يلاحظ عدم وجود آيتين في هذا الأصحاح هما (ع١٦، ١٧)، وهما ليستا آيتان مفقودتين، حيث يوجد في نص الترجمة السبعينية أكثر من آية تشمل آيتين في النص الذي معنا، وجميع الآيات في هذا الأصحاح موجودة في الترجمة السبعينية مع اختلاف الترقيم.
كما سنلاحظ اختلاف أرقام المزامير بين نص الأجبية ونص الكتاب المقدس، ولكن لا يوجد أي مزمور مفقود، إنما أحيانًا يوجد مزموران مضمومان في مزمور واحد.
(١) القروض ( ع١- ١٠)
(٢) الصدقة ( ع١١-١٨)
(٣) الكفالة ( ع١٩-٢٧)
(٤) القناعة ( ع٢٨-٣٥)
الأَصْحَاحُ التاسع وَالعِشْرُونَ
تأديب فرعون مصر
في هذا الاصحاح والأصحاحين التاليين، يتكلم حزقيال عن مصر العظيمة التي أدبها الله [خريطة رقم (١)].
إن الله يأمرنا أن نكون رحومين على المحيطين بنا، كما هو رحيم معنا، ومن أشكال الرحمة أن نقرض أقرباءنا، أي من حولنا. ويلاحظ أننا بهذا نساعدهم لسد احتياجاتهم بطريقة لا تجرح مشاعرهم، ويمكن أن يسددوا ما عليهم عندما تتحسن حالتهم المالية. ويراعى ألا تأخذ منهم فوائد ماداموا محتاجين؛ فهذا يعتبر ربا، والله حرمه عند إقراض المحتاجين (خر٢٢: ٢٥). وإن تعثر من أقرضته في تسديد ما عليه بسبب فقره، فلا تطالبه، واعتبر هذا نوع من المساعدة والعطاء. أما في حالة الغنى، إذا اقترض منك لمشاريعه التجارية، التي سيكسب منها، فيمكن أن تأخذ فوائد لنفسك، فأنت تشترك معه في العمل التجارى الذي يدر أرباحًا.
وليتك عندما تقرض المحتاج، تكون سخيًا في إقراضه، فلا تعطه أقل مما يطلب، بل أكثر؛ ليسد حاجته، واعلم أنك بهذا تحفظ وصايا الله في عمل الخير، فيكافئك الله.
ع١:
يحدد حزقيال ميعاد هذه النبوة، وهو اليوم الثاني عشر من الشهر العاشر في السنة العاشرة، وهو يقابل شهر كانون الثاني، الذي هو شهر يناير من عام ٥٨٧ ق.م. وفى هذا الوقت تحرك فرعون مصر بجيوشه لمساندة مملكة يهوذا، التي تحاصرها بابل؛ لأن شعب الله تحالف واعتمد على مصر، مخالفًا كلام الله على فم أنبيائه (اش٢٠: ٥) فكانت هذه النبوة على فرعون مصر المتكبر، معلنًا أنه سيتحطم هو وشعبه؛ ليظهر بوضوح أن الاتكال هو على الله فقط وليس على البشر مهما كانت قوتهم.
ع٢: أجله
: ميعاده.
تشرح لنا هذه الآية كيف أقرض الآخرين. ويقول هنا: "القريب"، كما في الآية السابقة، ويقصد به ليس فقط الأقارب الجسديين، بل كل إنسان، كما أوضح المسيح في مثل السامرى الصالح (لو١٠: ٣٧)، هذا هو فكر الله الذي أعلنه في الكتاب المقدس.
كيف أقرض؟ ... أقرض غيرى في وقت حاجته، فلا أهمله وقت حاجته؛ لأنه في غير وقت الحاجة لن يطلب، أي أشعر بالآخرين واحتياجاتهم؛ حتى لو لم يطلبوا منى. إن كنت كريمًا وتحفظ وصايا الله، إذهب إليه، واعرض عليه أن تقرضه، بل ليكن في قلبك أيضًا، كما ذكرنا في الآية السابقة، أنه لو لم يستطع أن يسدد، فسأسامحه ولن أطالبه.
في النصف الثاني من هذه الآية يخاطب من يقترض من غيره، فتوصيه الآية أن يقضى، أو يوفى ما عليه، أي يسدد الدين في الميعاد، الذي اتفق عليه مع من أقرضه، سواء كان الاتفاق تسديد المبلغ كله، أو على أقساط. بهذا تكون أمينًا مع الرجل الكريم الذي أقرضك، أي لا تكون مستغلًا لمن أقرضك، وتطمع في أخذ أمواله؛ حتى لو كنت أنت أفقر منه، ولكنك تستطيع أن تعيش بالمال القليل الذي معك، ولا تحسد، أو تغير من هذا الغنى، بل انظر إلى كرمه، وأشكره على حسن صنيعه معك.
ع٢:
هذه النبوة لا تقتصر على فرعون مصر، بل على مصر كلها؛ لأنها انقادت إلى خطية الكبرياء التي سقط فيها فرعون، فقد جعلوه إلهًا وعبدوه، وهم أنفسهم شعب مصر شعروا بكبرياء أنهم أفضل جميع الشعوب؛ لأن مصر هي أول إمبراطورية ظهرت في العالم، وكانت تضم فلسطين والشام وسوريا وكذا النوبة والسودان والحبشة.
وكان هذا الفرعون هو خفرع الذي ظل على العرش ٢٥ عامًا، وساد الرخاء على أيامه مما دفعه إلى الكبرياء، مرجعًا فضل القوة في كل هذا إلى نفسه وقوته.
ع٣: بغيتك
: قصدك وهدفك وما تتمناه.
إذا اقترضت من إنسان، فكن أمينًا في تسديد ما عليك في الوقت الذي أتفقت عليه، فتحقق أهدافًا كثيرة، أهمها:
١. يرى من أقرضك أمانتك، فيطمئن أن يقرضك مرة أخرى.
٢. تعطى فرصة لمحتاجين آخرين أن يقترضوا، إذ يكون للمقرض ما يعطيهم إياه.
٣. الله يفرح بأمانتك، فيعطيك نعمة في أعين الناس، فيقرضوك.
٤. الله يبارك فيما عندك لأمانتك، فلا تحتاج أن تقترض مرة أخرى.
ع٣: الرابض
: المستقر، أو المسترخى.
كثرت التماسيح في نهر النيل، ولأن مصر تعتمد على نهر النيل في زراعتها وحياتها، وإذ يعتبر التمساح من الحيوانات المفترسة التي تعيش في النيل؛ لذا شبه الله فرعون بالتمساح الكبير؛ لأن فرعون مصر اعتمد على النيل وكل خصوبة مصر ونسبها إلى نفسه، واعتبر نفسه مصدر كل رخاء، وأنه لا يستطيع أحد أن يقاومه، ولا الله نفسه، فشبهه بالتمساح المفترس، أي الذي لا يقاوم، الرابض في النيل، أي المعتمد على النيل. ويقول "أنهاره"، إذ للنيل فروع تخرج منه تروى أماكن كثيرة في مصر.
ويقول الله لفرعون مصر "ها أنذا عليك"، أي سأعاقبك وأهلكك؛ لأنك تكبرت ونسيت أنك مجرد إنسان، أما أنا فالله الذي فوق الكل.
ع٤: لقطة
: فرصة ثمينة لاقتناء أموال بسهولة.
عنوا
: أتعبوا.
أمدوهم
: أقرضوهم.
بعض المحتاجين يشعرون أن الاقتراض لقطة، ينبغى أن يستغلوها لتحقيق أغراضهم وسد احتياجاتهم، سواء الضرورية، أو الغير ضرورية، ولكن لا يسددون ما اقترضوه في ميعاده، ويتعبون من أقرضوهم، والله يتضايق منهم، وكذا من أقرضوهم؛ لأنهم غير أمناء ومستغلون.
: قطع جافة قوية تغطى جسم التمساح، متراصة لتغطى ظهره وتحميه.
يعلن الله أنه سيتحكم في فرعون مصر، ويجرده من قوته التي يرمز إليها بالنيل، ويلقيه في البرية ليموت. ولا تقتصر العقوبة على فرعون، الذي يُذل كعبد، بل أيضًا على كل التابعين له من قادة وضباط وكبار شعب مصر الذين يرمز إليهم بالسمك، فيلتصقون بهذا التمساح ليلقوا معه إلى البرية ويموتوا. وقد حدث هذا فعلًا، إذ علم خفرع بعزل ليبيا لملكهم، فذهب بجيش لنجدته، لكنه فشل في مهمته، أما شعب مصر فكان قد قاسى الكثير من عبودية خفرع، الذي سخرهم في بناء الأهرامات والأعمال المختلفة، فجمع جيشًا ومنع خفرع من الرجوع إلى مصر، فتبدد خفرع وكل جيشه في برية ليبيا ولم يعد إلى مصر، أي أنه مات ميتة شنيعة فألقيت جثته وجثث رجاله على وجه الحقول، فأكلتهم وحوش البرية وطيور السماء. والوحوش ترمز للشهوات، أما طيور السماء فترمز للكبرياء، فمن أجل شهوات قلبه وكبريائه مات ميتة حقيرة، وحرم من تحنيط جثته ودفنها في مدفنه الضخم، أي هرمه.
ع٥، ٦: يخشع بصوته
: يخفض صوته، فيبدو متضعًا ومحتاجًا؛ ليحنن قلب المقرض.
فإذا آن الرد
: إذا جاء ميعاد تسديد الدين.
ماطل
: أجَّل وتباطأ.
مضجر
: مزعج.
صرف الدهر
: مصائب الزمن.
المحتاج للاقتراض، قبل أن يأخذ ما يحتاجه يتضع أمام من يقترض منه، ويقبل يده، ويخفض صوته؛ حتى ينال المال الذي يحتاجه، كل هذا تظاهر ليعلن احتياجه الشديد، ويحنن قلب من سيعطيه.
ولكن عندما يأتي ميعاد تسديد الدين الذي أتفق عليه، يتغير شكله وأسلوبه، فيؤجل تسديد الدين، ويتذمر على ظروف الحياة، ويشتكى من الضيقات وصعوبة المعيشة؛ حتى لا يسدد المطلوب منه. إنه تحايل وتظاهر زائد بما ليس فيه، فيظهر أتضاعًا واحتياجًا شديدين، ثم عندما يأتي موعد تسديد الدين، يرتفع صوت التذمر والشكوى، فهذا كله عدم أمانة.
ع٦، ٧: قصب
: بوص.
قلقلت كل متونهم
: أضعفت الظهر، أي جعلت أقوى ما فيهم ضعيفًا.
بهذه النبوة تظهر مصر أنها ليست سندًا للشعوب المتحالفة معها، بل يشبهها بعكاز مصنوع من البوص، وهي ساق ضعيفة جدًا لا يمكن الاستناد عليها، فيظهر ضعف مصر أمام سكانها وعجزهم عن مساندة بيت إسرائيل، أي مملكة يهوذا التي تحاصرها بابل، لأن بابل ستنتصر على مصر انتصارًا عظيمًا، وتدمر وتحرق أورشليم ولا تستطيع مصر نجدتها.
