يبدأ من هذا الأصحاح حتى أصحاح ٣٩ نبوات مختلفة، هدفها إعداد الشعب للرجوع من السبي، فيبدأ في هذا الإصحاح إظهار خطورة الشرور التي أدت إلى خراب أورشليم، وبالتالي يدعو الشعب إلى التوبة وتحمل مسئولياتهم أمام الله؛ لينالوا بركات، لأن الله حنون ويريد عودة شعبه، بل كل إنسان إليه.
ونلاحظ في الأصحاحات (حز ٢٥-٣٢) في نبوات حزقيال عن الأمم، أنه تنبأ عن بلاد كثيرة، ولكنه لم يتنبأ عن بابل مع أنها أشهر دولة وقتذاك، وكانت ستخرب بعد سنوات على يد مادي وفارس بسبب شرورها وذلك لما يلي:
١. حتى يحتمل شعب الله التأديب بيد بابل، فيساعدهم ذلك على التوبة.
٢. حتى لا يقاوم شعب الله بابل الذي كان قد سُبى إليها، فتحدث صدامات بينهم وبين الدولة الحاكمة.
٣. لأنه سيظهر دور دانيال في قيادة وتوجيه الدولة البابلية، فلا يتعطل هذا الدور إذا علم الشعب أنها ستخرب، فدانيال أعلن قوة الله التي فوق جميع الآلهة البابلية، وهذا ساعد في خلاص وإيمان بعض البابليين.
المتقي الرب الذي يخافه، لا يقابل في حياته شيئًا يضره؛ لأن الله يجعل كل شيء يتحول لخيره، كما يعلن هذا العهد الجديد: "كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله" (رو٨: ٢٨)، فحتى التجارب والضيقات يعطيه الله فيها سلامًا وبركات، والله يحفظه من الشرور التي يريد الشيطان أن يسقطه فيها؛ لأن خائف الله متمسك بوصايا الله باتضاع، فالله يحبه، ويحفظه على الدوام.
يلاحظ أن هذه الآية تشبه تمامًا الآية الأخيرة في الأصحاح السابق، لأن هذا الأصحاح امتداد للأصحاح الذي يسبقه.
ع١-٥:
كلم الله حزقيا لينذر شعبه، ويلاحظ أن الله لم يقل شعبى بل قال للنبى شعبك؛ لأن الشعب كان بعيدًا عن الله بسبب كثرة خطاياه التي سببت له السبي. ولكن عندما يخضع الشعب لله يقول عنهم شعبى (حز ٣٧: ٢٧).
اختار الله مثالًا معروفًا للشعب وهو الرقيب الذي يقف على أسوار المدينة في حالة الخطر؛ ليراقب تحركات الأعداء، فالله يبين أن الشعب في خطر بسبب كثرة الخطايا.
هذا الرقيب مسئوليته أن يضرب بالبوق عندما يرى هجوم الأعداء، فإذا تهاون إنسان من الشعب الذي داخل الأسوار ولم يحترس وهجم عليه الأعداء وقتلوه، فدمه على رأسه؛ لأنه لم يطع إنذار الرقيب؛ لأنه لو كان قد تسلح بأسلحته، أو تحصن في المخابئ؛ لكان قد نجى نفسه من الموت، فهو مسئول عن موته بسب تهاونه.
هذا الرقيب يرمز للنبى حزقيال ولكل الكهنة والخدام في كل جيل، المسئولين عن إنذار شعبهم ليتوبوا ويرجعوا عن خطاياهم. ويرمز أيضًا للضمير الخاضع للروح القدس، فإذا أطاع الإنسان إنذارات ضميره نجى نفسه.
† إذا سمعت صوت الله في داخلك، أو من الكتاب المقدس، أو من أب اعترافك، أو بأية طريقة فلا تتهاون، أو تؤجل التوبة لئلا تفتر ويضعف صوت الله في داخلك، فيسهل على الشيطان أن يفترسك. إن الله يريد خلاصك، فأطعه بتدقيق؛ لتنجى نفسك.
ع٢:
الرجل الحكيم هو خائف الله، وهو يحب شريعة الله، فلا يهملها، بل يتمسك بها، فيحيا في سلام، كما ذكرت الآية السابقة حتى وسط الضيقات.
أما الإنسان المرائي، وهو الجاهل والأحمق، الذي يوجد بجسده في بيت الرب، أما قلبه فمتعلق بشهواته الشريرة، هذا الإنسان لا يتمتع بالسلام، بل بالعكس يكون مضطربًا في داخله، مثل سفينة في زوبعة، فتخبطها الرياح من كل جانب،وتكاد تحطمها، فهو يعاني من القلق؛ لأنه رفض أن يسكن الله في داخله، إذ أهمل وصاياه
ع٦:
هذا الرقيب الواقف على الأسوار إذا رأى العدو مقبلًا ولم ينفخ في البوق، فهو متهاون في مسئوليته. وعند هجوم الأعداء على المدينة إذا وجدوا شخصًا متهاونًا غير متسلح بأسلحته فقتلوه؛ فالذى مات دمه على رأسه؛ لأنه كان متهاونًا؛ فمات بخطيته، ولكن في نفس الوقت يحاسب الرقيب؛ لأنه لم يقم بواجبه، ولم يضرب بالبوق لينذر هذا المتهاون، لعله ينتبه؛ لذا يحاسب الرقيب ويدان من الله.
هذه الآية تبين قيمة كل نفس في نظر الله، فهي غالية جدًا؛ لأنها صورة له، وقد دفع ثمنًا غاليًا - وهو دمه على الصليب - لتؤمن وتخلص به.
ومن ناحية أخرى تظهر مسئولية الخدام عن كل نفس مهما بدت بعيدة ومعاندة، فيلزم أن يقدموا لها المسيح، ويحذرونها من خطورة الهلاك.
يلاحظ أن المعنى المذكور في الآيات السابقة تكرر ذكره في نفس السفر في (حز ٣: ١٧-٢١؛ ١٨) وهذا يبين اهتمام الله بإظهار خطورة إهمال الإنسان مسئوليته عن نفسه وعن خدمته للآخرين. ولكن نلاحظ في (حز ٣) أنه تكلم عن الرقيب كمنذر بالعقاب للمتهاونين، ولكن في هذا الأصحاح يظهره كمنذر بالعقاب، وأيضًا مبشر بالخلاص للتائبين، كما سيظهر في الآيات التالية (ع١٠-٢٠). ولذا فينبغى أن يقوم الخادم بالدورين، دوره كمنذر بالعقاب للمتهاونين، ودوره كمبشر بالخلاص لكل من يتوب.
ع٣:
الإنسان العاقل هو الذي يخاف الله، ويؤمن بشريعته ووصاياه، فيتمسك بها، فتصبح الشريعة أمينة وصادقة له، أي تتم فيه وعود الله، فيحفظه من كل شر، ويمتعه ببركات لا تحصى. فما دام الإنسان أمينًا لله، فبالطبع الله سيكون أمينًا له، ويحظفه في الأرض، ثم يمتعه في السماء.
ع٧-٩:
يعلن بوضوح أن مثل الرقيب يقصد به حزقيال نفسه. أنه هو الرقيب على شعبه، ويطالبه أن يحذر شعبه من الخطية ليتوبوا، فإن لم يحذرهم فشعبه سيهلك بخطاياه، ويدان هو هنا؛ لعدم قيامه بمسئوليته. ولكن إن حذر شعبه ولم يطيعوه، فسيهلكون بسبب تمردهم، أما حزقيال فينجو من الدينونة.
نلاحظ أن بولس الرسول في (أع٢٠: ٢٦) في كلامه مع كهنة أفسس يعلن براءته من دماء الأقسسيين؛ لأنه قام بمسئوليته وحذرهم من الخطية.
ع٤:
تنادي هذه الآية أولاد الله الذين يتقونه أن يرتبوا كلامهم، كما يفعل القديسون، فيكون مثل كلام الله في الكتاب المقدس، فيسمعها الناس،ويستفيدون منها.
وعندما تقف للصلاة، رتب كلامك؛ ليكون مثل كلام الله، وهنا تظهر أهمية صلاة الأجبية والمزامير، وكلما شابهت صلواتنا كلام الله، يسمعها الله بفرح، ويرضى علينا.
وعندما يسألك أحد في شيء ما، فلا تتسرع في الإجابة، بل أطلب الله ورتب ونظم أفكارك، فتجيب إجابة سليمة بإرشاد روح الله الساكن فيك. هذا يكون في كل مجلس توجد فيه وخاصة إن كنت خادمًا تعلم الآخرين.
إن قلب الإنسان الأحمق وأحشاءه متقلبان، مثل العجلة في أية عربة، فهي تدور دائمًا، ولا تستقر، وهكذا قلب الأحمق خفيف، غير متزن ولا مستقر؛ لأنه لا يعرف الله، ويتقلب بحسب تقلبات الحياة.
ع١٠:
فانون
: أي أننا حتمًا سنفنى ونبيد ونهلك.
شعر شعب الله بخطاياهم، بسبب تحذيرات حزقيال والأنبياء لهم، ولكنهم في ندمهم لم يكن لهم رجاء، فشعروا أنهم سيموتون حتمًا بسبب خطاياهم.
ع٦:
فحل الخيل
: ذكر الخيل.
الصديق أو الزميل، الذي يستهزئ بكلام الله، أو كثير السخرية على من حوله، وكل من يمر به، إنه متقلب ومضطرب، ويعطي أصواتًا قوية، مثل ذكر الخيل الذي يعطي أصواتًا مزعجة، عندما يركبه أي إنسان، أي أنه غير مستقر وهذا الصديق، أو الزميل ومتقلب في أفكاره، فيوافق كل إنسان على أرائه، ويوافق الآخر على الآراء المضادة لها، وهذا يؤكد أنه مرائي ومتقلب.
† حتى تحتفظ بسلامك الداخلي، تمسك بوصايا الله، وتعاليم الكنيسة، حتى لا تضطرب من تقلبات الحياة، بل على العكس تكون مستقرًا، ويحب الناس أن يلتصقوا بك، ويجدوا راحتهم في طمأنينتك وسلامك، فتستفيد أو تفيد الآخرين.
ع١١:
يعلن الله نفسه لحزقيال وشعبه بأنه الحي إلى الأبد، ويقسم بحياته أنه لا يريد هلاك أولاده، بل يُسر بتوبتهم ورجوعهم إليه، ويدعوهم على لسان حزقيال للتوبة. فالله يعطى رجاء لكل الخطاة، مهما كانت خطاياهم، ولكن بشرط عدم إتخاذ الرجاء فرصة للتهاون، بل تكون توبة حقيقية وقطع الشر واستمرار في هذه التوبة.
يكرر الله هنا لحزقيال أن الشعب هو شعبه؛ لأنهم مازالوا منغمسين في الخطية ولم يتوبوا ويعلن لهم أن البار لا ينفعه بره الذي عاشه فترة طويلة، إن كان يرجع عنه وينغمس في الخطية ولا يريد التوبة، فهو سيهلك بخطاياه. ومن ناحية أخرى فالشرير إن تاب لا يهلك. والبار يسقط إما لأنه لم يواجه حروب قوية من إبليس، فعندما يختبر يسقط، أو لأنه تكبر بسبب بره، فسقط، وقد لا يكون بارًا بالحقيقة، بل في نفسه يظن أنه بار بسبب بعض الممارسات الدينية الجوفاء، بلا روح مع تهاونه في خطايا أخرى، وبالطبع فالله لا يرضى عنه، ثم يواجه حربًا من الشياطين، فيسقط سقوطًا عظيمًا.
ومثال لذلك، الفريسى المتكبر ببره (لو١٨: ١١) ويحذرنا الكتاب المقدس بوضوح بقوله "إذًا من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط" (١ كو١٠: ١٢). ومن ناحية أخرى قد تكون ظروف الشرير قد ساعدته لفترة طويلة على التمرغ في الخطية، ولكنه تجاوب مع صوت الله وتاب؛ فيحيا إلى الأبد معه.
ع٧:
يتساءل ابن سيراخ في بداية موضوعنا هذا، فيقول: لماذا يميز الله بين يوم ويوم آخر من أيام السنة، مع أن نور كل يوم يأتي من الشمس التي تنير العالم، فما هو فضل يوم عن غيره من الأيام؟
ع١٤-١٦:
يفتح الله باب الرجاء لكل الخطاة إن تابوا عن خطاياهم، مثل رد الشئ المرهون عندهم للفقراء المحتاجين، أي أنهم أشفقوا عليهم، وكذلك عوضوا كل إنسان اغتصبوا منه شيئًا، أي ردوا له حقوقه.
