الحفلات في كل جيل يجتمع فيها الكثيرون، وتحتاج إلى قائد ورئيس، وهو غالبًا من كبار السن، أو ذوي المراكز. فإذا اتفق كبار المدعوين على اختيارك رئيسًا؛ فاعلم أن هذه وظيفة ومسئولية لتقوم بها في أمانة أمام الله، وليست فرصة للكبرياء، فتظن أنك أفضل المدعوين، فأنت مدعو مثل غيرك، ولكن مسئول عن قيادة الحفل، فتسلك كعضو عادي بين أعضاء الحفل، ولا تعطي لنفسك حقوقًا أكثر من غيرك، وليتك تطلب من الله معونة، فتدير الحفل باتزان، لتقدم راحة لباقي المدعوين وفرحًا.
ع١:
ميعاد هذه النبوة كان بعد تدمير أورشليم بحوالي ثمانية أشهر (إر٣٩: ٢)، وبعد النبوة المذكورة في الأصحاح السابق بأكثر من سنة ونصف. ونلاحظ تكرار النبوات على مصر في أربع أصحاحات؛ لأن مصر تمثل الكبرياء والعناد، فليس المقصود مصر في حد ذاتها، ولكن خطية الكبرياء التي أسقطت الإنسان الأول، ومازالت تحارب كل البشر، ومسيحنا يطالبنا بوضوح أن نتعلم منه الاتضاع (مت١١: ٢٩).
ع٢:
رئيس الاحتفال ينبغي أن يهتم بالمدعوين للحفل، ويطمئن إلى إدارة الحفل بشكل جيد بالتفاصيل اللازمة، وبعدما يقوم بواجبه؛ يستريح ويجلس بين المدعوين ليشرب، أو يأكل، أي يجد راحته بعد أن يريح الآخرين؛ هذه صفة أساسية في القائد، أي يخدم غيره، ثم يستريح ويستمتع بالحفل.
ع٢:
اندفقت
: اندفعت بشدة، وهو يتكلم عن مياه النيل.
كدرت
: عكرت، أي جعلت المياه غير نقية لاختلاطها بالطين وأصبحت بالتالى غير صالحة للشرب.
في حزن يطلب الله من حزقيال أن يرفع مرثاة على فرعون مصر، وهذا يبين أبوة الله الذي يريد أن الجميع يخلصون ولا يسر بموت الخاطئ (١ تى٢: ٤). ويستهزئ الله بفرعون؛ لأنه ظن أنه شبل، أو أسد سيحمى الأمم المحيطة به، المتحالفة معه، ولكن في الحقيقة هو تمساح محبوس في مياه النيل، التي يشير إليها ببحاره، فهو عاجز عن إنقاذ غيره؛ لأنه ضعيف ومسجون داخل بلاده، فهو ليس أسدًا يحمى غيره، بل تمساحًا يأكل الأسماك، أي يفترس غيره لأنه أنانى. بل وأكثر من هذا أنه سبب مصائب لمصر، فهو يعكر مياهها، بمعنى أنه بدخوله في حروب وهزيمته فيها أهلك كثير من المصريين، وسبب مصائب للشعب، أي أن غرور فرعون هو وهم يحيا فيه لكبريائه، والحقيقية أنه لا يريد أن يعترف بضعفه، فيرجع إلى الله ويؤمن به، فيرحمه ويسنده.
واندفاع أنهاره، أي اندفاع فرعون في حروب غير مدروسة؛ لأنه متكبر، جعله يدخل في سلسلة هزائم، وبدلًا من أن تكون المياه مصدر بركة له ولمن حوله صارت سببًا لخسائر كثيرة؛ كل هذا بسبب الكبرياء.
ويعلن الله لفرعون أنه لم يعكر فقط أنهار مصر، أي لم يسبب مصائب لشعبه فقط، بل أيضًا عكر أنهارهم، أي أنهار الأمم المحيطة به، أو المتحالفة معه، فهو سبب متاعب للأمم الأخرى، فبدلًا من أن يتكلوا عليه، أبغضوه نتيجة ما سببه لهم من متاعب.
وفرعون هنا يرمز للشيطان في نهاية الأيام، الذي سيتحرك أثناء فترة الضيقة العظيمة ليزعج المؤمنين، ويحاول أن يساند الأشرار، ولكنه لن يفيد تابعيه، بل يقودهم للهلاك الأبدي؛ لأن سفر الرؤيا يذكر مصر مع سدوم رمزًا للكبرياء، وبالتالي استحقاقًا الهلاك (رؤ١١: ٨) فهو يتكلم عن الكبرياء الذي في فرعون والمصريين، والذي بسببه سيهلكون.
ع٣:
إذا قام القائد بواجبه في الاحتفال، فإنه ينال بركات كثيرة أهمها:
١. "تفرح بهم"
يفرح بالمدعوين الذين خدمهم، ورتب لهم الاحتفال، فيكون سعيدًا بما عمله، وبمشاعرهم الطيبة.
٢. "تاخذ الإكليل زينة":
كان من العادة في الحفلات قديمًا أن يشكر المدعوون قائد الاحتفال، بأن يهدونه إكليلًا من الزهور يضعه على صدره، كنوع من التقدير والشكر، وهذا بالطبع يفرح القائد، ويعطيه ثقة أكبر في نفسه.
٣. "تُكرم بهداياهم":
هناك أيضًا تقدير برئيس الحفل؛ هذا التقدير مادي بأن يُقدم المدعوون له هدايا، تعبيرًا عن شكرهم، فيشكر الله، ويشكرهم على محبتهم.
ع٣:
مجزفتى
: شبكتى.
يقرر الله أنه سيأمر بإلقاء شبكته على فرعون، فالله هو المدبر والذي سمح بهجوم بابل على مصر، أي أن بابل أداة بيد الله شبهها بالشبكة. وأن هذه الشبكة، أي بابل ستهاجم، ليس فقط مصر، بل أممًا كثيرة. ولم يعد الولاء لمصر وفرعونها، فتقوم ضده الأمم المحيطة، ويساعدون بابل في إلقاء شبكتها على مصر، أي يصعدون فرعون في مجزفة، أو شبكة بابل.
فهكذا بدأت سلسلة تأديبات الله لفرعون ببسط شبكته عليه، وفى الأعداد التالية يذكر باقى التأديبات.
ع٤:
أهل :
مستحق
إذا كان رئيس الحفل شيخًا، فيمكنه أن يتكلم كما يريد؛ لأنه أهلُُ لأن يتكلم، إذ له خبرة وحكمة لكبر سنه، فيستفيد منها المدعوون، وكل حفل يحتاج إلى رئيس، كما يظهر في الكتاب المقدس في عرس قانا الجليل (يو ٢: ٨)
ع٤:
أقر عليك
: اجعلها تستقر عليك.
التأديب الثاني من الله لفرعون، هو أن يسمح له كتمساح أن يُترك على الأرض، أي يتركه على الأرض، وليس في الماء، ويظل مطروحًا على وجه الحقل، فيموت، لأن التمساح لا يستطيع أن يعيش كل حياته خارج المياه. وقد حدث هذا فعلًا عندما سمح الله بجفاف النيل حينما لم يأت الفيضان، وهذا بالطبع سبب مجاعة لمصر أدت لخسائر كثيرة.
أما التأديب الثالث فهو أن تهجم عليه طيور السماء لتأكل جثته، بل وتستقر عليه، أي تستمر في إهلاكه ونهبه. والطيور ترمز للأمم القوية مثل بابل، أما وحوش الأرض فترمز للبلاد المختلفة التي انتهزت ضعف مصر لتنهب منها ما تستطيع.
وهكذا يهلك فرعون التمساح الكبير، وكل الأسماك المتعلقة بحراشيفه، أي الأمم المتحالفة معه، وذلك لأنهم لم يتكلوا على الله، واتكلوا على البشر.
ع٥:
يراعي رئيس المتكأ الكبير السن أن يتكلم بحريته في الموضوعات التي يعرفها جيدًا؛ ليكون كلامه صحيحًا مفيدًا للسامعين، ولا يستغل مكانته كرئيس، أو كبر سنه، ليتكلم في أي موضوع لا يعرفه جيدًا؛ لئلا يظهر جهله، ويضايق السامعين.
ومن ناحية أخرى، يحوي الاحتفال في الغالب فقرة فنية، مثل الغناء، فلا يمنعها مادامت تفرح الشباب، وإن كانت لا تناسبه لكبر سنه، مع مراعاة أن يكون الغناء بالوقار الكافي، بما يرضي الله.
ع٥:
جيفك
: جثتك المتعفنة ذات الرائحة الكريهة.
أما التأديب الرابع فهو قتل الكثير من المصريين، وطرح جثثهم على الجبال وفى الأودية أيضًا، فتنبعث منهم رائحة نتنة تضايق الناس. فبعد أن كان فرعون مصدر مساندة للأمم بقوته هو وجنوده، أصبح مصدرًا لضيق الناس منه واحتقاره، وهذه هي نهاية المتكبر.
ع٦:
لا تطلق:
لا تبالغ، أو تطيل
السماع:
هو استماع الناس للمتكلم أو الاستمتاع بالحفل.
يلزم أن يراعي رئيس الحفل الشيخ أن يتكلم كلمات قليلة، إذا كان المدعوون مستمتعين بالحفل؛ سواء بالغناء، أو التحدث معًا، أو أكل الطعام، فلا يطلق كلامه، أي يطيل الحديث؛ لأن المدعوين لا يميلون إلى الاستماع لكلام كثير.
ومهما كان كلامك يا رئيس الحفل حكيمًا لا تقله في غير أوانه، أي إذا كانوا - كما ذكرنا - مشغولين بالأكل، أو مستمتعين بالمنظر، أو الهواء، أو الغناء؛ فالأفضل أن تصمت، وتتركهم في تمتعهم.
ع٦:
يستكمل شرح هلاك المصريين وانتشار دمائهم على الأرض، فتسقيها بدلًا من مياه النيل، والدم يرمز لانتهاء حياة الإنسان، أي هلاكه، فينشرون الموت في كل مكان بدلًا من الماء الذي هو الحياة، وذلك أيضًا بسبب الكبرياء. وانتشار الموت يكون في الوديان، وأيضًا في الجبال والآفاق، أي الأماكن المرتفعة، التي ترمز إلى الأمم الضعيفة والقوية، فالكل يتضايق من فرعون والمصريين.
يقول "فيضان دمك" إشارة إلى العقاب الشديد بهلاك الكثيرين، فكما أن فيضان الماء ينشر الخير بقوة، هكذا أيضًا عقاب الله للمتكبرين يكون بشدة.
† الكبرياء يخدعك، فتظن أنك أقوى من غيرك والكل يحترمونك، مع أن الحقيقة أن الكبرياء تكسب بها كراهية الناس، أما بالاتضاع فتكسب محبتهم. لا تنخدع بقوتك وإمكانياتك، وأنسب المجد لله، واتضع تحت أقدام الكل، فتحيا مطمئنًا، فيحبك ويمجدك الناس.