فعندما اعتمدت مملكة يهوذا على مصر، انكسر هذا العكاز أي البوصة، وهي مصر بهزيمتها أمام بابل، أما مملكة يهوذا التي أمسكت بكفها هذه البوصة، فلم تجد شيئًا تستند عليه. ثم شبه تشبيهًا آخر لإظهار الضرر الكبير الذي حل بيهوذا عندما وضعت البوصة تحت إبطها، فتمزق كتفها، وضعفت قوتها.
† إن الكبرياء تحدى لله، فاشكر الله على عطاياه واتضع أمامه وأمام الآخرين، فتنال مساندة الله، ويرفعك ويعليك، وتحيا مطمئنًا بين يديه.
ع٧: لم يكد
: بصعوبة.
المقترض عندما يتوفر عنده المال ليسدد دينه، يشعر أنه من الخسارة عليه أن يسدد ما عليه، وبصعوبة نتيجة الضغط عليه من الذي أقرضه، يسدد نصف ما عليه، ويعتبر أن هذه لقطة للدائن كأن ليس من حق هذا الدائن أن يسترد أمواله، إنه منطق مقلوب، كل هذا يبين محبة المال التي في قلب المقترض، فهو لا يريد تسديد ما عليه.
المقترض إما أن يسدد نصف ما عليه، وهذا بصعوبة، كما ذكرنا في الآية السابقة، أو لا يسدد إطلاقًا، ويسلب أموال من أقرضه. والأكثر من هذا، يتضايق من الدائن؛ لأنه يطالبه بأمواله، ويعتبر الدائن عدوًا له.
بل أكثر من هذا، يتطاول المقترض على الدائن، فيشتمه، ويلعنه، ويهينه، بدلًا من أن يكرمه؛ لأنه ساعده في ساعة ضيقه. كل هذا لتسلط محبة المال والطمع على قلب المقترض؛ حتى أنه لشعوره بالحرمان، ظن أن ما اقترضه أصبح ملكًا له، وليس من حق الذي عطف عليه وأعطاه، أن يطالبه بتسديد ما عليه.
ع٨:
يحدد الله تأديبه لمصر بأنه سيقتل من فيها، سواء الإنسان، أو الحيوان وذلك بيد نبوخذنصر، الذي استولى على العالم وخضعت له مصر. وهذا العقاب كما قلنا تأديب من الله لكبرياء مصر وملكها.
الإنسان يرمز للعقل في الشخص، والحيوان يرمز إلى الجسد وغرائزه، أي أن فرعون المتكبر، أو الإنسان المتكبر يتخلى عنه الله، فيهلك عقله وجسده ويذل، لعل هذا ينبهه، فيعود إلى الله بالتوبة.
† أنظر آثار الكبرياء على حياتك وكم أتعبتك؛ حتى ترجع إلى الله وتتضع أمام الناس، فتحتملهم، حينئذ يرفع الله عنك خطاياك، وينقيك بل تختبر محبته وقوته.
ع١٠:
كثيرون من الأغنياء امتنعوا عن إقراض المحتاجين من أجل شرهم، وخبثهم الذي يظهر فيما يلى:
١. طمعهم في أموال الأغنياء، فإذا اقترضوا فهم لا يسددون ما عليهم، ويعتبرون أن من حقهم أن يسلبوا الأغنياء.
٢. قد يكون الفقراء مبذرين في إنفاقهم، فيزداد فقرهم، والحل ليس هو الاقتراض من غيرهم، بل أن يكونوا حكماء، ويكتفوا بما عندهم، إلى أن تُحل أزمتهم المالية.
٣. قد يكون الفقراء خبثاء في تكاسلهم، وبالتالي لقلة أعمالهم، أو امتناعهم عن العمل أصبحوا فقراء، واعتمدوا على الاستدانة من الأغنياء.
† إذا كنت مسرورًا في عطائك، أو إقراضك للآخرين، فاهتم بهذا؛ لأنه يفرح قلب الله والمحتاجين. ولكن إن شعرت أنك تشجع المحتاجين على الخطية، وهي التبذير والكسل، فلا تقرضهم؛ حتى لا تشترك معهم في خطيتهم.
ع٩، ١٠: مجدل
: مدينة في شمال شرق مصر قرب حدوده. وكلمة مجدل معناها برج، فكانت المدينة كبرج مراقبة لحدود مصر الشرقية، وقد زالت هذه المدينة ولا توجد الآن.
أسوان
: المدينة المعروفة بهذا الاسم وتقع شرق النيل قرب الحدود الجنوبية لمصر.
كوش
: وهي الحبشة ويقصد بها هنا بلاد النوبة.
اعتمد فرعون على النيل الذي يروى مصر ويجعلها أرضًا زراعية خصبة، فالله يواصل عقابه لمصر بأن ينشف أنهارها، أي نهر النيل وفروعه المختلفة. وهذا من السهل حدوثه عندما يسمح الله بأن يكون الماء قليلًا في فترة الصيف، إذ يمتنع الفيضان ولا تروى الأراضي الزراعية في مصر، وبالتالي لا تنتج مزروعات وتحدث مجاعة. وقلة الفيضان حدثت مرات كثيرة في تاريخ مصر، فيُفهم من هذا أن الله سمح بها في هذا الوقت؛ حتى يشعر المصريون بضعفهم في المجاعة فيتضعون. وكانت المجاعة والخراب في مصر كلها، أى لم ترو كل أرض مصر من أقصى شمالها في مجدل إلى أقصى جنوبها في أسوان وحتى النوبة. التي كانت تتبع مصر وقتذاك، أي أن الخراب كان شاملًا لكل أرض مصر تأديبًا لها.
تظهر رحمة الله على مصر في أن العقاب يكون مؤقتًا لمدة أربعين سنة وليس إفناءً لمصر؛ كماحدث مع بعض الدول والمدن، مثل صور وصيدون.
وبسبب المجاعة والخوف من الهجوم البابلي هرب المصريون وهاجروا إلى البلاد المحيطة، فتشتتوا، فزاد هذا مصر خرابًا.
ع١١:
أيها القادر على العطاء، إن كان أمامك بعض المحتاجين عندهم طمع، أو تكاسل، فليس معنى هذا أن تكون شحيحًا في عطائك لكل المحتاجين. فمن تشعر أنه محتاج، إعطه من مالك مادام عندك، ولا تؤجل العطاء، وكن طويل الأناة وحنون على البائس الفقير، فتعامله بمحبة ورفق، وتساعده.
ع١٣، ١٤: فتروس
: مصر العليا أي الصعيد الأعلى وهو جنوب مصر، فقد كانت مصر تقسم إلى مصر العليا وهي من أسوان إلى حوالي أسيوط، ومصر السفلى أي الأرض المنخفضة وهي الدلتا.
يكمل الله رحمته على مصر بعد خراب أربعين سنة وتشتت المصريين وقتل الكثيرين منهم، وتظهر هذه الرحمة في أمرين:
١. انتهاء العقاب بعد أربعين سنة ورجوع الحياة الطبيعية والسلام إلى مصر.
٢. تعود مصر ولكن كدولة ضعيفة صغيرة، حتى تكون متضعة وتحيا لله، تمهيدًا لقبولها الإيمان بالمسيح.
ع١٢: أعن
: ساعد.
عوزه
: احتياجه.
تردده
: المقصود ترده.
إهتم بالعطاء للفقراء؛ لأن الكتاب المقدس في العهد القديم والجديد يدعونا إلى مساعدة الفقراء. والوصايا في هذا الأمر كثيرة، منها:
"افتح يدك لأخيك الفقير والمسكين" (تث١٥: ١١)، وكذلك "لا تقبض يدك عن أخيك الفقير... واقرضه مقدار ما يحتاج إليه" (تث١٥: ٧، ٨).
"ينبغى أنكم تتعبون وتعضدون الضعفاء متذكرين كلمات الرب يسوع أنه قال مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (اع٢٠: ٣٥).
فيلزم أن تساعد الفقير ولا ترده فارغًا دون أن تعطيه، ما دمت قادرًا على مساعدته.
ع١٥، ١٦:
برجوع مصر كدولة حقيرة ضعيفة تحدث نتيجتان هامتان:
١. اتضاع مصر.
٢. درس لشعب الله حتى يتذكر خطيته في اعتماده على مصر، فعندما يراها ضعيفة يتأكد أن الاتكال هو على الله فقط، وليس على البشر.
ع١٣:
عندما يعطى العاطى أمواله للمحتاجين - وهذه الأموال كانت في شكل فضة، أو ذهب - يعتبر هذا أمام النظرة البشرية إتلاف؛ لأنها لن تعود إليه، وتكون أملاكه قد قلَّت شيئًا ما؛ هذا ما قد يفكر به الإنسان، ولكن ليعلم كل إنسان أن إكتناز الفضة والذهب بحفظها تحت حجر، يعرضها للصدأ والتلف. أما ما يسمى إتلاف، وهو العطاء للمحتاج، فهذا يفيد المحتاج، ويرضى الله عنك ويحبك، فهذه دعوة للصدقة والعطاء لكل محتاج.
وفى العصر الحالى، فإن المال بجميع صوره، معرض للسرقة، والضياع بأى شكل، أما استخدامه في مساعدة المحتاجين، فهذا أمر عظيم أمام الله، ومحبة مقدمة لأخوتنا المحتاجين.
والمسيح في العهد الجديد يؤكد هذا المعنى، فأوصانا أن نكنز في السماء بدلًا من أن نعرض ما نكتنزه للسوس والصدأ (مت٦: ١٩).
والعطاء هو تنفيذ لوصايا الله، كما ذكرنا في (ع١٢)، فننفق ذخائرنا، أي ما ندخره في العطاء للمحتاجين، بهذا يباركنا الله في حياتنا على الأرض. وهذه العطايا تتبعنا عندما نرتفع إلى السماء، أي يكافئنا الله عنها، وعن كل جهادنا الروحي في ملكوت السموات.
ع١٧، ١٨
:
كل رأس قرع
: كان حلق الرأس وعمل قرعة فيها تعبيرًا عن الحزن.
كل كتف تجردت
: أي تعبت جدًا وتسلخ جلدها من كثرة الأحمال التي حملتها.
هذه نبوة ثانية لحزقيال على مصر، يحدد ميعادها في اليوم الأول من الشهر الأول في السنة السابعة والعشرين لسبى يهوياكين، الذي يسمى السبي العظيم الذي سبى فيه يهوياكين إلى بابل.
أعلن الله على فم حزقيال أن الله يرى مدى التعب الذي احتمله ملك بابل في محاصرة صور مدة تقرب من خمسة عشر عامًا، احتمل فيها جيشه كثيرًا، ولكنه لم يجد غنيمة؛ لأن صور البرية استطاعت أن تنقل نفائسها إلى صور البحرية، أي الجزيرة التي وسط البحر ولا يمكن الوصول إليها ومهاجمتها. وبهذا عندما دخل نبوخذنصر صور لم يجد فيها شيئًا، أي أنه تعب جدًا ولم يأخذ مكافأته، ولكنه بهذا دون أن يقصد نفذ عقاب الله في صور المتكبرة.
ع١٥: أخاديرك
: جمع خدر، وهو الستر الذي كان يُعمل قديمًا في المنازل لتستتر وراءه المرأة.
الإغلاق على الصدقة في الأخادير معناه:
١. إعطاء الصدقة في الخفاء.
٢. الاهتمام بالصدقة التي بها نكنز كنوزًا في السماء، فتكون كنوزنا مخفية عن أعين الناس؛ لأنها في السماء.