وهؤلاء التائبون إن استمروا في الابتعاد عن الخطية وتمسكوا بوصايا الله، فإنهم يحيون إلى الأبد مع الله. وتمحى كل خطاياهم مهما كانت صعبة؛ لأنهم تابوا وسلكوا باستقامة أمام الله.
ع٨، ٩:
الرسم:
هو نظام الكون في دوران الكواكب وبعدها عن الشمس، مما يخلق فروقًا تظهر في تعاقب النهار والليل وفصول السنة.
يجيب ابن سيراخ على السؤال الوارد في الآية السابقة: بأن الله ميز بين أيام السنة عن طريق نظام الشمس والكواكب المحيطة بها، أي المجموعة الشمسية، فتدور بشكل محدد يميز بين الأيام؛ وبالتالي تظهر الأعياد المعروفة عند اليهود في أيام معينة من السنة تختلف عن باقي الأيام.
ع١٧:
يتمادى الأشرار في شرهم فيتهمون الله، بأنه غير عادل وأحكامه خاطئة، مع أنهم هم المخطئون؛ إنها خطيئة التذمر، التي تزيد الخاطئ في خطيته بدلًا من أن يتوب.
ع١٠، ١١:
الله جعل أيامًا لها مقام عالي ومقدس أكثر من الأيام العادية، هذه هي أيام الأعياد، وكذا بنو البشر فكلهم مخلوقون من التراب، وهم من نسل آدم المصنوع من الأرض، ومع هذا، ميز الله بسابق علمه، واتساع إدراكه الغير محدود، بين بعضهم وبعض، ورأى اختلاف طرقهم وسلوكهم.
ع١٨، ١٩:
الإنسان يحاسب على نهاية حياته، فإن رجع البار عن بره وعاش في الخطية يهلك، وإن رجع الشرير عن شره بالتوبة وسلك بالبر فإنه يحيا. فيهوذا الاسخريوطى رغم أنه تلميذ المسيح لكن كانت نهايته الهلاك، ولم ينفعه مظهر البر الذي عاش فيه سنينًا، أما شاول الطرسوسى عندما تاب صار رسولًا عظيمًا هو بولس الرسول.
† إن التوبة هي الحضن المفتوح لك مهما كانت خطاياك لترجع إلى الله، وهو مستعد أن يمسح كل شرورك، بل يجملك بالبر، فتحيا معه إلى الأبد. أسرع إلى التوبة كل يوم، فهي طريق خلاصك.
ع١٢:
بعض الناس يباركهم الله أكثر من غيرهم، مثل موسى النبي الذي جعله رئيسًا لشعبه، ومنهم من قدسه أكثر من غيره، مثل هارون رئيس الكهنة، ومنهم من نكسه، أي جعله في مكانة منخفضة، مثل عخان بن كرمي، الذي لم يطع الله وسرق في ايام يشوع، فرجمه الشعب. والله لم يميز بينهم تمييزًا منه لأحد، ولكن عرف سلوكهم بسابق علمه، وكل واحد بحريته الكاملة صنع الخير، أو الشر.
ع٢٠:
يرد الله على اتهام الخطاة المتمردين المتذمرين عليه، بأن طرقهم غير مستوية، فيقرر أنه سيحاسب كل إنسان بحسب أعماله، فكل فرد مسئول عن تصرفاته. ولا يعاقب إنسان على شرور من حوله، ولا يكافأ إنسان بسبب بر المحيطين به.
ونلاحظ أن هذا الجزء (ع١٠-٢٠) تكرارًا للتأكيد لما ذُكِرَ في (حز ١٨).
ع١٣، ١٤:
كما يشكل الخزاف الطين بيديه إلى أواني عظيمة، أو أشكال أقل مقامًا كيفما يرى، هكذا أيضًا الله خلق الناس لكل واحد مواهبه وقدراته، فبعضهم استغلها حسنًا بحريته، وصار عظيمًا، والبعض الآخر بحريته أخطأ، فصار شريرًا وحقيرًا، فاستحق كل منهم جزاءه العادل، كرامة، أو هوانًا.
في العالم ستجد أمورًا تابعة للخير، وأمورًا أخرى تابعة للشر، ويلزمك أن تختار واحدًا منها بحريتك، وإرادتك الخاصة، ومن يتهاون بالطبع سيسقط في فخاخ إبليس في الشر. أما من يحب الله سيختار الخير،وينمو فيه، فيثبت، وإن سقط يقوم سريعًا من الشر؛ ليعود إلى الخير، والله سيساعده لأنه ضعيف، وليس مصرًا على الشر.
إن الخير يعطى لمن يختار الحياة مع الله، ثم الحياة الأبدية، ومقابل هذا، الأشرار يختارون الشر، فتكون نهايتهم الموت الأبدي، والابتعاد عن الله.
وكما يوجد أتقياء، يوجد أيضًا خطاة، وعليك أن تختار من تريد أن تلتصق بهم؛ لتحيا مثلهم، إما خائفي الله الأتقياء، أو الخطاة الذين أحبوا الشر، وانغمسوا فيه.
والله كلم موسى وشعبه في برية سيناء ليختاروا إما الخير، أو الشر؛ ليحيوا في أيهما (تث ٣٠: ١٥-٢٠).
† الله ميزك عندما خلقك إنسانًا رئيسًا للخليقة؛ لتقودها في تسبيح اسمه القدوس، فلا تتنازل عن مكانتك كإبن الله، ويغريك الشيطان بشهوات العالم، فتسقط فيها ويذلك، وإن سقطت قم سريعًا، وارفع رأسك كإبن الله بالتوبة؛ لتحيا في الخير طوال حياتك، ثم تنتظرك أمجاد السماء.
ع٢١:
منفلت
: هارب
يحدد حزقيال موعد، هو الشهر الخامس من السنة الثانية عشر، وهو بعد ستة شهور من سقوط أورشليم. في هذا الوقت وصل إلى حزقيال الذي في السبي رجل هرب من أورشليم، بعد اقتحام بابل لها وتدميرها وقتل الكثيرين من أبنائها، وأخبره هذا المنفلت بسقوط أورشليم.
ونلاحظ هنا طول أناة الله، فقد بدأ حزقيال نبواته منذ سبع سنوات تقريبًا قبل هذا التاريخ وأنذر الشعب ليتوبوا، وأعلن أن العقاب قريب، ولكنهم تهاونوا، فسقطت أخيرًا أورشليم وخربت.
يخبرنا حزقيال أنه في الليلة السابقة لحضور هذا المنفلت حل عليه روح الله فأعلمه بسقوط أورشليم. ومن ذهوله فتح فمه ولم ينطق بكلمة تعجبًا وحزنًا، وظل هكذا حتى الصباح، حتى جاءه هذا الرجل المنفلت، وأخبره بسقوط أورشليم، وحينئذ بدأ حزقيال يتكلم بعد صمت طويل ذكر في (حز ٢٤: ٢٦، ٢٧). وكما ذكرنا أن هذا الصمت إما كان كاملًا، لم يتكلم فيه حزقيال بأية نبوة، أو صمت عن الكلام بخصوص أورشليم، وتكلم بنبوات عن الأمم، ثم عاد يفتح فمه عن أورشليم التي سُبيت ولكن أبناءها سيعودون إليها، فيتكلم عن التوبة والاستعداد لشعب الله الجديد الذي يحيا معه.
ع١٦:
يتكلم ابن سيراخ في هذه الآية عن نفسه، فيقول أنا الأخير في الحكماء، قد نبهني الله، فاستيقظت لطلب الحكمة، وورثتها، أي تعلمتها من الحكماء السابقين لي، وابن سيراخ هو آخر الحكماء في العهد القديم، الذي كتب سفرًا عن الحكمة.
وهذه الآية تظهر اتضاع ابن سيراخ، فيعلن اتضاعه فيما يلي:
١. أن حكماء كثيرين سبقوه، وهو آخر الكل.
٢. أنه كان نائمًا عن الحكمة، ثم استيقظ، أي نبهه الله، ووضع في قلبه أن يطلبها الحكمة؛ أي أنه ضعيف لنومه، والبركة ترجع لنعمة الله التي أيقظته.
٣. أنه ليس صاحب الحكمة، بل وريثًا لها.
ع٢٣، ٢٤:
بعد أن سقطت أورشليم وأصبحت خربة، لم يخضع شعبها لله بالتوبة. ولكنهم بكبرياء قالوا إن كان إبراهيم قد أعطاه الله الوعد بكل أرض الميعاد، فبالأولى نحن الشعب الكثير لنأخذ أرض كنعان، أي ظنوا أنهم لكثرتهم لهم الحق في دوام امتلاك أرض كنعان. وهذا أمر خاطئ تمامًا، لأن الوعد كان لإبراهيم بسبب بره، والله لا تعنيه الكثرة، بل يعنيه البر، فمن أجل بار واحد تخلص المدينة، أما الكثيرون الأشرار فبلا قيمة.
ع١٧:
يشبه ابن سيراخ نفسه بصبي يلتقط وراء القطافين، الذين يقطفون الثمار، وهو يأخذ ما نسيوه من الثمار، أوما سقط على الأرض، فهو مجرد تابع للحكماء الذين هم أفضل منه، ويقطفون ثمار الحكمة.
ولكن بركة الله كانت معه لاهتمامه بطلب الحكمة، فجمع كثيرًا من الثمار؛ حتى ملأت المعصرة، وأخذ من العصير كثيرًا، أي ملأه الله من الحكمة، مثلما بارك القطافين، أي الحكماء الذين سبقوه، وأشبعهم.
وهذا يؤكد أيضًا اتضاع ابن سيراخ؛ لأن من يجمع وراء القطافين، أو الحاصدين هو من الفقراء المحتاجين الذين يجمعون القليل الذي سقط من غيرهم، فابن سيراخ يعلن أنه فقير في الحكمة ومحتاج، وهومثل راعوث الفقيرة، التي سارت وراء الحصادين لسنابل القمح في حقل بوعز؛ لتأخذ القليل الذي يقوتها هي وحماتها، فأعطاها الله نعمة في عيني بوعز، وجعل الحصادين يتركون لها بعض السنابل فجمعت كثيرًا، ثم مجدها الله بأن ولد المسيح من نسلها (سفر راعوث).
ع٢٥:
يعلن الله لشعب أورشليم واليهودية أنه بسبب خطاياه، إذ أكل الذبائح بدمها، وعبد الأوثان، وظلم بعضهم البعض، وسفكوا دماء المظلومين، فبسبب هذا تم خراب أورشليم ولن يعودوا إليها، إلا إذا تابوا. فتحقيق وعود الله لشعبه بامتلاك الأرض مشروطة بسلوكهم في وصاياه.
ع١٨:
وعندما نال ابن سيراخ الحكمة من الله، نتيجة اجتهاده في طلب الحكمة، إستفاد هو من الحكمة لنفسه أولًا، ثم لكل من تعلم منه، ممن كان يطلب الحكمة وتأديب الله؛ ليخلص، وهذا يظهر أبوة ابن سيراخ واهتمامه بخدمة الآخرين.
ويظهر من هذه الثلاث آيات السابقة، اهتمام ابن سيراخ بميراث الحكمة قبل أي شيء آخر، ثم سيتكلم بعد هذا عن ميراث الماديات في الآيات التالية.
ع٢٦:
وقفتم على سيفكم
: اعتمدتم على قوتكم وظلم بعضكم البعض وقتلتم المظلومين بالسيف.
الرجس
: النجاسة، أي الزنى والشرور المختلفة.
يضيف الله ويوضح لشعبه خطاياه، وهي اعتمادهم على الظلم، وقتل الآخرين، وعمل الشرور المختلفة، واغتصاب كل واحد لزوجة قريبة؛ كل هذا أدى إلى غضب الله وتدمير أورشليم.
ع١٩:
يبدو أن يشوع بن سيراخ كان في اجتماع، أو وليمة تجمع مجموعة من عظماء الشعب، ورؤسائهم فقال كلامه؛ ليس ليصل إلى سامعيه فقط، بل أيضًا لكل الشعب، الذين هم مسئولين عنهم.
ع٢٧:
يعلن الله عقابه لكل سكان أورشليم بعد أن خربتها بابل، ويظهر هذا العقاب في ثلاثة أمور:
١. قتل الموجودين في البيوت المخربة بأورشليم.
٢. افتراس الوحوش للهاربين في الحقول حول المدينة، أي يهيج الله عليهم الوحوش بعد أن كان يحميهم منها.
