تفسير الكتاب المقدس

الأَصْحَاحُ الحَادِي وَالعِشْرُونَ

الهرب من الخطية والالتجاء إلى الحكمة

(١) الحذر من الخطية والشتيمة (ع١-١١)

(٢) الحكيم والأحمق (ع١٢-٣١)

الأَصْحَاحُ الحَادِي وَالعِشْرُونَ

سيف بابل المدمر

(١) التنهد على أورشليم (ع١-٧)

(٢) سيف حاد مدمر (ع٨-١٧)

(٣) طريقا ملك بابل (ع١٨-٢٤)

(٤) صدقيا الشرير (ع٢٥-٢٧)

(٥) معاقبة العمونيين (ع٢٨-٣٢)

(١) الحذر من الخطية والشتيمة (ع١-١١):

١ يَا بُنَيَّ، إِنْ خَطِئْتَ فَلاَ تَزِدْ بَلِ اسْتَغْفِرْ عَمَّا سَلَفَ مِنَ الْخَطَاءِ. ٢ اهْرُبْ مِنَ الْخَطِيئَةِ هَرَبَكَ مِنَ الْحَيَّةِ؛ فَإِنَّهَا إِنْ دَنَوْتَ مِنْهَا لَدَغَتْكَ. ٣ أَنْيَابُهَا أَنْيَابُ أَسَدٍ، تَقْتُلُ نُفُوسَ النَّاسِ. ٤ كُلُّ إِثْمٍ كَسَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، لَيْسَ مِنْ جُرْحِهِ شِفَاءٌ. ٥ التَّقْرِيعُ وَالشَّتْمُ يَسْلُبَانِ الْغِنَى، وَبِمِثْلِ ذلِكَ يُسْلَبُ بَيْتُ الْمُتَكَبِّرِ. ٦ تَضَرُّعُ الْفَقِيرِ يَبْلُغُ إِلَى أُذُنَيِ الرَّبِّ، فَيُجْرَى لَهُ الْقَضَاءُ سَرِيعًا. ٧ مَنْ مَقَتَ التَّوْبِيخَ، فَهُوَ فِي إِثْرِ الْخَاطِئِ، وَمَنِ اتَّقَى الرَّبَّ، يَتُوبُ بِقَلْبِهِ. ٨ السَّلِيطُ اللِّسَانِ بَعِيدُ السُّمْعَةِ، لكِنَّ الْعَاقِلَ يَعْلَمُ مَتَى يَسْقُطُ. ٩ مَنْ بَنَى بَيْتًا بِأَمْوَالِ غَيْرِهِ، فَهُوَ كَمَنْ يَجْمَعُ حِجَارَتَهُ فِي الشِّتَاءِ. ١٠ جَمَاعَةُ الأُثَمَاءِ مَشَاقَةٌ مَجْمُوعَةٌ، وَغَايَتُهَا لَهِيبُ نَارٍ. ١١ طَرِيقُ الْخَطَأَةِ مَفْرُوشٌ بِالْبَلاَطِ، وَفِي مُنْتَهَاهُ حُفْرَةُ الْجَحِيمِ.

(١) التنهد على أورشليم (ع١-٧):

١ وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلاً: ٢ «يَا ابْنَ آدَمَ، اجْعَلْ وَجْهَكَ نَحْوَ أُورُشَلِيمَ، وَتَكَلَّمْ عَلَى الْمَقَادِسِ، وَتَنَبَّأْ عَلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ، ٣ وَقُلْ لأَرْضِ إِسْرَائِيلَ: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا عَلَيْكِ، وَأَسْتَلُّ سَيْفِي مِنْ غِمْدِهِ فَأَقْطَعُ مِنْكِ الصِّدِّيقَ وَالشِّرِّيرَ. ٤ مِنْ حَيْثُ أَنِّي أَقْطَعُ مِنْكِ الصِّدِّيقَ وَالشِّرِّيرَ، فَلِذلِكَ يَخْرُجُ سَيْفِي مِنْ غِمْدِهِ عَلَى كُلِّ بَشَرٍ مِنَ الْجَنُوبِ إِلَى الشِّمَالِ. ٥ فَيَعْلَمُ كُلُّ بَشَرٍ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ، سَلَلْتُ سَيْفِي مِنْ غِمْدِهِ. لاَ يَرْجعُ أَيْضًا. ٦ أَمَّا أَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَتَنَهَّدْ بِانْكِسَارِ الْحَقَوَيْنِ، وَبِمَرَارَةٍ تَنَهَّدْ أَمَامَ عُيُونِهِمْ. ٧ وَيَكُونُ إِذَا قَالُوا لَكَ: عَلَى مَ تَتَنَهَّدُ؟ أَنَّكَ تَقُولُ: عَلَى الْخَبَرِ، لأَنَّهُ جَاءٍ فَيَذُوبُ كُلُّ قَلْبٍ، وَتَرْتَخِي كُلُّ الأَيْدِي، وَتَيْأَسُ كُلُّ رُوحٍ، وَكُلُّ الرُّكَبِ تَصِيرُ كَالْمَاءِ، هَا هِيَ آتِيَةٌ وَتَكُونُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ».

ع١: سلف

: سبق.

الخطاء

: الخطايا.

الشيطان دائم الحرب ضد البشر؛ ليسقطهم بالخطايا. فإذا سقطت في خطية لا تيأس، ولا تتهاون أيضًا، بل أسرع إلى التوبة؛ لأن الشيطان بعد سقوطك إما، يحاربك بأنك ساقط وخاطئ، وليس فيك روح الله لتيأس، أو يبرر لك الخطية، ويظهرها لطيفة، وغير مضرة؛ لتتمادى فيها، وهو يعد لك فخاخًا كثيرة ليستمر سقوطك.

انتبه، وقم سريعًا إلى التوبة، وأطلب غفران الله، فتنال مراحمه وغفرانه عن كل ما سبق من خطاياك.

ع١، ٢:

بعد أن أظهر الله لشعبه تمردهم عليه على مدى الأجيال في الأصحاح السابق، لم يتوبوا، بل استهانوا بكلامه، وقالوا في نهاية الأصحاح أنها مجرد أمثلة وليست واقع سيحدث (حز ٢٠: ٤٩). ففى هذا الأصحاح يتكلم الله بوضوح عن بابل التي ستدمر أورشليم ومملكة يهوذا، وينادى حزقيال يا ابن آدم، ليشهد الإنسان البشرى العادي على شرور شعبه التي تستحق العقاب. والتنبؤ هنا موجه لأورشليم حيث هيكل الله، الذي يسميه المقادس التي نجسوها بأصنامهم وشرورهم، وعلى كل أرض يهوذا التي يسميها إسرائيل؛ لأنهم شعبه بنى إسرائيل، فالمقصود بإسرائيل ليست مملكة إسرائيل الشمالية، بل بني إسرائيل الموجودين في يهوذا.

ع٢: دنوت

: اقتربت.

إذا نظرت، أو سمعت شيئًا شريرًا، أو إذا اقتربت منك أية خطية، فلا تنشغل بإغرائها؛ لأنها كالحية مملوءة سمًا، وتريد أن تسقطك وتهلكك. إهرب من الخطية، كما يهرب الإنسان من الحية، وإن كان جلد الحية أملس، وألوانه جذابة، لكن في داخله السم، هكذا الخطية، فتنازل عن أي شيء لتبتعد عنها؛ سواء كان هذا الشئ مكان، أو شخص، أو جهاز، أو أي شيء. واحرص ألا تقترب أنت منها؛ لأنها ستلدغك كالحية، فكن مدققا لتبتعد عن مصادر الخطية.

وتشبيه الخطية بالحية، رجوعًا للخطية الأولى، التي سقط فيها الإنسان، عندما دخل الشيطان في الحية، وأسقط حواء، ثم آدم.

