥-٢٤)

[٣] صفات الحكيم (ع٢٥-٢٩)

[٤] القناعة (ع٣٠-٣٤)

اَلأَصْحَاحُ السَّابِعُ وَالثَّلاَثُونَ

رؤيا العظام الجافة ونبوة العصويين

(١) رؤيا العظام الجافة والقيامة (ع١-١٤)

[٢] نبوة العصوين والوحدانية (١٥-٢٨)

(١) الأصدقاء والمشيرون الأشرار (ع١-١٤):

١ كُلُّ صَدِيقٍ يَقُولُ: «لِي مَعَ فُلانٍ صَدَاقَةٌ»، لكِنْ رُبَّ صَدِيقٍ إِنَّمَا هُوَ صَدِيقٌ بِالاِسْمِ. أَلاَ يُورِثُ الْغَمَّ حَتَّى الْمَوْتِ، ٢ كُلُّ صَاحِبٍ وَصَدِيقٍ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْعَدَاوَةِ! ٣ أَيُّهَا الاِخْتِرَاعُ الْمُوبِقُ، مِنْ أَيْنَ هَبَطْتَ فَغَطَّيْتَ الْيَبَسَ خِيَانَةً؟ ٤ رُبَّ صَاحِبٍ يَتَنَعَّمُ مَعَ صَدِيقِهِ فِي السَّرَّاءِ، وَعِنْدَ الضَّرَّاءِ يُضْحِي لَهُ عَدُوًّا. ٥ رُبَّ صَاحِبٍ لأَجْلِ بَطْنِهِ يَجِدُّ مَعَ صَدِيقِهِ، وَيَحْمِلُ التُّرْسَ فِي الْحَرْبِ. ٦ لاَ تَنْسَ صَدِيقَكَ فِي قَلْبِكَ، وَلاَ تَتَغَاضَ عَنْهُ وَأَنْتَ مُوسِرٌ. ٧ لاَ تَسْتَشِرْ مَنْ يَرْصُدُكَ، وَاكْتُمْ مَشُورَتَكَ عَمَّنْ يَحْسُدُكَ. ٨ كُلُّ مُشِيرٍ يُبْدِي مَشُورَةً، لكِنْ رُبَّ مُشِيرٍ إِنَّمَا يُشِيرُ لِنَفْسِهِ. ٩ الْحَذَرَ لِنَفْسِكَ مِنَ الْمُشِيرِ، وَاسْتَخْبِرْ أَوَّلًا عَنْ حَاجَتِهِ؛ فَإِنَّهُ يُشِيرُ بِمَا يَنْفَعُهُ، ١٠ لِئَلاَّ يُلْقِيَ الْقُرْعَةَ عَلَيْكَ، وَيَقُولَ لَكَ: ١١ «سَبِيلُكَ حَسَنٌ»، ثُمَّ يَقِفَ تُجَاهَكَ يَنْظُرُ مَاذَا يَحِلُّ بِكَ. ١٢ لاَ تَسْتَشِرِ الْمُنَافِقَ فِي التَّقْوَى، وَلاَ الظَّالِمَ فِي الْعَدْلِ، وَلاَ الْمَرْأَةَ فِي ضَرَّتِهَا، وَلاَ الْجَبَانَ فِي الْحَرْبِ، وَلاَ التَّاجِرَ فِي التِّجَارَةِ، وَلاَ الْمُبْتَاعَ فِي الْبَيْعِ، وَلاَ الْحَاسِدَ فِي شُكْرِ الْمَعْرُوفِ، ١٣ وَلاَ الْجَافِيَ فِي الرِّقَّةِ، وَلاَ الْكَسْلاَنَ فِي شَيْءٍ مِنَ الشُّغْلِ، ١٤ وَلاَ الأَجِيرَ الْمُسَاكِنَ فِي إِنْجَازِ الشُّغْلِ، وَلاَ الْبَطَّالَ فِي كَثْرَةِ الْعَمَلِ. لاَ تَلْتَفِتْ إِلَى هؤُلاَءِ لِشَيْءٍ مِنَ الْمَشُورَةِ.

(١) رؤيا العظام الجافة والقيامة (ع١-١٤):

١ كَانَتْ عَلَيَّ يَدُ الرَّبِّ، فَأَخْرَجَني بِرُوحِ الرَّبِّ وَأَنْزَلَنِي فِي وَسْطِ الْبُقْعَةِ وَهِيَ مَلآنَةٌ عِظَامًا، ٢ وَأَمَرَّنِي عَلَيْهَا مِنْ حَوْلِهَا وَإِذَا هِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا عَلَى وَجْهِ الْبُقْعَةِ، وَإِذَا هِيَ يَابِسَةٌ جِدًّا. ٣ فَقَالَ لِي: «يَا ابْنَ آدَمَ، أَتَحْيَا هذِهِ الْعِظَامُ؟» فَقُلْتُ: «يَا سَيِّدُ الرَّبُّ أَنْتَ تَعْلَمُ». ٤ فَقَالَ لِي: «تَنَبَّأْ عَلَى هذِهِ الْعِظَامِ وَقُلْ لَهَا: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْيَابِسَةُ، اسْمَعِي كَلِمَةَ الرَّبِّ: ٥ هكذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ لِهذِهِ الْعِظَامِ: هأَنَذَا أُدْخِلُ فِيكُمْ رُوحًا فَتَحْيَوْنَ. ٦ وَأَضَعُ عَلَيْكُمْ عَصَبًا وأَكْسِيكُمْ لَحْمًا وَأَبْسُطُ عَلَيْكُمْ جِلْدًا وَأَجْعَلُ فِيكُمْ رُوحًا، فَتَحْيَوْنَ وَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ». ٧ فَتَنَبَّأْتُ كمَا أُمِرتُ. وَبَيْنَمَا أَنَا أَتنَبَّأُ كَانَ صَوْتٌ، وَإِذَا رَعْشٌ، فَتَقَارَبَتِ الْعِظَامُ كُلُّ عَظْمٍ إِلَى عَظْمِهِ. ٨ ونَظَرْتُ وَإِذَا بِالْعَصَبِ وَاللَّحْمِ كَسَاهَا، وبُسِطَ الْجِلْدُ علَيْهَا مِنْ فَوْقُ، وَلَيْسَ فِيهَا رُوحٌ. ٩ فَقَالَ لِي: «تَنَبَّأْ لِلرُّوحِ، تَنَبَّأْ يَاابْنَ آدَمَ، وَقُلْ لِلرُّوحِ: هكذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هَلُمَّ يَا رُوحُ مِنَ الرِّيَاحِ الأَرْبَعِ وَهُبَّ عَلَى هؤُلاَءِ الْقَتْلَى لِيَحْيَوْا». ١٠ فَتَنَبَّأْتُ كَمَا أَمَرَني، فَدَخَلَ فِيهِمِ الرُّوحُ، فَحَيُوا وَقَامُوا عَلَى أَقدَامِهِمْ جَيْشٌ عَظيمٌ جِدًّا جِدًّا. ١١ ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا ابْنَ آدَمَ، هذِهِ العِظَامُ هِيَ كُلُّ بَيتِ إِسْرَائِيلَ. هَا هُمْ يَقُولُونَ: يَبِسَتْ عِظَامُنَا وَهَلَكَ رَجَاؤُنَا. قَدِ انْقَطَعْنَا. ١٢ لِذلِكَ تَنَبَّأْ وَقُلْ لَهُمْ: هكذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا أَفتَحُ قُبُورَكُمْ وأُصْعِدُكُمْ مِنْ قُبُورِكُمْ يَا شَعْبِي، وَآتِي بِكُمْ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ. ١٣ فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ عِنْدَ فَتْحِي قُبُورَكُمْ وَإِصْعَادِي إِيَّاكُمْ مِنْ قُبُورِكُمْ يَا شَعْبِي. ١٤ وأَجْعَلُ رُوحِي فِيكُمْ فتَحْيَوْنَ، وَأَجْعَلُكُمْ فِي أَرْضِكُمْ، فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أنَا الرَّبُّ تَكَلَّمْتُ وَأَفْعَلُ، يَقُولُ الرَّبُّ».