ع٧، ٨:
ياقوت وزمرد:
أحجار كريمة
حلي
/
مصوغ:
مسبوكات ذهبية
كانت العادة في الحفلات والولائم قديمًا، أن تقدم فقرات فنية تشمل الموسيقى والغناء، فيعطي هذا جوًا لطيفًا للسامعين، وكانت الخمر تُقدم مع هذه الموسيقى والأنغام لمن يريد أن يشرب؛ هذه جميعها تمتع المدعوين، مع مراعاة أن يكون شرب الخمر بمقدار قليل؛ حتى لا يتوه الإنسان عن وعيه قليلًا، أو يسكر. وتشبيه التمتع بالغناء والموسيقى والخمر بالأحجار الكريمة الموضوعة في مسبوكات ذهبية، يظهر أن هذه الحفلات تمتع المدعوين بجو لطيف.
أما في العهد الجديد، ففي عرس قانا الجليل دُعي المسيح، وأمه العذراء، وهذا ينبهنا أن ما يُعمل في حفلات الخطوبة والزواج لابد أن يكون مناسبًا للمسيح الحاضر في وسطنا، أو يكون راضيًا عنه.
ع٧، ٨:
يعلن الله أنه عند إهلاكه فرعون، أي إطفاء بهائه ومجده، تظلم السماء بكل نجومها، وكذا الشمس والقمر، فيتحول فرعون من مصدر بريق وإبهار للعالم إلى مصدر ظلمة وضيق.
والكبرياء تفقد الإنسان كل نور إلهي في داخله، فتغطى على الأفكار السامية، أي السموات التي فيه، وكل قوة وإمكانية وهبها له الله لا تعمل فيه، والشمس، أي شمس البر وهو المسيح لا يكون له مكان في داخله، والقمر، أي الكنيسة التي تأخذ نورها من الشمس، أي المسيح، لا تعمل في داخله، وفى النهاية يصبح مصدر عثرة وظلمة لكل من حوله لأنه رفض الله بكبريائه.
ونلاحظ أن ظلمة الشمس والقمر والنجوم يتكلم عنها الله في نهاية الأيام كدليل على انتشار شر الإنسان، ففقد نور الله، وتعرض للعقاب الأبدي، أي تظل الكبرياء تحارب الإنسان، وإذا سيطرت عليه تهلكه في النهاية.
ع٩:
الحظوة:
المكانة والاحترام
تخاطب هذه الآية الشيخ رئيس الاحتفال، وتقول له: اسمع الغناء وأنت ساكت؛ فإن الغناء لن يعجبك، ولكن اسمعه بهدوء، وباحتشام، أي لا تتمايل مع الموسيقى، ولكن إرضاءً للشباب المدعوين، شاركهم باستماعك هذا في سكوت ما دامت الأغاني لائقة، وبهذا تكون لك المكانة، والاحترام بين المدعوين؛ سواء من الشيوخ، أو من الشباب، ويحبك الكل، وفي نفس الوقت أنت ترضي الله بهدوئك ووقارك.
ع٩، ١٠:
أغم
: اجعله في غمه، أي في حزن شديد.
أخطر بسيفى
: ألوح بسيفى.
عندما ترى الأمم هلاك فرعون وجيشه يحزنون جدًا ويخافون لسقوط عظيمهم، خاصة عندما يموت ميتة حقيرة في بلاد غريبة. وقد حدث هذا فعلًا بموت خفرع فرعون مصر، عندما ذهب إلى ليبيا، وفشل في إعادة ملكها إلى عرشه، وطارده الليبيون، ورفض المصريون رجوعه فمات في البرية، هو وجنوده، في بلاد غريبة وليس في أرضه مصر. ويكون ملوك الأرض في خوف عندما يرون سيف بابل يهاجم مصر، بل في رعبهم يقشعرون، إذ يتوقعون هلاكهم في أي لحظة.
يرمز السيف هنا أيضًا إلى الضربات في نهاية الأيام كعقاب إلهى؛ لتدعو الناس إلى التوبة. والله يريد من هذه العقوبات أن يؤمن البشر به، ويتركوا أوثانهم الضعيفة، ويتوبوا عن خطاياهم.
ع١٠:
تخاطب هذه الآية الشاب الذي اختاروه رئيسًا للحفل، أي إن كان شابًا عليه أن يدير، ويرتب الاحتفال لراحة المدعوين، ولا يتكلم بتعاليم كثيرة؛ لأن المدعوين فيهم الكثير من الشيوخ، فلا يليق أن يعلمهم، ويتكلم فقط إن كان من الضروري لتنظيم الحفل، مثل أن يعلن بعض الترتيبات، أي يكون هو أيضًا مثل الشيخ في هدوء ووقار.
إن كان رئيس الحفل من الشباب، عليه ألا يسرع في الرد على أي سؤال، ولكن إن ألحوا عليه وسألوه مرتين، يجيب عليهم باختصار، أي بكلمات قليلة، فيحاول أن يعبر عما في داخله، أو عن الإجابة السليمة بكلمات قليلة، فيظهر أمام الناس أنه يعلم كل شيء، ولكنه يميل إلى الصمت، كل هذا احترامًا منه للشيوخ الحاضرين في الحفل.
ع١١:
يعلن الله بوضوح أن هلاك فرعون والمصريين يكون بيد بابل، التي تهزم العالم وتسيطر عليه.
ع١٣:
الهذر:
المقصود "الهذار" أي المزاح.
أيها الشاب؛ رئيس الحفل، إن كان في الحفل أناسًا عظماء، فلا تساوٍ نفسك بهم،وتتكلم معهم كأنك واحد منهم، اعتمادًا على أنك الرئيس، فهذا يضايقهم. لا تنسى أنهم عظماء، ويحتاجون إلى احترام خاص.
وإن كان في الحفل شيوخًا، فلا تضحك معهم، وتمزح كأنهم مجموعة شباب معك، بل احترم شيخوختهم.
والخلاصة، كن وقورًا، قليل الكلام، محترمًا لكل حاضري الحفل، فيحترمونك.
ع١٢: عتاة
: أقوياء جدًا.
يصف جنود بابل بأنهم جبابرة، فيهلكون المصريين، وبهذا تذل مصر وتفقد كبرياءها وكرامتها، ولعل هذا يقودها إلى الاتضاع والإيمان بالله.
ع١٤:
كما أن الرعد يسبقه ظهور البرق، كذلك أيضًا الرئيس الشاب المحتشم، ليس فقط في مظهره بل في كلامه، وتصرفاته، واحترامه للآخرين؛ هذا الرجل تسبقه الحظوة، أي التوقير، والاحترام من قبل الآخرين، أي يجد نعمة في أعينهم.
ع١٣: أظلاف
: أقدام، أو حوافر الحيوانات.
يمتد الإهلاك البابلي ليس للمصريين فقط، بل أيضًا لممتلكاتهم من الماشية، فلا يوجد حيوان يشرب من ماء النيل، أو يعكر الماء عندما يدخل إليه بحوافره، أي أن الهلاك سيكون شاملًا. وهلاك الإنسان والحيوان يرمز إلى هلاك النفس والجسد في الإنسان، فالكبرياء تسلب الإنسان عقله وتسئ إلى جسده، أي تخرب كل ما فيه، فتفسد أفكاره، وتسقطه في خطايا كثيرة مثل الزنى.
ع١٥، ١٦:
إذا آن الوقت:
حان الوقت.
إذا انتهى وقت الحفل، فلا تتأخر أيها الرئيس؛ حتى لو كان المكان جميلًا، وترغب في الجلوس به فترة أخرى، أو تريد أن تستريح بعد الجهد الذي بذلته لتنظيم الحفل، بل أشرف على انصراف المدعوين، وارجع إلى بيتك حتى يستريح صاحب الحفل، وفي بيتك تستطيع أن تتنزه، أي تفرح، وتعمل ما تريد لراحتك، وتمتعك، ولكن ليس على حساب صاحب الحفل ووقته، أي كن متعففًا،مراعيًا لظروف صاحب الحفل، ولا تستغل وضعك كرئيس؛ لتتمتع بالطعام والشراب، وجمال المكان، مادام الوقت قد حان للانصراف.
ع١٤: أنضب
: أنشف، أو أجفف.
من الضربات التي يضرب بها الله مصر ألا يسمح بالفيضان، فتجف الأنهار في مصر، ويجرى الماء فيها بصعوبة كما يجرى الزيت، أي تكون المياه قليلة وضعيفة، وليست في اندفاع مياه الفيضان التي تجعل الخير يعم على مصر، وهذا يرمز إلى ضعف عمل نعمة الله للإنسان؛ لأجل كبريائه.
ع١٧:
يسكرك:
يشبعك بوفرة.
طيباته:
خيراته.
وفي الختام أيها الرئيس، بعد عودتك لبيتك؛ اشكر الله الذي أعطاك هذه المكانة أن تكون رئيسًا لحفل عظيم مثل هذا، وأعانك، وأرشدك لتقوده بطريقة ناجحة، وأعطاك خيرات كثيرة؛ تأمل فيها لتشعر بمحبة الله، ورعايته، فيفرح قلبك.
† إذا كنت قائدًا في بيتك، أو في أي مكان، فاطلب معونة الله، وإرشاده، واعمل لخير، وراحة من معك، فيباركك الله، وينجحك، ويفرح بك من حولك.
ع١٥:
عندما يضرب الله مصر بيد بابل يموت الكثيرون، وتصير أرض مصر مهجورة. وحينئذ يعرف الباقون، الأحياء من المصريين صدق كلام الله على فم حزقيال، لعلهم يرجعون إليه ويؤمنون.
† عندما تمر بك ضيقات وخسائر لا تنزعج، لأنها رسالة من الله؛ لتعتمد عليه، ولا تتكل على الماديات. وثق أن الله لا يرفض المتضعين الملتجئين إليه، بل على العكس يسندهم ويرفعهم، مهما كان ضعفهم.
الله ينظر في أبوته بحزن على هلاك مصر، فيجعل الأمم حزينة على مصر، حتى ترجع قلوبهم إلى الله.
ع١٨:
الذي يتقي الله، أي يخافه، هو إنسان يعمل حسابًا لله،ويشعر بوجوده، ويحبه، ويثق فيه، لذا إن سمح الله له بتأديب في شكل تجربة، أو أية ضيقة، فإنه يقبلها برضا وشكر؛ لأنها لفائدته، فهو يعيش مطمئنًا في سلام؛ حتى أثناء الضيقات التي يعاني منها؛ لأن كل شيء لمصلحته، والكتاب المقدس يؤكد هذا، فيقول نفس المعنى في (عب١٢: ٦): "وكل الأشياء أيضًا تعمل لخير أولاد الله" (رو ٨: ٢٨).
والذي يخافون الله يسرعون إليه مبكرين؛ ليلتقوا به قبل أي أحد آخر؛ هؤلاء فقط هم الذين يجدون الله، ويتمتعون به، ويكشف لهم أسراره، ويباركهم ببركات خاصة: "الذين يبكرون إلىَّ يجدونني" (أم ٨: ١٧). والتبكير لله ليس فقط أن نعطي لله بداية اليوم، ولكن أيضًا نعطيه أحسن أوقاتنا طوال السنة، وأحسن أيام عمرنا وهي الشباب، كما يؤكد الكتاب المقدس هذا المعنى "اذكر خالقك أيام شبابك" (جا ١٢: ١).
من يطلب أن يعرف الشريعة، ويسعى لمعرفتها، وتطبيقها في حياته؛ هذا هو من يريدها ويبتغيها؛ فالله ينعم عليه ببركاتها، وإذ يتأمل فيها يشبع منها، فتصير في قلبه، وعلى لسانه؛ لأن الشريعة هي كلمة الله، فمن يسكن الله في قلبه يباركه، ويتمتع بعشرته.