٣. الأخادير ترمز إلى قلوب الفقراء، فعندما نعطى المحتاجين يصلون من أجلنا، فينقذنا الله من كل شر.
وهذه الصدقة من بركاتها أن تنقذنا من كل شر، وذلك فيما يلي:
١. الله ينقذنا في حياتنا على الأرض من المشاكل والخطايا، فنعبر منها بسلام.
٢. ينقذنا الله من شرور العالم، بأن نرتفع في النهاية للراحة الأبدية في الملكوت، ولا نذهب إلى الجحيم.
ع١٩، ٢٠:
مكافأة لبابل التي لم تغتنم شيئًا من صور، أعطاها الله قوة لتهجم على مصر وتأخذ خيراتها الكثيرة، فتكون مكافأة لها على تعبها؛ لأنها نفذت كلام الله في صور. فهذا يبين أن بابل دون أن تشعر هي أداة في يد الله ينفذ بها مشيئته.
ع١٦، ١٧:
تم الإشارة إليهما في مقدمة هذا الأصحاح.
ع٢١:
عندما تحطم بابل صور وبعدها مصر تضعف الدول المحيطة بشعب الله، فيعطى الله لشعبه قوة، التي يعبر عنها بإنبات قرن لبيت إسرائيل، لأن القرن هو أقوى شيء في الحيوان. ويقول لحزقيال أيضًا أنه سيفتح فمه ويشكر الله ويسبحه على صنيعه، أي أنه بعد تحطيم أورشليم تحطمت مصر، فحدث أمران هما:
١. آمن شعب الله بأن الاتكال ليس على البشر مهما كانت قوتهم مثل مصر؛ لأنها تحطمت ولكن الاتكال على الله فقط. فبدأ شعب الله يستعيد إيمانه بالله، فينبت له قرن وقد كمل هذا القرن بالرجوع من السبي في أول عهد المملكة الفارسية وبدء بناء الهيكل مرة ثانية.
٢. استطاع حزقيال حينئذ أن يفتح فمه ويشكر الله برجوع شعبه للإيمان، فيثبتهم ويشجعهم.
نلاحظ أنه قد مرت سبعة عشر عامًا بين النبوة الأولى (ع١) والنبوة الثانية (ع١٧) أي أنه تنبأ عن هلاك فرعون وتأديب مصر، ثم بعد سبعة عشر عامًا تنبأ عن الهجوم البابلي، واستعادة شعب الله قوته؛ فالله أعطى فرعون ولكل شعبه فرصة للتوبة ولكنهم لم يستجيبوا.
تحطمت مصر وظهر قرن لشعب الله وانفتح فم حزقيال، وكان هذا رمزًا لموت المسيح على الصليب وفدائه لشعبه، ثم إعلان قيامته ليقوم فيه المؤمنون به، أي كنيسته وينفتح فم تلاميذه بالبشارة في العالم كله. فتحطيم مصر يرمز لموت المسيح، وإنبات القرن يرمز لقيامته، وانفتاح فم حزقيال يرمز لكرازة الرسل.
† إن الله ينذرنا في الكتاب المقدس لنرجع إليه، فليتنا نستجيب لوصاياه، فنخلص من شر العالم، ونجد حياتنا فيه إلى الأبد.
ع١٨: ترس
: قطعة خشبية لها عروة من الخلف، يضع فيها الجندى يده، ويحركها أمام رأسه وجسده؛ لتحميه من سهام العدو في الحرب.
البأس
: القوة.
الحماسة
: الشجاعة.
إن الصدقة ترتفع إلى الله، ويفرح بها، أي بمحبتك، فتدافع عنك أمام عدوك الشيطان أكثر من ترس البأس، أي الله يقف معك، ويصد عنك هجمات الشيطان، ويكشف حيله، فتدوسها وتعبر فوقها.
وإن كان الشيطان سيلقى عليك في شجاعة رمحه؛ ليسقطك في الخطية، فالله يحميك من هذا الرمح، بل يقويك، فتضربه أنت بصلواتك واتضاعك، فتنتصر عليه؛ لأنك أحببت الله، ويظهر هذا في صدقاتك.
† ليتك تنتهز كل فرصة لمساعدة المحتاجين؛ سواء الفقراء، أو المرضى، أو الغرباء ... فمحبتك لأى محتاج هي عطاء لله شخصيًا، فيفرح بك، ويباركك، ويعد لك مكانًا عظيمًا في السموات.
: يضمن الآخر ويسدد ما عليه إن لم يستطع هذا الآخر التسديد.
يخذله
: يتخلى عنه.
الله هو كفيلنا الذي ضمننا، ومات عنا على الصليب، وأعطانا الخلاص بدمه، فكل إنسان مؤمن بالمسيح، ويحيا معه هو صالح، فيكفل قريبه في احتياجه وضيقته، أما من يخذله ويتخلى عنه، فهو فاقد للحياء، ولا يقدر عظمة الخلاص الذي أعطاه له الله.
ع٢٠
: إذا مررت بضيقة، وتقدم إنسان صالح وكفلك، فاشكره جدًا، وحاول أن ترد له الجميل إن استطعت، سواء في تسديد الأموال التي دفعها عنك، أو في أية خدمة يحتاجها.
تطبيق هذا يكون أولًا مع الله، الذي كفلك على الصليب، فتشكره وتطيع وصاياه، وتخدمه كل أيام حياتك.
وأيضًا لا تنسى أباك وأمك اللذان كفلاك، وأعتنيا بك منذ ولدت، فتهتم بهما في احتياجاتهما، وشيخوختهما، ومن أجل هذا أعطاك الله الوصية "أكرم أباك وأمك" (خر٢٠: ١٢).
ع٢١-٢٣
: تخاطب هذه الآيات الشخص المحتاج الذي كفله شخص صالح، والذي ينبغى أن يرد له الجميل، ويسدد ما عليه عندما يتوفر له المال، ولكن إن كان هذا المكفول خاطئًا ولئيمًا وجاحدًا للجميل، فلا يسدد ما عليه، ويخذل من كفله، فيهرب من كافله، وهو بهذا يدمر خيرات الكفيل، فلن يستطيع أن يساعد ويكفل الآخرين، إذ أن أمواله لا ترجع إليه ممن كفلهم.
ع٢٤، ٢٥
:
كانوا في نجح
: نجاح وغنى.
كثير من الأغنياء الناجحين في أعمالهم وحياتهم اضطربوا من أجل كفالتهم لغيرهم، وكادوا يهلكون، أي يقبض عليهم، ويلقون في السجن، واضطروا للهرب إلى بلاد بعيدة؛ لأنهم عاجزون عن تسديد الكفالات التي ضمنوا بها غيرهم، وامتناع المكفولين عن سداد ما عليهم، أو جزء منه، وبهذا تاه هؤلاء الأغنياء وسط أمم غريبة، وعاشوا غرباءً وضعفاءً في أماكنهم الجديدة التي تغربوا فيها.
ع٢٦
:
يصبو
: يسعى.
المعاملات
: طلب أن يكفله أحد.
الإنسان الخاطئ الذي يحب المال، ويسعى لطلب أن يكفله أحد، ولا يهتم بتسديد ما عليه في أقرب وقت، فهو يعرض من يكفله، لتسديد الكفالة عنه، فتنقص أمواله، ويحتاج، فيضطر للهرب؛ هذا يسقط تحت قضاء الله، فيغضب عليه في الأرض، ثم يدينه في يوم الدينونة، لأن محبته للمال جعلته يؤذى غيره.
ع٢٧
:
أمدد
: ساعد.
خلاصة كل ما سبق عن الكفالة، هو الآتي:
١. ساعد قريبك المحتاج قدر ما يفيض منك من أموال.
٢. كن حذرًا؛ لئلا تسقط في الديون، فيقبضون عليك، وتلقى في السجن، أو تضطر للهرب؛ حتى لا يقبضوا عليك.
† ليكن قلبك متسعًا بالحب لتساعد المحتاجين وتضمنهم إذا كان عندك من المال ما يفيض عنك، ولكن إن كنت غير قادر، فلا تندفع وتكفل غيرك؛ لأجل إلحاحه عليك؛ حتى لا تضايق نفسك، أو تهتز مبادئك عندما يتخلى عنك من كفلته، ويمتنع عن تسديد ما عليه. فمحبة الآخرين أمر ضرورى، ولكن في نفس الوقت يلزم أن تقترن بالحكمة، واستشارة مرشديك.
(٤) القناعة ( ع٢٨-٣٥):
٢٨ إِرْضَ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؛ فَلاَ تَسْمَعَ تَعْيِيرًا فِي أَمَرِ الْبَيْتِ. ٢٩ بِئْسَ حَيَاةُ الإِنْسَانِ مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ، وَحَيْثُمَا ضَافَ لَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. ٣٠ تُطْعِمُ وَتَسْقِي جَاحِدِينَ لِجَمِيلِكَ، وَأَنْتَ ضَيْفُهُمْ، وَوَرَاءَ ذلِكَ تَسْمَعُ أَقْوَالًا مُرَّةً. ٣١ أَنْ قُمْ، يَا ضَيْفُ، جَهِّزِ الْمَائِدَةَ، وَإِنْ كَانَ بِيَدِكَ شَيْءٌ فَأَطْعِمْنِي. ٣٢ انْصَرِفْ، يَا ضَيْفُ، مِنْ أَمَامِ شَخْصٍ كَرِيمٍ. إِنَّ أَخًا لِي يَتَضَيَّفُنِي؛ فَأَنَا مُحْتَاجٌ إِلَى الْبَيْتِ. ٣٣ أَمْرَانِ يَسْتَثْقِلُهُمَا الإِنْسَانُ الْفَطِنُ: الاِنْتِهَارُ فِي أَمَرِ الْبَيْتِ، وَتَعْيِيرُ الْمُقْرِضِ. ٣٤ انصرف يا ضيف من امام شخص كريم ان اخا لي يتضيفني فانا محتاج الى البيت ٣٥ امران يستثقلهما الانسان الفطن الانتهار في امر البيت و تعيير المقرض
ع٢٨
:
السوءة
: هي العورة، وهي ما يستره الإنسان من جسده خجلًا من إظهاره.
أساس الاحتياجات الضرورية للإنسان هو توفر الخبز، وهو رمز للطعام بأنواعه، والماء، وهو رمز لكل ما يشربه الإنسان، واللباس، أي جميع أنواع الملابس، بالإضافة إلى البيت الذي ينام فيه الإنسان ويستريح ويستره، لأنه إذا نام في العراء قد تنكشف بعض أجزاء من جسمه.
والمقصود قناعة الإنسان في طلباته لاحتياجاته المعيشية، فهو لا يحتاج إلا إلى هذه الأربعة: الخبز والماء، واللباس، والبيت، أما ما عدا هذا فهو يعد رفاهيات كمالية، يمكن استخدامها، أو الاستغناء عنها.
ع٢٩
: من جهة المسكن، فالإنسان الفقير مهما كان بيته بسيطًا، وسقف بيته مصنوع من ألواح خشبية متجاورة، فهو أفضل من بيت عظيم مملوء بالأطعمة الفاخرة، ولكن ليس بيته، بل هو ضيف وغريب في هذا المكان؛ لأن الفقير يتصرف بحرية داخل مسكنه، مهما كان حقيرًا! أما في البيت العظيم، ذى الأطعمة اللذيذة، فسيعانى من ذل وإهانات كثيرة، كما يظهر من الآيات التالية.