ع١، ٢: رب

: ربما.

يوجد كثيرون يعلنون صداقتهم لك، ولكن بعضهم يكونون مخلصين، وأمناءً في محبتهم، والبعض الآخر يكونون بالإسم، أي غير مخلصين، ولا يظهرون وقت الشدة، لكن لهم صورة الصداقة، وليس فعلها.

هؤلاء الأصدقاء بالاسم، يسببون الغم لك؛ لأنك لا تجدهم وقت الشدة؛ لأنهم ليسوا أصدقاءً حقيقيين، ويستمرون في علاقتهم السطحية معك حتى الموت، إما موتك، أو موتهم، أي لا يتغيرون ويصبحون أصدقاءً حقيقيين، فتتضايق في كل موقف صعب، إذ يتخلون عنك. مثال ذلك مثل أصدقاء الابن الضال، عندما أنفق كل ما معه، تخلوا عنه وتركوه يعمل في رعاية الخنازير، ولا يجد ما يكفيه من الطعام.

وإذ ضممنا الجزء الأخير من (ع١) إلى (ع٢)، يصبح النص هكذا: "ألا يورث الغم حتى الموت كل صاحب وصديق يتحول إلى العداوة" وهذا النص موجود بهذه الصورة في نصوص أخرى مثل النص اليسوعى للكتاب المقدس. وهذا معناه أن بعض الأصدقاء ينقلبون إلى العداوة، وهذا يسبب الغم حتى الموت لمن حدث معه ذلك؛ لأنه غير متوقع، فيفاجأ الإنسان بمن يطعنه، وهو ما يبدو صديق، كما حدث من يهوذا الذي خان المسيح أو سلمه لليهود (لو٢٢: ٤٨)، وحدث أيضًا من أخيتوفل مشير داود الذي تركه، وانضم إلى ابنه أبشالوم، الذي قام عليه ليقتله (٢ صم١٥: ١٢).

ع١: البقعة

: منطقة، أو مكان.

بدأت هذه الرؤية بقيادة الله لحزقيال، فأخرجه من المدينة التي يسكن فيها إلى مكان محدد، أو منطقة، لعلها كانت وادى، ليرى فيه هذه الرؤيا.

ونلاحظ ظهور الثالوث في هذه الآية، فاليد ترمز للأقنوم الثاني قوة الله، والرب يرمز للأقنوم الأول الآب، وروح الرب هو الروح القدس الأقنوم الثالث.

ويد الرب تظهر هنا؛ لتعلن لنا أنه بتجسد المسيح تتحول العظام الجافة إلى بشر أحياء، أي أن المسيح المتجسد ينقلنا من الموت إلى الحياة.

لا يستطيع حزقيال، أو أي إنسان أن يخرج وينظر الموت وحده وإلا ييأس، لكن لو كانت معه يد الرب - أي قوته تسنده - يستطيع أن يواجه نفسه، مهما كانت في ضعف، أو موت؛ لأن قوة الله قادرة أن تحييه.

ويقول هنا حزقيال أنه أنزلنى إلى البقعة إشارة إلى أمرين:

١. لعل هذه البقعة كانت وادي كما ذكرنا.

٢. أن الخطية تحدر الإنسان إلى الموت إلى أسفل حيث العظام الجافة.

وهذه العظام ترمز إلى الموت الذي كان فيه:

١. شعب الله المسبى في العبودية، فهو كأنه ميت ليس له قومية، أو قوة، أو عبادة في الهيكل.

٢. الأمم البعيدة عن الله في عبادة الأوثان، فهي ميتة في نظر الله.

٣. الإنسان في حالة الخطية يعتبر ميت في نظر الله إلى أن يتوب.

ع٣: الموبق

: المميت والمهلك.

اليبس

: اليابسة والمقصود الأرض.

تتعجب هذه الآية من الخيانة؛ خيانة الصديق لصديقه، أي عندما يتحول من صديق إلى عدو، فيصف الخيانة بأنها اختراع مميت، وللأسف انتشر في الأرض، أي أصبح متكررًا في أماكن كثيرة.

ع٢:

أمرنى

: أخذنى الرب حتى أمشى حول الوادى، أي البقعة؛ لأرى كل ما فيها.

أراد الله أن ينظر حزقيال بنفسه البقعة المملوءة عظامًا. وكانت هذه العظام جافة، أي أن أصحابها قد ماتوا منذ زمن طويل؛ لأن العظام تكون لينة وحولها بعض اللحم بعد الموت، ومع الوقت يتحلل اللحم وتصير العظام أيضًا جافة.

ومرور حزقيال يرمز لأهمية أن ينظر الإنسان ويفحص حالته، ليعرف إلى أي مدى قد وصل، أي أصبحت حياته موت وجفاف؛ حتى بعد هذا يتوب. وترمز أيضًا إلى أن الخادم ينبغى أن يفحص أولاده ويميز حالتهم مهما كانت سيئة؛ حتى يستطيع معالجتهم.

والبقعة ترمز لأرض شعب الله الذين أصبحوا أمواتًا روحيًا منذ زمن طويل. وترمز أيضًا إلى العالم كله، الذي مات فيه الوثنيون؛ لابتعادهم عن الله وعبادة الأوثان.

وكانت كثيرة جدًا، وهذا معناه أن معظم الناس، أو كلهم قد ماتوا روحيًا، كما يقول الكتاب "الجميع زاغوا وفسدوا معًا ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد" (رو٣: ١٢).

والعظام اليابسة تعنى أنهم انغمسوا في الخطية وماتوا منذ زمن طويل، وهم ليسوا حديثى الخطية ولكن حالتهم متأخرة، بل بحسب الرؤيا البشرية، لا أمل من إحيائهم، ولكن الله القادر على كل شيء يستطيع أن يقيمهم من الموت.

ع٤، ٥: السرا

ء: وقت الخير والرخاء.

الضراء

: وقت الضيق والشدة.

يضحى

: يصبح.

يجد

: يجتهد.

الترس

: آلة حربية يستخدمها الجندى في الحرب، وهي قطعة من الخشب لها عروة من الخلف يدخل الجندى يده فيها، ويحركها أمام رأسه وجسده ليحمى نفسه من السهام.

قد يوجد صديق يظهر إخلاصه، واهتمامه بصديقه في وقت الخير والرخاء، بل يشاركه أتعابه وجهاده، أى يجِّد معه لأجل مصلحته ومنفعته (بطنه)، بل يحارب معه إذا دخل في الحرب، ولكن إن حدثت ضيقة لهذا الصديق يتخلى عنه، أي إذا وجد صديقه يخسر ويسقط وينكسر، يهرب ويتركه.

كما حدث من أهل مدينة قعيلة الذين رحبوا بدفاع داود عنهم، وتخليصهم من الفلسطينيين الذين يهجمون عليهم، ولكن عندما علم شاول الملك بوجود داود عندهم، وقرر أن ينزل ليقبض عليهم، كانوا مستعدين أن يسلموا داود له، ولكن داود صلى، فأرشده الله، وهرب هو ورجاله من قعيلة (١ صم٢٣: ١١).

ع٣:

سأل الله حزقيال: هل يمكن أن تحيا هذه العظام اليابسة؟ والرد المنطقي لا. ولكن يظهر هنا إيمان حزقيال وخضوعه لله، فقال له "يا سيد الرب أنت تعلم"، كما قال بطرس للمسيح عند بحيرة طبرية "يا رب أنت تعلم كل شئ" (يو٢١: ١٧).

ويقصد بحياة هذه العظام، أي هل يمكن أن يعود شعب الله من السبي؟ أو هل يمكن أن يرجع الخاطئ المتمادي في خطيته؟ أو هل يمكن أن يؤمن العالم الوثني؟

كل هذا ممكن لأن الله قادر على كل شيء، وقد أرجع شعبه من السبي، عندما تابوا وآمنوا به. وخلص المسيح العالم بفدائه، فآمن به الكثيرون من الأمم واليهود ورجع كثيرٌ من الخطاة، الذين تمادوا سنينًا طويلة في خطاياهم، بل وصاروا قديسين.