٣. الذين تحصنوا من بابل والوحوش باختبائهم في الحصون تقتلهم الأوبئة، أي تنتشر بينهم الأمراض وتميت الكثيرين.
كل هذا لأن الله تخلى عن شعبه لابتعادهم ورفضهم إياه.
ع٢٠:
لا تول:
لا تجعله واليًا عليك، ومتحكمًا فيك.
ونصيحة ابن سيراخ لكل إنسان ألا يوزع أمواله، وممتلكاته أثناء حياته على أبنائه، أو زوجته، أو إخوته، أو أصدقائه؛ لئلا يتعرض لمشاكل أهمها:
١. أن يتحكموا فيه، إذ معهم سلطان المال والممتلكات، وهو يصبح ضعيفًا، ليس له سلطان على شيء، وقد يضيعوا أمواله، ولا يستطيع أن يمنعهم، كما حدث مع الابن الضال، الذي ضيع أمواله التي أخذها من أبيه في حياته (لو ١٥).
٢. قد يحتاج الأب صاحب المال في أواخر حياته، فيطلب من ابنه، أو ممن أخذ أمواله، فلا يعطيه احتياجاته، سواء علاج لأمراضه، أو حل لمشاكله المادية التي قد تأتي عليه، وقد يكون الابن بذر هذه الأموال، وليس لديه ما يساعد به أباه، أو في أنانية، فيتحكم في أبيه، ويصفه بالجهل والشيخوخة.
ع٢٨، ٢٩:
بهذا تصبح أورشليم واليهودية خرابًا وقفرًا، مهجورة من سكانها، وتنحط كرامتها. وأورشليم المبنية على خمسة جبال لا يعبر فيها إنسان، لكثرة الوحوش ولخرابها وعندما يحدث هذا يتأكد الباقون من اليهود والأمم أن كلام الله حق، الذي أعلنه على فم أنبيائه، مثل حزقيال، وأن الدمار الذي تم كان بسبب شرور اليهود.
† عندما تزداد الضيقات عليك وتحاصرك من كل جانب، إعلم أن الله ينتظر توبتك ورجوعك إليه. فأسرع إلى التوبة لتنال مراحمه، حينئذ تتمتع بوجهه الحنون، وتتبدل كل متاعبك إلى راحة وفرح.
ع٢١:
ماحييت:
طوال حياتك
والخلاصة، إحرص طوال حياتك ألا تسلم نفسك وأموالك لأحد؛ حتى لا يتحكم فيك، وتشعر بالذل والمهانة.
خير لك طوال حياتك أن تهتم بأولادك، وتعطيهم عند احتياجهم، فهذا ما ينتظرونه منك كأب، يهتم بهم، وبأسرهم، أي زوجاتهم، وأولادهم. هذا أفضل بكثير من أن تكون أنت محتاجًا للمال، سواء في معيشتك، أو علاجك، وتطلب من بنيك أن يساعدوك.
لذا في كل أيام حياتك كن متميزًا، فينتظر منك بنوك، ومن حولك كيف تساعدهم، وليس أن يساعدونك، فتعطيهم، ولا تفكر ماذا تأخذ منهم، ليس فقط مشاعر الأبوة، بل أيضًا تساعدهم بأموالك في احتياجاتهم.
ع٣٠:
بجانب الجدار وفى أبواب البيوت، يتكلمون سرًا وليس علنًا في الساحات، والمقصود هنا غالبًا أنهم تكلموا رديًا على حزقيال، ولكنهم قرروا أن يأتوا ليسمعوه. يكرر هنا الله لحزقيال كلمة شعبك، فمازال الله غاضبًا عليهم، بسبب عدم توبتهم. وأخبر حزقيال أنهم يدينونه سرًا فيما بينهم؛ لإصرارهم على خطاياهم ورفضهم دعوته للتوبة، ولكنهم قرروا أن يأتوا ليسمعوه وذلك لأحد الأسباب الآتية:
١. عندما رأى الشعب تحقق نبوة حزقيال بسقوط أورشليم، اجتذبهم حب استطلاعهم ليعرفوا الجديد عن المستقبل من فم حزقيال، مجرد معرفة بلا استعداد للتوبة.
٢. لعلهم صدقوا كلام حزقيال، وعلموا أنهم مخطئون، ولكن اعتيادهم الخطية منعهم من التوبة، فهم يريدون أن يعرفوا كلام الله، ولكن غير مستعدين لتغيير حياتهم لتعلقهم بالخطية، مثل المكاسب المادية (ع٣١).
٣. كان كلام حزقيال بالشعر والفصاحة الأدبية (ع٣٢)، فأرادوا التلذذ بسماع هذا الكلام البليغ.
ع٢٤:
إذًا لا تهين نفسك عندما تكبر في السن، واحتفظ بأموالك معك، وعندما تشعر بقرب انتقالك، قسم ميراثك بالعدل بين أبنائك؛ حتى لا يتنازعوا معًا بعد موتك، وعلى قدر إمكانك اجعل لكل واحد ميراثه المستقل، حتى لا يطغى أحد على أخيه، وتحدث مشاكل وظلم. كن شجاعًا وصلي ليرشدك الله، وفي جميع الأحوال ليكن معك من المال ما يكفيك؛ لتظل طوال حياتك تعطي أولادك.
† اطلب الحكمة قبل كل شيء، وعلمها لأولادك، وإذ يعرفون الله لا يتعلقون بشهوات العالم، وعندما تقسم ميراثك، أو جزءً منه لا يتخاصمون، بل بالعكس يحب بعضهم البعض، ويساعد كل منهم الآخر قدر ما يستطيع.
ع٣١:
أخبر الله حزقيال أن الشعب سيأتى إليه لسماع نبواته وتعاليمه كأنهم شعب الله الخاضع لوصاياه، مع أنهم في الحقيقة كاذبون، إذ يظهرون غير ما يبطنون، فبأفواههم يبينون اشتياقهم لسماع كلام الله، أما قلوبهم فمتعلقة بخطاياهم وبمحبة المال. وفى الترجمة السبعينية لهذه الآية بدلًا "بأفواههم يظهرون أشواقًا" نجد الترجمة تقول "الأكاذيب في أفواههم" فهذا يؤكد أنهم كذابون ومراؤون.
يبين هنا الله لحزقيال المواهب التي وهبها له وهي الصوت الجميل، الذي يبدو كنغمات موسيقية جذابة، وكذلك قدرته البلاغية في الشعر والأدب. هذه وسائل وهبها الله لحزقيال؛ ليقدم بها كلام الله، فيجتذب الناس للاستماع والتوبة، ولكنهم اكتفوا بالاستماع.
ونرى هنا انطلاق حزقيال في الكلام بالشعر، بعد أن تحقق كلام الله بسقوط أورشليم، وشعر اليهود بصدق نبواته، فانطلق يدعوهم للتوبة، ويبشرهم بحياة جديدة مع الله.
ع٢٥:
إن الإنسان في العهد القديم يمكن أن يملك ماشية، أو عبيدًا، يشتريهم بأمواله، ولكن رغم أنهم ملكه ينبغي عليه أن يهتم بهم ليستفيد منهم، ولا يتعبوه، وذلك بالطرق الآتية:
١. الحمار يعطيه طعامه وهو العلف، فلا يصح أن يرهقه بالأعمال، دون أن يطعمه ما يكفيه، وهكذا أيضًا العبد يلزم أن يعطيه طعامه، المشار إليه هنا، بالخبز، أي كل ما يأكله ليشبع، ويستطيع أن يقوم بأعماله.
٢. إن أخطأ الحمار، أو الحيوان، فيلزم ضربه بالعصا، ليسير في طريقه، أو يقوم بما هو مطلوب منه. وهكذا أيضًا العبد، إن أخطأ يلزم تأديبه وعقابه بأية وسيلة جزاء خطأه؛ حتى لا يعود إليه. أما إذا كان عبدًا مطيعًا يقوم بواجباته، بالطبع لن يتعرض لتأديب، مثل يوسف، الذي أطاع، وأرضى الله، فرفعه وصار رئيسًا على كل عبيد بيت فوطيفار، ومسئولًا عن كل ممتلكاته (تك٣٩: ٤، ٦).
٣. يقوم الحمار بأعماله، ومن أهمها حمل الاشياء، وتوصيلها من مكان لمكان، وكذا العبد يقوم بالأعمال المطلوبة منه. فالإنسان ينبغي أن يقود العبد، أو الحمار قيادة متزنة، فيعطيه احتياجه من الطعام، ويستخدمه في الأعمال المطلوبة منه، ويؤدبه إن أخطأ؛ ليظل خاضعًا ويقوم بما هو مطلوب منه، ولكن لابد أن يحمل الإنسان في قلبه رعاية وشفقة على العبد، وأيضًا الحيوان.
ع٣٣:
عند تحقق كلام حزقيال الأخير هذا، وهو البشارة بحياة جديدة مع الله، هي في المعنى القريب الرجوع من السبي وبناء الهيكل وتقديم العبادة لله فيه، أما المعنى البعيد فهو إيمانهم بالمسيح في ملء الزمان، فيصيروا شعب الله الجديد إسرائيل، أي المسيحيين. عندما يتم هذا يتأكدون من صدق كلام الله على فم نبيه حزقيال، أي أن حزقيال نبى حقيقي يتكلم بكلام الله.
ونلاحظ هنا إيمان حزقيال عندما يقول "إذا جاء هذا؛ لأنه يأتى" فهو يثق أن كلام الله سيأتى حتمًا ويتم.
† لا تهمل كلام الله الذي تستمع إليه؛ لأنه رسالة شخصية لك لا تستخدمها كمجرد تعاليم للآخرين، أو معلومات لملء ذهنك، بل إخضع لها؛ لتحيا بها فتخلص.
ليتنا نطيع كلام الله الذي أعلنه في خمس خطوات للخلاص في هذا الأصحاح هي:
١. يكون ضميرك رقيبًا لك تخضع لصوته فتبتعد عن الخطية (ع٢-٦).
٢. يكون لك رجاء مهما كانت خطاياك؛ لأن الله يحبك ويريد خلاصك (ع١١).
٣. الاستمرار في التوبة حتى نهاية الحياة (ع١٨، ١٩).
٤. يكون الإيمان عملى، أي مصحوب بالأعمال الصالحة، فهي التعبير الحقيقي عن إيماننا ومحبتنا لله (ع٢٤).
٥. لا نكون مرائين فنسمع فقط، بل نحول ما نسمعه إلى تطبيق عملى (ع٣٢).
ع٢٦:
الغلام:
المقصود العبد
العتق:
الحرية
توصي هذه الآية السيد الذي يمتلك عبدًا أن يشغله، ويكلفه بأعمال، فيكون جسده وذهنه مشغولين بالعمل؛ لأنه لو جلس مستريحًا لمدة طويلة، وشعر بالفراغ يبدأ في التفكير بالهرب، أو التحرر من العبودية التي هو فيها، أي يتمرد على سيده، وهذا يبين أهمية العمل لكل إنسان؛ لأن الفراغ ينشئ أفكارًا رديئة يرسلها الشيطان للإنسان. والعبد يرمز لجسد الإنسان، فمن يشغل جسده بالعمل لا يفكر بالتمرد على الإنسان، وطلب الحرية المفسدة، التي تسقطه في شهوات شريرة.
ع٢٧:
النير:
خشبة مستعرضة توضع على رقبتي حيوانين ليجرا آلة زراعية، فتحني رقابهما.
كما أن النير والسيور تخضع الحيوانات، هكذا أيضًا استمرار شغل العبد بالعمل تخضعه، فيصير مطيعًا أو منشغلًا بما هو مفيد، فيقوم بواجباته، ويسهل التعامل معه.
وهذا تأكيد للآية السابقة لأهمية العمل للعبيد، ولكل إنسان؛ حتى لا تقوم عليه شهواته وأفكاره الردية.
ع٢٨، ٢٩:
التنكيل:
المعاملة القاسية
أقسره:
أجبره.
ضروب:
أنواع.
إذا كان العبد الذي عندك شريرًا، فهو محتاج للمعاملة القاسية؛ حتى تبعده عما يريده من شر، أي لا تتركه يؤذيك، أو يؤذي غيره.
وعندما تجبر العبد الشرير على العمل؛ فأنت لا تعطيه فرصة للتفرغ للشر، أي تشغله بأعمال مفيدة، ليخرج طاقته فيها، فيستريح من الشر، ويريحك من الأعمال الردية، والتمرد؛ والخبث بكل أنواعه.
هكذا أيضًا جسدك عندما يثور عليك بشهوات شريرة، لابد أن تضبطه بشدة بواسطة الصلوات والأصوام والميطانيات والخدمات التي تحتاج إلى مجهود كثير.