والخلاصة، كن مكتفيًا بما عندك، مهما كان هذا المسكن أقل من غيره بكثير، لكنه ملك لك، تحيا فيك بحريتك، وتعمل ما تشاء، وتشكر الله عليه.
ولا تتسرع للسفر لأى مكان، لتقيم ضيفًا في مسكن غيرك، فلا تجد راحتك، وحتى في الدول الأجنبية، قد لا تجد كل الحقوق مثلما في بلدك، لا تنبهر بعظمة البيت، أو أي أمور خارجية؛ لأن الحرية أفضل شيء، وتساعدك على أن تحيا مع الله.
ع٣٠
: ليتك ترضى يا أخى بما عندك من إمكانيات للمعيشة؛ سواء كانت كثيرة أو قليلة؛ لأنها في بيتك، وملك لك، مهما كانت متواضعة، ولكن إذا كنت غريبًا في مكان، فتتعرض لسماع إهانات وتعييرات ممن يقيمون في هذا المكان، ويحتقرونك لأنك غريب، فلا يريدون أن يعطوك نفس الحقوق التي يتمتعون بها.
ع٣١
:
بئس
: ما أسوأ.
ضاف
: نزل ضيفًا.
ما أسوأ ألا يكون لك بيت تستقر فيه، بل تحيا غريبًا، فتنتقل من بيت إلى بيت، حسبما تجد إنسانًا يستضيفك.
وفى أي مكان يستضيفونك فيه، مهما وجدت أمورًا لا تناسبك، وتضايقك، تضطر أن تحتملها، ولا تفتح فمك بأى اعتراض؛ لأنهم سيهنونك لو حاولت الاعتراض.
ع٣٢
: إن من يستضيفونك سيستغلونك لإعداد الطعام لهم، وكذا الشراب، وترتيب البيت، فهم لا يكرمونك كضيف، ولكنهم ينظرون إليك أنك كمستغل تأكل عندهم، وتنام، فيعتبرون أن من حقهم عليك أن تخدمهم، وتتعب لأجل كل ما يطلبونه.
وبالإضافة إلى كل التعب الذي تعانيه، ستسمع أقوالًا مرة منهم، فيلومونك على التقصير في خدمتهم، ويأمرونك بقسوة أن تعمل ما يريدونه، أي ستعذب نفسك طالما أنت مقيم عندهم.
ع٣٣
: ويأمرك صاحب البيت، ويقول لك يا ضيف قم أعدد لى طعامًا، وكل ما أحتاجه، وإن كنت تأكل شيئًا يقول لك: أعطنى ما تأكله؛ لأنى صاحب البيت، وأحق منك بأى طعام، أو شراب.
ع٣٤
: الأصعب من كل هذا، بعد كل ما احتملته من استغلال من صاحب البيت، أن يزوره أحد أحبائه، فيصفه بأنه رجل كريم، وأخ، وأحق منك في أن يقيم عنده، ويستضيفه، فيطردك من البيت، فتخرج مهانًا ومذلولًا. لماذا كل هذا؟ إلا لأنك غير قنوع، وتريد مكانًا وأطعمة وأمورًا فاخرة؛ هذا هو الثمن، الذل والعار.
ع٣٥
: خلاصة ما قيل في هذا الأصحاح، أنه من أصعب الأمور في الحياة أمرين :
١. تعيير صاحب البيت الذي يستضيفك وإهانته لك واستغلالك.
٢. تعيير مَن أقرضك مالًا، فيذلك قبل أن يقرضك، ويهينك إن تأخرت في السداد، ويتكلم عليك كلامًا رديئًا مع كل الناس، فيسىء إلى سمعتك.
فالإنسان الحكيم، أي الفطن يبعد نفسه عن الانشغال بالشهوات المادية، فلا يسافر إلى أماكن بعيدة؛ ليجد فيها ما هو أفضل من حياته في مكانه، أو يقترض ليرفع مستوى معيشته. والأفضل بالطبع أن يكون الإنسان قنوعًا، يكتفى بما عنده، ويشكر الله، وينشغل بخلاص نفسه. أي يا ليتك تتغرب يا أخى عن العالم ومادياته؛ لتستوطن عند الله، فتحيا في سلام وفرح، وكرامة روحية، بدلًا من أن تجرى وراء شهواتك، فيذلك الشيطان، بل وتسقط في خطايا أيضًا كثيرة، وتبتعد تدريجيًا عن الله، فتخسر خلاص نفسك.
† تعلم يا أخى أن تضبط شهواتك، وتستخدم كل شيء بمقدار، فيفيض عنك، وتعطى الآخرين، بدلًا من أن تكون في إحساس الحرمان، والجرى وراء الشهوات. لا تنسى هدفك الوحيد، وهو خلاص نفسك وأبديتك.
الأَصْحَاحُ التاسع وَالعِشْرُونَ
القروض والصدقة والكفالة والقناعة
يلاحظ عدم وجود آيتين في هذا الأصحاح هما (ع١٦، ١٧)، وهما ليستا آيتان مفقودتين، حيث يوجد في نص الترجمة السبعينية أكثر من آية تشمل آيتين في النص الذي معنا، وجميع الآيات في هذا الأصحاح موجودة في الترجمة السبعينية مع اختلاف الترقيم.
كما سنلاحظ اختلاف أرقام المزامير بين نص الأجبية ونص الكتاب المقدس، ولكن لا يوجد أي مزمور مفقود، إنما أحيانًا يوجد مزموران مضمومان في مزمور واحد.
(١) القروض ( ع١- ١٠)
(٢) الصدقة ( ع١١-١٨)
(٣) الكفالة ( ع١٩-٢٧)
(٤) القناعة ( ع٢٨-٣٥)
الأَصْحَاحُ التاسع وَالعِشْرُونَ
تأديب فرعون مصر
في هذا الاصحاح والأصحاحين التاليين، يتكلم حزقيال عن مصر العظيمة التي أدبها الله [خريطة رقم (١)].
(١) تشبيه فرعون بالتمساح ( ع١- ٧)
(٢) تأديب مصر ( ع٨-١٦)
(٣) بابل تهجم على مصر ( ع١٧-٢١)
(١) القروض ( ع١- ١٠):
١ الَّذِي يَصْنَعُ رَحْمَةً يُقْرِضُ الْقَرِيبَ، وَالسَّخِيُّ الْيَدِ يَحْفَظُ الْوَصَايَا. ٢ أَقْرِضِ الْقَرِيبَ فِي وَقْتِ حَاجَتِهِ، وَاقْضِهِ مَا لَهُ عَلَيْكَ فِي أَجَلِهِ. ٣ حَقِّقْ مَا نَطَقْتَ بِهِ وَكُنْ أَمِينًا مَعَهُ؛ فَتَنَالَ فِي كُلِّ حِينٍ بُغْيَتَكَ. ٤ كَثِيرُونَ حَسِبُوا الْقَرْضَ لُقْطَةً؛ فَعَنَّوُا الَّذِينَ أَمَدُّوهُمْ. ٥ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضُ يُقَبِّلُ الْيَدَ، وَيَخْشَعُ بِصَوْتِهِ، حَتَّى يَنَالَ مَالَ الْقَرِيبِ. ٦ فَإِذَا آنَ الرَّدُّ مَاطَلَ، وَنَطَقَ بِكَلاَمٍ مُضْجِرٍ، وَشَكَا صَرْفَ الدَّهْرِ. ٧ إِنْ كَانَ الرَّدُّ فِي طَاقَتِهِ، لَمْ يَكَدْ يَرُدُّ النِّصْفَ، وَيَحْسَبُ مَا رَدَّهُ لُقْطَةً. ٨ وَإِلاَّ فَيَسْلُبُهُ أَمْوَالَهُ، وَيَتَّخِذُهُ عَدُوًّا بِلاَ سَبَبٍ. ٩ يَجْزِيهِ اللَّعْنَةَ وَالشَّتِيمَةَ، وَبَدَلَ الإِكْرَامِ يُكَافِئُهُ الإِهَانَةَ. ١٠ كَثِيرُونَ أَمْسَكُوا لأَجْلِ خُبْثِ النَّاسِ، مَخَافَةَ أَنْ يُسْلَبُوا بِغَيْرِ سَبَبٍ.
(١) تشبيه فرعون بالتمساح ( ع١- ٧):
١ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ، فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ الْعَاشِرِ، كَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلاً: ٢ «يَا ابْنَ آدَمَ، اجْعَلْ وَجْهَكَ نَحْوَ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ وَتَنَبَّأْ عَلَيْهِ وَعَلَى مِصْرَ كُلِّهَا. ٣ تَكَلَّمْ وَقُلْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا عَلَيْكَ يَا فِرْعَوْنُ مَلِكُ مِصْرَ، التِّمْسَاحُ الْكَبِيرُ الرَّابِضُ فِي وَسْطِ أَنْهَارِهِ، الَّذِي قَالَ: نَهْرِي لِي، وَأَنَا عَمِلْتُهُ لِنَفْسِي. ٤ فَأَجْعَلُ خَزَائِمَ فِي فَكَّيْكَ وَأُلْزِقُ سَمَكَ أَنْهَارِكَ بِحَرْشَفِكَ، وَأُطْلِعُكَ مِنْ وَسْطِ أَنْهَارِكَ وَكُلُّ سَمَكِ أَنْهَارِكَ مُلْزَقٌ بِحَرْشَفِكَ. ٥ وَأَتْرُكُكَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَنْتَ وَجَمِيعَ سَمَكِ أَنْهَارِكَ. عَلَى وَجْهِ الْحَقْلِ تَسْقُطُ فَلاَ تُجْمَعُ وَلاَ تُلَمُّ. بَذَلْتُكَ طَعَامًا لِوُحُوشِ الْبَرِّ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ. ٦ وَيَعْلَمُ كُلُّ سُكَّانِ مِصْرَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ، مِنْ أَجْلِ كَوْنِهِمْ عُكَّازَ قَصَبٍ لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ. ٧ عِنْدَ مَسْكِهِمْ بِكَ بِالْكَفِّ، انْكَسَرْتَ وَمَزَّقْتَ لَهُمْ كُلَّ كَتِفٍ، وَلَمَّا تَوَكَّأُوا عَلَيْكَ انْكَسَرْتَ وَقَلْقَلْتَ كُلَّ مُتُونِهِمْ.
ع١: سخى اليد
: من يعطى بوفرة.إن الله يأمرنا أن نكون رحومين على المحيطين بنا، كما هو رحيم معنا، ومن أشكال الرحمة أن نقرض أقرباءنا، أي من حولنا. ويلاحظ أننا بهذا نساعدهم لسد احتياجاتهم بطريقة لا تجرح مشاعرهم، ويمكن أن يسددوا ما عليهم عندما تتحسن حالتهم المالية. ويراعى ألا تأخذ منهم فوائد ماداموا محتاجين؛ فهذا يعتبر ربا، والله حرمه عند إقراض المحتاجين (خر٢٢: ٢٥). وإن تعثر من أقرضته في تسديد ما عليه بسبب فقره، فلا تطالبه، واعتبر هذا نوع من المساعدة والعطاء. أما في حالة الغنى، إذا اقترض منك لمشاريعه التجارية، التي سيكسب منها، فيمكن أن تأخذ فوائد لنفسك، فأنت تشترك معه في العمل التجارى الذي يدر أرباحًا.