وعلى العكس، فالإنسان المرائي، الذي يظهر غير ما يبطن؛ هذا يحفظ الشريعة في ذهنه، ويتكلم عنها بلسانه، لكنه لا يريد أن يحيا بها، فهذا يعثر فيها، أي لا يستطيع تطبيقها، ويصنع عكسها، فينكشف أمام الناس أنه مرائي، وضميره يؤنبه، ولكنه يهمل صوت ضميره. هكذا كان يعيش عدد كبير من اليهود في زمان بن سيراخ، وحتى في أيام المسيح، الذي وبخ الكتبة والفريسيين على ريائهم (مت ٢٣: ١٣).
٠
ع١٧:
يحدد هنا ميعاد نبوة ثانية أعطاها الله لحزقيال، وهي بعد خمسة عشر يومًا من النبوة الأولى المذكورة في هذا الأصحاح، والتي تكلمت عن هلاك فرعون والمصريين. أما في هذه النبوة فيتكلم عن هلاك الأمم القوية في العالم آنذاك، فليس المقصود إهلاك مصر، بل كبريائها وكبرياء الأمم المتكبرة في العالم.
ع٢٠:
الذي يتقي الرب يجده، ويصل إليه،ويكتشف أهمية الشريعة، فينال بعد هذا معرفة العدل، أي ينال القدرة على التمييز والحكمة؛ وهو ماتعلنه هذه الآية.
وتصبح أحكام الله، ووصاياه، وشرائعه مصباحًا لمن يخاف الله، ومرشدًا له في طريق حياته، فيفهم مقاصد الله، وتدابيره،ويتمثل به في سلوكه، فيكون صورة حقيقية لله،ومثالًا له، أي يكون إنسانًا ناجحًا روحيًا.
ع١٨:
أحدره
: أنزله إلى أسفل.
الجب
: حفرة عميقة وترمز إلى الجحيم.
يطلب الله من حزقيال أن يبكى ويصرخ في حزن على هلاك المصريين وشعوب العالم المختلفة التي ستهلك بيد بابل. وعندما يموتون ينزلون إلى الأرض السفلى والجب، أي الجحيم مكان انتظار الأشرار.
ع٢١: يجانب:
يتباعد
مبتغاه:
ما يريده، أو يرغبه
هذه الآية عكس الآية السابقة، فهي تحدثنا عن الإنسان الخاطئ والذي لا يريد أن يسمع كلام الشريعة، وإذا وبخت سلوكه الخاطئ، يتضايق، ويتباعد عن سماعها؛ لأنه لا يريد أن يصلح نفسه.
وهو أيضًا يقاوم شريعة الله، فيلتمس الأعذار لنفسه في خطاياه، ويأتي بأدلة وحجج منطقية تؤيد سلوكه الخاطئ، وما أسهل أن يقنع الشيطان هذا الخاطئ بكلام منطقي شرير، فيتمادى في شره، وهذا يحوي كبرياء في داخل الخاطئ؛ لأنه لو كان متضعًا، لخضع لشريعة الله، وتاب وبدأ حياة جديدة مع الله.
ع١٩، ٢٠:
نعمت
: تنعمت وترفهت.
الغلف
: غير المختونين.
يستهزئ الله بفرعون ويسأله لماذا تكبرت وشعرت أنك متنعم وأعلى ممن حولك؟ فإنك ستهلك وتلقى جثتك على الأرض، وهذا الأمر يعتبر عارًا عند المصريين، أن لا تدفن جثة إنسان، وتسقط بالسيف، وتلقى على الأرض. ثم أن سقوط جثة فرعون ستكون بين الجنود الغلف، والأغلف محتقر أيضًا عند المصريين. والمقصود "بأسلم السيف" أي أن الله سمح لبابل أن تقتل المصريين بسيف تأديب الله. وعندما يقول "إمسكوها" يقصد مصر وكل جمهورها، أي شعبها. وبهذا ستقتل بابل جمهور المصريين، وليس فقط فرعون وبعض جنوده، أي أن الهلاك سيكون شاملًا للمصريين، وتقتل أعداد ضخمة منه.
ع٢٢، ٢٣: ممن ليس كذلك:
ليس من أصحاب المشورة
صاحب المشورة هو من يحب شريعة الله، وإرشاد الشيوخ المختبرين، مثل آباء الاعتراف؛ هذا يحب التأمل في شريعة الله؛ ليفهمها، ويعرف أعماقها كل يوم أكثر من ذي قبل؛ حتى يحيا بها.
أما المتكبر، فلأجل كبريائه يرفض شريعة الله، فهو لا يحب مشورة وإرشاد الله، وايضًا لا يخاف الله، وإن أخطأ يظل رافضًا مخافة الله؛ ليستمر في خطئه، وتلذذه بشهوات العالم الشريرة، فهو ينغمس في الخطية بإرادته،ومزاجه،فيهلك نفسه بنفسه.
ع٢١:
الهاوية
: الجحيم.
عندما يسقط فرعون إلى الجحيم سيلتقى بالرؤساء والقادة والعظماء من الأمم الذين هلكوا وسقطوا في الجحيم؛ لأجل شرورهم ورفضهم عبادة الله. فعندما يرونه نازلًا إلى الجحيم يصرخون استهزاءً به؛ لأنه رغم كبريائه قد سقط بينهم، وإن كان قد احتقر الغلف، فقد صار محتقرًا مثلهم، وسقط بينهم، هو وأعوانه من الأمم.
ع٢٤:
من الآيات السابقة يُفهم أهمية المشورة، أي سماع الإرشادات من العارفين بالشريعة، فمن يحب المشورة يحب كلام الله ليحيا به، فيضمن طريقًا سليمًا نحو الملكوت، ولا يتعرض للانحراف في طرق العالم، ويندم بعد هذا على السير فيها.
ع٢٢، ٢٣:
أشور
: الإمبراطورية التي عاصمتها نينوى على نهر دجلة في شمال العراق، والتي سيطرت على العالم.
سيلتقى فرعون عند سقوطه إلى الجحيم بالجبابرة من الأشوريين الذين سيطروا على العالم بعد مصر، وها هم الآن يقتلون بيد بابل، وينزلون بسبب شرورهم إلى الجحيم، هناك تكون قبورهم، أي مستقرهم، فيعذبون إلى الأبد.
ع٢٥:
لا تسر في طريق الأشرار الذي يؤدي إلى الهلاك، فهؤلاء الأشرار هم الهلكة، الذين حكموا على أنفسهم بالهلاك؛ لأنهم رفضوا المشورة الصالحة،وبهذا لا تعثر رجلك بالحجارة، التي ترمز للخطايا.
وبسيرك في طريق المشورة الصالحة، وكلام الله، لن تندفع في طريق غريب لم تعرفه، هو طريق الشر،وبالتالي لن تتعرض للسقوط في العثرات، وهي الخطايا المتنوعة. تمسك بشريعة الله وإرشاد الآباء فتحيا مطمئنًا، ناجحًا.
ع٢٤، ٢٥:
عيلام
: مملكة عظيمة تقع شرق بابل، أي العراق، وكانت عاصمتها تسمى شوشن، وكان لها قوة كبيرة منذ ٢٠٠٠ عامًا قبل الميلاد.
عند نزول فرعون الهابط إلى الجحيم استقبله أيضًا أقوياء عيلام، الذين قتلتهم بابل، فسقطوا لأجل شرورهم إلى العذاب الأبدي وكانواغلفًا. فسقط بينهم فرعون في مهانة. وهكذا فإن الذين ازعجوا سكان الأرض بقوتهم أصبحوا مستقرين في الجحيم بخزى شديد.
ع٢٦:
الإنسان الحكيم الذي يتمسك بشريعة الله، ويسير بمشورة المرشدين، يحترس من السقوط في الخطية، فلا ينساق وراء أي إنسان، بل يفحص كلامه وسلوكه، فإن كان مناسبًا لشريعة الله يسير معه ويفحص حتى أقرب الناس إليه، وهم بنيه، فقد يندفع الشباب مع أصدقائهم في طرق غير سليمة، ويظنون أنها الطريق الصحيح، وأن آباءهم؛ لأنهم كبار وأجيال قديمة، لا يفهمونهم؛ من هؤلاء ينبغي الحذر؛ لئلا يكونوا بجهل قد تأثروا بأفكار غريبة.
ويحتاج الحكيم أن يحترس حتى من أهل بيته، مثل امرأته، أو والديه؛ لأنه قد تجره زوجته إلى الشر دون أن تدري، كما أسقطت حواء آدم معها بمشورتها الشريرة، وقد يعطل الأب ابنه، كما حدث مع إبراهيم أب الآباء، فعطله تارح أبوه بالسكن في حاران عن أن ينفذ كلام الله بالخروج إلى برية كنعان (تك ١١: ٣١).
والخلاصة، يلزم من يسير بشريعة الله أن يفحص كل أحد، ليطيع الله قبل أي إنسان مهما كان قريبًا منه، كما يوصينا الكتاب المقدس قائلًا: "ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس" (أع٥: ٢٩).
ع٢٦:
ماشك وتوبال
: أمتان قويتان من نسل يافث، سكنتا شرق تركيا، وكان رجالها رجال حرب معروفين في العالم، وهم أصل الدولة الروسية الحديثة.
من الجبابرة الذين في الجحيم الذين يستقبلون فرعون الساقط هو وجنوده إليهم رجال ماشك وتوبال. وهؤلاء كانوا أقوياء لدرجة أنهم أرعبوا سكان الأرض، ولكنهم سقطوا بيد بابل، ونزلوا إلى لاعذاب الأبدي.
ونلاحظ أن كل هؤلاء الذين سقطوا كانوا مرعبين، ولكن نهايتهم كانت في العذاب. فليس معنى القوة في العالم والسلطان أن الإنسان مقبول من الله، بل قد تكون سيطرته وإزعاجه لغيره سببًا في عذابه الأبدي.
† لا تستخدم قوتك لإزعاج غيرك، فالله يراقب كل أعمالك، وسيجازيك عليها. فكن شفوقًا على الآخرين، واستخدم قوتك التي وهبها الله لك لمساعدة من حولك، فتجد راحة في السماء.
ع٢٧:
الضمير هو صوت الله للإنسان، فيلزم طاعته، عندما يتمشى مع شريعة الله، ويتفق معها؛ هذا هو حفظ وصايا الله؛ السلوك بالضمير الصالح.
وفي العهد الجديد أعطانا الله الروح القدس؛ ليسكن فينا، ليصحح الضمير إذا انحرف، ويحفظه في طريق الله، فنخضع للروح القدس والضمير الخاضع له.
ع٢٧، ٢٨:
عندما ينزل فرعون وجنوده إلى الجحيم لا يكونوا مع الجبابرة في الحرب من ماشك وتوبال، الذين كانوا يدفنون ويضعون سيوفهم وأسلحتهم تحت رؤوسهم دليلًا على قوتهم، بل يضطجع فرعون في مكان أحقر في الجحيم. وهؤلاء الجبابرة من الغلف، أي ليسوا من اليهود المؤمنين، مع أنهم كانوا مرعبين على الأرض، لكن أمام الله مرفوضون، فتأتى شرورهم على رؤوسهم وينزلون إلى الجحيم. وفرعون يكون مع المقتولين بالسيف، أي الأكثر حقارة في الجحيم، والمقصود أنه يُذل ليس فقط على الأرض، بل أيضًا إلى الأبد، لأجل كثرة شروره وكبريائه.