ع٣٠:
تفرط:
تبالغ.
العبد الشرير لابد أن يلزمه سيده بأعمال كافية تناسبه؛ حتى يخرج طاقته فيها، وليس في الشر.
وإن لم يطع العبد الشرير ما كلفه به سيده، فلابد من زيادة العمل المطلوب منه؛ لأنه متمرد، فيلزم إخضاعه، وربطه بأعمال كثيرة فتكون مثل قيود له.
مع مراعاة عدم زيادة العمل فوق الطاقة، أو الإساءة إليه بشناعة، كما كان يفعل بعض السادة الرومانيين فيفقأوا عيني العبد، أو يقتلوه.
ع٣١:
إن كان لك عبد طيب، فاهتم به، وعامله معاملة حسنة، كما تريد أن يعاملك الناس؛ لأن عبدك هذا غالي عندك مثل نفسك، وقد دفعت فيه أموالًا كثيرة، تعبت فيها، وبذلت كثيرًا من جهدك ودمائك، بالإضافة إلى أنك ستحتاج إليه ليساعدك في أعمال كثيرة، فعامله كأخ، واهتم برعايته.
هذه الآية ترمز إلى محبة المسيح، الذي نظر إلينا نحن عبيده، فأحبنا واشترانا بدمه على الصليب، وعاملنا كإخوة، وفي العهد الجديد يوصينا الله بمعاملة العبيد برفق وعدل (كو ٤: ١، أف ٦: ٩).
ع٣٢، ٣٣:
آبق:
هرب.
هاتان الآيتان تحذران السيد من القسوة الشديدة مع العبد الشرير؛ لأنها ستدفع العبد للهروب من البيت، وإن هرب، فيصعب على السيد القبض عليه وإعادته؛ لذا يلزم الحكمة في الحزم مع هذا العبد.
إن العبد الشرير يرمز إلى أعضائك التي تحاربك بالشهوات المختلفة فيلزم ضبطها، وتقييدها، وشغلها بأمور كثيرة؛ حتى لا تنساق وراء الشيطان؛ هذا هو الجهاد الروحي الذي يلزم أن يكون معتدلًا، فلا يكون فوق طاقة الإنسان، ولكن يكون جهادًا شديدًا، بإرشاد أب الاعتراف.
† كن حكيمًا في معاملة الخدم الذين يعملون في بيتك، أو من يساعدونك في عملك، فتشغلهم، وتشجعهم بمحبتك، وتكون حازمًا مع المتمردين منهم، ولكن لا تنسى أنهم اخوتك، فيباركك الله، ويرحمك من أجل رحمتك عليهم.
اَلأَصْحَاحُ الثَّالِثُ وَالثَّلاَثُونَ
الميراث والعبيد
(١) خائف الله والأحمق (ع١-٦)
(٢) الله يميز بعض البشر (ع٧-١٥)
(٣) الميراث (ع١٦-٢٤)
(٤) العبيد (ع٢٥-٣٣)
اَلأَصْحَاحُ الثَّالِثُ وَالثَّلاَثُونَ
الشر والرياء سبب الخراب
يبدأ من هذا الأصحاح حتى أصحاح ٣٩ نبوات مختلفة، هدفها إعداد الشعب للرجوع من السبي، فيبدأ في هذا الإصحاح إظهار خطورة الشرور التي أدت إلى خراب أورشليم، وبالتالي يدعو الشعب إلى التوبة وتحمل مسئولياتهم أمام الله؛ لينالوا بركات، لأن الله حنون ويريد عودة شعبه، بل كل إنسان إليه.
ونلاحظ في الأصحاحات (حز ٢٥-٣٢) في نبوات حزقيال عن الأمم، أنه تنبأ عن بلاد كثيرة، ولكنه لم يتنبأ عن بابل مع أنها أشهر دولة وقتذاك، وكانت ستخرب بعد سنوات على يد مادي وفارس بسبب شرورها وذلك لما يلي:
١. حتى يحتمل شعب الله التأديب بيد بابل، فيساعدهم ذلك على التوبة.
٢. حتى لا يقاوم شعب الله بابل الذي كان قد سُبى إليها، فتحدث صدامات بينهم وبين الدولة الحاكمة.
٣. لأنه سيظهر دور دانيال في قيادة وتوجيه الدولة البابلية، فلا يتعطل هذا الدور إذا علم الشعب أنها ستخرب، فدانيال أعلن قوة الله التي فوق جميع الآلهة البابلية، وهذا ساعد في خلاص وإيمان بعض البابليين.
(١) مسئولية حزقيال كرقيب (ع١-٩)
(٢) رجاء للتائبين وعقاب للمتهاونين (ع١٠-٢٠)
(٣) خراب أورشليم بسبب شرورها (ع٢١-٢٩)
(٤) رفض تحذير النبي (ع٣٠-٣٣)
(١) خائف الله والأحمق (ع١-٦):
١ مَنِ اتَّقَى الرَّبَّ لاَ يَلْقَى ضُرًّا، بَلْ عِنْدَ التَّجْرِبَةِ يَحْفَظُهُ الرَّبُّ، وَيُنَجِّيهِ مِنَ الشُّرُورِ. ٢ الرَّجُلُ الْحَكِيمُ لاَ يُبْغِضُ الشَّرِيعَةَ، أَمَّا الَّذِي يُرَائِي فِيهَا فَهُوَ كَسَفِينَةٍ فِي الزَّوْبَعَةِ. ٣ الإِنْسَانُ الْعَاقِلُ يُؤْمِنُ بِالشَّرِيعَةِ، وَالشَّرِيعَةُ أَمِينَةٌ لَهُ. ٤ هَيِّئْ كَلاَمَكَ، كَمَا يَفْعَلُ الصِّدِّيقُونَ فِي مَسَائِلِهِمْ؛ فَتُسْمَعَ. انْظِمْ مَعَانِيَ عِلْمِكَ وَجَاوِبْ. ٥ أَحْشَاءُ الأَحْمَقِ كَمَحَالَةِ الْعَجَلَةِ، وَفِكْرُهُ مِثْلُ الْمِحْوَرِ الْخَفِيفِ الدَّوَرَانِ. ٦ الصَّدِيقُ الْمُسْتَهْزِئُ كَفَحْلِ الْخَيْلِ الَّذِي يَصْهِلُ تَحْتَ كُلِّ رَاكِبٍ.
(١) مسئولية حزقيال كرقيب (ع١-٩):
١ وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلاً: ٢ «يَا ابْنَ آدَمْ، كَلِّمْ بَنِي شَعْبِكَ وقُلْ لَهُمْ: إِذَا جَلَبْتُ السَّيْفَ عَلَى أَرْضٍ، فَإِنْ أَخَذَ شَعْبُ الأَرْضِ رَجُلاً مِنْ بَيْنِهِمْ وَجَعَلُوهُ رَقِيبًا لَهُمْ، ٣ فَإِذَا رَأَى السَّيْفَ مُقْبِلاً عَلَى الأَرْضِ نَفَخَ فِي الْبُوقِ وَحَذَّرَ الشَّعْبَ، ٤ وَسَمِعَ السَّامِعُ صَوْتَ الْبُوقِ وَلَمْ يَتَحَذَّرْ، فَجَاءَ السَّيْفُ وَأَخَذَهُ، فَدَمُهُ يَكُونُ عَلَى رَأْسِهِ. ٥ سَمِعَ صَوْتَ الْبُوقِ وَلَمْ يَتَحَذَّرْ، فَدَمُهُ يَكُونُ عَلَى نَفْسِهِ. لَوْ تَحَذَّرَ لَخَلَّصَ نَفْسَهُ. ٦ فَإِنْ رَأَى الرَّقِيبُ السَّيْفَ مُقْبِلاً وَلَمْ يَنْفُخْ فِي الْبُوقِ وَلَمْ يَتَحَذَّرِ الشَّعْبُ، فَجَاءَ السَّيْفُ وَأَخَذَ نَفْسًا مِنْهُمْ، فَهُوَ قَدْ أُخِذَ بِذَنْبِهِ، أَمَّا دَمُهُ فَمِنْ يَدِ الرَّقِيبِ أَطْلُبُهُ. ٧ «وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَقَدْ جَعَلْتُكَ رَقِيبًا لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ، فَتَسْمَعُ الْكَلاَمَ مِنْ فَمِي، وَتُحَذِّرُهُمْ مِنْ قِبَلِي. ٨ إِذَا قُلْتُ لِلشِّرِّيرِ: يَا شِرِّيرُ مَوْتًا تَمُوتُ. فَإِنْ لَمْ تَتَكَلَّمْ لِتُحَذِّرَ الشِّرِّيرَ مِنْ طَرِيقِهِ، فَذلِكَ الشِّرِّيرُ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ، أَمَّا دَمُهُ فَمِنْ يَدِكَ أَطْلُبُهُ. ٩ وَإِنْ حَذَّرْتَ الشِّرِّيرَ مِنْ طَرِيقِهِ لِيَرْجعَ عَنْهُ، وَلَمْ يَرْجعْ عَنْ طَرِيقِهِ، فَهُوَ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ. أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ خَلَّصْتَ نَفْسَكَ.
ع١:
ضرًا:
ضررًا وسوءًا.المتقي الرب الذي يخافه، لا يقابل في حياته شيئًا يضره؛ لأن الله يجعل كل شيء يتحول لخيره، كما يعلن هذا العهد الجديد: "كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله" (رو٨: ٢٨)، فحتى التجارب والضيقات يعطيه الله فيها سلامًا وبركات، والله يحفظه من الشرور التي يريد الشيطان أن يسقطه فيها؛ لأن خائف الله متمسك بوصايا الله باتضاع، فالله يحبه، ويحفظه على الدوام.
يلاحظ أن هذه الآية تشبه تمامًا الآية الأخيرة في الأصحاح السابق، لأن هذا الأصحاح امتداد للأصحاح الذي يسبقه.
ع١-٥:
كلم الله حزقيا لينذر شعبه، ويلاحظ أن الله لم يقل شعبى بل قال للنبى شعبك؛ لأن الشعب كان بعيدًا عن الله بسبب كثرة خطاياه التي سببت له السبي. ولكن عندما يخضع الشعب لله يقول عنهم شعبى (حز ٣٧: ٢٧).اختار الله مثالًا معروفًا للشعب وهو الرقيب الذي يقف على أسوار المدينة في حالة الخطر؛ ليراقب تحركات الأعداء، فالله يبين أن الشعب في خطر بسبب كثرة الخطايا.
هذا الرقيب مسئوليته أن يضرب بالبوق عندما يرى هجوم الأعداء، فإذا تهاون إنسان من الشعب الذي داخل الأسوار ولم يحترس وهجم عليه الأعداء وقتلوه، فدمه على رأسه؛ لأنه لم يطع إنذار الرقيب؛ لأنه لو كان قد تسلح بأسلحته، أو تحصن في المخابئ؛ لكان قد نجى نفسه من الموت، فهو مسئول عن موته بسب تهاونه.
هذا الرقيب يرمز للنبى حزقيال ولكل الكهنة والخدام في كل جيل، المسئولين عن إنذار شعبهم ليتوبوا ويرجعوا عن خطاياهم. ويرمز أيضًا للضمير الخاضع للروح القدس، فإذا أطاع الإنسان إنذارات ضميره نجى نفسه.
† إذا سمعت صوت الله في داخلك، أو من الكتاب المقدس، أو من أب اعترافك، أو بأية طريقة فلا تتهاون، أو تؤجل التوبة لئلا تفتر ويضعف صوت الله في داخلك، فيسهل على الشيطان أن يفترسك. إن الله يريد خلاصك، فأطعه بتدقيق؛ لتنجى نفسك.
ع٢:
الرجل الحكيم هو خائف الله، وهو يحب شريعة الله، فلا يهملها، بل يتمسك بها، فيحيا في سلام، كما ذكرت الآية السابقة حتى وسط الضيقات.أما الإنسان المرائي، وهو الجاهل والأحمق، الذي يوجد بجسده في بيت الرب، أما قلبه فمتعلق بشهواته الشريرة، هذا الإنسان لا يتمتع بالسلام، بل بالعكس يكون مضطربًا في داخله، مثل سفينة في زوبعة، فتخبطها الرياح من كل جانب،وتكاد تحطمها، فهو يعاني من القلق؛ لأنه رفض أن يسكن الله في داخله، إذ أهمل وصاياه
ع٦:
هذا الرقيب الواقف على الأسوار إذا رأى العدو مقبلًا ولم ينفخ في البوق، فهو متهاون في مسئوليته. وعند هجوم الأعداء على المدينة إذا وجدوا شخصًا متهاونًا غير متسلح بأسلحته فقتلوه؛ فالذى مات دمه على رأسه؛ لأنه كان متهاونًا؛ فمات بخطيته، ولكن في نفس الوقت يحاسب الرقيب؛ لأنه لم يقم بواجبه، ولم يضرب بالبوق لينذر هذا المتهاون، لعله ينتبه؛ لذا يحاسب الرقيب ويدان من الله.هذه الآية تبين قيمة كل نفس في نظر الله، فهي غالية جدًا؛ لأنها صورة له، وقد دفع ثمنًا غاليًا - وهو دمه على الصليب - لتؤمن وتخلص به.