ع٣: غمده

: الجراب، أو الحافظة التي يوضع فيها السيف حتى لا يجرح أحدًا بحديه.

النبوة تعلن أن سيف الله سيخرج من غمده ليقتل الكثيرين، ويقصد بسيف الله بابل التي ستهجم على أورشليم ومملكة يهوذا. وما أصعب أن يكون الله على إنسان وليس معه، لأن يد الله قوية وثقيلة، وهي تكون على الأبرار لينقلوا إلى بابل ويعيشوا وينجحوا هناك مثل حزقيال ودانيال، وتكون أيضًا على الأشرار فيقتلوا بالسيف، أو تكون على الأبرار فيقتلوا وتحفظ أرواحهم لتدخل الفردوس، أما الأشرار فعندما يقتلون فإنهم يُحْفَظون ليذهبوا للعذاب الأبدي.

ع٣:

الخطية شرسة، فإن كانت تبدو في مظهرها مغرية ولينة، ولكنها كالأسد، أنيابها حادة تفترس الإنسان الذي يقترب إليها، ويسقط فيها. لذا تؤكد هذه الآية ضرورة الإسراع في الابتعاد عن طريق آى خطية.

وقد أعلن بطرس الرسول أن الشيطان خصمنا كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه (١ بط٥: ٨). هذه هي الخطية التي يقدمها الشيطان؛ ليسقطنا ويهلكنا.

ع٤:

سيكون الهلاك عامًا لكل مملكة يهوذا من الجنوب إلى الشمال، أي سيهلك الكل الأبرار والأشرار، إعلانًا عن غضب الله الذي أطال أناته على شعبه من بعد أيام يوشيا الملك الصالح، حيث عبدوا الأصنام وتمموا شهواتهم الشريرة.

ع٤:

الإثم يشبه سيفًا ذا حدين، أى يجرح الإنسان يمينًا، ويسارًا، وجرحه مضاعف، والاستسلام للإثم يجعل الجراح بلا شفاء.

يشبه الإثم بالسيف ذى الحدين؛ لأنه يوقع الإنسان فيه، ثم بعد هذا يسقطه في التمادي، والتعود عليه، ثم يحاربه الشيطان باليأس، وهو أيضًا ذو حدين؛ لأنه يسقط الإنسان مرات كثيرة، وإذا رفض الإنسان الإثم، يحاربه الشيطان بالكبرياء؛ لأنه انتصر على الإثم، وهذه هي الضربات الشمالية والضربات اليمينية. والإثم ذو حدين؛ لأنه يسقط الإنسان في هذا الإثم؛ ثم يسقطه في خطايا أخرى ناتجة عن هذا الإثم؛ لأن الخطايا متشابكة، وكل واحدة تؤدى للأخرى، وهناك خطايا أمهات تلد خطايا أخرى.

إن كان الإثم سيفًا ذا حدين، فعلاجه كلمة الله، التي هي سيف ذو حدين (عب٤: ١٣)، لذا فالمسيح في التجربة على الجبل رد على خطايا الشيطان بآيات من الكتاب المقدس (مت٤).

ع٥: سللت سيفى

: أخرجت سيفى من جرابه.

يؤكد الله هنا أن غضبه سيظهر من خلال بابل، فيدعوها سيفه الذي سيهلك به شعبه في مملكة يهوذا. وسيستمر هذا مدة طويلة ليهلك الكثيرين، فلا يرجع إلى غمده بسرعة. ويظهر أمام كل البشر أن الله غاضب على شعبه بسبب خطاياهم.

ع٥:

التقريع

: التوبيخ.

إذا كان الإنسان غضوبًا، ويشتم غيره، ويميل إلى اللوم والتوبيخ، فإن الناس تبتعد عنه، لتضايقهم منه، فلا يكون له صديق، وإن كان يعمل في أي عمل، لا يتعاون معه أحد، وإن كان تاجرًا، فلا يشترون منه، وفى النهاية يفقد غناه، وثروته، ويخسر، ويصير فقيرًا.