ع٢٨:
خلاصة الآيات السابقة، أن من يتمسك بشريعة الله ويخضع لها، ويقتدي بها في سلوكه، هو إنسان يحفظ وصايا الله، أي يحولها من كلمات معروفة بالذهن إلى حياة معاشة.
والذي يحفظ وصايا الله، ويتكل عليه، يحفظه الرب من كل شر، ويسير في طريق الملكوت، ولا يخزى أمام حروب إبليس، بل ينجح ويفرح.
† اهتم يا أخي أن تسمع صوت الله كل يوم في الكتاب المقدس. أطلب من الله أن يرسل لك آية لتحيا بها، فهو يسمعك،وسيشير لك إلى آية تعجبك، فتأمل فيها،ونفذها فتتمتع بعشرة الله.
ع٢٩:
أدوم
: نسل عيسو وسكنوا في سلسلة جبال سعير الممتدة جنوب بلاد اليهود من جنوب البحر الميت إلى صحراء سيناء، وتميزوا بالكبرياء والقوة العسكرية؛ لسكناهم على الجبال التي كانت حصنًا لهم.
سيقابل فرعون أيضًا في الجحيم ملوك ورؤساء أدوم المتكبرين الأقوياء، ولكنهم أشرار وغلف، فيضطجعون في الجحيم.
ع٣٠:
أمراء الشمال
: الذين سكنوا شرق البحر الأبيض في منطقة فينيقيا، أي لبنان الحالية.
الصيدونيين
: سكان صيدون، وهي مدينة ساحلية على البحر الأبيض في لبنان الحالية، وتميزت بالتجارة وصيد السمك، فهي من البلاد الغنية ولها قوة حربية.
سيقابل فرعون أيضًا في الجحيم رؤساء وملوك الشمال وصيدون، وقد سقطوا في الجحيم بين قتلى السيف في خزى لكثرة شرورهم. وقد شعروا أن جبروتهم على الأرض بلا قيمة، إذ يقابلهم خزى شديد في الأبدية، حيث العذاب الذي لا ينتهى.
يلاحظ أن فرعون لم يقابل في الجحيم سكان أورشليم، أي المؤمنين، بل قابل فقط الوثنيين الذين رفضوا الله بعبادتهم للأوثان وانغماسهم في سائر الشهوات.
ع٣١، ٣٢:
عندما يرى فرعون كل هؤلاء الشعوب الجبابرة والرؤساء والملوك في خزى ساقطين في الجحيم يتعزى، إذ ليس هو وحده في الخزى، ولكنها تعزية بلا قيمة، لأنه يظل في العذاب إلى الأبد.
كل هذه النبوة أعلنها حزقيال لتصل إلى فرعون؛ ليعرف نهايته ونهاية كل رؤساء العالم الأشرار، لعله يتوب ويؤمن بالله، ويرجع عن شروره.
اَلأَصْحَاحُ الثَّانِي وَالثَّلاَثُونَ
السلوك اللائق في المجالس والإرشاد
(١) الحفلات (ع١- ١٧)
(٢) الشريعة والمشورة (ع١٨- ٢٨)
اَلأَصْحَاحُ الثَّانِي وَالثَّلاَثُونَ
تدمير مصر والأمم القوية
(١) هلاك فرعون (ع١- ١٠)
(٢) هلاك المصريين (ع١١-١٦)
(٣) تدمير الأمم القوية ( ع١٧-٣٢)
(١) الحفلات (ع١- ١٧):
١ إِذَا جَعَلُوكَ رَئِيسًا فَلاَ تَتَكَبَّرْ، بَلْ كُنْ بَيْنَهُمْ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ. ٢ اهْتَمَّ بِهِمْ ثُمَّ اجْلِسْ، وَبَعْدَ قَضَائِكَ مَا عَلَيْكَ اتَّكِئْ، ٣ لِكَيْ تَفْرَحَ بِهِمْ، وَتَأْخُذَ الإِكْلِيلَ زِينَةً، وَتُكْرَمَ بِهَدَايَاهُمْ. ٤ تَكَلَّمَ، يَا شَيْخُ؛ فَإِنَّكَ أَهْلُ ذلِكَ. ٥ لكِنْ عَنْ دِقَّةِ عِلْمٍ، وَلاَ تَمْنَعِ الْغِنَاءَ. ٦ لاَ تُطْلِقْ كَلاَمَكَ عِنْدَ السَّمَاعِ، وَلاَ تَأْتِ بِالْحِكْمَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا. ٧ أَلْحَانُ الْمُغَنِّينَ فِي مَجْلِسِ الْخَمْرِ، كَفَصٍّ مِنْ يَاقُوتٍ فِي حَلْيٍ مِنْ ذَهَبٍ. ٨ أَنْغَامُ الْمُغَنِّينَ عَلَى خَمْرٍ لَذِيذَةٍ، كَفَصٍّ مِنْ زُمُرُّدٍ فِي مَصُوغٍ مِنْ ذَهَبٍ. ٩ اسْمَعْ وَأَنْتَ سَاكِتٌ، فَبِاحْتِشَامِكَ تَنَالُ الْحُظْوَةَ. ١٠ تَكَلَّمَ، يَا شَابُّ، لكِنْ نَادِرًا، مَتَى دَعَتْكَ الْحَاجَةُ. ١١ إِنْ سُئِلْتَ مَرَّتَيْنِ؛ فَجَاوِبْ بِالإِيجَازِ، ١٢ مُعَبِّرًا عَنِ الْكَثِيرِ بِالْقَلِيلِ، وَكُنْ كَمَنْ يَعْلَمُ وَيَصْمُتُ. ١٣ فِي جَمَاعَةِ الْعُظَمَاءِ لاَ تُسَاوِ نَفْسَكَ بِهِمْ، وَبَيْنَ الشُّيُوخِ لاَ تَكُنْ كَثِيرَ الْهَذَرِ. ١٤ قُدَّامَ الرَّعْدِ يَنْطَلِقُ الْبَرْقُ، وَقُدَّامَ الْمُحْتَشِمِ تَسْبِقُ الْحُظْوَةُ. ١٥ إِذَا آنَ الْوَقْتُ؛ فَقُمْ لاَ تَتَأَخَّرْ. أَسْرِعْ إِلَى بَيْتِكَ لاَ تَتَهَاوَنْ. هُنَاكَ تَنَزَّهْ، ١٦ وَاِصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ، وَلاَ تَخْطَأْ بِكَلاَمِ الْكِبْرِيَاءِ. ١٧ وَعَلَى هذِهِ كُلِّهَا بَارِكْ صَانِعَكَ الَّذِي يُسْكِرُكَ مِنْ طَيِّبَاتِهِ.
(١) هلاك فرعون (ع١- ١٠):
١ وَكَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ عَشَرَةَ، فِي الشَّهْرِ الثَّانِي عَشَرَ، فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ، أَنَّ كَلاَمَ الرَّبِّ صَارَ إِلَيَّ قَائِلاً: ٢ «يَا ابْنَ آدَمَ، ارْفَعْ مَرْثَاةً عَلَى فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ وَقُلْ لَهُ: أَشْبَهْتَ شِبْلَ الأُمَمِ وَأَنْتَ نَظِيرُ تِمْسَاحٍ فِي الْبِحَارِ. انْدَفَقْتَ بِأَنْهَارِكَ، وَكَدَّرْتَ الْمَاءَ بِرِجْلَيْكَ، وَعَكَّرْتَ أَنْهَارَهُمْ. ٣ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: إِنِّي أَبْسُطُ عَلَيْكَ شَبَكَتِي مَعَ جَمَاعَةِ شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ، وَهُمْ يُصْعِدُونَكَ فِي مِجْزَفَتِي. ٤ وَأَتْرُكُكَ عَلَى الأَرْضِ، وَأَطْرَحُكَ عَلَى وَجْهِ الْحَقْلِ، وَأُقِرُّ عَلَيْكَ كُلَّ طُيُورِ السَّمَاءِ، وَأُشْبعُ مِنْكَ وُحُوشَ الأَرْضِ كُلَّهَا. ٥ وَأُلْقِي لَحْمَكَ عَلَى الْجِبَالِ، وَأَمْلأُ الأَوْدِيَةَ مِنْ جِيَفِكَ. ٦ وَأُسْقِي أَرْضَ فَيَضَانِكَ مِنْ دَمِكَ إِلَى الْجِبَالِ، وَتَمْتَلِئُ مِنْكَ الآفَاقُ. ٧ وَعِنْدَ إِطْفَائِي إِيَّاكَ أَحْجُبُ السَّمَاوَاتِ، وَأُظْلِمُ نُجُومَهَا، وَأُغْشِي الشَّمْسَ بِسَحَابٍ، وَالْقَمَرُ لاَ يُضِيءُ ضَوْءَهُ. ٨ وَأُظْلِمُ فَوْقَكَ كُلَّ أَنْوَارِ السَّمَاءِ الْمُنِيرَةِ، وَأَجْعَلُ الظُّلْمَةَ عَلَى أَرْضِكَ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. ٩ وَأَغُمُّ قُلُوبَ شُعُوبٍ كَثِيرِينَ عِنْدَ إِتْيَانِي بِكَسْرِكَ بَيْنَ الأُمَمِ فِي أَرَاضٍ لَمْ تَعْرِفْهَا. ١٠ وَأُحَيِّرُ مِنْكَ شُعُوبًا كَثِيرِينَ، مُلُوكُهُمْ يَقْشَعِرُّونَ عَلَيْكَ اقْشِعْرَارًا عِنْدَمَا أَخْطِرُ بِسَيْفِي قُدَّامَ وُجُوهِهِمْ، فَيَرْجِفُونَ كُلَّ لَحْظَةٍ، كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى نَفْسِهِ فِي يَوْمِ سُقُوطِكَ.