ومن ناحية أخرى تظهر مسئولية الخدام عن كل نفس مهما بدت بعيدة ومعاندة، فيلزم أن يقدموا لها المسيح، ويحذرونها من خطورة الهلاك.
يلاحظ أن المعنى المذكور في الآيات السابقة تكرر ذكره في نفس السفر في (حز ٣: ١٧-٢١؛ ١٨) وهذا يبين اهتمام الله بإظهار خطورة إهمال الإنسان مسئوليته عن نفسه وعن خدمته للآخرين. ولكن نلاحظ في (حز ٣) أنه تكلم عن الرقيب كمنذر بالعقاب للمتهاونين، ولكن في هذا الأصحاح يظهره كمنذر بالعقاب، وأيضًا مبشر بالخلاص للتائبين، كما سيظهر في الآيات التالية (ع١٠-٢٠). ولذا فينبغى أن يقوم الخادم بالدورين، دوره كمنذر بالعقاب للمتهاونين، ودوره كمبشر بالخلاص لكل من يتوب.
ع٣:
الإنسان العاقل هو الذي يخاف الله، ويؤمن بشريعته ووصاياه، فيتمسك بها، فتصبح الشريعة أمينة وصادقة له، أي تتم فيه وعود الله، فيحفظه من كل شر، ويمتعه ببركات لا تحصى. فما دام الإنسان أمينًا لله، فبالطبع الله سيكون أمينًا له، ويحظفه في الأرض، ثم يمتعه في السماء.ع٧-٩:
يعلن بوضوح أن مثل الرقيب يقصد به حزقيال نفسه. أنه هو الرقيب على شعبه، ويطالبه أن يحذر شعبه من الخطية ليتوبوا، فإن لم يحذرهم فشعبه سيهلك بخطاياه، ويدان هو هنا؛ لعدم قيامه بمسئوليته. ولكن إن حذر شعبه ولم يطيعوه، فسيهلكون بسبب تمردهم، أما حزقيال فينجو من الدينونة.نلاحظ أن بولس الرسول في (أع٢٠: ٢٦) في كلامه مع كهنة أفسس يعلن براءته من دماء الأقسسيين؛ لأنه قام بمسئوليته وحذرهم من الخطية.
ع٤:
تنادي هذه الآية أولاد الله الذين يتقونه أن يرتبوا كلامهم، كما يفعل القديسون، فيكون مثل كلام الله في الكتاب المقدس، فيسمعها الناس،ويستفيدون منها.وعندما تقف للصلاة، رتب كلامك؛ ليكون مثل كلام الله، وهنا تظهر أهمية صلاة الأجبية والمزامير، وكلما شابهت صلواتنا كلام الله، يسمعها الله بفرح، ويرضى علينا.
وعندما يسألك أحد في شيء ما، فلا تتسرع في الإجابة، بل أطلب الله ورتب ونظم أفكارك، فتجيب إجابة سليمة بإرشاد روح الله الساكن فيك. هذا يكون في كل مجلس توجد فيه وخاصة إن كنت خادمًا تعلم الآخرين.
(٢) رجاء للتائبين وعقاب للمتهاونين (ع١٠-٢٠):
١٠ وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ فَكَلِّمْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَقُلْ: أَنْتُمْ تَتَكَلَّمُونَ هكَذَا قَائِلِينَ: إِنَّ مَعَاصِيَنَا وَخَطَايَانَا عَلَيْنَا، وَبِهَا نَحْنُ فَانُونَ، فَكَيْفَ نَحْيَا؟ ١١ قُلْ لَهُمْ: حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ، بَلْ بِأَنْ يَرْجعَ الشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا. اِرْجِعُوا، ارْجِعُوا عَنْ طُرُقِكُمُ الرَّدِيئَةِ! فَلِمَاذَا تَمُوتُونَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ ١٢ وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَقُلْ لِبَنِي شَعْبِكَ: إِنَّ بِرَّ الْبَارِّ لاَ يُنَجِّيهِ فِي يَوْمِ مَعْصِيَتِهِ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَعْثُرُ بِشَرِّهِ فِي يَوْمِ رُجُوعِهِ عَنْ شَرِّهِ. وَلاَ يَسْتَطِيعُ الْبَارُّ أَنْ يَحْيَا بِبِرِّهِ فِي يَوْمِ خَطِيئَتِهِ. ١٣ إِذَا قُلْتُ لِلْبَارِّ: حَيَاةً تَحْيَا. فَاتَّكَلَ هُوَ عَلَى بِرِّهِ وَأَثِمَ، فَبِرُّهُ كُلُّهُ لاَ يُذْكَرُ، بَلْ بِإِثْمِهِ الَّذِي فَعَلَهُ يَمُوتُ. ١٤ وَإِذَا قُلْتُ لِلشِّرِّيرِ: مَوْتًا تَمُوتُ. فَإِنْ رَجَعَ عَنْ خَطِيَّتِهِ وَعَمِلَ بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ، ١٥ إِنْ رَدَّ الشِّرِّيرُ الرَّهْنَ وَعَوَّضَ عَنِ الْمُغْتَصَبِ، وَسَلَكَ فِي فَرَائِضِ الْحَيَاةِ بِلاَ عَمَلِ إِثْمٍ، فَإِنَّهُ حَيَاةً يَحْيَا. لاَ يَمُوتُ. ١٦ كُلُّ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا لاَ تُذْكَرُ عَلَيْهِ. عَمِلَ بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ فَيَحْيَا حَيَاةً. ١٧ وَأَبْنَاءُ شَعْبِكَ يَقُولُونَ: لَيْسَتْ طَرِيقُ الرَّبِّ مُسْتَوِيَةً. بَلْ هُمْ طَرِيقُهُمْ غَيْرُ مُسْتَوِيَةٍ! ١٨ عِنْدَ رُجُوعِ الْبَارِّ عَنْ بِرِّهِ وَعِنْدَ عَمَلِهِ إِثْمًا فَإِنَّهُ يَمُوتُ بِهِ. ١٩ وَعِنْدَ رُجُوعِ الشِّرِّيرِ عَنْ شَرِّهِ وَعِنْدَ عَمَلِهِ بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ، فَإِنَّهُ يَحْيَا بِهِمَا. ٢٠ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ طَرِيقَ الرَّبِّ غَيْرُ مُسْتَوِيَةٍ. إِنِّي أَحْكُمُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ كَطُرُقِهِ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ».
ع٥:
إن قلب الإنسان الأحمق وأحشاءه متقلبان، مثل العجلة في أية عربة، فهي تدور دائمًا، ولا تستقر، وهكذا قلب الأحمق خفيف، غير متزن ولا مستقر؛ لأنه لا يعرف الله، ويتقلب بحسب تقلبات الحياة.ع١٠:
فانون
: أي أننا حتمًا سنفنى ونبيد ونهلك.شعر شعب الله بخطاياهم، بسبب تحذيرات حزقيال والأنبياء لهم، ولكنهم في ندمهم لم يكن لهم رجاء، فشعروا أنهم سيموتون حتمًا بسبب خطاياهم.
ع٦:
فحل الخيل
: ذكر الخيل.الصديق أو الزميل، الذي يستهزئ بكلام الله، أو كثير السخرية على من حوله، وكل من يمر به، إنه متقلب ومضطرب، ويعطي أصواتًا قوية، مثل ذكر الخيل الذي يعطي أصواتًا مزعجة، عندما يركبه أي إنسان، أي أنه غير مستقر وهذا الصديق، أو الزميل ومتقلب في أفكاره، فيوافق كل إنسان على أرائه، ويوافق الآخر على الآراء المضادة لها، وهذا يؤكد أنه مرائي ومتقلب.
† حتى تحتفظ بسلامك الداخلي، تمسك بوصايا الله، وتعاليم الكنيسة، حتى لا تضطرب من تقلبات الحياة، بل على العكس تكون مستقرًا، ويحب الناس أن يلتصقوا بك، ويجدوا راحتهم في طمأنينتك وسلامك، فتستفيد أو تفيد الآخرين.
ع١١:
يعلن الله نفسه لحزقيال وشعبه بأنه الحي إلى الأبد، ويقسم بحياته أنه لا يريد هلاك أولاده، بل يُسر بتوبتهم ورجوعهم إليه، ويدعوهم على لسان حزقيال للتوبة. فالله يعطى رجاء لكل الخطاة، مهما كانت خطاياهم، ولكن بشرط عدم إتخاذ الرجاء فرصة للتهاون، بل تكون توبة حقيقية وقطع الشر واستمرار في هذه التوبة.(٢) الله يميز بعض البشر (ع٧-١٥):
† ٧ لِمَاذَا يُفْضَّلُ يَوْمٌ عَلَى يَوْمٍ، وَنُورُ كُلِّ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ مِنَ الشَّمْسِ؟ ٨ عَلْمُ الرَّبِّ مَيَّزَ بَيْنَهَا، إِذْ صُنِعَتِ الشَّمْسُ الَّتِي تَحْفَظُ الرَّسْمَ، ٩ وَخَالَفَ بَيْنَ الأَزْمِنَةِ؛ فَعُيِّدَتِ الأَعْيَادُ فِي السَّاعَةِ الْمُعَيَّنَةِ. ١٠ فَمِنْهَا مَا أَعْلاَهُ وَقَدَّسَهُ، وَمِنْهَا مَا جَعَلَهُ فِي عِدَادِ الأَيَّامِ. وَكَذَا الْبَشَرُ كُلُّهُمْ مِنَ التُّرَابِ وَآدَمُ صُنِعَ مِنَ الأَرْضِ، ١١ لكِنَّ الرَّبَّ مَيَّزَ بَيْنَهُمْ بِسَعَةِ عِلْمِهِ، وَخَالَفَ بَيْنَ طُرُقِهِمْ. ١٢ فَمِنْهُمْ مَنْ بَارَكَهُ وَأَعْلاَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّسَهُ وَقَرَّبَهُ إِلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَعَنَهُ وَخَفَضَهُ وَنَكَسَهُ مِنْ مَقَامِهِ. ١٣ كَمَا يَكُونُ الطِّينُ فِي يَدِ الْخَزَّافِ، وَتَجْرِي جَمِيعُ أَحْوَالِهِ بِحَسَبِ مَرْضَاتِهِ، ١٤ كَذلِكَ النَّاسُ فِي يَدِ صَانِعِهِمْ، وَهُوَ يُجَازِيهِمْ بِحَسَبِ قَضَائِهِ. ١٥ بِإِزَاءِ الشَّرِّ الْخَيْرُ، وَبِإِزَاءِ الْمَوْتِ الْحَيَاةُ، كَذلِكَ بِإِزَاءِ الْتَّقِيِّ الْخَاطِئُ. وَهكَذَا تَأَمَّلْ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِ الْعَلِيِّ، تَجِدْهَا اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ الْوَاحِدُ بِإِزَاءِ الآخَرِ.
ع١٢:
يكرر الله هنا لحزقيال أن الشعب هو شعبه؛ لأنهم مازالوا منغمسين في الخطية ولم يتوبوا ويعلن لهم أن البار لا ينفعه بره الذي عاشه فترة طويلة، إن كان يرجع عنه وينغمس في الخطية ولا يريد التوبة، فهو سيهلك بخطاياه. ومن ناحية أخرى فالشرير إن تاب لا يهلك. والبار يسقط إما لأنه لم يواجه حروب قوية من إبليس، فعندما يختبر يسقط، أو لأنه تكبر بسبب بره، فسقط، وقد لا يكون بارًا بالحقيقة، بل في نفسه يظن أنه بار بسبب بعض الممارسات الدينية الجوفاء، بلا روح مع تهاونه في خطايا أخرى، وبالطبع فالله لا يرضى عنه، ثم يواجه حربًا من الشياطين، فيسقط سقوطًا عظيمًا.ومثال لذلك، الفريسى المتكبر ببره (لو١٨: ١١) ويحذرنا الكتاب المقدس بوضوح بقوله "إذًا من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط" (١ كو١٠: ١٢). ومن ناحية أخرى قد تكون ظروف الشرير قد ساعدته لفترة طويلة على التمرغ في الخطية، ولكنه تجاوب مع صوت الله وتاب؛ فيحيا إلى الأبد معه.