كذلك المتكبر، يضايق من حوله بكبريائه، فيخسر أيضًا أحباءه، ويصير وحيدًا، ويفتقر أيضًا.

والخلاصة، ينبغى للإنسان الحكيم أن يضبط لسانه، ولا يلوم غيره، أو يضايقهم بكلامه، ويكون متضعًا، فيكسب من حوله.

ع٦: انكسار الحقوين

: بانحناء وتوجع وهي كناية عن الحزن الشديد.

يطلب الله من حزقيال أن يظهر حزنه الشديد في تنهدات وتألم في جسده وتوجع، أو مرارة في قلبه على كل هذه الأحداث، حتى عندما يسأله الناس عن سبب حزنه يشرح لهم هذه النبوة والدمار الذي سيحل على أورشليم وأرض يهوذا.

ع٦:

الإنسان الفقير والمحتاج بأى شكل، من ضيقته يصلى إلى الله باتضاع، وبلجاجة، بل يصرخ إليه؛ لينقذه، فترتفع هذه الصلاة، وهذا التضرع إلى الله بسرعة، ويستجيب الله أيضًا سريعًا، وينصف الفقير والمحتاج، ويسنده، ويقضى له احتياجه، بل أيضًا يرفعه، ويمجده.

ع٧:

عندما يسأل الناس حزقيال عن تنهده وحزنه يقول لهم إن السبب هو الخبر، أي كلام الله وأمره بتخريب مملكة يهوذا، وهذا سيجعل كل القلوب في ألم شديد وخوف، وستضعف تمامًا كل قوة في شعب الله، التي يمثلها بالأيدى. ويشعر كل سكان أورشليم ومما حولها باليأس أمام هجوم بابل العنيف، ويفقدون قوتهم على الحركة، التي يرمز إليها بالركب الضعيفة جدًا التي صارت كالماء. ثم يؤكد حزقيال أن كل هذه المصائب ستأتي حتمًا على شعب الله كما أمر الله.


ع٧: مقت

: كره وأبغض.

إثر

: طريق.

الله يعلن صوته أحيانًا من خلال كلمات التوبيخ على ألسنة المحيطين بك، فإن تضايقت من التوبيخ، فأنت ترفض صوت الله، وهكذا تسير في آثار الخاطئ، أي طريقه الشرير، ولكن إذا جلست مع نفسك بعد هذا، وراجعت كلام التوبيخ، واستفدت منه، واعتبرته صوتًا من الله، فأنت إنسان تخاف الله، وهذا سيقودك للتوبة، وإصلاح أخطائك، فتصير عظيمًا، ويفرح بك الله.

(٢) سيف حاد مدمر (ع٨-١٧):