وليتك عندما تقرض المحتاج، تكون سخيًا في إقراضه، فلا تعطه أقل مما يطلب، بل أكثر؛ ليسد حاجته، واعلم أنك بهذا تحفظ وصايا الله في عمل الخير، فيكافئك الله.
ع١:
يحدد حزقيال ميعاد هذه النبوة، وهو اليوم الثاني عشر من الشهر العاشر في السنة العاشرة، وهو يقابل شهر كانون الثاني، الذي هو شهر يناير من عام ٥٨٧ ق.م. وفى هذا الوقت تحرك فرعون مصر بجيوشه لمساندة مملكة يهوذا، التي تحاصرها بابل؛ لأن شعب الله تحالف واعتمد على مصر، مخالفًا كلام الله على فم أنبيائه (اش٢٠: ٥) فكانت هذه النبوة على فرعون مصر المتكبر، معلنًا أنه سيتحطم هو وشعبه؛ ليظهر بوضوح أن الاتكال هو على الله فقط وليس على البشر مهما كانت قوتهم.ع٢: أجله
: ميعاده.تشرح لنا هذه الآية كيف أقرض الآخرين. ويقول هنا: "القريب"، كما في الآية السابقة، ويقصد به ليس فقط الأقارب الجسديين، بل كل إنسان، كما أوضح المسيح في مثل السامرى الصالح (لو١٠: ٣٧)، هذا هو فكر الله الذي أعلنه في الكتاب المقدس.
كيف أقرض؟ ... أقرض غيرى في وقت حاجته، فلا أهمله وقت حاجته؛ لأنه في غير وقت الحاجة لن يطلب، أي أشعر بالآخرين واحتياجاتهم؛ حتى لو لم يطلبوا منى. إن كنت كريمًا وتحفظ وصايا الله، إذهب إليه، واعرض عليه أن تقرضه، بل ليكن في قلبك أيضًا، كما ذكرنا في الآية السابقة، أنه لو لم يستطع أن يسدد، فسأسامحه ولن أطالبه.
في النصف الثاني من هذه الآية يخاطب من يقترض من غيره، فتوصيه الآية أن يقضى، أو يوفى ما عليه، أي يسدد الدين في الميعاد، الذي اتفق عليه مع من أقرضه، سواء كان الاتفاق تسديد المبلغ كله، أو على أقساط. بهذا تكون أمينًا مع الرجل الكريم الذي أقرضك، أي لا تكون مستغلًا لمن أقرضك، وتطمع في أخذ أمواله؛ حتى لو كنت أنت أفقر منه، ولكنك تستطيع أن تعيش بالمال القليل الذي معك، ولا تحسد، أو تغير من هذا الغنى، بل انظر إلى كرمه، وأشكره على حسن صنيعه معك.
ع٢:
هذه النبوة لا تقتصر على فرعون مصر، بل على مصر كلها؛ لأنها انقادت إلى خطية الكبرياء التي سقط فيها فرعون، فقد جعلوه إلهًا وعبدوه، وهم أنفسهم شعب مصر شعروا بكبرياء أنهم أفضل جميع الشعوب؛ لأن مصر هي أول إمبراطورية ظهرت في العالم، وكانت تضم فلسطين والشام وسوريا وكذا النوبة والسودان والحبشة.وكان هذا الفرعون هو خفرع الذي ظل على العرش ٢٥ عامًا، وساد الرخاء على أيامه مما دفعه إلى الكبرياء، مرجعًا فضل القوة في كل هذا إلى نفسه وقوته.
ع٣: بغيتك
: قصدك وهدفك وما تتمناه.إذا اقترضت من إنسان، فكن أمينًا في تسديد ما عليك في الوقت الذي أتفقت عليه، فتحقق أهدافًا كثيرة، أهمها:
١. يرى من أقرضك أمانتك، فيطمئن أن يقرضك مرة أخرى.
٢. تعطى فرصة لمحتاجين آخرين أن يقترضوا، إذ يكون للمقرض ما يعطيهم إياه.
٣. الله يفرح بأمانتك، فيعطيك نعمة في أعين الناس، فيقرضوك.
٤. الله يبارك فيما عندك لأمانتك، فلا تحتاج أن تقترض مرة أخرى.
ع٣: الرابض
: المستقر، أو المسترخى.كثرت التماسيح في نهر النيل، ولأن مصر تعتمد على نهر النيل في زراعتها وحياتها، وإذ يعتبر التمساح من الحيوانات المفترسة التي تعيش في النيل؛ لذا شبه الله فرعون بالتمساح الكبير؛ لأن فرعون مصر اعتمد على النيل وكل خصوبة مصر ونسبها إلى نفسه، واعتبر نفسه مصدر كل رخاء، وأنه لا يستطيع أحد أن يقاومه، ولا الله نفسه، فشبهه بالتمساح المفترس، أي الذي لا يقاوم، الرابض في النيل، أي المعتمد على النيل. ويقول "أنهاره"، إذ للنيل فروع تخرج منه تروى أماكن كثيرة في مصر.
ويقول الله لفرعون مصر "ها أنذا عليك"، أي سأعاقبك وأهلكك؛ لأنك تكبرت ونسيت أنك مجرد إنسان، أما أنا فالله الذي فوق الكل.
ع٤: لقطة
: فرصة ثمينة لاقتناء أموال بسهولة.عنوا
: أتعبوا.أمدوهم
: أقرضوهم.بعض المحتاجين يشعرون أن الاقتراض لقطة، ينبغى أن يستغلوها لتحقيق أغراضهم وسد احتياجاتهم، سواء الضرورية، أو الغير ضرورية، ولكن لا يسددون ما اقترضوه في ميعاده، ويتعبون من أقرضوهم، والله يتضايق منهم، وكذا من أقرضوهم؛ لأنهم غير أمناء ومستغلون.
ع٤، ٥: خزائم
: حلقات معدنية توضع في أنف العبيد، إعلانًا لخضوعهم وعبوديتهم لسيدهم.حرشفك
: قطع جافة قوية تغطى جسم التمساح، متراصة لتغطى ظهره وتحميه.يعلن الله أنه سيتحكم في فرعون مصر، ويجرده من قوته التي يرمز إليها بالنيل، ويلقيه في البرية ليموت. ولا تقتصر العقوبة على فرعون، الذي يُذل كعبد، بل أيضًا على كل التابعين له من قادة وضباط وكبار شعب مصر الذين يرمز إليهم بالسمك، فيلتصقون بهذا التمساح ليلقوا معه إلى البرية ويموتوا. وقد حدث هذا فعلًا، إذ علم خفرع بعزل ليبيا لملكهم، فذهب بجيش لنجدته، لكنه فشل في مهمته، أما شعب مصر فكان قد قاسى الكثير من عبودية خفرع، الذي سخرهم في بناء الأهرامات والأعمال المختلفة، فجمع جيشًا ومنع خفرع من الرجوع إلى مصر، فتبدد خفرع وكل جيشه في برية ليبيا ولم يعد إلى مصر، أي أنه مات ميتة شنيعة فألقيت جثته وجثث رجاله على وجه الحقول، فأكلتهم وحوش البرية وطيور السماء. والوحوش ترمز للشهوات، أما طيور السماء فترمز للكبرياء، فمن أجل شهوات قلبه وكبريائه مات ميتة حقيرة، وحرم من تحنيط جثته ودفنها في مدفنه الضخم، أي هرمه.
ع٥، ٦: يخشع بصوته
: يخفض صوته، فيبدو متضعًا ومحتاجًا؛ ليحنن قلب المقرض.فإذا آن الرد
: إذا جاء ميعاد تسديد الدين.ماطل
: أجَّل وتباطأ.مضجر
: مزعج.صرف الدهر
: مصائب الزمن.المحتاج للاقتراض، قبل أن يأخذ ما يحتاجه يتضع أمام من يقترض منه، ويقبل يده، ويخفض صوته؛ حتى ينال المال الذي يحتاجه، كل هذا تظاهر ليعلن احتياجه الشديد، ويحنن قلب من سيعطيه.
ولكن عندما يأتي ميعاد تسديد الدين الذي أتفق عليه، يتغير شكله وأسلوبه، فيؤجل تسديد الدين، ويتذمر على ظروف الحياة، ويشتكى من الضيقات وصعوبة المعيشة؛ حتى لا يسدد المطلوب منه. إنه تحايل وتظاهر زائد بما ليس فيه، فيظهر أتضاعًا واحتياجًا شديدين، ثم عندما يأتي موعد تسديد الدين، يرتفع صوت التذمر والشكوى، فهذا كله عدم أمانة.
ع٦، ٧: قصب
: بوص.قلقلت كل متونهم
: أضعفت الظهر، أي جعلت أقوى ما فيهم ضعيفًا.بهذه النبوة تظهر مصر أنها ليست سندًا للشعوب المتحالفة معها، بل يشبهها بعكاز مصنوع من البوص، وهي ساق ضعيفة جدًا لا يمكن الاستناد عليها، فيظهر ضعف مصر أمام سكانها وعجزهم عن مساندة بيت إسرائيل، أي مملكة يهوذا التي تحاصرها بابل، لأن بابل ستنتصر على مصر انتصارًا عظيمًا، وتدمر وتحرق أورشليم ولا تستطيع مصر نجدتها.
فعندما اعتمدت مملكة يهوذا على مصر، انكسر هذا العكاز أي البوصة، وهي مصر بهزيمتها أمام بابل، أما مملكة يهوذا التي أمسكت بكفها هذه البوصة، فلم تجد شيئًا تستند عليه. ثم شبه تشبيهًا آخر لإظهار الضرر الكبير الذي حل بيهوذا عندما وضعت البوصة تحت إبطها، فتمزق كتفها، وضعفت قوتها.
† إن الكبرياء تحدى لله، فاشكر الله على عطاياه واتضع أمامه وأمام الآخرين، فتنال مساندة الله، ويرفعك ويعليك، وتحيا مطمئنًا بين يديه.
ع٧: لم يكد
: بصعوبة.المقترض عندما يتوفر عنده المال ليسدد دينه، يشعر أنه من الخسارة عليه أن يسدد ما عليه، وبصعوبة نتيجة الضغط عليه من الذي أقرضه، يسدد نصف ما عليه، ويعتبر أن هذه لقطة للدائن كأن ليس من حق هذا الدائن أن يسترد أمواله، إنه منطق مقلوب، كل هذا يبين محبة المال التي في قلب المقترض، فهو لا يريد تسديد ما عليه.