ورغم أن النبوات كثيرة عن المسيا المنتظر، القادر على خلاص المؤمنين به من الموت، ولكن ذهن شعب الله كان منشغلًا بالخطية عن كلامه. فيسأل الله حزقيال، وهم في حالة الموت هذه، أي أنهم العظام اليابسة، هل ممكن أن يفهموا النبوات عن المسيا المنتظر ويؤمنوا فيحيوا؟

ع٦: تتغاضى

: تهمل.

موسر

: مقتدر وغنى.

إذا كان لك صديق مخلص لا تنساه، خاصة لو كان في ضيقة، وإذا كنت أنت في راحة وغنى، فلا تهمل صديقك إن كان يعانى من أي احتياج. كن بهذا صديقًا حقيقيًا مخلصًا، كما كان يوناثان مخلصا لداود، وكما كان داود مخلصًا لابن يوناثان وهو مفيبوشث العاجز (٢ صم٩: ٣).

ع٤:

إذ ظهر عجز الإنسان في شكل حزقيال عندما سلم أمره لله وقال له أنت تعلم، تدخل الله وأمره أن يتنبأ على هذه العظام، ويأمرها أن تسمع كلمة الله. وكلمة الله هي المسيح الذي بفدائه أعطى الحياة للإنسان الذي كان محكومًا عليه بالموت نتيجة خطاياه.

وهنا يبدأ العمل الإلهي المعجزى فيما يلي:

١. إرجاع شعب الله المسبى في العبودية، أي كان شعبًا ميتًا، والآن يحييه الله بإعادته من السبي.

٢. تتم هذه النبوة في كل إنسان عندما يحييه الله من موت الخطية بالتوبة، وهذا ما يسميه الكتاب المقدس القيامة الأولى.

٣. تتم هذه النبوة في ملء الزمان بإحياء الإنسان من الموت بفداء المسيح له على الصليب.

٤. تكمل هذه النبوة في القيامة الثانية، أي في نهاية الأيام، عندما تقوم الأجساد الميتة وتدخل إلى الحياة الأبدية.

ع٧:

لا تستشر من يرصدك، أي يراقبك، وهو لا يراقبك ليعتنى بك، ولكن ليصطاد خطأً عليك، أو فرصة ليهاجمك، فهو كالوحش الذي يختبئ ليهجم على فريسته، فلا تلتجئ إلى هذا الإنسان لتستشيره، لأنه لن يعطيك مشورة مخلصة، بل توقعك في مشاكل.

ومن ناحية أخرى، إن كان هناك إنسان يحسدك، فلا تعطيه مشورة، أو ترشده لشئ لئلا يستخدم هذه المشورة ضدك؛ لأنه عدوك.

والخلاصة، إحترس من أعدائك، لا تستشرهم، ولا ترشدهم، ولكن سامحهم عن أخطائهم، وعاملهم معاملة محدودة، وصلى لأجلهم.

وبهذا يبدأ ابن سيراخ الكلام عن المشير، بعد أن تكلم عن الصديق، فالصديق رفيق في الطريق، ويمكن أن يكون مشيرًا أحيانًا، ولكن ليس ضروريًا أن يكون مشيرًا، فقد يكون من سنك وليس له خبرة، فلا يصلح مشيرًا، أما المشير فيلزم أن يكون مخلصًا، وبلا غرض شخصى، وله خبرة، وعلاقة قوية مع الله.

ع٥:

أعلن الله للعظام أنه سيحييها بقوة روحه القدوس، وهنا يظهر تكامل عمل الأقانيم في حياة الإنسان. فالروح القدس هو المسئول عن إحياء الإنسان من موت الخطية، كلما سقط فيه وذلك عن طريق التوبة. وسيذكر في الآيات التالية تفاصيل إحياء الإنسان من الموت.

ع٨، ٩:

جيد أن تستشير، فهذا يبين اتضاعك، واهتمامك بكلمات الحكمة التي تأخذها من فم المشيرين الصالحين، ولكن افحص وتأكد من المشير الذي ستشيره؛ لئلا يكون إنسانًا غير روحانى، وأنانيًا يشير عليك بما هو لمصلحته، وليس لمصلحتك. فافحص جيدًا ما هو احتياج وغرض هذا المشير في حياته؛ لتعرف هل مشورته لمصلحته، أم لمصلحتك.

والخلاصة، تأكد من أمانة وصدق من تستشيره، فتسير مطمئنًا، وتسمع صوت الله، كما يستشير الإنسان أب اعترافه، فيسمع صوت الله داخل السر المقدس.

ع٦:

بين الله لحزقيال ما سيحدث لإحياء العظام اليابسة وهو:

١. يضع على العظام عصبًا. والأعصاب هي التي تعطى الإنسان الإحساس؛ لأن الخطية تفقد الإنسان إحساسه بالله والقدرة على التمييز.

٢. يكسى العظام لحمًا. واللحم يعنى العضلات، أي يعطى الإنسان الميت القدرة على الحركة. فالميت في الخطية عاجز عن السير في طريق الله.

٣. يضع على اللحم والأعصاب جلدًا. والجلد يمثل الحماية، وكذلك أيضًا الجمال الخارجي. لأن الميت بالخطية لا يستطيع مقاومة إبليس، بل يضربه بخطايا متوالية، ويفقده جماله الذي كان له أمام الله. فبإحياء الإنسان من موت الخطية، يستعيد جماله الذي خلقه الله عليه، ويصير في حماية الله.

٤. بعد تكامل مظهر الإنسان يحتاج للروح التي تحييه. عندما تم تفاصيل إحياء الإنسان، يعرف الله ويؤمن به، لأنه سر حياته. وعمل الله هنا ليس في معجزة خارجية يراها الإنسان، بل في حياته الخاصة؛ لأن إحياء الإنسان من موت الخطية هو أهم معجزة.

ع١٠، ١١:

يواصل ابن سيراخ كلامه عن فحص المشير، فيقول احذر ممن يلقى القرعة عليك، أي يجعلك تجرب شيئًا ما، فإذا نجحت يعمل مثلك، وإذا فشلت يحترس ويبتعد عن هذا الأمر. إن هذا المشير غير مخلص، ولكنه يجرب الأمر فيك؛ ليستفيد، ولا يرشد لمصلحتك.

ع٧:

رعش

: اهتزاز، أو ارتجاف.

أطاع حزقيال الله وتنبأ على العظام في (ع٤)، وعندما تنبأ سمع صوت، هو صوت الروح القدس الذي يعمل لإحياء الإنسان، وهو صوت كلمة الله المسيح المعطى الحياة بروحه القدوس.

ونظر حزقيال فوجد العظام اليابسة ترتعش وتتحرك وتقترب من بعضها؛ لتكون هيكل عظمى لإنسان وهذا يبين:

١. قدرة الله على إرجاع الإنسان من الموت إلى الحياة، كما أعاد شعبه من السبي.

٢. دقة الله وترتيبه في إعادة الإنسان للحياة ووضع كل عظم في مكانه؛ ليكون الإنسان في صورة كاملة بدقة تساعده على أفضل حياة؛ لأن كل جزء في جسم الإنسان ونفسه رتبه الله بدقة تفوق العقل.

وهكذا نرى قدرة الروح القدس على إحياء الإنسان الذي حطمته الخطية وبعثرت إمكانياته وأفسدتها، فيعيدها لتكون على أكمل وجه، أي يخلقها من جديد.

ومن الجميل اهتمام الله بإشراك الإنسان الخادم في عمله، فقد كان الله قادرًا أن يحيى العظام بدون حزقيال، ولكنه يأمره أن يتنبأ على العظام؛ ليشترك في التمتع برؤية عمل الله. ويظهر هذا أيضًا اتضاع الله في أن يعطى مجده لخدامه.

وقد لاحظنا في الكتاب المقدس استخدام الله للرعش في أماكن كثيرة، مثل الزلزلة التي حدثت عند قيامة المسيح (مت٢٨: ٢)، وكذلك شاول الطرسوسى ارتعد عندما قابله المسيح في طريقه إلى دمشق (أع٩: ٦)، وصلى بولس وسيلا فحدثت زلزلة وتزعزعت أساسات السجن في فيلبى (أع١٦: ٢٦).