ع٧:
يتساءل ابن سيراخ في بداية موضوعنا هذا، فيقول: لماذا يميز الله بين يوم ويوم آخر من أيام السنة، مع أن نور كل يوم يأتي من الشمس التي تنير العالم، فما هو فضل يوم عن غيره من الأيام؟ع١٤-١٦:
يفتح الله باب الرجاء لكل الخطاة إن تابوا عن خطاياهم، مثل رد الشئ المرهون عندهم للفقراء المحتاجين، أي أنهم أشفقوا عليهم، وكذلك عوضوا كل إنسان اغتصبوا منه شيئًا، أي ردوا له حقوقه.وهؤلاء التائبون إن استمروا في الابتعاد عن الخطية وتمسكوا بوصايا الله، فإنهم يحيون إلى الأبد مع الله. وتمحى كل خطاياهم مهما كانت صعبة؛ لأنهم تابوا وسلكوا باستقامة أمام الله.
ع٨، ٩:
الرسم:
هو نظام الكون في دوران الكواكب وبعدها عن الشمس، مما يخلق فروقًا تظهر في تعاقب النهار والليل وفصول السنة.يجيب ابن سيراخ على السؤال الوارد في الآية السابقة: بأن الله ميز بين أيام السنة عن طريق نظام الشمس والكواكب المحيطة بها، أي المجموعة الشمسية، فتدور بشكل محدد يميز بين الأيام؛ وبالتالي تظهر الأعياد المعروفة عند اليهود في أيام معينة من السنة تختلف عن باقي الأيام.
ع١٧:
يتمادى الأشرار في شرهم فيتهمون الله، بأنه غير عادل وأحكامه خاطئة، مع أنهم هم المخطئون؛ إنها خطيئة التذمر، التي تزيد الخاطئ في خطيته بدلًا من أن يتوب.ع١٠، ١١:
الله جعل أيامًا لها مقام عالي ومقدس أكثر من الأيام العادية، هذه هي أيام الأعياد، وكذا بنو البشر فكلهم مخلوقون من التراب، وهم من نسل آدم المصنوع من الأرض، ومع هذا، ميز الله بسابق علمه، واتساع إدراكه الغير محدود، بين بعضهم وبعض، ورأى اختلاف طرقهم وسلوكهم.ع١٨، ١٩:
الإنسان يحاسب على نهاية حياته، فإن رجع البار عن بره وعاش في الخطية يهلك، وإن رجع الشرير عن شره بالتوبة وسلك بالبر فإنه يحيا. فيهوذا الاسخريوطى رغم أنه تلميذ المسيح لكن كانت نهايته الهلاك، ولم ينفعه مظهر البر الذي عاش فيه سنينًا، أما شاول الطرسوسى عندما تاب صار رسولًا عظيمًا هو بولس الرسول.† إن التوبة هي الحضن المفتوح لك مهما كانت خطاياك لترجع إلى الله، وهو مستعد أن يمسح كل شرورك، بل يجملك بالبر، فتحيا معه إلى الأبد. أسرع إلى التوبة كل يوم، فهي طريق خلاصك.
ع١٢:
بعض الناس يباركهم الله أكثر من غيرهم، مثل موسى النبي الذي جعله رئيسًا لشعبه، ومنهم من قدسه أكثر من غيره، مثل هارون رئيس الكهنة، ومنهم من نكسه، أي جعله في مكانة منخفضة، مثل عخان بن كرمي، الذي لم يطع الله وسرق في ايام يشوع، فرجمه الشعب. والله لم يميز بينهم تمييزًا منه لأحد، ولكن عرف سلوكهم بسابق علمه، وكل واحد بحريته الكاملة صنع الخير، أو الشر.ع٢٠:
يرد الله على اتهام الخطاة المتمردين المتذمرين عليه، بأن طرقهم غير مستوية، فيقرر أنه سيحاسب كل إنسان بحسب أعماله، فكل فرد مسئول عن تصرفاته. ولا يعاقب إنسان على شرور من حوله، ولا يكافأ إنسان بسبب بر المحيطين به.ونلاحظ أن هذا الجزء (ع١٠-٢٠) تكرارًا للتأكيد لما ذُكِرَ في (حز ١٨).
ع١٣، ١٤:
كما يشكل الخزاف الطين بيديه إلى أواني عظيمة، أو أشكال أقل مقامًا كيفما يرى، هكذا أيضًا الله خلق الناس لكل واحد مواهبه وقدراته، فبعضهم استغلها حسنًا بحريته، وصار عظيمًا، والبعض الآخر بحريته أخطأ، فصار شريرًا وحقيرًا، فاستحق كل منهم جزاءه العادل، كرامة، أو هوانًا.(٣) خراب أورشليم بسبب شرورها (ع٢١-٢٩):
٢١ وَكَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ عَشَرَةَ مِنْ سَبْيِنَا، فِي الشَّهْرِ الْعَاشِرِ،فِي الْخَامِسِ مِنَ الشَّهْرِ، أَنَّهُ جَاءَ إِلَيَّ مُنْفَلِتٌ مِنْ أُورُشَلِيمَ، فَقَالَ: «قَدْ ضُرِبَتِ الْمَدِينَةُ». ٢٢ وَكَانَتْ يَدُ الرَّبِّ عَلَيَّ مَسَاءً قَبْلَ مَجِيءِ الْمُنْفَلِتِ، وَفَتَحَتْ فَمِي حَتَّى جَاءَ إِلَيَّ صَبَاحًا، فَانْفَتَحَ فَمِي وَلَمْ أَكُنْ بَعْدُ أَبْكَمَ. ٢٣ فَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلاً: ٢٤ «يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّ السَّاكِنِينَ فِي هذِهِ الْخِرَبِ فِي أَرْضِ إِسْرَائِيلَ يَتَكَلَّمُونَ قَائِلِينَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ وَاحِدًا وَقَدْ وَرِثَ الأَرْضَ، وَنَحْنُ كَثِيرُونَ، لَنَا أُعْطِيَتِ الأَرْضُ مِيرَاثًا. ٢٥ لِذلِكَ قُلْ لَهُمْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: تَأْكُلُونَ بِالدَّمِ وَتَرْفَعُونَ أَعْيُنَكُمْ إِلَى أَصْنَامِكُمْ وَتَسْفِكُونَ الدَّمَ، أَفَتَرِثُونَ الأَرْضَ؟ ٢٦ وَقَفْتُمْ عَلَى سَيْفِكُمْ، فَعَلْتُمُ الرِّجْسَ، وَكُلٌّ مِنْكُمْ نَجَّسَ امْرَأَةَ صَاحِبِهِ، أَفَتَرِثُونَ الأَرْضَ؟ ٢٧ قُلْ لَهُمْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: حَيٌّ أَنَا، إِنَّ الَّذِينَ فِي الْخِرَبِ يَسْقُطُونَ بِالسَّيْفِ، وَالَّذِي هُوَ عَلَى وَجْهِ الْحَقْلِ أَبْذِلُهُ لِلْوَحْشِ مَأْكَلاً، وَالَّذِينَ فِي الْحُصُونِ وَفِي الْمَغَايِرِ يَمُوتُونَ بِالْوَبَإِ. ٢٨ فَأَجْعَلُ الأَرْضَ خَرِبَةً مُقْفِرَةً، وَتَبْطُلُ كِبْرِيَاءُ عِزَّتِهَا، وَتَخْرَبُ جِبَالُ إِسْرَائِيلَ بِلاَ عَابِرٍ. ٢٩ فَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ حِينَ أَجْعَلُ الأَرْضَ خَرِبَةً مُقْفِرَةً عَلَى كُلِّ رَجَاسَاتِهِمِ الَّتِي فَعَلُوهَا.
ع١٥:
بإزاء:
مقابل، أو أمام.في العالم ستجد أمورًا تابعة للخير، وأمورًا أخرى تابعة للشر، ويلزمك أن تختار واحدًا منها بحريتك، وإرادتك الخاصة، ومن يتهاون بالطبع سيسقط في فخاخ إبليس في الشر. أما من يحب الله سيختار الخير،وينمو فيه، فيثبت، وإن سقط يقوم سريعًا من الشر؛ ليعود إلى الخير، والله سيساعده لأنه ضعيف، وليس مصرًا على الشر.
إن الخير يعطى لمن يختار الحياة مع الله، ثم الحياة الأبدية، ومقابل هذا، الأشرار يختارون الشر، فتكون نهايتهم الموت الأبدي، والابتعاد عن الله.
وكما يوجد أتقياء، يوجد أيضًا خطاة، وعليك أن تختار من تريد أن تلتصق بهم؛ لتحيا مثلهم، إما خائفي الله الأتقياء، أو الخطاة الذين أحبوا الشر، وانغمسوا فيه.
والله كلم موسى وشعبه في برية سيناء ليختاروا إما الخير، أو الشر؛ ليحيوا في أيهما (تث ٣٠: ١٥-٢٠).
† الله ميزك عندما خلقك إنسانًا رئيسًا للخليقة؛ لتقودها في تسبيح اسمه القدوس، فلا تتنازل عن مكانتك كإبن الله، ويغريك الشيطان بشهوات العالم، فتسقط فيها ويذلك، وإن سقطت قم سريعًا، وارفع رأسك كإبن الله بالتوبة؛ لتحيا في الخير طوال حياتك، ثم تنتظرك أمجاد السماء.
ع٢١:
منفلت
: هاربيحدد حزقيال موعد، هو الشهر الخامس من السنة الثانية عشر، وهو بعد ستة شهور من سقوط أورشليم. في هذا الوقت وصل إلى حزقيال الذي في السبي رجل هرب من أورشليم، بعد اقتحام بابل لها وتدميرها وقتل الكثيرين من أبنائها، وأخبره هذا المنفلت بسقوط أورشليم.
ونلاحظ هنا طول أناة الله، فقد بدأ حزقيال نبواته منذ سبع سنوات تقريبًا قبل هذا التاريخ وأنذر الشعب ليتوبوا، وأعلن أن العقاب قريب، ولكنهم تهاونوا، فسقطت أخيرًا أورشليم وخربت.
(٣) الميراث (ع١٦-٢٤):
† ١٦ إِنِّي أَنَا الأَخِيرَ قَدِ اسْتَيْقَظْتُ، وَوَرِثْتُ هذِهِ كَمَا كَانَتْ مُنْذُ الْبَدْءِ. ١٧ كَمَنْ يَلْتَقِطُ وَرَاءَ الْقَطَّافِينَ أَقْبَلْتُ بِبَرَكَةِ الرَّبِّ؛ فَمَلأْتُ الْمَعْصَرَةَ كَالَّذِي قَطَفَ. ١٨ فَانْظُرُوا كَيْفَ لَمْ يَكُنِ اجْتِهَادِي لِي وَحْدِي، بَلْ أَيْضًا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَلْتَمِسُونَ التَّأْدِيبَ. ١٩ اسْمَعُونِي يَا عُظَمَاءَ الشَّعْبِ، وَأَصْغُوا إِلَيَّ يَا رُؤَسَاءَ الْجَمَاعَةِ. ٢٠ لاَ تُوَلِّ عَلَى نَفْسِكَ فِي حَيَاتِكَ ابْنَكَ أَوِ امْرَأَتَكَ أَوْ أَخَاك أَوْ صَدِيقَكَ، وَلاَ تُعْطِ لآخَرَ أَمْوَالَكَ، لِئَلاَّ تَنْدَمَ فَتَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ بِهَا. ٢١ مَا حَيِيتَ وَمَا دَامَ فِيكَ نَفَسٌ، لاَ تُسَلِّمْ نَفْسَكَ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ، ٢٢ لأَنَّهُ خَيْرٌ أَنْ يَطْلُبَ بَنُوكَ مِنْكَ، مِنْ أَنْ تَنْظُرَ أَنْتَ إِلَى أَيْدِي بَنِيكَ. ٢٣ فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ احْفَظْ لِنَفْسِكَ مَزِيَّتَهَا، ٢٤ وَلاَ تَجْعَلْ عَيْبًا فِي كَرَامَتِكَ. قَسِّمْ مِيرَاثَكَ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ حَيَاتِكَ حِينَ يَحْضُرُ الْمَوْتُ.