ع١:
الحفلات في كل جيل يجتمع فيها الكثيرون، وتحتاج إلى قائد ورئيس، وهو غالبًا من كبار السن، أو ذوي المراكز. فإذا اتفق كبار المدعوين على اختيارك رئيسًا؛ فاعلم أن هذه وظيفة ومسئولية لتقوم بها في أمانة أمام الله، وليست فرصة للكبرياء، فتظن أنك أفضل المدعوين، فأنت مدعو مثل غيرك، ولكن مسئول عن قيادة الحفل، فتسلك كعضو عادي بين أعضاء الحفل، ولا تعطي لنفسك حقوقًا أكثر من غيرك، وليتك تطلب من الله معونة، فتدير الحفل باتزان، لتقدم راحة لباقي المدعوين وفرحًا.ع١:
ميعاد هذه النبوة كان بعد تدمير أورشليم بحوالي ثمانية أشهر (إر٣٩: ٢)، وبعد النبوة المذكورة في الأصحاح السابق بأكثر من سنة ونصف. ونلاحظ تكرار النبوات على مصر في أربع أصحاحات؛ لأن مصر تمثل الكبرياء والعناد، فليس المقصود مصر في حد ذاتها، ولكن خطية الكبرياء التي أسقطت الإنسان الأول، ومازالت تحارب كل البشر، ومسيحنا يطالبنا بوضوح أن نتعلم منه الاتضاع (مت١١: ٢٩).ع٢:
رئيس الاحتفال ينبغي أن يهتم بالمدعوين للحفل، ويطمئن إلى إدارة الحفل بشكل جيد بالتفاصيل اللازمة، وبعدما يقوم بواجبه؛ يستريح ويجلس بين المدعوين ليشرب، أو يأكل، أي يجد راحته بعد أن يريح الآخرين؛ هذه صفة أساسية في القائد، أي يخدم غيره، ثم يستريح ويستمتع بالحفل.ع٢:
اندفقت
: اندفعت بشدة، وهو يتكلم عن مياه النيل.كدرت
: عكرت، أي جعلت المياه غير نقية لاختلاطها بالطين وأصبحت بالتالى غير صالحة للشرب.في حزن يطلب الله من حزقيال أن يرفع مرثاة على فرعون مصر، وهذا يبين أبوة الله الذي يريد أن الجميع يخلصون ولا يسر بموت الخاطئ (١ تى٢: ٤). ويستهزئ الله بفرعون؛ لأنه ظن أنه شبل، أو أسد سيحمى الأمم المحيطة به، المتحالفة معه، ولكن في الحقيقة هو تمساح محبوس في مياه النيل، التي يشير إليها ببحاره، فهو عاجز عن إنقاذ غيره؛ لأنه ضعيف ومسجون داخل بلاده، فهو ليس أسدًا يحمى غيره، بل تمساحًا يأكل الأسماك، أي يفترس غيره لأنه أنانى. بل وأكثر من هذا أنه سبب مصائب لمصر، فهو يعكر مياهها، بمعنى أنه بدخوله في حروب وهزيمته فيها أهلك كثير من المصريين، وسبب مصائب للشعب، أي أن غرور فرعون هو وهم يحيا فيه لكبريائه، والحقيقية أنه لا يريد أن يعترف بضعفه، فيرجع إلى الله ويؤمن به، فيرحمه ويسنده.
واندفاع أنهاره، أي اندفاع فرعون في حروب غير مدروسة؛ لأنه متكبر، جعله يدخل في سلسلة هزائم، وبدلًا من أن تكون المياه مصدر بركة له ولمن حوله صارت سببًا لخسائر كثيرة؛ كل هذا بسبب الكبرياء.
ويعلن الله لفرعون أنه لم يعكر فقط أنهار مصر، أي لم يسبب مصائب لشعبه فقط، بل أيضًا عكر أنهارهم، أي أنهار الأمم المحيطة به، أو المتحالفة معه، فهو سبب متاعب للأمم الأخرى، فبدلًا من أن يتكلوا عليه، أبغضوه نتيجة ما سببه لهم من متاعب.
وفرعون هنا يرمز للشيطان في نهاية الأيام، الذي سيتحرك أثناء فترة الضيقة العظيمة ليزعج المؤمنين، ويحاول أن يساند الأشرار، ولكنه لن يفيد تابعيه، بل يقودهم للهلاك الأبدي؛ لأن سفر الرؤيا يذكر مصر مع سدوم رمزًا للكبرياء، وبالتالي استحقاقًا الهلاك (رؤ١١: ٨) فهو يتكلم عن الكبرياء الذي في فرعون والمصريين، والذي بسببه سيهلكون.
ع٣:
إذا قام القائد بواجبه في الاحتفال، فإنه ينال بركات كثيرة أهمها:١. "تفرح بهم"
يفرح بالمدعوين الذين خدمهم، ورتب لهم الاحتفال، فيكون سعيدًا بما عمله، وبمشاعرهم الطيبة.٢. "تاخذ الإكليل زينة":
كان من العادة في الحفلات قديمًا أن يشكر المدعوون قائد الاحتفال، بأن يهدونه إكليلًا من الزهور يضعه على صدره، كنوع من التقدير والشكر، وهذا بالطبع يفرح القائد، ويعطيه ثقة أكبر في نفسه.٣. "تُكرم بهداياهم":
هناك أيضًا تقدير برئيس الحفل؛ هذا التقدير مادي بأن يُقدم المدعوون له هدايا، تعبيرًا عن شكرهم، فيشكر الله، ويشكرهم على محبتهم.ع٣:
مجزفتى
: شبكتى.يقرر الله أنه سيأمر بإلقاء شبكته على فرعون، فالله هو المدبر والذي سمح بهجوم بابل على مصر، أي أن بابل أداة بيد الله شبهها بالشبكة. وأن هذه الشبكة، أي بابل ستهاجم، ليس فقط مصر، بل أممًا كثيرة. ولم يعد الولاء لمصر وفرعونها، فتقوم ضده الأمم المحيطة، ويساعدون بابل في إلقاء شبكتها على مصر، أي يصعدون فرعون في مجزفة، أو شبكة بابل.
فهكذا بدأت سلسلة تأديبات الله لفرعون ببسط شبكته عليه، وفى الأعداد التالية يذكر باقى التأديبات.
ع٤:
أهل :
مستحقإذا كان رئيس الحفل شيخًا، فيمكنه أن يتكلم كما يريد؛ لأنه أهلُُ لأن يتكلم، إذ له خبرة وحكمة لكبر سنه، فيستفيد منها المدعوون، وكل حفل يحتاج إلى رئيس، كما يظهر في الكتاب المقدس في عرس قانا الجليل (يو ٢: ٨)
ع٤:
أقر عليك
: اجعلها تستقر عليك.التأديب الثاني من الله لفرعون، هو أن يسمح له كتمساح أن يُترك على الأرض، أي يتركه على الأرض، وليس في الماء، ويظل مطروحًا على وجه الحقل، فيموت، لأن التمساح لا يستطيع أن يعيش كل حياته خارج المياه. وقد حدث هذا فعلًا عندما سمح الله بجفاف النيل حينما لم يأت الفيضان، وهذا بالطبع سبب مجاعة لمصر أدت لخسائر كثيرة.
أما التأديب الثالث فهو أن تهجم عليه طيور السماء لتأكل جثته، بل وتستقر عليه، أي تستمر في إهلاكه ونهبه. والطيور ترمز للأمم القوية مثل بابل، أما وحوش الأرض فترمز للبلاد المختلفة التي انتهزت ضعف مصر لتنهب منها ما تستطيع.
وهكذا يهلك فرعون التمساح الكبير، وكل الأسماك المتعلقة بحراشيفه، أي الأمم المتحالفة معه، وذلك لأنهم لم يتكلوا على الله، واتكلوا على البشر.
ع٥:
يراعي رئيس المتكأ الكبير السن أن يتكلم بحريته في الموضوعات التي يعرفها جيدًا؛ ليكون كلامه صحيحًا مفيدًا للسامعين، ولا يستغل مكانته كرئيس، أو كبر سنه، ليتكلم في أي موضوع لا يعرفه جيدًا؛ لئلا يظهر جهله، ويضايق السامعين.ومن ناحية أخرى، يحوي الاحتفال في الغالب فقرة فنية، مثل الغناء، فلا يمنعها مادامت تفرح الشباب، وإن كانت لا تناسبه لكبر سنه، مع مراعاة أن يكون الغناء بالوقار الكافي، بما يرضي الله.
ع٥:
جيفك
: جثتك المتعفنة ذات الرائحة الكريهة.أما التأديب الرابع فهو قتل الكثير من المصريين، وطرح جثثهم على الجبال وفى الأودية أيضًا، فتنبعث منهم رائحة نتنة تضايق الناس. فبعد أن كان فرعون مصدر مساندة للأمم بقوته هو وجنوده، أصبح مصدرًا لضيق الناس منه واحتقاره، وهذه هي نهاية المتكبر.
ع٦:
لا تطلق:
لا تبالغ، أو تطيلالسماع:
هو استماع الناس للمتكلم أو الاستمتاع بالحفل.يلزم أن يراعي رئيس الحفل الشيخ أن يتكلم كلمات قليلة، إذا كان المدعوون مستمتعين بالحفل؛ سواء بالغناء، أو التحدث معًا، أو أكل الطعام، فلا يطلق كلامه، أي يطيل الحديث؛ لأن المدعوين لا يميلون إلى الاستماع لكلام كثير.
ومهما كان كلامك يا رئيس الحفل حكيمًا لا تقله في غير أوانه، أي إذا كانوا - كما ذكرنا - مشغولين بالأكل، أو مستمتعين بالمنظر، أو الهواء، أو الغناء؛ فالأفضل أن تصمت، وتتركهم في تمتعهم.
ع٦:
يستكمل شرح هلاك المصريين وانتشار دمائهم على الأرض، فتسقيها بدلًا من مياه النيل، والدم يرمز لانتهاء حياة الإنسان، أي هلاكه، فينشرون الموت في كل مكان بدلًا من الماء الذي هو الحياة، وذلك أيضًا بسبب الكبرياء. وانتشار الموت يكون في الوديان، وأيضًا في الجبال والآفاق، أي الأماكن المرتفعة، التي ترمز إلى الأمم الضعيفة والقوية، فالكل يتضايق من فرعون والمصريين.يقول "فيضان دمك" إشارة إلى العقاب الشديد بهلاك الكثيرين، فكما أن فيضان الماء ينشر الخير بقوة، هكذا أيضًا عقاب الله للمتكبرين يكون بشدة.
† الكبرياء يخدعك، فتظن أنك أقوى من غيرك والكل يحترمونك، مع أن الحقيقة أن الكبرياء تكسب بها كراهية الناس، أما بالاتضاع فتكسب محبتهم. لا تنخدع بقوتك وإمكانياتك، وأنسب المجد لله، واتضع تحت أقدام الكل، فتحيا مطمئنًا، فيحبك ويمجدك الناس.
ع٧، ٨:
ياقوت وزمرد:
أحجار كريمةحلي
/مصوغ:
مسبوكات ذهبيةكانت العادة في الحفلات والولائم قديمًا، أن تقدم فقرات فنية تشمل الموسيقى والغناء، فيعطي هذا جوًا لطيفًا للسامعين، وكانت الخمر تُقدم مع هذه الموسيقى والأنغام لمن يريد أن يشرب؛ هذه جميعها تمتع المدعوين، مع مراعاة أن يكون شرب الخمر بمقدار قليل؛ حتى لا يتوه الإنسان عن وعيه قليلًا، أو يسكر. وتشبيه التمتع بالغناء والموسيقى والخمر بالأحجار الكريمة الموضوعة في مسبوكات ذهبية، يظهر أن هذه الحفلات تمتع المدعوين بجو لطيف.
أما في العهد الجديد، ففي عرس قانا الجليل دُعي المسيح، وأمه العذراء، وهذا ينبهنا أن ما يُعمل في حفلات الخطوبة والزواج لابد أن يكون مناسبًا للمسيح الحاضر في وسطنا، أو يكون راضيًا عنه.
ع٧، ٨:
يعلن الله أنه عند إهلاكه فرعون، أي إطفاء بهائه ومجده، تظلم السماء بكل نجومها، وكذا الشمس والقمر، فيتحول فرعون من مصدر بريق وإبهار للعالم إلى مصدر ظلمة وضيق.والكبرياء تفقد الإنسان كل نور إلهي في داخله، فتغطى على الأفكار السامية، أي السموات التي فيه، وكل قوة وإمكانية وهبها له الله لا تعمل فيه، والشمس، أي شمس البر وهو المسيح لا يكون له مكان في داخله، والقمر، أي الكنيسة التي تأخذ نورها من الشمس، أي المسيح، لا تعمل في داخله، وفى النهاية يصبح مصدر عثرة وظلمة لكل من حوله لأنه رفض الله بكبريائه.