† ما أعظم تدبير الله لحياتك، فاشكره على كل شيء يحدث معك. وثق أن تدابيره هي أفضل شئ، وأنه قادر على إحيائك، مهماكانت حياتك ميتة بالخطية، أو تعانى من مشاكل صعبة. أطلبه بلجاجة واطمئن فهو معك ويدبر كل أمورك.

ع ١٢-١٤: المبتاع

: المشترى.

الجافى

: الغليط والحاد في التعامل والسلوك.

الأجير المساكن

: العامل الموسمى الذي يعمل فترات محددة، ثم يرحل.

البطال

: الذي تعطل عن العمل ولا يعمل.

يحذرنا ابن سيراخ أيضًا فيمن نستشيره، فينبغى أن نمتنع عن استشارة هؤلاء في موضوعات معينة، وهم:

١- المنافق في التقوى:

المنافق هو الشرير الذي يظهر بخلاف ما في داخله، ولا يخاف الله، فلا يمكن استشارته في السلوك المستقيم الذي بحسب مخافة الله، أو أية ممارسات روحية، وتصرفات الأمانة التي يتصف بها أولاد الله.

٢- الظالم في العدل:

إذا كان إنسانًا ظالمًا، فلا يمكن أن يقول العدل والصدق؛ لأنه لم يتعوده، فلا يمكن استشارته فيما هو العدل، أو الحق في أي أمر.

٣- المرأة في ضرتها

:

توجد غيرة طبيعية بين المرأة وضرتها، وهي الزوجة الثانية التي يرتبط بها زوجها، وهذا كان مسموح به في العهد القديم. لأن مشورة المرأة ستكون بالطبع ضد ضرتها وليس لمصلحتها، ولن تقول الصدق، أو كيفية التعامل مع الضرة.

٤- الجبان في الحرب

:

الجبان بالطبع لن يكون مستعدًا للحرب؛ لأنه جبان فكيف نستشيره، نحارب أم لا؟! أو كيف نحارب؟ بالطبع لن يفيد، إنه يميل إلى الاختفاء، أو الابتعاد عن الحرب، وإذا دخل الحرب سيشيع الخوف وسط الجنود، فلا يستطيعون أن يحاربوا.

٥- التاجر في التجارة:

لا تستشر التاجر في أي شيء في التجارة؛ لأنه سيفكر بأنانية في نفسه، ويشهد لبضاعته، ويعطيها ثمنًا أكبر، ويقلل من ثمن السلع الأخرى التي لا يتاجر فيها.

٦- المبتاع في البيع:

الذى يريد أن يشترى شيئًا، لا تسأله في أمور الشراء والبيع؛ لأنه سينادى أن تكون السلعة التي يريد أن يشتريها رخيصة؛ لكي يتمكن من شرائها، أما السلع الأخرى ممكن أن ينصح برفع ثمنها لأنها لا تهمه. وإن كان هو نفسه سيبيع شيئًا ينادى بأن يكون ثمنه غاليًا، فهو يبحث عن مصلحته، مثل التاجر.

٧- الحاسد في شكر المعروف:

لا تستشر حاسدًا في شكر من عمل أي معروف؛ لأن الحاسد يكره الناس، ويفكر في نفسه، ويحسد غيره على النعمة التي هو فيها، فلا يشكر أحدًا، ولا ينصح بأن يشكر الناس من يعملون معهم.

٨- الجافى في الرقة:

الإنسان الغليظ والصعب في كلامه وتصرفاته، لا تستشره في كيفية التعامل بلطافة ورقة، فهو لا يعجبه هذا اللطف، مع أنه ثمرة من ثمار الروح القدس، وسيشير عليك أن تتعامل بغلاظة وشدة وسخافة مع الآخرين.

٩- الكسلان في شيء من الشغل :

بالطبع الكسلان لا يريد أن يعمل شيئًا، ولا يقوم من مكانه، فكيف تستشيره في أي عمل، إنه سيرفض، وسيقدم حججًا كثيرة معطلة للعمل، وحتى لو بدت منطقية، لكن غرضه منها ألا يعمل، بل ويهبط عزيمتك، وميلك للعمل، فيصيبك الكسل.

١٠- الأجير المساكن في إنجاز الشغل:

الذى يعمل عملًا مؤقتًا، تركيزه في أن ينال أجرته، ثم يعود إلى بيته، ولا يهمه استكمال العمل والوصول للفائدة منه، فكيف تستشيره في كيفية استكمال أي شغل ؟! وهو سيكون قد ابتعد عن الشغل، ولا يهمه استكماله. والأجير الموسمى لا يهتم أن يتم العمل في ميعاده، أو بالشكل المطلوب، إذ لا ينسب العمل له في النهاية، بل لمن أتم العمل، وهو العامل المستديم.

١١- البطال في كثرة العمل:

الذى لا يعمل، كيف نستشيره في الأعمال الكثيرة، إنه لا يريد أن يعمل، فبالطبع سيرفض العمل الخفيف، أو الكثير.

الخلاصة، كن مميزًا، ولا تستشر إنسانًا غير مناسب في شيء لا يفهمه، أو يرفضه، أو يتعارض مع مصلحته، بل ابتعد عن هؤلاء.

† كن مدققًا في اختيار صديقك، وكذلك من تستشيره؛ حتى تحيا في هدوء، وتتحاشى اضطرابات كثيرة، وفوق الكل ضع الله صديقًا، ومشيرًا تلتجئ إليه في الصلاة كل يوم، وصورته على الأرض، أب اعترافك، الذي يرشدك لخلاص نفسك.


ع٨:

بدأ الله في إحياء العظام، فوضع الأعصاب على العظام وكذلك اللحم، ثم كساها بالجلد. أصبح لها منظر الإنسان الكامل بكل أعضائه ولكن لا تتحرك، لأنه لم يعطها الروح بعد. وهذا ما يتم في سر المعمودية، إذ ينال الإنسان الطبيعة الجديدة، ولكن بعد هذا ينال الروح القدس، فيستطيع أن يحيا مع الله.

وإن كنا نرى في الآيات (ع٥، ٦) كلامًا على أن الله قد أعطى الروح، فهو يقصد أن يعطيها الطبيعة الجديدة بكل مكوناتها، ولكن القدرة على الحياة والحركة لم تأخذها بعد، بل ستنالها في مرحلة تالية، كما سيظهر في (ع٩).

الله ليس عنده زمن، ولكن يذكر هنا المراحل بالتفصيل، ليفهم الإنسان ما يحدث في حياته لكيما يحيا. فالله يهبه طبيعة قابلة للتشبه به في المعمودية، ثم قوة ليحيا معه في الميرون. وهذا يشبه إعطاء المسيح الروح القدس لتلاميذه بعد قيامته، عندما نفخ في وجوههم وقال لهم اقبلوا الروح القدس وأعطاهم سلطان غفران الخطايا (يو٢٠: ٢٢)، ولكنهم لم يمارسوا سلطانهم هذا إلا بعد حلول الروح القدس يوم الخمسين. فإعطائهم الروح القدس في المرة الأولى يعنى تأسيس سر الكهنوت وسر الاعتراف، ولكن القدرة على ممارسة هذه الأسرار تمت في يوم الخمسين.