(٢) تأديب مصر ( ع٨-١٦):
٨ « لِذلِكَ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا أَجْلِبُ عَلَيْكَ سَيْفًا، وَأَسْتَأْصِلُ مِنْكَ الإِنْسَانَ وَالْحَيَوَانَ. ٩ وَتَكُونُ أَرْضُ مِصْرَ مُقْفِرَةً وَخَرِبَةً، فَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ، لأَنَّهُ قَالَ: النَّهْرُ لِي وَأَنَا عَمِلْتُهُ. ١٠ لِذلِكَ هأَنَذَا عَلَيْكَ وَعَلَى أَنْهَارِكَ، وَأَجْعَلُ أَرْضَ مِصْرَ خِرَبًا خَرِبَةً مُقْفِرَةً، مِنْ مَجْدَلَ إِلَى أَسْوَانَ، إِلَى تُخْمِ كُوشَ. ١١ لاَ تَمُرُّ فِيهَا رِجْلُ إِنْسَانٍ، وَلاَ تَمُرُّ فِيهَا رِجْلُ بَهِيمَةٍ، وَلاَ تُسْكَنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. ١٢ وَأَجْعَلُ أَرْضَ مِصْرَ مُقْفِرَةً فِي وَسْطِ الأَرَاضِي الْمُقْفِرَةِ، وَمُدُنَهَا فِي وَسْطِ الْمُدُنِ الْخَرِبَةِ تَكُونُ مُقْفِرَةً أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَأُشَتِّتُ الْمِصْرِيِّينَ بَيْنَ الأُمَمِ، وَأُبَدِّدُهُمْ فِي الأَرَاضِي. ١٣ لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: عِنْدَ نَهَايَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَجْمَعُ الْمِصْرِيِّينَ مِنَ الشُّعُوبِ الَّذِينَ تَشَتَّتُوا بَيْنَهُمْ، ١٤ وَأَرُدُّ سَبْيَ مِصْرَ، وَأُرْجِعُهُمْ إِلَى أَرْضِ فَتْرُوسَ، إِلَى أَرْضِ مِيلاَدِهِمْ، وَيَكُونُونَ هُنَاكَ مَمْلَكَةً حَقِيرَةً. ١٥ تَكُونُ أَحْقَرَ الْمَمَالِكِ فَلاَ تَرْتَفِعُ بَعْدُ عَلَى الأُمَمِ، وَأُقَلِّلُهُمْ لِكَيْلاَ يَتَسَلَّطُوا عَلَى الأُمَمِ. ١٦ فَلاَ تَكُونُ بَعْدُ مُعْتَمَدًا لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ، مُذَكِّرَةَ الإِثْمِ بِانْصِرَافِهِمْ وَرَاءَهُمْ، وَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا السَّيِّدُ الرَّبُّ».
ع٨، ٩:
المقترض إما أن يسدد نصف ما عليه، وهذا بصعوبة، كما ذكرنا في الآية السابقة، أو لا يسدد إطلاقًا، ويسلب أموال من أقرضه. والأكثر من هذا، يتضايق من الدائن؛ لأنه يطالبه بأمواله، ويعتبر الدائن عدوًا له.بل أكثر من هذا، يتطاول المقترض على الدائن، فيشتمه، ويلعنه، ويهينه، بدلًا من أن يكرمه؛ لأنه ساعده في ساعة ضيقه. كل هذا لتسلط محبة المال والطمع على قلب المقترض؛ حتى أنه لشعوره بالحرمان، ظن أن ما اقترضه أصبح ملكًا له، وليس من حق الذي عطف عليه وأعطاه، أن يطالبه بتسديد ما عليه.
ع٨:
يحدد الله تأديبه لمصر بأنه سيقتل من فيها، سواء الإنسان، أو الحيوان وذلك بيد نبوخذنصر، الذي استولى على العالم وخضعت له مصر. وهذا العقاب كما قلنا تأديب من الله لكبرياء مصر وملكها.الإنسان يرمز للعقل في الشخص، والحيوان يرمز إلى الجسد وغرائزه، أي أن فرعون المتكبر، أو الإنسان المتكبر يتخلى عنه الله، فيهلك عقله وجسده ويذل، لعل هذا ينبهه، فيعود إلى الله بالتوبة.
† أنظر آثار الكبرياء على حياتك وكم أتعبتك؛ حتى ترجع إلى الله وتتضع أمام الناس، فتحتملهم، حينئذ يرفع الله عنك خطاياك، وينقيك بل تختبر محبته وقوته.
ع١٠:
كثيرون من الأغنياء امتنعوا عن إقراض المحتاجين من أجل شرهم، وخبثهم الذي يظهر فيما يلى:١. طمعهم في أموال الأغنياء، فإذا اقترضوا فهم لا يسددون ما عليهم، ويعتبرون أن من حقهم أن يسلبوا الأغنياء.
٢. قد يكون الفقراء مبذرين في إنفاقهم، فيزداد فقرهم، والحل ليس هو الاقتراض من غيرهم، بل أن يكونوا حكماء، ويكتفوا بما عندهم، إلى أن تُحل أزمتهم المالية.
٣. قد يكون الفقراء خبثاء في تكاسلهم، وبالتالي لقلة أعمالهم، أو امتناعهم عن العمل أصبحوا فقراء، واعتمدوا على الاستدانة من الأغنياء.
† إذا كنت مسرورًا في عطائك، أو إقراضك للآخرين، فاهتم بهذا؛ لأنه يفرح قلب الله والمحتاجين. ولكن إن شعرت أنك تشجع المحتاجين على الخطية، وهي التبذير والكسل، فلا تقرضهم؛ حتى لا تشترك معهم في خطيتهم.
ع٩، ١٠: مجدل
: مدينة في شمال شرق مصر قرب حدوده. وكلمة مجدل معناها برج، فكانت المدينة كبرج مراقبة لحدود مصر الشرقية، وقد زالت هذه المدينة ولا توجد الآن.أسوان
: المدينة المعروفة بهذا الاسم وتقع شرق النيل قرب الحدود الجنوبية لمصر.كوش
: وهي الحبشة ويقصد بها هنا بلاد النوبة.اعتمد فرعون على النيل الذي يروى مصر ويجعلها أرضًا زراعية خصبة، فالله يواصل عقابه لمصر بأن ينشف أنهارها، أي نهر النيل وفروعه المختلفة. وهذا من السهل حدوثه عندما يسمح الله بأن يكون الماء قليلًا في فترة الصيف، إذ يمتنع الفيضان ولا تروى الأراضي الزراعية في مصر، وبالتالي لا تنتج مزروعات وتحدث مجاعة. وقلة الفيضان حدثت مرات كثيرة في تاريخ مصر، فيُفهم من هذا أن الله سمح بها في هذا الوقت؛ حتى يشعر المصريون بضعفهم في المجاعة فيتضعون. وكانت المجاعة والخراب في مصر كلها، أى لم ترو كل أرض مصر من أقصى شمالها في مجدل إلى أقصى جنوبها في أسوان وحتى النوبة. التي كانت تتبع مصر وقتذاك، أي أن الخراب كان شاملًا لكل أرض مصر تأديبًا لها.
(٢) الصدقة ( ع١١-١٨):
١١ مَعَ ذلِكَ كُنْ طَوِيلَ الأَنَاةِ عَلَى الْبَائِسِ، وَلاَ تُمَاطِلْهُ فِي الصَّدَقَةِ. ١٢ لأَجْلِ الْوَصِيَّةِ أَعِنِ الْمِسْكِينَ، وَفِي عَوَزِهِ لاَ تَرْدُدْهُ فَارِغًا. ١٣ أَتْلِفْ فِضَّتَكَ عَلَى أَخِيكَ وَصَدِيقِكَ، وَلاَ تَدَعْهَا تَصْدَأُ تَحْتَ الْحَجَرِ وَتَتْلَفُ. ١٤ أَنْفِقْ ذَخِيرَتَكَ بِحَسَبِ وَصَايَا الْعَلِيِّ؛ فَتَنْفَعَكَ أَكْثَرَ مِنَ الذَّهَبِ. ١٥ ، أَغْلِقْ عَلَى الصَّدَقَةِ فِي أَخَادِيرِكَ؛ فَهِيَ تُنْقِذُكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ. ١٦ ، تُقَاتِلُ عَنْكَ عَدُوَّكَ، أَكْثَرَ مِنْ تُرْسِ الْبَأْسِ وَرُمْحِ الْحَمَاسَةِ. ١٧ الرَّجُلُ الصَّالِحُ يَكْفُلُ الْقَرِيبَ، وَالَّذِي فَقَدْ كُلَّ حَيَاءٍ يَخْذُلُهُ. ١٨ لاَ تَنْسَ نِعَمَ الْكَافِلِ؛ فَإِنَّهُ بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِكَ.
ع١١، ١٢:
تظهر رحمة الله على مصر في أن العقاب يكون مؤقتًا لمدة أربعين سنة وليس إفناءً لمصر؛ كماحدث مع بعض الدول والمدن، مثل صور وصيدون.وبسبب المجاعة والخوف من الهجوم البابلي هرب المصريون وهاجروا إلى البلاد المحيطة، فتشتتوا، فزاد هذا مصر خرابًا.
ع١١:
أيها القادر على العطاء، إن كان أمامك بعض المحتاجين عندهم طمع، أو تكاسل، فليس معنى هذا أن تكون شحيحًا في عطائك لكل المحتاجين. فمن تشعر أنه محتاج، إعطه من مالك مادام عندك، ولا تؤجل العطاء، وكن طويل الأناة وحنون على البائس الفقير، فتعامله بمحبة ورفق، وتساعده.ع١٣، ١٤: فتروس
: مصر العليا أي الصعيد الأعلى وهو جنوب مصر، فقد كانت مصر تقسم إلى مصر العليا وهي من أسوان إلى حوالي أسيوط، ومصر السفلى أي الأرض المنخفضة وهي الدلتا.يكمل الله رحمته على مصر بعد خراب أربعين سنة وتشتت المصريين وقتل الكثيرين منهم، وتظهر هذه الرحمة في أمرين:
١. انتهاء العقاب بعد أربعين سنة ورجوع الحياة الطبيعية والسلام إلى مصر.
٢. تعود مصر ولكن كدولة ضعيفة صغيرة، حتى تكون متضعة وتحيا لله، تمهيدًا لقبولها الإيمان بالمسيح.
ع١٢: أعن
: ساعد.عوزه
: احتياجه.تردده
: المقصود ترده.إهتم بالعطاء للفقراء؛ لأن الكتاب المقدس في العهد القديم والجديد يدعونا إلى مساعدة الفقراء. والوصايا في هذا الأمر كثيرة، منها:
"افتح يدك لأخيك الفقير والمسكين" (تث١٥: ١١)، وكذلك "لا تقبض يدك عن أخيك الفقير... واقرضه مقدار ما يحتاج إليه" (تث١٥: ٧، ٨).
"ينبغى أنكم تتعبون وتعضدون الضعفاء متذكرين كلمات الرب يسوع أنه قال مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (اع٢٠: ٣٥).
فيلزم أن تساعد الفقير ولا ترده فارغًا دون أن تعطيه، ما دمت قادرًا على مساعدته.
ع١٥، ١٦:
برجوع مصر كدولة حقيرة ضعيفة تحدث نتيجتان هامتان:١. اتضاع مصر.
٢. درس لشعب الله حتى يتذكر خطيته في اعتماده على مصر، فعندما يراها ضعيفة يتأكد أن الاتكال هو على الله فقط، وليس على البشر.