٨ وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلاً: ٩ «يَا ابْنَ آدَمَ، تَنَبَّأْ وَقُلْ: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: قُلْ: سَيْفٌ سَيْفٌ حُدِّدَ وَصُقِلَ أَيْضًا. ١٠ قَدْ حُدِّدَ لِيَذْبَحَ ذَبْحًا. قَدْ صُقِلَ لِكَيْ يَبْرُقَ. فَهَلْ نَبْتَهِجُ؟ عَصَا ابْنِي تَزْدَرِي بِكُلِّ عُودٍ. ١١ وَقَدْ أَعْطَاهُ لِيُصْقَلَ لِكَيْ يُمْسَكَ بِالْكَفِّ. هذَا السَّيْفُ قَدْ حُدِّدَ وَهُوَ مَصْقُولٌ لِكَيْ يُسَلَّمَ لِيَدِ الْقَاتِلِ. ١٢ اصْرُخْ وَوَلْوِلْ يَا ابْنَ آدَمَ، لأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى شَعْبِي وَعَلَى كُلِّ رُؤَسَاءِ إِسْرَائِيلَ. أَهْوَالٌ بِسَبَبِ السَّيْفِ تَكُونُ عَلَى شَعْبِي. لِذلِكَ اصْفِقْ عَلَى فَخْذِكَ. ١٣ لأَنَّهُ امْتِحَانٌ. وَمَاذَا إِنْ لَمْ تَكُنْ أَيْضًا الْعَصَا الْمُزْدَرِيَةُ؟ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. ١٤ فَتَنَبَّأْ أَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ وَاصْفِقْ كَفًّا عَلَى كَفّ، وَلْيُعَدِ السَّيْفُ ثَالِثَةً. هُوَ سَيْفُ الْقَتْلَى، سَيْفُ الْقَتْلِ الْعَظِيمِ الْمُحِيقُ بِهِمْ. ١٥ لِذَوَبَانِ الْقَلْبِ وَتَكْثِيرِ الْمَهَالِكِ، لِذلِكَ جَعَلْتُ عَلَى كُلِّ الأَبْوَابِ سَيْفًا مُتَقَلِّبًا. آهِ! قَدْ جُعِلَ بَرَّاقًا. هُوَ مَصْقُولٌ لِلذَّبْحِ. ١٦ انْضَمَّ يَمِّنِ، انْتَصِبْ شَمِّلْ، حَيْثُمَا تَوَجَّهَ حَدُّكَ. ١٧ وَأَنَا أَيْضًا أُصَفِّقُ كَفِّي عَلَى كَفِّي وَأُسَكِّنُ غَضَبِي. أَنَا الرَّبُّ تَكَلَّمْتُ».

ع٨: السليط

: ذو الكلام الردىء، أي طويل اللسان.

إذا كان الإنسان يستبيح الكلمات الردية، والقبيحة، فإنه يُعرف بين المجتمع كله برداءته، فيتباعد عنه الناس.

أما العاقل، فإن سقط في خطية، فيراجع نفسه سريعًا؛ ليتوب عنها، ويرجع إلى الله.

هذه الآية تدعونا للتوبة السريعة، فكلنا معرضون للسقوط في الخطية، ولكن من يسرع للتوبة؛ هذا هو الإنسان الحكيم. أما الجاهل، فيستمر في كلامه الردىء، ويضايق من حوله، ويشتهر بطول اللسان، ولا يريد أن يتوب.

ع٨، ٩: حدد

: جعله حادًا ليقتل بسرعة.

صقل

: تم جليه فصار ناعمًا ليسهل القتل به.

أعطى الله حزقيال نبوة جديدة أكد فيها أن بابل التي ستهجم على شعب الله ستكون عنيفة جدًا. ويشبهها هنا بالسيف الذي أعد ليصير ناعمًا وحادًا جدًا ليقتل بكثرة.

والسيف المصقول براق فيخيف من يراه، أي أن بابل ستصير عنيفة ومخيفة جدًا في هجومها على أورشليم.

ويكرر كلمة سيف مرتين ليؤكد أن بابل مقبلة بسرعة وحتمًا ستسحق شعبه.

ع٩:

الإنسان الذي ليس عنده أموال كافية، ويريد أن يبنى له بيتًا، ويسلب أموال غيره بالظلم، فإن الله لا يرضى عليه، وهو لا يستفيد من بيته، إذ يكون مضطربًا دائمًا داخله، ويشبهه يشوع بن سيراخ بأنه مثل إنسان يجمع حجارة في الشتاء؛ ليبنى بيته، فيعانى من برودة الجو، وقد تكون هناك ثلوج، فتزيد آلامه، وقد تؤذيه، أو يموت، فلا يستطيع أن يكمل بناء بيته.

وقد لا يسلب الإنسان غيره لبناء بيته، ولكنه يستدين من الآخرين، فهؤلاء سيطالبونه بتسديد ما عليه، ويضايقونه، فيصير في اضطراب، وقد يهرب من بيته هذا الذي بناه؛ حتى لا يعتدى عليه أصحاب الأموال، فلا يستفيد من بيته.