[٢] المشورة الصالحة (ع١٥-٢٤):

† ١٥ لكِنِ ائْلَفِ الرَّجُلَ الْتَّقِيّ؛ مِمَّنْ عَلِمْتَهُ يَحْفَظُ الْوَصَايَا، ١٦ وَنَفْسُهُ كَنَفْسِكَ، وَإِذَا سَقَطْتَ يَتَوَجَّعُ لَكَ. ١٧ وَاعْقِدِ الْمَشُورَةَ مَعَ الْقَلْبِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ مُشِيرٌ أَنْصَحُ مِنْهُ، ١٨ لأَنَّ نَفْسَ الرَّجُلِ قَدْ تُخْبِرُ بِالْحَقِّ، أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةِ رُقَبَاءَ يَرْقُبُونَ مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ. ١٩ وَفِي كُلِّ هذِهِ تَضَرَّعْ إِلَى الْعَلِيِّ، لِيَهْدِيَكَ بِالْحَقِّ فِي الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ. ٢٠ الْكَلاَمُ مَبْدَأُ كُلِّ عَمَلٍ، وَالْمَشُورَةُ قَبْلَ الْفِعْلِ. ٢١ الْوَجْهُ يَدُلُّ عَلَى تَغَيُّرِ الْقَلْبِ. أَرْبَعَةٌ تَصْدُرُ مِنَ الْقَلْبِ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ وَالْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ، وَالْمُتَسَلِّطُ عَلَى هذِهِ فِي كُلِّ حِينٍ هُوَ اللِّسَانُ. ٢٢ مِنَ النَّاسِ مَنْ هُوَ ذُو دَهَاءٍ، مُؤَدِّبٌ لِكَثِيرِينَ، لكِنَّهُ لاَ يَنْفَعُ نَفْسَهُ شَيْئًا. ٢٣ وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي الْحِكْمَةَ، وَكَلاَمُهُ مَكْرُوهٌ. فَمِثْلُ هذَا يُحْرَمُ كُلَّ قُوتٍ، ٢٤ لأَنَّهُ لَمْ يُؤْتَ الْحُظْوَةَ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ، إِذْ لَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ عَلَى شَيْءٍ.

ع٩:

بعد أن تكامل منظر البشر في الوادى، أمر الله حزقيال أن يتنبأ للروح حتى تحل عليهم. فبدأ حزقيال يتنبأ ويخاطب الروح؛ حتى تأتى وتحل وتُحي. وهذه هي المرة الوحيدة في الكتاب المقدس التي يخاطب فيها الإنسان الروح القدس، وامتدادًا لهذا نخاطبه في الأجبية في صلاة الساعة الثالثة ونقول له "أيها الملك السمائى .." ونفهم من هذا ضرورة أن يطلب الإنسان الروح القدس ليعمل فيه، لأنه إن لم يطلب فلن ينال؛ لأنه "يعطى الروح القدس للذين يسألونه" (لو١١: ١٣). يفهم أيضًا من هذه الآية سلطان الكهنوت أن يستدعى الروح القدس ليحل في أسرار الكنيسة.

طلب حزقيال من الروح أن يأتي من الرياح الأربع، أي من أركان المسكونة الأربع؛ لأن روح الله سيحل في كل مكان على المؤمنين بالمسيح. ونرى العلاقة بين الروح والرياح واضحة؛ لأن أصل الكلمة العبري "رواح" معناه واحد. ويظهر هذا واضحًا في يوم الخمسين، عندما هبت ريح، ثم حل الروح القدس على شكل ألسنة نارية (أع٢: ١).

يصف الله البشر الراقدين في الوادى بأنهم قتلى، لأن الخطية قتلتهم، والروح القدس الآن يحييهم.

وكان حزقيال يشعر بعدم تجاوب اليهود المحيطين به في السبي، إذ كانوا أمواتًا من جهة كلمة الله. ولكن في هذه الرؤيا يدب الرجاء في قلبه بقدرة الله على تغييرهم حتى يقبلوا كلامه.

ع١٥، ١٦: إئلف

: تقرب واصنع صداقة وألفة.

الرجل التقى هو الذي يخاف الله، ويحفظ وصاياه، فيحب الله، ويراعى ذلك في سلوكه، فيكون قلبه مفتوحًا بالمحبة لمن حوله، ويشعر بك، مثلما يشعر بنفسه، إن واجهت أية مشكلة، أو تألمت من أي أمر، يشعر بوجعك، ويسرع لنجدتك، أي يمكنك الاعتماد عليه.

ع١٠:

أطاع حزقيال وطلب من الروح أن يحل على القتلى، فنالوا قوة وقاموا وتحركوا كجيش عظيم جدًا.

ونرى في هذا قوة الله القادرة على عمل المعجزات والتي تعطى الإنسان القدرة على العمل الإيجابى، فيستطيع أن يصد هجمات إبليس وينتصر.

ع١٧، ١٨: اعقد المشورة

: استشر.

اهتم بمشاعر قلبك، فإنها صادقة لا تريد أن تخدعك، ما دمت مرتبطًا بالله، وتخافه، فتستشير قلبك قبل أن تستشير أي إنسان؛ لأن قلبك يرشدك للحقيقة أكثر من سبعة رقباء يراقبون من حولهم من مكان عالٍ؛ لأن الإنسان يشعر بمن حوله أكثر من أي شخص آخر.

واعتماد الإنسان على مشورة قلبه ترجع إلى وجود الضمير، أي صوت الله داخل الإنسان. وفى العهد الجديد يوجد ما هو أعظم، وهو الروح القدس الساكن في الإنسان على الدوام.

وهذا ليس معناه كبرياء، أو ذات؛ لأن الذي يخاف الله يتضع أمام الكل، ويقبل الإرشاد، ويميل للتلمذة الروحية، ولكن ليس معنى هذا إهمال ما يشعر به داخله مع الصلاة المستمرة، فالله يرشد أولاده، كما يقول سليمان في الأمثال: "قلب الإنسان يفكر في طريقه والرب يهدى خطواته" (أم١٦: ٩).

ع١١:

يوضح الله لحزقيال حالة اليأس التي وصل إليها شعب الله لانغماسه في الخطية، فلم يعد له رجاء في الرجوع من السبي. والله هنا يعلن قدرته على إحيائهم. وإعادتهم إلى بلادهم كشعب واحد هو إسرائيل، وليس مملكتين منقسمتين، أي إسرائيل ويهوذا، كما كان قبل السبي.

وكلمة إسرائيل معناها يصارع الله، كما غير الله اسم يعقوب إلى إسرائيل عندما صارعه، أى أن شعبه يعود، فيكون بيت إسرائيل، الذي يعتمد في قوته على الصلاة ومصارعة الله، فيثبت أمام أعدائه. وهذا ما حدث في الرجوع من السبي، وكذلك في إسرائيل الجديد - أي المسيحيين - وما يحدث لكل إنسان عند توبته وما سيحدث في نهاية الأيام، عندما يدخل المؤمنون إلى الحياة الأبدية.

ويفهم من هذه الآية أن موت الجسد ليس هو المقصود بالعظام اليابسة، بل الموت الروحي. لأن شعب الله يقول عن نفسه أن عظامه قد يبست، هذا ما شعره بسبب خطاياه وذله في عبودية السبي، ولكن الله يعود فيحييه بسبب توبته وإيمانه به.

ع١٩:

شرط أساسى لسماع صوت الله داخل قلب الإنسان هو الصلاة، والتضرع إلى الله، فيهدينا إلى طريق الحق، أي الطريق المستقيم الموصل إلى الملكوت.

ع١٢، ١٣:

يبشر الله شعبه بأنه سيصعدهم من قبورهم، فهم أحياء ولكن قبورهم الداخلية هي خطيتهم، التي انتنت في داخلهم. فماداموا قد تابوا، فهو يعدهم بأن يقيمهم من موت الخطية؛ ليحيوا معه. ويقيمهم أيضًا بعد ذلك من موت عبودية السبي، ويرجعهم إلى أرضهم.

وماداموا قد تابوا فالله بحنانه يلقبهم بشعبى، أي بالتوبة يستطيع الإنسان أن ينتسب لله، ويستعيد بنوته له.

عندما يتم كلام الله ويرجعون إلى أرضهم، أو عندما ينال التائب حياة جديدة في الله، يثق بصدق كلام الله ووعوده.

† عندما تسيطر الخطية عليك ويحاربك اليأس لطول مدة زمانها معك، فلا تنزعج، لأن الله قادر أن يقيمك من قبر خطيتك ويحررك من كل آثامك. ثق فيه واطلبه بلجاجة وثابر في جهادك، فبقوته حتمًا ستنتصر.

ع٢٠:

الكلام الذي قبل كل عمل، مقصود به التفكير، الذي يصدر عنه الكلام الخارجي، أو هو الكلام الذي في داخل الإنسان أي فكره. هذا هو الذي يخرج في شكل أعمال وتصرفات، ومعنى هذا أنك ينبغى أن تفكر جيدًا قبل أن تعمل أي شيء.