ونلاحظ أن ظلمة الشمس والقمر والنجوم يتكلم عنها الله في نهاية الأيام كدليل على انتشار شر الإنسان، ففقد نور الله، وتعرض للعقاب الأبدي، أي تظل الكبرياء تحارب الإنسان، وإذا سيطرت عليه تهلكه في النهاية.
ع٩:
الحظوة:
المكانة والاحترامتخاطب هذه الآية الشيخ رئيس الاحتفال، وتقول له: اسمع الغناء وأنت ساكت؛ فإن الغناء لن يعجبك، ولكن اسمعه بهدوء، وباحتشام، أي لا تتمايل مع الموسيقى، ولكن إرضاءً للشباب المدعوين، شاركهم باستماعك هذا في سكوت ما دامت الأغاني لائقة، وبهذا تكون لك المكانة، والاحترام بين المدعوين؛ سواء من الشيوخ، أو من الشباب، ويحبك الكل، وفي نفس الوقت أنت ترضي الله بهدوئك ووقارك.
ع٩، ١٠:
أغم
: اجعله في غمه، أي في حزن شديد.أخطر بسيفى
: ألوح بسيفى.عندما ترى الأمم هلاك فرعون وجيشه يحزنون جدًا ويخافون لسقوط عظيمهم، خاصة عندما يموت ميتة حقيرة في بلاد غريبة. وقد حدث هذا فعلًا بموت خفرع فرعون مصر، عندما ذهب إلى ليبيا، وفشل في إعادة ملكها إلى عرشه، وطارده الليبيون، ورفض المصريون رجوعه فمات في البرية، هو وجنوده، في بلاد غريبة وليس في أرضه مصر. ويكون ملوك الأرض في خوف عندما يرون سيف بابل يهاجم مصر، بل في رعبهم يقشعرون، إذ يتوقعون هلاكهم في أي لحظة.
يرمز السيف هنا أيضًا إلى الضربات في نهاية الأيام كعقاب إلهى؛ لتدعو الناس إلى التوبة. والله يريد من هذه العقوبات أن يؤمن البشر به، ويتركوا أوثانهم الضعيفة، ويتوبوا عن خطاياهم.
ع١٠:
تخاطب هذه الآية الشاب الذي اختاروه رئيسًا للحفل، أي إن كان شابًا عليه أن يدير، ويرتب الاحتفال لراحة المدعوين، ولا يتكلم بتعاليم كثيرة؛ لأن المدعوين فيهم الكثير من الشيوخ، فلا يليق أن يعلمهم، ويتكلم فقط إن كان من الضروري لتنظيم الحفل، مثل أن يعلن بعض الترتيبات، أي يكون هو أيضًا مثل الشيخ في هدوء ووقار.(٢) هلاك المصريين (ع١١-١٦):
١١ « لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: سَيْفُ مَلِكِ بَابِلَ يَأْتِي عَلَيْكَ. ١٢ بِسُيُوفِ الْجَبَابِرَةِ أُسْقِطُ جُمْهُورَكَ. كُلُّهُمْ عُتَاةُ الأُمَمِ، فَيَسْلُبُونَ كِبْرِيَاءَ مِصْرَ، وَيَهْلِكُ كُلُّ جُمْهُورِهَا. ١٣ وَأُبِيدُ جَمِيعَ بَهَائِمِهَا عَنِ الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ، فَلاَ تُكَدِّرُهَا مِنْ بَعْدُ رِجْلُ إِنْسَانٍ، وَلاَ تُعَكِّرُهَا أَظْلاَفُ بَهِيمَةٍ. ١٤ حِينَئِذٍ أُنْضِبُ مِيَاهَهُمْ وَأُجْرِي أَنْهَارَهُمْ كَالزَّيْتِ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. ١٥ حِينَ أَجْعَلُ أَرْضَ مِصْرَ خَرَابًا، وَتَخْلُو الأَرْضُ مِنْ مِلْئِهَا. عِنْدَ ضَرْبِي جَمِيعَ سُكَّانِهَا يَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ. ١٦ هذِهِ مَرْثَاةٌ يَرْثُونَ بِهَا. بَنَاتُ الأُمَمِ تَرْثُو بِهَا. عَلَى مِصْرَ وَعَلَى كُلِّ جُمْهُورِهَا تَرْثُو بِهَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ».
ع١١، ١٢:
إن كان رئيس الحفل من الشباب، عليه ألا يسرع في الرد على أي سؤال، ولكن إن ألحوا عليه وسألوه مرتين، يجيب عليهم باختصار، أي بكلمات قليلة، فيحاول أن يعبر عما في داخله، أو عن الإجابة السليمة بكلمات قليلة، فيظهر أمام الناس أنه يعلم كل شيء، ولكنه يميل إلى الصمت، كل هذا احترامًا منه للشيوخ الحاضرين في الحفل.ع١١:
يعلن الله بوضوح أن هلاك فرعون والمصريين يكون بيد بابل، التي تهزم العالم وتسيطر عليه.ع١٣:
الهذر:
المقصود "الهذار" أي المزاح.أيها الشاب؛ رئيس الحفل، إن كان في الحفل أناسًا عظماء، فلا تساوٍ نفسك بهم،وتتكلم معهم كأنك واحد منهم، اعتمادًا على أنك الرئيس، فهذا يضايقهم. لا تنسى أنهم عظماء، ويحتاجون إلى احترام خاص.
وإن كان في الحفل شيوخًا، فلا تضحك معهم، وتمزح كأنهم مجموعة شباب معك، بل احترم شيخوختهم.
والخلاصة، كن وقورًا، قليل الكلام، محترمًا لكل حاضري الحفل، فيحترمونك.
ع١٢: عتاة
: أقوياء جدًا.يصف جنود بابل بأنهم جبابرة، فيهلكون المصريين، وبهذا تذل مصر وتفقد كبرياءها وكرامتها، ولعل هذا يقودها إلى الاتضاع والإيمان بالله.
ع١٤:
كما أن الرعد يسبقه ظهور البرق، كذلك أيضًا الرئيس الشاب المحتشم، ليس فقط في مظهره بل في كلامه، وتصرفاته، واحترامه للآخرين؛ هذا الرجل تسبقه الحظوة، أي التوقير، والاحترام من قبل الآخرين، أي يجد نعمة في أعينهم.ع١٣: أظلاف
: أقدام، أو حوافر الحيوانات.يمتد الإهلاك البابلي ليس للمصريين فقط، بل أيضًا لممتلكاتهم من الماشية، فلا يوجد حيوان يشرب من ماء النيل، أو يعكر الماء عندما يدخل إليه بحوافره، أي أن الهلاك سيكون شاملًا. وهلاك الإنسان والحيوان يرمز إلى هلاك النفس والجسد في الإنسان، فالكبرياء تسلب الإنسان عقله وتسئ إلى جسده، أي تخرب كل ما فيه، فتفسد أفكاره، وتسقطه في خطايا كثيرة مثل الزنى.
ع١٥، ١٦:
إذا آن الوقت:
حان الوقت.إذا انتهى وقت الحفل، فلا تتأخر أيها الرئيس؛ حتى لو كان المكان جميلًا، وترغب في الجلوس به فترة أخرى، أو تريد أن تستريح بعد الجهد الذي بذلته لتنظيم الحفل، بل أشرف على انصراف المدعوين، وارجع إلى بيتك حتى يستريح صاحب الحفل، وفي بيتك تستطيع أن تتنزه، أي تفرح، وتعمل ما تريد لراحتك، وتمتعك، ولكن ليس على حساب صاحب الحفل ووقته، أي كن متعففًا،مراعيًا لظروف صاحب الحفل، ولا تستغل وضعك كرئيس؛ لتتمتع بالطعام والشراب، وجمال المكان، مادام الوقت قد حان للانصراف.
ع١٤: أنضب
: أنشف، أو أجفف.من الضربات التي يضرب بها الله مصر ألا يسمح بالفيضان، فتجف الأنهار في مصر، ويجرى الماء فيها بصعوبة كما يجرى الزيت، أي تكون المياه قليلة وضعيفة، وليست في اندفاع مياه الفيضان التي تجعل الخير يعم على مصر، وهذا يرمز إلى ضعف عمل نعمة الله للإنسان؛ لأجل كبريائه.
ع١٧:
يسكرك:
يشبعك بوفرة.طيباته:
خيراته.وفي الختام أيها الرئيس، بعد عودتك لبيتك؛ اشكر الله الذي أعطاك هذه المكانة أن تكون رئيسًا لحفل عظيم مثل هذا، وأعانك، وأرشدك لتقوده بطريقة ناجحة، وأعطاك خيرات كثيرة؛ تأمل فيها لتشعر بمحبة الله، ورعايته، فيفرح قلبك.
† إذا كنت قائدًا في بيتك، أو في أي مكان، فاطلب معونة الله، وإرشاده، واعمل لخير، وراحة من معك، فيباركك الله، وينجحك، ويفرح بك من حولك.
ع١٥:
عندما يضرب الله مصر بيد بابل يموت الكثيرون، وتصير أرض مصر مهجورة. وحينئذ يعرف الباقون، الأحياء من المصريين صدق كلام الله على فم حزقيال، لعلهم يرجعون إليه ويؤمنون.† عندما تمر بك ضيقات وخسائر لا تنزعج، لأنها رسالة من الله؛ لتعتمد عليه، ولا تتكل على الماديات. وثق أن الله لا يرفض المتضعين الملتجئين إليه، بل على العكس يسندهم ويرفعهم، مهما كان ضعفهم.
(٢) الشريعة والمشورة (ع١٨- ٢٨):
١٨ مَنِ اتَّقَى الرَّبَّ يَقْبَلُ تَأْدِيبَهُ، وَالْمُبْتَكِرُونَ إِلَيْهِ يَجِدُونَ مَرْضَاتَهُ. ١٩ مَنِ ابْتَغَى الشَّرِيعَةَ يَمْتَلِئُ مِنْهَا، وَالْمُرَائِي يَعْثُرُ فِيهَا. ٢٠ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الرَّبَّ يَجِدُونَ الْعَدْلَ، وَيُوقِدُونَ مِنَ الأَحْكَامِ مِصْبَاحًا لَهُمْ. ٢١ الإِنْسَانُ الْخَاطِئُ يُجَانِبُ التَّوْبِيخَ، وَيَجِدُ حُجَجًا تُوَافِقُ مُبْتَغَاهُ. ٢٢ صَاحِبُ الْمَشُورَةِ لاَ يُهْمِلُ التَّأَمُّلَ، أَمَّا الْمُتَكَبِّرُ مِمَّنْ لَيْسَ كَذلِكَ؛ فَلاَ يَأْخُذُهُ الْخَوْفُ، ٢٣ وَلاَ بَعْدَمَا عَمِلَ بِهَوَاهُ عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ. ٢٤ لاَ تعْمَلْ شَيْئًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ؛ فَلاَ تَنْدَمَ عَلَى عَمَلِكَ. ٢٥ لاَ تَسِرْ فِي طَرِيقِ الْهَلَكَةِ؛ فَلاَ تَعْثُرَ بِالْحِجَارَةِ. لاَ تَرْمِ نَفْسَكَ فِي طَرِيقٍ لَمْ تَخْتَبِرْهُ؛ فَلاَ تَجْعَلَ لِنَفْسِكَ مَعْثَرَةً. ٢٦ اِحْتَرِزْ حَتَّى مِنْ بَنِيكَ، وَتَحَفَّظْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ. ٢٧ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِكَ اقْتَدِ بِضَمِيرِكَ؛ فَإِنَّ ذلِكَ هُوَ حِفْظُ الْوَصَايَا. ٢٨ الَّذِي يَقْتَدِي بِالشَّرِيعَةِ، يَرْعَى الْوَصَايَا، وَالَّذِي يَتَّكِلُ عَلَى الرَّبِّ لاَ يَخْسَرُ.