ع١٣:
عندما يعطى العاطى أمواله للمحتاجين - وهذه الأموال كانت في شكل فضة، أو ذهب - يعتبر هذا أمام النظرة البشرية إتلاف؛ لأنها لن تعود إليه، وتكون أملاكه قد قلَّت شيئًا ما؛ هذا ما قد يفكر به الإنسان، ولكن ليعلم كل إنسان أن إكتناز الفضة والذهب بحفظها تحت حجر، يعرضها للصدأ والتلف. أما ما يسمى إتلاف، وهو العطاء للمحتاج، فهذا يفيد المحتاج، ويرضى الله عنك ويحبك، فهذه دعوة للصدقة والعطاء لكل محتاج.وفى العصر الحالى، فإن المال بجميع صوره، معرض للسرقة، والضياع بأى شكل، أما استخدامه في مساعدة المحتاجين، فهذا أمر عظيم أمام الله، ومحبة مقدمة لأخوتنا المحتاجين.
والمسيح في العهد الجديد يؤكد هذا المعنى، فأوصانا أن نكنز في السماء بدلًا من أن نعرض ما نكتنزه للسوس والصدأ (مت٦: ١٩).
(٣) بابل تهجم على مصر ( ع١٧-٢١):
١٧ وَكَانَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ، فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ، فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ، أَنَّ كَلاَمَ الرَّبِّ كَانَ إِلَيَّ قَائِلاً: ١٨ «يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّ نَبُوخَذْرَاصَّرَ مَلِكَ بَابِلَ اسْتَخْدَمَ جَيْشَهُ خِدْمَةً شَدِيدَةً عَلَى صُورَ. كُلُّ رَأْسٍ قَرِعَ، وَكُلُّ كَتِفٍ تَجَرَّدَتْ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ وَلاَ لِجَيْشِهِ أُجْرَةٌ مِنْ صُورَ لأَجْلِ خِدْمَتِهِ الَّتِي خَدَمَ بِهَا عَلَيْهَا. ١٩ لِذلِكَ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا أَبْذُلُ أَرْضَ مِصْرَ لِنَبُوخَذْرَاصَّرَ مَلِكِ بَابِلَ، فَيَأْخُذُ ثَرْوَتَهَا، وَيَغْنَمُ غَنِيمَتَهَا، وَيَنْهَبُ نَهْبَهَا فَتَكُونُ أُجْرَةً لِجَيْشِهِ. ٢٠ قَدْ أَعْطَيْتُهُ أَرْضَ مِصْرَ لأَجْلِ شُغْلِهِ الَّذِي خَدَمَ بِهِ، لأَنَّهُمْ عَمِلُوا لأَجْلِي، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. ٢١ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أُنْبِتُ قَرْنًا لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ. وَأَجْعَلُ لَكَ فَتْحَ الْفَمِ فِي وَسْطِهِمْ، فَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ».
ع١٤:
والعطاء هو تنفيذ لوصايا الله، كما ذكرنا في (ع١٢)، فننفق ذخائرنا، أي ما ندخره في العطاء للمحتاجين، بهذا يباركنا الله في حياتنا على الأرض. وهذه العطايا تتبعنا عندما نرتفع إلى السماء، أي يكافئنا الله عنها، وعن كل جهادنا الروحي في ملكوت السموات.ع١٧، ١٨
:كل رأس قرع
: كان حلق الرأس وعمل قرعة فيها تعبيرًا عن الحزن.كل كتف تجردت
: أي تعبت جدًا وتسلخ جلدها من كثرة الأحمال التي حملتها.هذه نبوة ثانية لحزقيال على مصر، يحدد ميعادها في اليوم الأول من الشهر الأول في السنة السابعة والعشرين لسبى يهوياكين، الذي يسمى السبي العظيم الذي سبى فيه يهوياكين إلى بابل.
أعلن الله على فم حزقيال أن الله يرى مدى التعب الذي احتمله ملك بابل في محاصرة صور مدة تقرب من خمسة عشر عامًا، احتمل فيها جيشه كثيرًا، ولكنه لم يجد غنيمة؛ لأن صور البرية استطاعت أن تنقل نفائسها إلى صور البحرية، أي الجزيرة التي وسط البحر ولا يمكن الوصول إليها ومهاجمتها. وبهذا عندما دخل نبوخذنصر صور لم يجد فيها شيئًا، أي أنه تعب جدًا ولم يأخذ مكافأته، ولكنه بهذا دون أن يقصد نفذ عقاب الله في صور المتكبرة.
ع١٥: أخاديرك
: جمع خدر، وهو الستر الذي كان يُعمل قديمًا في المنازل لتستتر وراءه المرأة.الإغلاق على الصدقة في الأخادير معناه:
١. إعطاء الصدقة في الخفاء.
٢. الاهتمام بالصدقة التي بها نكنز كنوزًا في السماء، فتكون كنوزنا مخفية عن أعين الناس؛ لأنها في السماء.
٣. الأخادير ترمز إلى قلوب الفقراء، فعندما نعطى المحتاجين يصلون من أجلنا، فينقذنا الله من كل شر.
وهذه الصدقة من بركاتها أن تنقذنا من كل شر، وذلك فيما يلي:
١. الله ينقذنا في حياتنا على الأرض من المشاكل والخطايا، فنعبر منها بسلام.
٢. ينقذنا الله من شرور العالم، بأن نرتفع في النهاية للراحة الأبدية في الملكوت، ولا نذهب إلى الجحيم.
ع١٩، ٢٠:
مكافأة لبابل التي لم تغتنم شيئًا من صور، أعطاها الله قوة لتهجم على مصر وتأخذ خيراتها الكثيرة، فتكون مكافأة لها على تعبها؛ لأنها نفذت كلام الله في صور. فهذا يبين أن بابل دون أن تشعر هي أداة في يد الله ينفذ بها مشيئته.ع١٦، ١٧:
تم الإشارة إليهما في مقدمة هذا الأصحاح.ع٢١:
عندما تحطم بابل صور وبعدها مصر تضعف الدول المحيطة بشعب الله، فيعطى الله لشعبه قوة، التي يعبر عنها بإنبات قرن لبيت إسرائيل، لأن القرن هو أقوى شيء في الحيوان. ويقول لحزقيال أيضًا أنه سيفتح فمه ويشكر الله ويسبحه على صنيعه، أي أنه بعد تحطيم أورشليم تحطمت مصر، فحدث أمران هما:١. آمن شعب الله بأن الاتكال ليس على البشر مهما كانت قوتهم مثل مصر؛ لأنها تحطمت ولكن الاتكال على الله فقط. فبدأ شعب الله يستعيد إيمانه بالله، فينبت له قرن وقد كمل هذا القرن بالرجوع من السبي في أول عهد المملكة الفارسية وبدء بناء الهيكل مرة ثانية.
٢. استطاع حزقيال حينئذ أن يفتح فمه ويشكر الله برجوع شعبه للإيمان، فيثبتهم ويشجعهم.
نلاحظ أنه قد مرت سبعة عشر عامًا بين النبوة الأولى (ع١) والنبوة الثانية (ع١٧) أي أنه تنبأ عن هلاك فرعون وتأديب مصر، ثم بعد سبعة عشر عامًا تنبأ عن الهجوم البابلي، واستعادة شعب الله قوته؛ فالله أعطى فرعون ولكل شعبه فرصة للتوبة ولكنهم لم يستجيبوا.
تحطمت مصر وظهر قرن لشعب الله وانفتح فم حزقيال، وكان هذا رمزًا لموت المسيح على الصليب وفدائه لشعبه، ثم إعلان قيامته ليقوم فيه المؤمنون به، أي كنيسته وينفتح فم تلاميذه بالبشارة في العالم كله. فتحطيم مصر يرمز لموت المسيح، وإنبات القرن يرمز لقيامته، وانفتاح فم حزقيال يرمز لكرازة الرسل.
† إن الله ينذرنا في الكتاب المقدس لنرجع إليه، فليتنا نستجيب لوصاياه، فنخلص من شر العالم، ونجد حياتنا فيه إلى الأبد.
ع١٨: ترس
: قطعة خشبية لها عروة من الخلف، يضع فيها الجندى يده، ويحركها أمام رأسه وجسده؛ لتحميه من سهام العدو في الحرب.البأس
: القوة.الحماسة
: الشجاعة.إن الصدقة ترتفع إلى الله، ويفرح بها، أي بمحبتك، فتدافع عنك أمام عدوك الشيطان أكثر من ترس البأس، أي الله يقف معك، ويصد عنك هجمات الشيطان، ويكشف حيله، فتدوسها وتعبر فوقها.
وإن كان الشيطان سيلقى عليك في شجاعة رمحه؛ ليسقطك في الخطية، فالله يحميك من هذا الرمح، بل يقويك، فتضربه أنت بصلواتك واتضاعك، فتنتصر عليه؛ لأنك أحببت الله، ويظهر هذا في صدقاتك.
† ليتك تنتهز كل فرصة لمساعدة المحتاجين؛ سواء الفقراء، أو المرضى، أو الغرباء ... فمحبتك لأى محتاج هي عطاء لله شخصيًا، فيفرح بك، ويباركك، ويعد لك مكانًا عظيمًا في السموات.
(٣) الكفالة ( ع١٩-٢٧):
١٩ الْخَاطِئُ يَهْرُبُ مِنْ كَافِلِهِ، وَاللَّئِيمُ الرُّوحِ يَخْذُلُهُ. ٢٠ الْخَاطِئُ يُدَمِّرُ خَيْرَاتِ الْكَافِلِ، وَجَاحِدُ الْجَمِيلِ يَخْذُلُ مُخَلِّصَهُ. ٢١ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَكْفُلُ قَرِيبَهُ، لكِنَّهُ يَفْقِدُ كُلَّ حَيَاءٍ فَيَخْذُلُهُ. ٢٢ كَثِيرُونَ كَانُوا فِي نُجْحٍ؛ فَأَهْلَكَتْهُمُ الكَفَالَةُ وَأَقْلَقَتْهُمْ كَأَمْوَاجِ الْبَحْرِ. ٢٣ أَلْجَأَتْ رِجَالًا مُقْتَدِرِينَ إِلَى الْمُهَاجَرَةِ؛ فَتَاهُوا بَيْنَ أُمَمٍ غَرِيبَةٍ. ٢٤ الْخَاطِئُ الَّذِي يَتَهَافَتُ عَلَى الكَفَالَةِ، وَيَصْبُو إِلَى الْمُعَامَلاَتِ يَقَعُ تَحْتَ الأَقْضِيَةِ. ٢٥ أَمْدِدْ قَرِيبَكَ بِقَدْرِ طَاقَتِكَ، وَاحْذَرْ عَلَى نَفْسِكَ أَنْ تَسْقُطَ. ٢٦ رَأْسُ الْمَعِيشَةِ الْمَاءُ وَالْخُبْزُ وَاللِّبَاسُ وَالْبَيْتُ السَّاتِرُ لِلسَّوْءَةِ. ٢٧ عَيْشُ الْفَقِيرِ تَحْتَ سَقْفٍ مِنْ أَلْوَاحٍ، خَيْرٌ مِنَ الأَطْعِمَةِ الْفَاخِرَةِ فِي دَارِ الْغُرْبَةِ.
ع١٩
:يكفل
: يضمن الآخر ويسدد ما عليه إن لم يستطع هذا الآخر التسديد.يخذله
: يتخلى عنه.الله هو كفيلنا الذي ضمننا، ومات عنا على الصليب، وأعطانا الخلاص بدمه، فكل إنسان مؤمن بالمسيح، ويحيا معه هو صالح، فيكفل قريبه في احتياجه وضيقته، أما من يخذله ويتخلى عنه، فهو فاقد للحياء، ولا يقدر عظمة الخلاص الذي أعطاه له الله.