وأيضًا ينبغى أن تستشير قبل أن تعمل أي عمل كبير، فلا تندفع في أي عمل دون تفكير كافِ ومشورة حسنة، مع صلاة وتضرع لله ليرشدك.

ع١٤:

عندما يتم كل ما سبق يثق شعب الله في نبوات حزقيال، إذ يرون فعل الله في حياتهم، بل يعدهم الله أن يستمر في العمل معهم، عندما يقول في نهاية الآية "وأفعل"؛ لأن الإنسان محتاج لعمل الله الدائم في حياته الجديدة؛ ليثبت في الله طوال حياته.


ع٢١:

إن مشاعر القلب هي ناتجة من فكر الإنسان الداخلي، وهي إما تميل إلى الخير، أو الشر، وتؤدى إلى الحياة أو الموت. ويظهر ما في داخل الإنسان، أي مشاعر قلبه وفكره في كلامه الذي يتكلم به لسانه. ويظهر أيضًا على وجهه، ويلزم أن يصلى الإنسان قبل أن يتكلم، ويفكر جيدًا قبل أن يخرج مشاعره على لسانه، أو وجهه، وبالطبع سيساعده هذا على أن تكون أعماله مستقيمة.

[٢] نبوة العصوين والوحدانية (ع١٥-٢٨):

١٥ وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلاً: ١٦ «وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ، خُذْ لِنَفْسِكَ عَصًا وَاحِدَةً وَاكْتُبْ عَلَيْهَا: لِيَهُوذَا وَلِبَنِي إِسْرَائِيلَ رُفَقَائِهِ. وَخُذْ عَصًا أُخْرَى وَاكْتُبْ عَلَيْهَا: لِيُوسُفَ، عَصَا أَفْرَايِمَ وَكُلِّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ رُفَقَائِهِ. ١٧ وَاقْرِنْهُمَا الْوَاحِدَةَ بِالأُخْرَى كَعَصًا وَاحِدَةٍ، فَتَصِيرَا وَاحِدَةً فِي يَدِكَ. ١٨ فَإِذَا كَلَّمَكَ أَبْنَاءُ شَعْبِكَ قَائِلِينَ: أَمَا تُخْبِرُنَا مَا لَكَ وَهذَا؟ ١٩ فَقُلْ لَهُمْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا آخُذُ عَصَا يُوسُفَ الَّتِي فِي يَدِ أَفْرَايِمَ وَأَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ رُفَقَاءَهُ، وَأَضُمُّ إِلَيْهَا عَصَا يَهُوذَا، وَأَجْعَلُهُمْ عَصًا وَاحِدَةً فَيَصِيرُونَ وَاحِدَةً فِي يَدِي. ٢٠ وَتَكُونُ الْعَصَوَانِ اللَّتَانِ كَتَبْتَ عَلَيْهِمَا فِي يَدِكَ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ. ٢١ وَقُلْ لَهُمْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا آخُذُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَيْنِ الأُمَمِ الَّتِي ذَهَبُوا إِلَيْهَا، وَأَجْمَعُهُمْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَآتِي بِهِمْ إِلَى أَرْضِهِمْ، ٢٢ وَأُصَيِّرُهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً فِي الأَرْضِ عَلَى جِبَالِ إِسْرَائِيلَ، وَمَلِكٌ وَاحِدٌ يَكُونُ مَلِكًا عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، وَلاَ يَكُونُونَ بَعْدُ أُمَّتَيْنِ، وَلاَ يَنْقَسِمُونَ بَعْدُ إِلَى مَمْلَكَتَيْنِ. ٢٣ وَلاَ يَتَنَجَّسُونَ بَعْدُ بِأَصْنَامِهِمْ وَلاَ بِرَجَاسَاتِهِمْ وَلاَ بِشَيْءٍ مِنْ مَعَاصِيهِمْ، بَلْ أُخَلِّصُهُمْ مِنْ كُلِّ مَسَاكِنِهِمِ الَّتِي فِيهَا أَخْطَأُوا، وَأُطَهِّرُهُمْ فَيَكُونُونَ لِي شَعْبًا وَأَنَا أَكُونُ لَهُمْ إِلهًا. ٢٤ وَدَاوُدُ عَبْدِي يَكُونُ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُ لِجَمِيعِهِمْ رَاعٍ وَاحِدٌ، فَيَسْلُكُونَ فِي أَحْكَامِي وَيَحْفَظُونَ فَرَائِضِي وَيَعْمَلُونَ بِهَا. ٢٥ وَيَسْكُنُونَ فِي الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَيْتُ عَبْدِي يَعْقُوبَ إِيَّاهَا، الَّتِي سَكَنَهَا آبَاؤُكُمْ، وَيَسْكُنُونَ فِيهَا هُمْ وَبَنُوهُمْ وَبَنُو بَنِيهِمْ إِلَى الأَبَدِ، وَعَبْدِي دَاوُدُ رَئِيسٌ عَلَيْهِمْ إِلَى الأَبَدِ. ٢٦ وَأَقْطَعُ مَعَهُمْ عَهْدَ سَلاَمٍ، فَيَكُونُ مَعَهُمْ عَهْدًا مُؤَبَّدًا، وَأُقِرُّهُمْ وَأُكَثِّرُهُمْ وَأَجْعَلُ مَقْدِسِي فِي وَسْطِهِمْ إِلَى الأَبَدِ. ٢٧ وَيَكُونُ مَسْكَنِي فَوْقَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا وَيَكُونُونَ لِي شَعْبًا. ٢٨ فَتَعْلَمُ الأُمَمُ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ مُقَدِّسُ إِسْرَائِيلَ، إِذْ يَكُونُ مَقْدِسِي فِي وَسْطِهِمْ إِلَى الأَبَدِ».

ع٢٢:

الدهاء هنا، مقصود به الحكمة، فقد يوجد إنسان ذو حكمة، ويعلم ويؤدب الآخرين، ويستفيدون منه، ولكنه لا ينتفع شيئًا مما يعرفه، أو يعلمه للآخرين، فهو لا يعمل ما يقوله. وهذا يؤدى إلى مخاطر هي:

١. يخلص الآخرين ويهلك هو.

٢. ما لا يختبره الإنسان سيكون كلامه فيه سطحيًا، وتأثيره ضعيف.

٣. لن يكون قدوة للآخرين، فيكون معثرًا للناس؛ لأنه لا يطبق الحكمة في حياته.

٤. هذا يغذي كبرياء المتكلم، فيشعر أنه مكتفٍ، ولا يحتاج أن يطبق مثل غيره، وقد يرفض مشورة الآخرين له؛ لأنه متكبر.

والمسيح نفسه أكد أهمية العمل بما نعلم به فقال: "أما من عمل وعلم فهذا يدعى عظيمًا في ملكوت السموات" (مت٥: ١٩).

وبولس الرسول تعجب من هذا الإنسان الذي لا يطبق ما يقوله، فيقول: "فأنت إذا الذي تعلم غيرك ألست تعلم نفسك" (رو٢: ٢١).

ع١٥-١٧:

يعطى الله هنا نبوة جديدة لحزقيال بوسيلة إيضاح ملموسة مرئية، كما في نبوة العظام اليابسة، أي لم يكتف بنبوة كلامية، بل أيدها بشكل مرئى، ليؤكدها ويثبها لحزقيال وكل الشعب المحيط به.

فطلب الله من حزقيال أن يأخذ عصا ويكتب عليها اسم يهوذا ورفقائه، ويقصد من ضمنتهم مملكة يهوذا من الأسباط الأخرى، مثل سبط بنيامين وبعض من سبط شمعون، أو أي شخص من الأسباط الأخرى اقترن وعاش في مملكة يهوذا، أي المملكة الجنوبية.

وطلب منه أيضًا أن يأخذ عصا أخرى، ويكتب عليها اسم يوسف ويقصد به نسله، أي أفرايم؛ لأن أفرايم كان أكبر أسباط مملكة إسرائيل عددًا، وهذه العصا لأفرايم ورفقائه من باقى الأسباط، أي كل من سكنوا في مملكة إسرائيل، التي هي المملكة الشمالية.