ع١٦:
الله ينظر في أبوته بحزن على هلاك مصر، فيجعل الأمم حزينة على مصر، حتى ترجع قلوبهم إلى الله.ع١٨:
الذي يتقي الله، أي يخافه، هو إنسان يعمل حسابًا لله،ويشعر بوجوده، ويحبه، ويثق فيه، لذا إن سمح الله له بتأديب في شكل تجربة، أو أية ضيقة، فإنه يقبلها برضا وشكر؛ لأنها لفائدته، فهو يعيش مطمئنًا في سلام؛ حتى أثناء الضيقات التي يعاني منها؛ لأن كل شيء لمصلحته، والكتاب المقدس يؤكد هذا، فيقول نفس المعنى في (عب١٢: ٦): "وكل الأشياء أيضًا تعمل لخير أولاد الله" (رو ٨: ٢٨).والذي يخافون الله يسرعون إليه مبكرين؛ ليلتقوا به قبل أي أحد آخر؛ هؤلاء فقط هم الذين يجدون الله، ويتمتعون به، ويكشف لهم أسراره، ويباركهم ببركات خاصة: "الذين يبكرون إلىَّ يجدونني" (أم ٨: ١٧). والتبكير لله ليس فقط أن نعطي لله بداية اليوم، ولكن أيضًا نعطيه أحسن أوقاتنا طوال السنة، وأحسن أيام عمرنا وهي الشباب، كما يؤكد الكتاب المقدس هذا المعنى "اذكر خالقك أيام شبابك" (جا ١٢: ١).
(٣) تدمير الأمم القوية ( ع١٧-٣٢):
١٧ وَكَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ عَشَرَةَ، فِي الْخَامِسِ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ، أَنَّ كَلاَمَ الرَّبِّ كَانَ إِلَيَّ قَائِلاً: ١٨ «يَا ابْنَ آدَمَ، وَلْوِلْ عَلَى جُمْهُورِ مِصْرَ، وَأَحْدِرْهُ هُوَ وَبَنَاتِ الأُمَمِ الْعَظِيمَةِ إِلَى الأَرْضِ السُّفْلَى مَعَ الْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ. ١٩ مِمَّنْ نَعِمْتَ أَكْثَرَ؟ انْزِلْ وَاضْطَجعْ مَعَ الْغُلْفِ. ٢٠ يَسْقُطُونَ فِي وَسْطِ الْقَتْلَى بِالسَّيْفِ. قَدْ أُسْلِمَ السَّيْفُ. اُمْسُكُوُهَا مَعَ كُلِّ جُمْهُورِهَا. ٢١ يُكَلِّمُهُ أَقْوِيَاءُ الْجَبَابِرَةِ مِنْ وَسْطِ الْهَاوِيَةِ مَعَ أَعْوَانِهِ. قَدْ نَزَلُوا، اضْطَجَعُوا غُلْفًا قَتْلَى بِالسَّيْفِ. ٢٢ هُنَاكَ أَشُّورُ وَكُلُّ جَمَاعَتِهَا. قُبُورُهُ مِنْ حَوْلِهِ. كُلُّهُمْ قَتْلَى سَاقِطُونَ بِالسَّيْفِ. ٢٣ اَلَّذِينَ جُعِلَتْ قُبُورُهُمْ فِي أَسَافِلِ الْجُبِّ، وَجَمَاعَتُهَا حَوْلَ قَبْرِهَا، كُلُّهُمْ قَتْلَى سَاقِطُونَ بِالسَّيْفِ، الَّذِينَ جَعَلُوا رُعْبًا فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ. ٢٤ هُنَاكَ عِيلاَمُ وَكُلُّ جُمْهُورِهَا حَوْلَ قَبْرِهَا، كُلُّهُمْ قَتْلَى سَاقِطُونَ بِالسَّيْفِ، الَّذِينَ هَبَطُوا غُلْفًا إِلَى الأَرْضِ السُّفْلَى، الَّذِينَ جَعَلُوا رُعْبَهُمْ فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ. فَحَمَلُوا خِزْيَهُمْ مَعَ الْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ. ٢٥ قَدْ جَعَلُوا لَهَا مَضْجَعًا بَيْنَ الْقَتْلَى، مَعَ كُلِّ جُمْهُورِهَا. حَوْلَهُ قُبُورُهُمْ كُلُّهُمْ غُلْفٌ قَتْلَى بِالسَّيْفِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ جُعِلَ رُعْبُهُمْ فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ. قَدْ حَمَلُوا خِزْيَهُمْ مَعَ الْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ. قَدْ جُعِلَ فِي وَسْطِ الْقَتْلَى. ٢٦ هُنَاكَ مَاشِكُ وَتُوبَالُ وَكُلُّ جُمْهُورِهَا، حَوْلَهُ قُبُورُهَا. كُلُّهُمْ غُلْفٌ قَتْلَى بِالسَّيْفِ، مَعَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا رُعْبَهُمْ فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ. ٢٧ وَلاَ يَضْطَجِعُونَ مَعَ الْجَبَابِرَةِ السَّاقِطِينَ مِنَ الْغُلْفِ النَّازِلِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ بِأَدَوَاتِ حَرْبِهِمْ، وَقَدْ وُضِعَتْ سُيُوفُهُمْ تَحْتَ رُؤُوسِهِمْ، فَتَكُونُ آثَامُهُمْ عَلَى عِظَامِهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ رُعْبُ الْجَبَابِرَةِ فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ. ٢٨ أَمَّا أَنْتَ فَفِي وَسْطِ الْغُلْفِ تَنْكَسِرُ وَتَضْطَجعُ مَعَ الْقَتْلَى بِالسَّيْفِ. ٢٩ هُنَاكَ أَدُومُ وَمُلُوكُهَا وَكُلُّ رُؤَسَائِهَا الَّذِينَ مَعَ جَبَرُوتِهِمْ قَدْ أُلْقُوا مَعَ الْقَتْلَى بِالسَّيْفِ، فَيَضْطَجِعُونَ مَعَ الْغُلْفِ وَمَعَ الْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ. ٣٠ هُنَاكَ أُمَرَاءُ الشِّمَالِ كُلُّهُمْ وَجَمِيعُ الصَّيْدُونِيِّينَ الْهَابِطِينَ مَعَ الْقَتْلَى بِرُعْبِهِمْ، خَزُوا مِنْ جَبَرُوتِهِمْ وَاضْطَجَعُوا غُلْفًا مَعَ قَتْلَى السَّيْفِ، وَحَمَلُوا خِزْيَهُمْ مَعَ الْهَابِطِينَ إِلَى الْجُبِّ. ٣١ يَرَاهُمْ فِرْعَوْنُ وَيَتَعَزَّى عَنْ كُلِّ جُمْهُورِهِ. قَتْلَى بِالسَّيْفِ فِرْعَوْنُ وَكُلُّ جُمْهُورِهِ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. ٣٢ لأَنِّي جَعَلْتُ رُعْبَهُ فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ، فَيُضْجَعُ بَيْنَ الْغُلْفِ مَعَ قَتْلَى السَّيْفِ، فِرْعَوْنُ وَكُلُّ جُمْهُورِهِ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ».
ع١٩:
من يطلب أن يعرف الشريعة، ويسعى لمعرفتها، وتطبيقها في حياته؛ هذا هو من يريدها ويبتغيها؛ فالله ينعم عليه ببركاتها، وإذ يتأمل فيها يشبع منها، فتصير في قلبه، وعلى لسانه؛ لأن الشريعة هي كلمة الله، فمن يسكن الله في قلبه يباركه، ويتمتع بعشرته.وعلى العكس، فالإنسان المرائي، الذي يظهر غير ما يبطن؛ هذا يحفظ الشريعة في ذهنه، ويتكلم عنها بلسانه، لكنه لا يريد أن يحيا بها، فهذا يعثر فيها، أي لا يستطيع تطبيقها، ويصنع عكسها، فينكشف أمام الناس أنه مرائي، وضميره يؤنبه، ولكنه يهمل صوت ضميره. هكذا كان يعيش عدد كبير من اليهود في زمان بن سيراخ، وحتى في أيام المسيح، الذي وبخ الكتبة والفريسيين على ريائهم (مت ٢٣: ١٣).
٠
ع١٧:
يحدد هنا ميعاد نبوة ثانية أعطاها الله لحزقيال، وهي بعد خمسة عشر يومًا من النبوة الأولى المذكورة في هذا الأصحاح، والتي تكلمت عن هلاك فرعون والمصريين. أما في هذه النبوة فيتكلم عن هلاك الأمم القوية في العالم آنذاك، فليس المقصود إهلاك مصر، بل كبريائها وكبرياء الأمم المتكبرة في العالم.ع٢٠:
الذي يتقي الرب يجده، ويصل إليه،ويكتشف أهمية الشريعة، فينال بعد هذا معرفة العدل، أي ينال القدرة على التمييز والحكمة؛ وهو ماتعلنه هذه الآية.وتصبح أحكام الله، ووصاياه، وشرائعه مصباحًا لمن يخاف الله، ومرشدًا له في طريق حياته، فيفهم مقاصد الله، وتدابيره،ويتمثل به في سلوكه، فيكون صورة حقيقية لله،ومثالًا له، أي يكون إنسانًا ناجحًا روحيًا.
ع١٨:
أحدره
: أنزله إلى أسفل.الجب
: حفرة عميقة وترمز إلى الجحيم.يطلب الله من حزقيال أن يبكى ويصرخ في حزن على هلاك المصريين وشعوب العالم المختلفة التي ستهلك بيد بابل. وعندما يموتون ينزلون إلى الأرض السفلى والجب، أي الجحيم مكان انتظار الأشرار.
ع٢١: يجانب:
يتباعدمبتغاه:
ما يريده، أو يرغبههذه الآية عكس الآية السابقة، فهي تحدثنا عن الإنسان الخاطئ والذي لا يريد أن يسمع كلام الشريعة، وإذا وبخت سلوكه الخاطئ، يتضايق، ويتباعد عن سماعها؛ لأنه لا يريد أن يصلح نفسه.
وهو أيضًا يقاوم شريعة الله، فيلتمس الأعذار لنفسه في خطاياه، ويأتي بأدلة وحجج منطقية تؤيد سلوكه الخاطئ، وما أسهل أن يقنع الشيطان هذا الخاطئ بكلام منطقي شرير، فيتمادى في شره، وهذا يحوي كبرياء في داخل الخاطئ؛ لأنه لو كان متضعًا، لخضع لشريعة الله، وتاب وبدأ حياة جديدة مع الله.