ع٢٢:
يخبرنا حزقيال أنه في الليلة السابقة لحضور هذا المنفلت حل عليه روح الله فأعلمه بسقوط أورشليم. ومن ذهوله فتح فمه ولم ينطق بكلمة تعجبًا وحزنًا، وظل هكذا حتى الصباح، حتى جاءه هذا الرجل المنفلت، وأخبره بسقوط أورشليم، وحينئذ بدأ حزقيال يتكلم بعد صمت طويل ذكر في (حز ٢٤: ٢٦، ٢٧). وكما ذكرنا أن هذا الصمت إما كان كاملًا، لم يتكلم فيه حزقيال بأية نبوة، أو صمت عن الكلام بخصوص أورشليم، وتكلم بنبوات عن الأمم، ثم عاد يفتح فمه عن أورشليم التي سُبيت ولكن أبناءها سيعودون إليها، فيتكلم عن التوبة والاستعداد لشعب الله الجديد الذي يحيا معه.ع١٦:
يتكلم ابن سيراخ في هذه الآية عن نفسه، فيقول أنا الأخير في الحكماء، قد نبهني الله، فاستيقظت لطلب الحكمة، وورثتها، أي تعلمتها من الحكماء السابقين لي، وابن سيراخ هو آخر الحكماء في العهد القديم، الذي كتب سفرًا عن الحكمة.وهذه الآية تظهر اتضاع ابن سيراخ، فيعلن اتضاعه فيما يلي:
١. أن حكماء كثيرين سبقوه، وهو آخر الكل.
٢. أنه كان نائمًا عن الحكمة، ثم استيقظ، أي نبهه الله، ووضع في قلبه أن يطلبها الحكمة؛ أي أنه ضعيف لنومه، والبركة ترجع لنعمة الله التي أيقظته.
٣. أنه ليس صاحب الحكمة، بل وريثًا لها.
ع٢٣، ٢٤:
بعد أن سقطت أورشليم وأصبحت خربة، لم يخضع شعبها لله بالتوبة. ولكنهم بكبرياء قالوا إن كان إبراهيم قد أعطاه الله الوعد بكل أرض الميعاد، فبالأولى نحن الشعب الكثير لنأخذ أرض كنعان، أي ظنوا أنهم لكثرتهم لهم الحق في دوام امتلاك أرض كنعان. وهذا أمر خاطئ تمامًا، لأن الوعد كان لإبراهيم بسبب بره، والله لا تعنيه الكثرة، بل يعنيه البر، فمن أجل بار واحد تخلص المدينة، أما الكثيرون الأشرار فبلا قيمة.ع١٧:
يشبه ابن سيراخ نفسه بصبي يلتقط وراء القطافين، الذين يقطفون الثمار، وهو يأخذ ما نسيوه من الثمار، أوما سقط على الأرض، فهو مجرد تابع للحكماء الذين هم أفضل منه، ويقطفون ثمار الحكمة.ولكن بركة الله كانت معه لاهتمامه بطلب الحكمة، فجمع كثيرًا من الثمار؛ حتى ملأت المعصرة، وأخذ من العصير كثيرًا، أي ملأه الله من الحكمة، مثلما بارك القطافين، أي الحكماء الذين سبقوه، وأشبعهم.
وهذا يؤكد أيضًا اتضاع ابن سيراخ؛ لأن من يجمع وراء القطافين، أو الحاصدين هو من الفقراء المحتاجين الذين يجمعون القليل الذي سقط من غيرهم، فابن سيراخ يعلن أنه فقير في الحكمة ومحتاج، وهومثل راعوث الفقيرة، التي سارت وراء الحصادين لسنابل القمح في حقل بوعز؛ لتأخذ القليل الذي يقوتها هي وحماتها، فأعطاها الله نعمة في عيني بوعز، وجعل الحصادين يتركون لها بعض السنابل فجمعت كثيرًا، ثم مجدها الله بأن ولد المسيح من نسلها (سفر راعوث).
ع٢٥:
يعلن الله لشعب أورشليم واليهودية أنه بسبب خطاياه، إذ أكل الذبائح بدمها، وعبد الأوثان، وظلم بعضهم البعض، وسفكوا دماء المظلومين، فبسبب هذا تم خراب أورشليم ولن يعودوا إليها، إلا إذا تابوا. فتحقيق وعود الله لشعبه بامتلاك الأرض مشروطة بسلوكهم في وصاياه.ع١٨:
وعندما نال ابن سيراخ الحكمة من الله، نتيجة اجتهاده في طلب الحكمة، إستفاد هو من الحكمة لنفسه أولًا، ثم لكل من تعلم منه، ممن كان يطلب الحكمة وتأديب الله؛ ليخلص، وهذا يظهر أبوة ابن سيراخ واهتمامه بخدمة الآخرين.ويظهر من هذه الثلاث آيات السابقة، اهتمام ابن سيراخ بميراث الحكمة قبل أي شيء آخر، ثم سيتكلم بعد هذا عن ميراث الماديات في الآيات التالية.
ع٢٦:
وقفتم على سيفكم
: اعتمدتم على قوتكم وظلم بعضكم البعض وقتلتم المظلومين بالسيف.الرجس
: النجاسة، أي الزنى والشرور المختلفة.يضيف الله ويوضح لشعبه خطاياه، وهي اعتمادهم على الظلم، وقتل الآخرين، وعمل الشرور المختلفة، واغتصاب كل واحد لزوجة قريبة؛ كل هذا أدى إلى غضب الله وتدمير أورشليم.
ع١٩:
يبدو أن يشوع بن سيراخ كان في اجتماع، أو وليمة تجمع مجموعة من عظماء الشعب، ورؤسائهم فقال كلامه؛ ليس ليصل إلى سامعيه فقط، بل أيضًا لكل الشعب، الذين هم مسئولين عنهم.ع٢٧:
يعلن الله عقابه لكل سكان أورشليم بعد أن خربتها بابل، ويظهر هذا العقاب في ثلاثة أمور:١. قتل الموجودين في البيوت المخربة بأورشليم.
٢. افتراس الوحوش للهاربين في الحقول حول المدينة، أي يهيج الله عليهم الوحوش بعد أن كان يحميهم منها.
٣. الذين تحصنوا من بابل والوحوش باختبائهم في الحصون تقتلهم الأوبئة، أي تنتشر بينهم الأمراض وتميت الكثيرين.
كل هذا لأن الله تخلى عن شعبه لابتعادهم ورفضهم إياه.
ع٢٠:
لا تول:
لا تجعله واليًا عليك، ومتحكمًا فيك.ونصيحة ابن سيراخ لكل إنسان ألا يوزع أمواله، وممتلكاته أثناء حياته على أبنائه، أو زوجته، أو إخوته، أو أصدقائه؛ لئلا يتعرض لمشاكل أهمها:
١. أن يتحكموا فيه، إذ معهم سلطان المال والممتلكات، وهو يصبح ضعيفًا، ليس له سلطان على شيء، وقد يضيعوا أمواله، ولا يستطيع أن يمنعهم، كما حدث مع الابن الضال، الذي ضيع أمواله التي أخذها من أبيه في حياته (لو ١٥).
٢. قد يحتاج الأب صاحب المال في أواخر حياته، فيطلب من ابنه، أو ممن أخذ أمواله، فلا يعطيه احتياجاته، سواء علاج لأمراضه، أو حل لمشاكله المادية التي قد تأتي عليه، وقد يكون الابن بذر هذه الأموال، وليس لديه ما يساعد به أباه، أو في أنانية، فيتحكم في أبيه، ويصفه بالجهل والشيخوخة.
ع٢٨، ٢٩:
بهذا تصبح أورشليم واليهودية خرابًا وقفرًا، مهجورة من سكانها، وتنحط كرامتها. وأورشليم المبنية على خمسة جبال لا يعبر فيها إنسان، لكثرة الوحوش ولخرابها وعندما يحدث هذا يتأكد الباقون من اليهود والأمم أن كلام الله حق، الذي أعلنه على فم أنبيائه، مثل حزقيال، وأن الدمار الذي تم كان بسبب شرور اليهود.† عندما تزداد الضيقات عليك وتحاصرك من كل جانب، إعلم أن الله ينتظر توبتك ورجوعك إليه. فأسرع إلى التوبة لتنال مراحمه، حينئذ تتمتع بوجهه الحنون، وتتبدل كل متاعبك إلى راحة وفرح.
ع٢١:
ماحييت:
طوال حياتكوالخلاصة، إحرص طوال حياتك ألا تسلم نفسك وأموالك لأحد؛ حتى لا يتحكم فيك، وتشعر بالذل والمهانة.
(٤) رفض تحذير النبي (ع٣٠-٣٣):
٣٠ «وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّ بَنِي شَعْبِكَ يَتَكَلَّمُونَ عَلَيْكَ بِجَانِبِ الْجُدْرَانِ، وَفِي أَبْوَابِ الْبُيُوتِ، وَيَتَكَلَّمُ الْوَاحِدُ مَعَ الآخَرِ، الرَّجُلُ مَعَ أَخِيهِ قَائِلِينَ: هَلُمَّ اسْمَعُوا مَا هُوَ الْكَلاَمُ الْخَارِجُ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ! ٣١ وَيَأْتُونَ إِلَيْكَ كَمَا يَأْتِي الشَّعْبُ، وَيَجْلِسُونَ أَمَامَكَ كَشَعْبِي، وَيَسْمَعُونَ كَلاَمَكَ وَلاَ يَعْمَلُونَ بِهِ، لأَنَّهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُظْهِرُونَ أَشْوَاقًا وَقَلْبُهُمْ ذَاهِبٌ وَرَاءَ كَسْبِهِمْ. ٣٢ وَهَا أَنْتَ لَهُمْ كَشِعْرِ أَشْوَاق لِجَمِيلِ الصَّوْتِ يُحْسِنُ الْعَزْفَ، فَيَسْمَعُونَ كَلاَمَكَ وَلاَ يَعْمَلُونَ بِهِ. ٣٣ وَإِذَا جَاءَ هذَا، لأَنَّهُ يَأْتِي، فَيَعْلَمُونَ أَنَّ نَبِيًّا كَانَ فِي وَسْطِهِمْ».
ع٢٢، ٢٣:
خير لك طوال حياتك أن تهتم بأولادك، وتعطيهم عند احتياجهم، فهذا ما ينتظرونه منك كأب، يهتم بهم، وبأسرهم، أي زوجاتهم، وأولادهم. هذا أفضل بكثير من أن تكون أنت محتاجًا للمال، سواء في معيشتك، أو علاجك، وتطلب من بنيك أن يساعدوك.لذا في كل أيام حياتك كن متميزًا، فينتظر منك بنوك، ومن حولك كيف تساعدهم، وليس أن يساعدونك، فتعطيهم، ولا تفكر ماذا تأخذ منهم، ليس فقط مشاعر الأبوة، بل أيضًا تساعدهم بأموالك في احتياجاتهم.
ع٣٠:
بجانب الجدار وفى أبواب البيوت، يتكلمون سرًا وليس علنًا في الساحات، والمقصود هنا غالبًا أنهم تكلموا رديًا على حزقيال، ولكنهم قرروا أن يأتوا ليسمعوه. يكرر هنا الله لحزقيال كلمة شعبك، فمازال الله غاضبًا عليهم، بسبب عدم توبتهم. وأخبر حزقيال أنهم يدينونه سرًا فيما بينهم؛ لإصرارهم على خطاياهم ورفضهم دعوته للتوبة، ولكنهم قرروا أن يأتوا ليسمعوه وذلك لأحد الأسباب الآتية:١. عندما رأى الشعب تحقق نبوة حزقيال بسقوط أورشليم، اجتذبهم حب استطلاعهم ليعرفوا الجديد عن المستقبل من فم حزقيال، مجرد معرفة بلا استعداد للتوبة.
٢. لعلهم صدقوا كلام حزقيال، وعلموا أنهم مخطئون، ولكن اعتيادهم الخطية منعهم من التوبة، فهم يريدون أن يعرفوا كلام الله، ولكن غير مستعدين لتغيير حياتهم لتعلقهم بالخطية، مثل المكاسب المادية (ع٣١).
٣. كان كلام حزقيال بالشعر والفصاحة الأدبية (ع٣٢)، فأرادوا التلذذ بسماع هذا الكلام البليغ.