أعطى الله عصا ليهوذا؛ لأن منه يأتي المسيح، والأخرى ليوسف لأن له البكورية (١ أخ٥: ٢)؛ لذا قال يوسف ثم أفرايم ولم يقل أفرايم فقط.

ثم طلب الله من حزقيال أن يقرن العصوين معًا؛ ليصيرا عصا واحدة في يده، وهذا يرمز لعدة أمور:

١. وحدانية شعب الله عند عودته من السبي، فيصير شعبًا واحدًا وينتهى الانقسام فيه؛ لأنه بالتوبة والرجوع إلى الله ينال الشعب وحدانيته، وكذلك الإنسان باتحاد روحه بجسده فلا يكون منقسمًا على نفسه.

٢. هاتان العصوان هما العارضتان الرأسية والأفقية للصليب. ففى الصليب تنال البشرية الخلاص من عبودية الخطية، باتحادها مع الله، أي اتحاد الأرض والسماء؛ التي تمثلها العارضة الرأسية، أما العارضة الأفقية فتمثل اتحاد البشرية معًا في جسد المسيح. وهكذا بالصليب يستعيد الإنسان علاقته بالله واتحاده باخوته البشر، بعد أن فقد كل هذا بسبب الخطية. وعلى الصليب، أي العصوين كتبت أسماء شعب الله كله؛ لأن المسيح مات عن كل البشرية، فهذا يشجع الإنسان، ويعطيه رجاء ليتمسك بالصليب، مهما كان خاطئًا لينال الخلاص.

٣. والعصوان ترمزان -في اتحادهما، بيد الله، في يد نبيه حزقيال- إلى القيامة، فهاتان العصوان الجافتان تعطيا حياة إذا كانتا في يد الله. وينال شعب الله كجماعة واحدة خلاصًا وقيامة في الكنيسة، بالإضافة إلى قيامة كل إنسان في المسيح، فالقيامة تعطى لكل إنسان كفرد، وفى نفس الوقت هي قيامة للكنيسة المتحدة في جسد المسيح.

٤. ويفهم مما سبق أن العصوين ترمزان للكنيسة التي تحوى أسماء شعب الله المؤمنين به، وينالون الخلاص والقيامة في المسيح، وهو يكون رأسهم، كما يظهر من (ع٢٢، ٢٤). فالمؤمنون أعضاء في جسد واحد، والمسيح هو الرأس (كو٢: ١٩).

ع٢٣:

إذا كان إنسان غير حكيم، وبكبرياء يدعى أنه حكيم، فيتكلم كلامًا غير حكيم، بالطبع سيتضايق الناس ويملوا من سماعه، ويكرهوا كلامه، وشخصيته، لأنه متكبر، ورغم أنه غير حكيم، يظن في نفسه أنه حكيم. وهذا الإنسان سيتباعد عنه الناس، ويكرهونه، ولن يستفيد من أي تعليم يقال له؛ لأنه متكبر، فسيحرم من كل قوت، أي طعام؛ سواء طعام مادي لأنه منعزل عن الناس ولا يعمل، أو غذاء روحي ومعنوى بأنه لن يسمع، أو يستفيد من أحد لكبريائه.

ع١٨-٢١:

أخبر الله حزقيال أنه إذا سأله شعبه عن العصوين يعلمهم أن العصوين صارتا واحدة في يد الله، أي أن مملكتى يهوذا وإسرائيل ستتحدان وتعودان شعبًا واحدًا من السبي، بعد أن تفرقا بين الأمم سنينًا طويلة في عبودية السبي.

وهذا الاتحاد يحدث أيضًا في كل إنسان عندما تتحد روحه بجسده ويخضع لله، فيملك عليه؛ لأنه صار في يد الله مؤمنًا به فينال هذه الوحدانية.

ع٢٤: الحظوة

: النعمة أو المكانة.

الإنسان المتكبر لا ينال نعمة من الرب، ولا يستطيع أن يأخذ شيئًا، أو يتعلم شيئًا من الله، فيظل غير حكيم، فهو يرفض التعلم والتلمذة على أيدي الحكماء، والله لا يعطى نعمته إلا للمتضعين.

† كن متضعًا أمام الله والناس، فتنال حكمة كل يوم، ويحبك الآخرون، وتحيا في راحة وسعادة. فالتواضع بداية اقتناء الحكمة، والناس تحب المتواضع والحديث معه، فيزداد علمًا كل يوم وفهمًا، والله يحبه ويرشده بطرق متنوعة، وهكذا يضع الله في قلبه محبة الحكمة، فينمو فيها، ويتمتع بها، ويمتع الآخرين أيضًا الذين حوله بها.


ع٢٢:

يضيف الله أن شعبه سيعود من السبي أمة واحدة وقوية، عندما يقول على جبال إسرائيل؛ لأن الجبل يرمز للقوة، والارتفاع إلى السماء للثبات، فيكونون شعبًا، قويًا، ثابتًا، مرتفعًا بقلبه إلى السماء.

ولن ينقسم بنو إسرائيل إلى مملكتين، هما يهوذا وإسرائيل، كما حدث قبلًا، بل يظلان في وحدانية؛ لأن الضيقة وحدتهما وأخضعتهما لله، وقد حدث هذا بالفعل، حتى أتى المسيح.

وسر قوة ووحدة هذا الشعب أنه يملك عليهم ملك واحد، هذا الملك، ليس فقط المقام من مملكتى مادى وفارس، أو المملكة اليونانية التي تلتها، ولكن يقصد بالأحرى المسيح الذي يملك على شعبه في كنيسته.

[٣] صفات الحكيم (ع٢٥-٢٩):

† ٢٥ وَمِنْهُمْ مَنْ حِكْمَتُهُ لِنَفْسِهِ، وَثِمَارُ عَقْلِهِ صَالِحَةٌ فِي الْفَمِ. ٢٦ الرَّجُلُ الْحَكِيمُ يُعَلِّمُ شَعْبَهُ، وَثِمَارُ عَقْلِهِ صَالِحَةٌ. ٢٧ الرَّجُلُ الْحَكِيمُ يَمْتَلِئُ بَرَكَةً وَيُغَبِّطُهُ كُلُّ مَنْ يَرَاهُ. ٢٨ حَيَاةُ الرَّجُلِ أَيَّامٌ مَعْدُودَةٌ، أَمَّا أَيَّامُ إِسْرَائِيلَ فَلاَ عَدَدَ لَهَا. ٢٩ الْحَكِيمُ يَرِثُ ثِقَةَ شَعْبِهِ، وَاسْمُهُ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ.

ع٢٣:

يعد الله شعبه المؤمن به والراجع من السبي أنه يخلصه من عبادة الأوثان والشهوات الشريرة، التي سيطرت عليه قبل السبي. ولن توجد مساكن للشر بينهم، مثل بيوت الدعارة وبيوت المأبونين، بل يملك الله على قلوبهم ويكون هو وحده إلههم، فيختبرون الملكوت على الأرض، إلى أن يصلوا إليه ويتمتعوا به في السماء.

ع٢٥:

بعض الحكماء يميلون إلى الصمت، فالإنسان الذي يفعل هذا، هو إنسان متضع وحكيم، وثمار عقله وحكمته تظهر في كلمات فمه، ولكنها قليلة لأنه يميل للصمت. فهذا إنسان حكيم والكلمات القليلة التي يقولها تساوى كلمات كثيرة، هذه

الصفة الأولى

للحكيم، أنه ليس كثير الكلام، ولكنه يميل إلى الصمت، أو الكلام القليل.

ع٢٤:

يعلن الله بوضوح هنا أن الملك الحقيقي الذي يملك على شعبه هو داود. وبالطبع داود كان قد مات منذ زمن طويل قبل حزقيال، والمقصود هنا هو المسيح، الذي يملك على قلوب المؤمنين به في كنيسته ويرعاهم بعنايته، فيستطيعون أن يسلكوا في وصاياه، أي أحكامه ويتمسكون بعبادته، أي فرائضه.

ولكيما يتمتع الشعب برعاية الله ينبغى أن يخضع له كملك، أي يسلك في أحكامه وفرائضه.