ع١٩، ٢٠:
نعمت
: تنعمت وترفهت.الغلف
: غير المختونين.يستهزئ الله بفرعون ويسأله لماذا تكبرت وشعرت أنك متنعم وأعلى ممن حولك؟ فإنك ستهلك وتلقى جثتك على الأرض، وهذا الأمر يعتبر عارًا عند المصريين، أن لا تدفن جثة إنسان، وتسقط بالسيف، وتلقى على الأرض. ثم أن سقوط جثة فرعون ستكون بين الجنود الغلف، والأغلف محتقر أيضًا عند المصريين. والمقصود "بأسلم السيف" أي أن الله سمح لبابل أن تقتل المصريين بسيف تأديب الله. وعندما يقول "إمسكوها" يقصد مصر وكل جمهورها، أي شعبها. وبهذا ستقتل بابل جمهور المصريين، وليس فقط فرعون وبعض جنوده، أي أن الهلاك سيكون شاملًا للمصريين، وتقتل أعداد ضخمة منه.
ع٢٢، ٢٣: ممن ليس كذلك:
ليس من أصحاب المشورةصاحب المشورة هو من يحب شريعة الله، وإرشاد الشيوخ المختبرين، مثل آباء الاعتراف؛ هذا يحب التأمل في شريعة الله؛ ليفهمها، ويعرف أعماقها كل يوم أكثر من ذي قبل؛ حتى يحيا بها.
أما المتكبر، فلأجل كبريائه يرفض شريعة الله، فهو لا يحب مشورة وإرشاد الله، وايضًا لا يخاف الله، وإن أخطأ يظل رافضًا مخافة الله؛ ليستمر في خطئه، وتلذذه بشهوات العالم الشريرة، فهو ينغمس في الخطية بإرادته،ومزاجه،فيهلك نفسه بنفسه.
ع٢١:
الهاوية
: الجحيم.عندما يسقط فرعون إلى الجحيم سيلتقى بالرؤساء والقادة والعظماء من الأمم الذين هلكوا وسقطوا في الجحيم؛ لأجل شرورهم ورفضهم عبادة الله. فعندما يرونه نازلًا إلى الجحيم يصرخون استهزاءً به؛ لأنه رغم كبريائه قد سقط بينهم، وإن كان قد احتقر الغلف، فقد صار محتقرًا مثلهم، وسقط بينهم، هو وأعوانه من الأمم.
ع٢٤:
من الآيات السابقة يُفهم أهمية المشورة، أي سماع الإرشادات من العارفين بالشريعة، فمن يحب المشورة يحب كلام الله ليحيا به، فيضمن طريقًا سليمًا نحو الملكوت، ولا يتعرض للانحراف في طرق العالم، ويندم بعد هذا على السير فيها.ع٢٢، ٢٣:
أشور
: الإمبراطورية التي عاصمتها نينوى على نهر دجلة في شمال العراق، والتي سيطرت على العالم.سيلتقى فرعون عند سقوطه إلى الجحيم بالجبابرة من الأشوريين الذين سيطروا على العالم بعد مصر، وها هم الآن يقتلون بيد بابل، وينزلون بسبب شرورهم إلى الجحيم، هناك تكون قبورهم، أي مستقرهم، فيعذبون إلى الأبد.
ع٢٥:
لا تسر في طريق الأشرار الذي يؤدي إلى الهلاك، فهؤلاء الأشرار هم الهلكة، الذين حكموا على أنفسهم بالهلاك؛ لأنهم رفضوا المشورة الصالحة،وبهذا لا تعثر رجلك بالحجارة، التي ترمز للخطايا.وبسيرك في طريق المشورة الصالحة، وكلام الله، لن تندفع في طريق غريب لم تعرفه، هو طريق الشر،وبالتالي لن تتعرض للسقوط في العثرات، وهي الخطايا المتنوعة. تمسك بشريعة الله وإرشاد الآباء فتحيا مطمئنًا، ناجحًا.
ع٢٤، ٢٥:
عيلام
: مملكة عظيمة تقع شرق بابل، أي العراق، وكانت عاصمتها تسمى شوشن، وكان لها قوة كبيرة منذ ٢٠٠٠ عامًا قبل الميلاد.عند نزول فرعون الهابط إلى الجحيم استقبله أيضًا أقوياء عيلام، الذين قتلتهم بابل، فسقطوا لأجل شرورهم إلى العذاب الأبدي وكانواغلفًا. فسقط بينهم فرعون في مهانة. وهكذا فإن الذين ازعجوا سكان الأرض بقوتهم أصبحوا مستقرين في الجحيم بخزى شديد.
ع٢٦:
الإنسان الحكيم الذي يتمسك بشريعة الله، ويسير بمشورة المرشدين، يحترس من السقوط في الخطية، فلا ينساق وراء أي إنسان، بل يفحص كلامه وسلوكه، فإن كان مناسبًا لشريعة الله يسير معه ويفحص حتى أقرب الناس إليه، وهم بنيه، فقد يندفع الشباب مع أصدقائهم في طرق غير سليمة، ويظنون أنها الطريق الصحيح، وأن آباءهم؛ لأنهم كبار وأجيال قديمة، لا يفهمونهم؛ من هؤلاء ينبغي الحذر؛ لئلا يكونوا بجهل قد تأثروا بأفكار غريبة.ويحتاج الحكيم أن يحترس حتى من أهل بيته، مثل امرأته، أو والديه؛ لأنه قد تجره زوجته إلى الشر دون أن تدري، كما أسقطت حواء آدم معها بمشورتها الشريرة، وقد يعطل الأب ابنه، كما حدث مع إبراهيم أب الآباء، فعطله تارح أبوه بالسكن في حاران عن أن ينفذ كلام الله بالخروج إلى برية كنعان (تك ١١: ٣١).
والخلاصة، يلزم من يسير بشريعة الله أن يفحص كل أحد، ليطيع الله قبل أي إنسان مهما كان قريبًا منه، كما يوصينا الكتاب المقدس قائلًا: "ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس" (أع٥: ٢٩).
ع٢٦:
ماشك وتوبال
: أمتان قويتان من نسل يافث، سكنتا شرق تركيا، وكان رجالها رجال حرب معروفين في العالم، وهم أصل الدولة الروسية الحديثة.من الجبابرة الذين في الجحيم الذين يستقبلون فرعون الساقط هو وجنوده إليهم رجال ماشك وتوبال. وهؤلاء كانوا أقوياء لدرجة أنهم أرعبوا سكان الأرض، ولكنهم سقطوا بيد بابل، ونزلوا إلى لاعذاب الأبدي.
ونلاحظ أن كل هؤلاء الذين سقطوا كانوا مرعبين، ولكن نهايتهم كانت في العذاب. فليس معنى القوة في العالم والسلطان أن الإنسان مقبول من الله، بل قد تكون سيطرته وإزعاجه لغيره سببًا في عذابه الأبدي.
† لا تستخدم قوتك لإزعاج غيرك، فالله يراقب كل أعمالك، وسيجازيك عليها. فكن شفوقًا على الآخرين، واستخدم قوتك التي وهبها الله لك لمساعدة من حولك، فتجد راحة في السماء.
ع٢٧:
الضمير هو صوت الله للإنسان، فيلزم طاعته، عندما يتمشى مع شريعة الله، ويتفق معها؛ هذا هو حفظ وصايا الله؛ السلوك بالضمير الصالح.وفي العهد الجديد أعطانا الله الروح القدس؛ ليسكن فينا، ليصحح الضمير إذا انحرف، ويحفظه في طريق الله، فنخضع للروح القدس والضمير الخاضع له.
ع٢٧، ٢٨:
عندما ينزل فرعون وجنوده إلى الجحيم لا يكونوا مع الجبابرة في الحرب من ماشك وتوبال، الذين كانوا يدفنون ويضعون سيوفهم وأسلحتهم تحت رؤوسهم دليلًا على قوتهم، بل يضطجع فرعون في مكان أحقر في الجحيم. وهؤلاء الجبابرة من الغلف، أي ليسوا من اليهود المؤمنين، مع أنهم كانوا مرعبين على الأرض، لكن أمام الله مرفوضون، فتأتى شرورهم على رؤوسهم وينزلون إلى الجحيم. وفرعون يكون مع المقتولين بالسيف، أي الأكثر حقارة في الجحيم، والمقصود أنه يُذل ليس فقط على الأرض، بل أيضًا إلى الأبد، لأجل كثرة شروره وكبريائه.ع٢٨:
خلاصة الآيات السابقة، أن من يتمسك بشريعة الله ويخضع لها، ويقتدي بها في سلوكه، هو إنسان يحفظ وصايا الله، أي يحولها من كلمات معروفة بالذهن إلى حياة معاشة.والذي يحفظ وصايا الله، ويتكل عليه، يحفظه الرب من كل شر، ويسير في طريق الملكوت، ولا يخزى أمام حروب إبليس، بل ينجح ويفرح.
† اهتم يا أخي أن تسمع صوت الله كل يوم في الكتاب المقدس. أطلب من الله أن يرسل لك آية لتحيا بها، فهو يسمعك،وسيشير لك إلى آية تعجبك، فتأمل فيها،ونفذها فتتمتع بعشرة الله.
ع٢٩:
أدوم
: نسل عيسو وسكنوا في سلسلة جبال سعير الممتدة جنوب بلاد اليهود من جنوب البحر الميت إلى صحراء سيناء، وتميزوا بالكبرياء والقوة العسكرية؛ لسكناهم على الجبال التي كانت حصنًا لهم.سيقابل فرعون أيضًا في الجحيم ملوك ورؤساء أدوم المتكبرين الأقوياء، ولكنهم أشرار وغلف، فيضطجعون في الجحيم.
ع٣٠:
أمراء الشمال
: الذين سكنوا شرق البحر الأبيض في منطقة فينيقيا، أي لبنان الحالية.الصيدونيين
: سكان صيدون، وهي مدينة ساحلية على البحر الأبيض في لبنان الحالية، وتميزت بالتجارة وصيد السمك، فهي من البلاد الغنية ولها قوة حربية.سيقابل فرعون أيضًا في الجحيم رؤساء وملوك الشمال وصيدون، وقد سقطوا في الجحيم بين قتلى السيف في خزى لكثرة شرورهم. وقد شعروا أن جبروتهم على الأرض بلا قيمة، إذ يقابلهم خزى شديد في الأبدية، حيث العذاب الذي لا ينتهى.
يلاحظ أن فرعون لم يقابل في الجحيم سكان أورشليم، أي المؤمنين، بل قابل فقط الوثنيين الذين رفضوا الله بعبادتهم للأوثان وانغماسهم في سائر الشهوات.
ع٣١، ٣٢:
عندما يرى فرعون كل هؤلاء الشعوب الجبابرة والرؤساء والملوك في خزى ساقطين في الجحيم يتعزى، إذ ليس هو وحده في الخزى، ولكنها تعزية بلا قيمة، لأنه يظل في العذاب إلى الأبد.كل هذه النبوة أعلنها حزقيال لتصل إلى فرعون؛ ليعرف نهايته ونهاية كل رؤساء العالم الأشرار، لعله يتوب ويؤمن بالله، ويرجع عن شروره.