ع٢٤:
إذًا لا تهين نفسك عندما تكبر في السن، واحتفظ بأموالك معك، وعندما تشعر بقرب انتقالك، قسم ميراثك بالعدل بين أبنائك؛ حتى لا يتنازعوا معًا بعد موتك، وعلى قدر إمكانك اجعل لكل واحد ميراثه المستقل، حتى لا يطغى أحد على أخيه، وتحدث مشاكل وظلم. كن شجاعًا وصلي ليرشدك الله، وفي جميع الأحوال ليكن معك من المال ما يكفيك؛ لتظل طوال حياتك تعطي أولادك.† اطلب الحكمة قبل كل شيء، وعلمها لأولادك، وإذ يعرفون الله لا يتعلقون بشهوات العالم، وعندما تقسم ميراثك، أو جزءً منه لا يتخاصمون، بل بالعكس يحب بعضهم البعض، ويساعد كل منهم الآخر قدر ما يستطيع.
ع٣١:
أخبر الله حزقيال أن الشعب سيأتى إليه لسماع نبواته وتعاليمه كأنهم شعب الله الخاضع لوصاياه، مع أنهم في الحقيقة كاذبون، إذ يظهرون غير ما يبطنون، فبأفواههم يبينون اشتياقهم لسماع كلام الله، أما قلوبهم فمتعلقة بخطاياهم وبمحبة المال. وفى الترجمة السبعينية لهذه الآية بدلًا "بأفواههم يظهرون أشواقًا" نجد الترجمة تقول "الأكاذيب في أفواههم" فهذا يؤكد أنهم كذابون ومراؤون.(٤) العبيد (ع٢٥-٣٣):
† ٢٥ الْعَلَفُ وَالْعَصَا وَالْحِمْلُ لِلْحِمَارِ، وَالْخُبْزُ وَالتَّأْدِيبُ وَالْعَمَلُ لِلْعَبْدِ. ٢٦ إِشْغَلِ الْغُلاَمَ بِالْعَمَلِ فَتَسْتَرِيحَ. أَرْخِ يَدَيْكَ عَنْهُ فَيَلْتَمِسَ الْعِتْقَ. ٢٧ النِّيرُ وَالسُّيُورُ تَحْنِي الرِّقَابَ، وَمُواظَبَةُ الْعَمَلِ تُخْضِعُ الْعَبْدَ. ٢٨ لِلْعَبْدِ الشِّرِّيرِ التَّنْكِيلُ وَالْعَذَابُ. اقْسُرْهُ عَلَى الْعَمَلِ لِئَلاَّ يَتَفَرَّغَ، ٢٩ فَإِنَّ الْفَرَاغَ يُعَلِّمُ ضُرُوبَ الْخُبْثِ. ٣٠ أَلْزِمْهُ الأَعْمَالَ كَمَا يَلِيقُ بِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يُطِعْ فَثَقِّلْ عَلَيْهِ الْقُيُودَ، لكِنْ لاَ تُفْرِطْ فِي عِقَابِ ذِي جَسَدٍ، وَلاَ تَصْنَعْ شَيْئًا بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ. ٣١ إِنْ كَانَ لَكَ عَبْدٌ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَنَفْسِكَ؛ فَإِنَّكَ اكْتَسَبْتَهُ بِالدَّمِ. إِنْ كَانَ لَكَ عَبْدٌ فَعَامِلْهُ كَنَفْسِكَ؛ فَإِنَّكَ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ احْتِيَاجَكَ إِلَى نَفْسِكَ. ٣٢ إِنْ آذَيْتَهُ أَبَقَ، ٣٣ وَإِذَا فَرَّ ذَاهِبًا فَفِي أَيِّ طَرِيقٍ تَطْلُبُهُ؟
ع٣٢:
يبين هنا الله لحزقيال المواهب التي وهبها له وهي الصوت الجميل، الذي يبدو كنغمات موسيقية جذابة، وكذلك قدرته البلاغية في الشعر والأدب. هذه وسائل وهبها الله لحزقيال؛ ليقدم بها كلام الله، فيجتذب الناس للاستماع والتوبة، ولكنهم اكتفوا بالاستماع.ونرى هنا انطلاق حزقيال في الكلام بالشعر، بعد أن تحقق كلام الله بسقوط أورشليم، وشعر اليهود بصدق نبواته، فانطلق يدعوهم للتوبة، ويبشرهم بحياة جديدة مع الله.
ع٢٥:
إن الإنسان في العهد القديم يمكن أن يملك ماشية، أو عبيدًا، يشتريهم بأمواله، ولكن رغم أنهم ملكه ينبغي عليه أن يهتم بهم ليستفيد منهم، ولا يتعبوه، وذلك بالطرق الآتية:١. الحمار يعطيه طعامه وهو العلف، فلا يصح أن يرهقه بالأعمال، دون أن يطعمه ما يكفيه، وهكذا أيضًا العبد يلزم أن يعطيه طعامه، المشار إليه هنا، بالخبز، أي كل ما يأكله ليشبع، ويستطيع أن يقوم بأعماله.
٢. إن أخطأ الحمار، أو الحيوان، فيلزم ضربه بالعصا، ليسير في طريقه، أو يقوم بما هو مطلوب منه. وهكذا أيضًا العبد، إن أخطأ يلزم تأديبه وعقابه بأية وسيلة جزاء خطأه؛ حتى لا يعود إليه. أما إذا كان عبدًا مطيعًا يقوم بواجباته، بالطبع لن يتعرض لتأديب، مثل يوسف، الذي أطاع، وأرضى الله، فرفعه وصار رئيسًا على كل عبيد بيت فوطيفار، ومسئولًا عن كل ممتلكاته (تك٣٩: ٤، ٦).
٣. يقوم الحمار بأعماله، ومن أهمها حمل الاشياء، وتوصيلها من مكان لمكان، وكذا العبد يقوم بالأعمال المطلوبة منه. فالإنسان ينبغي أن يقود العبد، أو الحمار قيادة متزنة، فيعطيه احتياجه من الطعام، ويستخدمه في الأعمال المطلوبة منه، ويؤدبه إن أخطأ؛ ليظل خاضعًا ويقوم بما هو مطلوب منه، ولكن لابد أن يحمل الإنسان في قلبه رعاية وشفقة على العبد، وأيضًا الحيوان.
ع٣٣:
عند تحقق كلام حزقيال الأخير هذا، وهو البشارة بحياة جديدة مع الله، هي في المعنى القريب الرجوع من السبي وبناء الهيكل وتقديم العبادة لله فيه، أما المعنى البعيد فهو إيمانهم بالمسيح في ملء الزمان، فيصيروا شعب الله الجديد إسرائيل، أي المسيحيين. عندما يتم هذا يتأكدون من صدق كلام الله على فم نبيه حزقيال، أي أن حزقيال نبى حقيقي يتكلم بكلام الله.ونلاحظ هنا إيمان حزقيال عندما يقول "إذا جاء هذا؛ لأنه يأتى" فهو يثق أن كلام الله سيأتى حتمًا ويتم.
† لا تهمل كلام الله الذي تستمع إليه؛ لأنه رسالة شخصية لك لا تستخدمها كمجرد تعاليم للآخرين، أو معلومات لملء ذهنك، بل إخضع لها؛ لتحيا بها فتخلص.
ليتنا نطيع كلام الله الذي أعلنه في خمس خطوات للخلاص في هذا الأصحاح هي:
١. يكون ضميرك رقيبًا لك تخضع لصوته فتبتعد عن الخطية (ع٢-٦).
٢. يكون لك رجاء مهما كانت خطاياك؛ لأن الله يحبك ويريد خلاصك (ع١١).
٣. الاستمرار في التوبة حتى نهاية الحياة (ع١٨، ١٩).
٤. يكون الإيمان عملى، أي مصحوب بالأعمال الصالحة، فهي التعبير الحقيقي عن إيماننا ومحبتنا لله (ع٢٤).
٥. لا نكون مرائين فنسمع فقط، بل نحول ما نسمعه إلى تطبيق عملى (ع٣٢).
ع٢٦:
الغلام:
المقصود العبدالعتق:
الحريةتوصي هذه الآية السيد الذي يمتلك عبدًا أن يشغله، ويكلفه بأعمال، فيكون جسده وذهنه مشغولين بالعمل؛ لأنه لو جلس مستريحًا لمدة طويلة، وشعر بالفراغ يبدأ في التفكير بالهرب، أو التحرر من العبودية التي هو فيها، أي يتمرد على سيده، وهذا يبين أهمية العمل لكل إنسان؛ لأن الفراغ ينشئ أفكارًا رديئة يرسلها الشيطان للإنسان. والعبد يرمز لجسد الإنسان، فمن يشغل جسده بالعمل لا يفكر بالتمرد على الإنسان، وطلب الحرية المفسدة، التي تسقطه في شهوات شريرة.
ع٢٧:
النير:
خشبة مستعرضة توضع على رقبتي حيوانين ليجرا آلة زراعية، فتحني رقابهما.السيور:
أحزمة جلدية وتوضع للخيل لإحناء رقابها وتوجيهها للاتجاه المطلوب.كما أن النير والسيور تخضع الحيوانات، هكذا أيضًا استمرار شغل العبد بالعمل تخضعه، فيصير مطيعًا أو منشغلًا بما هو مفيد، فيقوم بواجباته، ويسهل التعامل معه.
وهذا تأكيد للآية السابقة لأهمية العمل للعبيد، ولكل إنسان؛ حتى لا تقوم عليه شهواته وأفكاره الردية.
ع٢٨، ٢٩:
التنكيل:
المعاملة القاسيةأقسره:
أجبره.ضروب:
أنواع.إذا كان العبد الذي عندك شريرًا، فهو محتاج للمعاملة القاسية؛ حتى تبعده عما يريده من شر، أي لا تتركه يؤذيك، أو يؤذي غيره.
وعندما تجبر العبد الشرير على العمل؛ فأنت لا تعطيه فرصة للتفرغ للشر، أي تشغله بأعمال مفيدة، ليخرج طاقته فيها، فيستريح من الشر، ويريحك من الأعمال الردية، والتمرد؛ والخبث بكل أنواعه.
هكذا أيضًا جسدك عندما يثور عليك بشهوات شريرة، لابد أن تضبطه بشدة بواسطة الصلوات والأصوام والميطانيات والخدمات التي تحتاج إلى مجهود كثير.
ع٣٠:
تفرط:
تبالغ.العبد الشرير لابد أن يلزمه سيده بأعمال كافية تناسبه؛ حتى يخرج طاقته فيها، وليس في الشر.
وإن لم يطع العبد الشرير ما كلفه به سيده، فلابد من زيادة العمل المطلوب منه؛ لأنه متمرد، فيلزم إخضاعه، وربطه بأعمال كثيرة فتكون مثل قيود له.
مع مراعاة عدم زيادة العمل فوق الطاقة، أو الإساءة إليه بشناعة، كما كان يفعل بعض السادة الرومانيين فيفقأوا عيني العبد، أو يقتلوه.
ع٣١:
إن كان لك عبد طيب، فاهتم به، وعامله معاملة حسنة، كما تريد أن يعاملك الناس؛ لأن عبدك هذا غالي عندك مثل نفسك، وقد دفعت فيه أموالًا كثيرة، تعبت فيها، وبذلت كثيرًا من جهدك ودمائك، بالإضافة إلى أنك ستحتاج إليه ليساعدك في أعمال كثيرة، فعامله كأخ، واهتم برعايته.هذه الآية ترمز إلى محبة المسيح، الذي نظر إلينا نحن عبيده، فأحبنا واشترانا بدمه على الصليب، وعاملنا كإخوة، وفي العهد الجديد يوصينا الله بمعاملة العبيد برفق وعدل (كو ٤: ١، أف ٦: ٩).
ع٣٢، ٣٣:
آبق:
هرب.هاتان الآيتان تحذران السيد من القسوة الشديدة مع العبد الشرير؛ لأنها ستدفع العبد للهروب من البيت، وإن هرب، فيصعب على السيد القبض عليه وإعادته؛ لذا يلزم الحكمة في الحزم مع هذا العبد.
إن العبد الشرير يرمز إلى أعضائك التي تحاربك بالشهوات المختلفة فيلزم ضبطها، وتقييدها، وشغلها بأمور كثيرة؛ حتى لا تنساق وراء الشيطان؛ هذا هو الجهاد الروحي الذي يلزم أن يكون معتدلًا، فلا يكون فوق طاقة الإنسان، ولكن يكون جهادًا شديدًا، بإرشاد أب الاعتراف.
† كن حكيمًا في معاملة الخدم الذين يعملون في بيتك، أو من يساعدونك في عملك، فتشغلهم، وتشجعهم بمحبتك، وتكون حازمًا مع المتمردين منهم، ولكن لا تنسى أنهم اخوتك، فيباركك الله، ويرحمك من أجل رحمتك عليهم.