ع٢٦: الصفة الثانية

للحكيم هو أنه يشعر بالمسئولية تجاه شعبه والمحيطين به، فيعلمهم الحكمة التي وهبها الله له، وكلمات فمه الناتجة من عقله الحكيم، صالحة ومفيدة، فهو ليس إنسانًا أنانيًا يحبس حكمته عن الآخرين، بل يعلمهم في أبوة واهتمام.

ع٢٥:

عندما يعود اليهود من السبي سيسكنون في أرض كنعان، التي وهبها الله لأسباط إسرائيل نسل يعقوب، ويملكون فيها إلى الأبد. وليس المقصود بالطبع الملك الأرضى؛ لأن داود كان قد مات، بل المقصود المسيح الذي يملك على قلوب أولاده المسيحيين إلى الأبد، أي ليس في الأرض فقط، بل بالأحرى في السماء.

ع٢٧: الصفة الثالثة

في الإنسان الحكيم أنه ممتلئ بركة من الله، إذ يرون كلماته مطبقة في حياته، والله يباركه من أجل سلوكه المستقيم، فيمدحه الناس.

ع٢٦:

أقرهم

: أثبتهم.

يستكمل الله حديثه عن شعبه في العهد الجديد، فيقطع معهم عهدًا أبديًا ليعطيهم ملكوت السموات، ويثبتهم فيه ويجعل مقدسه، أي مذبحه في وسطهم، ويتحد بهم في سر الإفخارستيا؛ حتى يرفعهم إلى السماء ليتحدوا به إلى الأبد.

وهكذا لا يتعلق شعب الله بمذبح فقط في أورشليم، بل بالمسيح الذبيح، الذي يتحد بأولاده في العهد الجديد، ويظل معهم إلى الأبد. ولا يستطيع أحد أن يهدم مذبحهم، كما حدث في تدمير هيكل أورشليم؛ لأن المسيح متحد بشعبه ويسكن فيهم وهم هياكل لروحه القدوس.

ويتمتعون بسلام العهد مع الله، إذا آمنوا بصليب الحب الذي بذل نفسه عليه لأجلهم، فيصيروا كالعصوين، ويستطيعوا أن يحبوا بعضهم بعضًا، فيدخلوا في عهد السلام مع الله ويملك عليهم.

ع٢٨:

الإنسان عمره محدود، وأيضًا الإنسان الحكيم له عمر محدود، ولكن كلام الحكيم يظل يتردد أيامًا كثيرة بلا حدود؛ هذا هو معنى أن إسرائيل أيامه لا عدد لها، أي أن شعب الله، أو الإنسان المبارك من الله لا حدود لكلامه، أي يظل كلام الحكيم طوال الحياة على الأرض، بل وأيضًا في الأبدية يتمتع بالوجود مع الله مصدر كل الحكمة. هذه هي

الصفة الرابعة

للحكيم. وكل رجال الله الأتقياء في العهد القديم والعهد الجديد تنطبق عليهم هذه الآية، إذ لهم ذكر حسن على الأرض، والآن يتمتعون في الفردوس، مثل يشوع بن سيراخ نفسه.

ع٢٧:

يضيف الله أنه سيسكن فوق شعبه، أي يملك على قلوبهم، وبهذا يصيرون هيكلًا له، أو يرفعهم لمستوى الكاروبيم الذي يحمل عرشه، كما وصف لنا حزقيال في الأصحاح الأول من نبوته. وبهذا يتمتع شعب الله ببنوتهم له وبرعايته الإلهية.

ع٢٩: الصفة الخامسة

للحكيم أنه ينال ثقة شعبه؛ لأن تكرار كلام الحكيم، وسلوكه المستقيم يجذبان أنظار من حوله، فيثقون في كلامه، ويسرعون إلى تنفيذه، بالإضافة إلى أن اسمه يحيا إلى الأبد، أي يرددون كلامه طوال حياتهم، وفى الأبدية يجدون هذا الحكيم يتلألأ في مجد عظيم.

† ليتك تصلى قبل أن تتكلم، وتحرص على قراءة كلام الله في الكتاب المقدس كل يوم، فتستقى الحكمة من الله، وتتمتع بسعادة وصفات كثيرة، أي فضائل تنالها من الحكمة.


ع٢٨:

الله يظهر محبته لكل البشرية، فعندما يملك على شعبه ويقدسهم، يكونون مثالًا ونورًا للعالم؛ حتى تؤمن الأمم بالمسيح ويحيون معه.

† الله يريد خلاص الكل، فلا تحتقر إنسانًا، أو تكرهه، أو تيأس منه، لأن نفسه غالية جدًا عند الله وهو مات لأجل خلاصنا، بل قدم محبتك للكل، وصلى لأجل كل من يسئ إليك.

[٤] القناعة (ع٣٠-٣٤):

٣٠ يَا بُنَيَّ، جَرِّبْ نَفْسَكَ فِي حَيَاتِكَ، وَانْظُرْ مَاذَا يَضُرُّهَا، وَامْنَعْهَا عَنْهُ. ٣١ فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْفَعُ كُلَّ أَحَدٍ، وَلاَ كُلُّ نَفْسٍ تَرْضَى بِكُلِّ أَمْرٍ. ٣٢ لاَ تَشْرَهْ إِلَى كُلِّ لَذَّةٍ، وَلاَ تَنْصَبَّ عَلَى الأَطْعِمَةِ. ٣٣ فَإِنَّ كَثْرَةَ الأَكْلِ تَهِيضُ الآكِلَ، وَالشَّرَهَ يَبْلُغُ إِلَى الْمَغْصِ. ٣٤ كَثِيرُونَ هَلَكُوا مِنَ الشَّرَهِ، أَمَّا الْقَنُوعُ فَيَزْدَادُ حَيَاةً.

ع٣٠، ٣١:

تدريب النفس حتى تحيا مع الله في سعادة يلزم بعض الأمور منها:

١. الامتناع عن كل شيء يضر الإنسان، وأصعب شيء يضر الإنسان هو الخطية، فيلزم قطعها والابتعاد عنها، كما يبتعد الإنسان عن الحية، أو العقرب.

٢. الابتعاد عن الأمور غير النافعة للإنسان؛ حتى لو كانت نافعة لغيره. فالقديس أرسانيوس كان يميل للصمت؛ لأنه منشغل بالكلام مع الله، أما القديس موسى الأسود فكان يتكلم مع الناس أكثر منه، والله يعزيه ويشجعه من خلال كلماته التي يقولها للآخرين.

٣. الابتعاد عما لا يناسب الإنسان، ولا يرضيه. فهناك إنسان اجتماعى يميل للوجود بين الناس، ويسأل عنهم ويخدمهم، وهذا أمر جيد. وآخر لا يناسبه كثرة الناس حوله، ويميل للهدوء والعمل الفردى، أو الأعمال الهادئة بعيدًا عن الزحام. فكل إنسان يعمل ما يناسبه، أو يرضيه، ويبتعد عما لا يناسبه.

ع ٣٢-٣٤: تشره

: تأكل كثيرًا.

تهيض

: تتقيًا.

إذا وجدت طعامًا لذيذًا، فلا تأكل منه بكثرة، ولا تلقى بنفسك على الطعام، أي تأكل منه بدون حساب.

والشره يؤدى إلى أضرار كثيرة أهمها:

١. يتقيأ الإنسان الطعام الذي أكله.

٢. يصاب بمغص.

٣. على المدى البعيد يمكن أن يهلك ويموت عندما يصاب بالأمراض، بمرض السمنة مثلًا.

والخلاصة، الإنسان الذي يدرب نفسه على القناعة في استخدام كل ما في العالم، سواء أطعمة، أو غيرها، فإنه يحيا حياة سعيدة صالحة، وينمو في علاقته مع الله، أي يحيا روحيًا وجسديًا حياة جميلة.

† إنشغل يا أخى بمحبة الله، وخدمة الآخرين، تجد نفسك تلقائيًا قادرًا على ضبط نفسك في كل شيء، وتحيا متزنًا، ومطمئنًا، وناميًا في محبتك لله.

زر الذهاب إلى الأعلى

معاني الكلمات في الأصحاح

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

Please consider supporting us by disabling your ad blocker!