ع٢٠
: إذا مررت بضيقة، وتقدم إنسان صالح وكفلك، فاشكره جدًا، وحاول أن ترد له الجميل إن استطعت، سواء في تسديد الأموال التي دفعها عنك، أو في أية خدمة يحتاجها.تطبيق هذا يكون أولًا مع الله، الذي كفلك على الصليب، فتشكره وتطيع وصاياه، وتخدمه كل أيام حياتك.
وأيضًا لا تنسى أباك وأمك اللذان كفلاك، وأعتنيا بك منذ ولدت، فتهتم بهما في احتياجاتهما، وشيخوختهما، ومن أجل هذا أعطاك الله الوصية "أكرم أباك وأمك" (خر٢٠: ١٢).
ع٢١-٢٣
: تخاطب هذه الآيات الشخص المحتاج الذي كفله شخص صالح، والذي ينبغى أن يرد له الجميل، ويسدد ما عليه عندما يتوفر له المال، ولكن إن كان هذا المكفول خاطئًا ولئيمًا وجاحدًا للجميل، فلا يسدد ما عليه، ويخذل من كفله، فيهرب من كافله، وهو بهذا يدمر خيرات الكفيل، فلن يستطيع أن يساعد ويكفل الآخرين، إذ أن أمواله لا ترجع إليه ممن كفلهم.ع٢٤، ٢٥
:كانوا في نجح
: نجاح وغنى.كثير من الأغنياء الناجحين في أعمالهم وحياتهم اضطربوا من أجل كفالتهم لغيرهم، وكادوا يهلكون، أي يقبض عليهم، ويلقون في السجن، واضطروا للهرب إلى بلاد بعيدة؛ لأنهم عاجزون عن تسديد الكفالات التي ضمنوا بها غيرهم، وامتناع المكفولين عن سداد ما عليهم، أو جزء منه، وبهذا تاه هؤلاء الأغنياء وسط أمم غريبة، وعاشوا غرباءً وضعفاءً في أماكنهم الجديدة التي تغربوا فيها.
ع٢٦
:يصبو
: يسعى.المعاملات
: طلب أن يكفله أحد.الإنسان الخاطئ الذي يحب المال، ويسعى لطلب أن يكفله أحد، ولا يهتم بتسديد ما عليه في أقرب وقت، فهو يعرض من يكفله، لتسديد الكفالة عنه، فتنقص أمواله، ويحتاج، فيضطر للهرب؛ هذا يسقط تحت قضاء الله، فيغضب عليه في الأرض، ثم يدينه في يوم الدينونة، لأن محبته للمال جعلته يؤذى غيره.
ع٢٧
:أمدد
: ساعد.خلاصة كل ما سبق عن الكفالة، هو الآتي:
١. ساعد قريبك المحتاج قدر ما يفيض منك من أموال.
٢. كن حذرًا؛ لئلا تسقط في الديون، فيقبضون عليك، وتلقى في السجن، أو تضطر للهرب؛ حتى لا يقبضوا عليك.
† ليكن قلبك متسعًا بالحب لتساعد المحتاجين وتضمنهم إذا كان عندك من المال ما يفيض عنك، ولكن إن كنت غير قادر، فلا تندفع وتكفل غيرك؛ لأجل إلحاحه عليك؛ حتى لا تضايق نفسك، أو تهتز مبادئك عندما يتخلى عنك من كفلته، ويمتنع عن تسديد ما عليه. فمحبة الآخرين أمر ضرورى، ولكن في نفس الوقت يلزم أن تقترن بالحكمة، واستشارة مرشديك.
(٤) القناعة ( ع٢٨-٣٥):
٢٨ إِرْضَ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؛ فَلاَ تَسْمَعَ تَعْيِيرًا فِي أَمَرِ الْبَيْتِ. ٢٩ بِئْسَ حَيَاةُ الإِنْسَانِ مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ، وَحَيْثُمَا ضَافَ لَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. ٣٠ تُطْعِمُ وَتَسْقِي جَاحِدِينَ لِجَمِيلِكَ، وَأَنْتَ ضَيْفُهُمْ، وَوَرَاءَ ذلِكَ تَسْمَعُ أَقْوَالًا مُرَّةً. ٣١ أَنْ قُمْ، يَا ضَيْفُ، جَهِّزِ الْمَائِدَةَ، وَإِنْ كَانَ بِيَدِكَ شَيْءٌ فَأَطْعِمْنِي. ٣٢ انْصَرِفْ، يَا ضَيْفُ، مِنْ أَمَامِ شَخْصٍ كَرِيمٍ. إِنَّ أَخًا لِي يَتَضَيَّفُنِي؛ فَأَنَا مُحْتَاجٌ إِلَى الْبَيْتِ. ٣٣ أَمْرَانِ يَسْتَثْقِلُهُمَا الإِنْسَانُ الْفَطِنُ: الاِنْتِهَارُ فِي أَمَرِ الْبَيْتِ، وَتَعْيِيرُ الْمُقْرِضِ. ٣٤ انصرف يا ضيف من امام شخص كريم ان اخا لي يتضيفني فانا محتاج الى البيت ٣٥ امران يستثقلهما الانسان الفطن الانتهار في امر البيت و تعيير المقرض
ع٢٨
:السوءة
: هي العورة، وهي ما يستره الإنسان من جسده خجلًا من إظهاره.أساس الاحتياجات الضرورية للإنسان هو توفر الخبز، وهو رمز للطعام بأنواعه، والماء، وهو رمز لكل ما يشربه الإنسان، واللباس، أي جميع أنواع الملابس، بالإضافة إلى البيت الذي ينام فيه الإنسان ويستريح ويستره، لأنه إذا نام في العراء قد تنكشف بعض أجزاء من جسمه.
والمقصود قناعة الإنسان في طلباته لاحتياجاته المعيشية، فهو لا يحتاج إلا إلى هذه الأربعة: الخبز والماء، واللباس، والبيت، أما ما عدا هذا فهو يعد رفاهيات كمالية، يمكن استخدامها، أو الاستغناء عنها.
ع٢٩
: من جهة المسكن، فالإنسان الفقير مهما كان بيته بسيطًا، وسقف بيته مصنوع من ألواح خشبية متجاورة، فهو أفضل من بيت عظيم مملوء بالأطعمة الفاخرة، ولكن ليس بيته، بل هو ضيف وغريب في هذا المكان؛ لأن الفقير يتصرف بحرية داخل مسكنه، مهما كان حقيرًا! أما في البيت العظيم، ذى الأطعمة اللذيذة، فسيعانى من ذل وإهانات كثيرة، كما يظهر من الآيات التالية.والخلاصة، كن مكتفيًا بما عندك، مهما كان هذا المسكن أقل من غيره بكثير، لكنه ملك لك، تحيا فيك بحريتك، وتعمل ما تشاء، وتشكر الله عليه.
ولا تتسرع للسفر لأى مكان، لتقيم ضيفًا في مسكن غيرك، فلا تجد راحتك، وحتى في الدول الأجنبية، قد لا تجد كل الحقوق مثلما في بلدك، لا تنبهر بعظمة البيت، أو أي أمور خارجية؛ لأن الحرية أفضل شيء، وتساعدك على أن تحيا مع الله.
ع٣٠
: ليتك ترضى يا أخى بما عندك من إمكانيات للمعيشة؛ سواء كانت كثيرة أو قليلة؛ لأنها في بيتك، وملك لك، مهما كانت متواضعة، ولكن إذا كنت غريبًا في مكان، فتتعرض لسماع إهانات وتعييرات ممن يقيمون في هذا المكان، ويحتقرونك لأنك غريب، فلا يريدون أن يعطوك نفس الحقوق التي يتمتعون بها.ع٣١
:بئس
: ما أسوأ.ضاف
: نزل ضيفًا.ما أسوأ ألا يكون لك بيت تستقر فيه، بل تحيا غريبًا، فتنتقل من بيت إلى بيت، حسبما تجد إنسانًا يستضيفك.
وفى أي مكان يستضيفونك فيه، مهما وجدت أمورًا لا تناسبك، وتضايقك، تضطر أن تحتملها، ولا تفتح فمك بأى اعتراض؛ لأنهم سيهنونك لو حاولت الاعتراض.
ع٣٢
: إن من يستضيفونك سيستغلونك لإعداد الطعام لهم، وكذا الشراب، وترتيب البيت، فهم لا يكرمونك كضيف، ولكنهم ينظرون إليك أنك كمستغل تأكل عندهم، وتنام، فيعتبرون أن من حقهم عليك أن تخدمهم، وتتعب لأجل كل ما يطلبونه.وبالإضافة إلى كل التعب الذي تعانيه، ستسمع أقوالًا مرة منهم، فيلومونك على التقصير في خدمتهم، ويأمرونك بقسوة أن تعمل ما يريدونه، أي ستعذب نفسك طالما أنت مقيم عندهم.
ع٣٣
: ويأمرك صاحب البيت، ويقول لك يا ضيف قم أعدد لى طعامًا، وكل ما أحتاجه، وإن كنت تأكل شيئًا يقول لك: أعطنى ما تأكله؛ لأنى صاحب البيت، وأحق منك بأى طعام، أو شراب.ع٣٤
: الأصعب من كل هذا، بعد كل ما احتملته من استغلال من صاحب البيت، أن يزوره أحد أحبائه، فيصفه بأنه رجل كريم، وأخ، وأحق منك في أن يقيم عنده، ويستضيفه، فيطردك من البيت، فتخرج مهانًا ومذلولًا. لماذا كل هذا؟ إلا لأنك غير قنوع، وتريد مكانًا وأطعمة وأمورًا فاخرة؛ هذا هو الثمن، الذل والعار.ع٣٥
: خلاصة ما قيل في هذا الأصحاح، أنه من أصعب الأمور في الحياة أمرين :١. تعيير صاحب البيت الذي يستضيفك وإهانته لك واستغلالك.
٢. تعيير مَن أقرضك مالًا، فيذلك قبل أن يقرضك، ويهينك إن تأخرت في السداد، ويتكلم عليك كلامًا رديئًا مع كل الناس، فيسىء إلى سمعتك.
فالإنسان الحكيم، أي الفطن يبعد نفسه عن الانشغال بالشهوات المادية، فلا يسافر إلى أماكن بعيدة؛ ليجد فيها ما هو أفضل من حياته في مكانه، أو يقترض ليرفع مستوى معيشته. والأفضل بالطبع أن يكون الإنسان قنوعًا، يكتفى بما عنده، ويشكر الله، وينشغل بخلاص نفسه. أي يا ليتك تتغرب يا أخى عن العالم ومادياته؛ لتستوطن عند الله، فتحيا في سلام وفرح، وكرامة روحية، بدلًا من أن تجرى وراء شهواتك، فيذلك الشيطان، بل وتسقط في خطايا أيضًا كثيرة، وتبتعد تدريجيًا عن الله، فتخسر خلاص نفسك.
† تعلم يا أخى أن تضبط شهواتك، وتستخدم كل شيء بمقدار، فيفيض عنك، وتعطى الآخرين، بدلًا من أن تكون في إحساس الحرمان، والجرى وراء الشهوات. لا تنسى هدفك الوحيد، وهو خلاص نفسك وأبديتك.