وبناء الإنسان لبيته، يعنى ليس فقط بناءه من حجارة، أو طوب، بل يعنى أيضًا اتكاله واعتماده في نفقاته على أموال غيره في حياته، سواء بالظلم، أو بالاستدانة، كما ذكرنا، هذا وذاك يسببان له متاعبًا كثيرة، ولا يسعد في حياته.

ع١٠: يبرق

: يضئ بقوة كالبرق لأن السيف لامع جدًا.

تزدرى

: تحتقر.

يوضح هنا سبب إعداد السيف وهو أن يكون حادًا جدًا ليقتل الكثيرين، وصقل لكي يكون براقًا فيخيف شعب الله. ويتساءل الله، أو يسأل شعبه إن كان الهجوم البابلي عنيف ورهيب إلى هذه الدرجة، فهل يفرح شعب الله ويبتهج؟ بالطبع لا بل ينبغى أن يحزن ويتوب عن خطاياه؛ لأن الكثيرين من بني إسرائيل كانوا يظنون أنه لن تخرب أورشليم لأن فيها هيكل الله، واستهانوا بإنذارات الله، وظنوا أنها مجرد قصص وأمثلة لن تتحق، واستمروا في أفراحهم العالمية وانغماسهم في شهواتهم، لذا يتعجب الله ويقول هل أمام سيف بابل نبتهج؟! ويعبر الله عن حزنه ويتكلم بصيغة الجمع، أي بثالوثه القدوس فيقول هل نبتهج؟! بالطبع لا فالله حزين على شعبه.

يؤكد الله عنف بابل التي يشبهها بالعصى التي أعدها لتأديب ابنه إسرائيل. ويقول عن هذه العصا أنها تحتقر كل عود، أي كل إنسان مهما كان عظيمًا، فهذه العصا ستحطمه، فهو يشبه بابل - الأداة التي يستخدمها - بالسيف وبالعصا إظهارًا لقوتها التي ستكتسح أورشليم.

† إفحص خطاياك لتتوب عنها ولا تخدع نفسك بأن الله طيب وحنون، فتتمادى في شرك مستهينًا بطول أناته، أو تحاول أن تفرح فرحًا خارجيًا والخطية مازالت داخلك، وتوهم نفسك بأن أولاد الله فرحون فتلقى عنك التوبة والندم والدموع. ثق أنك إن لم تخف الله فلن تستطع التمتع بالفرح الحقيقي.

ع١٠: الأثماء

: جمع أثيم، أي خاطئ.

المشاقة

: ما يسقط من الكتان عند غزله من الوبر القصير، ولا يصلح لأى نسيج، ويسهل حرقه.

عندما يجتمع مجموعة من الخطاة مع بعض، فإنهم يزدادون شرًا، ويهيجون بعضهم البعض في طريق الخطية، فليتهبون بنار الشر، ويكونون في ضيق عظيم، ويحاولون الإضرار بغيرهم.

هؤلاء نهايتهم بالطبع هي العذاب الأبدي، وهذا هو المقصود بلهيب النار المذكور في الآية.

ع١١:

الله هو الذي أمر أن يصقل السيف ويحدد، حتى يكون بيد القاتل الذي هو بابل، أو السيف هو بابل وفى يد الله الذي سمح أن يقتل الكثيرون لأجل شرورهم وتأديبًا للأمة اليهودية؛ لتتوب البقية.

ع١١:

هؤلاء الأثماء، أو الخطاة المذكورون في الآية السابقة، طريقهم في الحياة مفروش بالبلاط، أي يسهل السير فيه، المقصود به الطريق الواسع الرحب، المملوء بشهوات العالم، وكل أفكاره الردية، الذي فيه يتنازل الإنسان عن مبادئه؛ ليساير الأشرار، ويريحهم، ويكون واحدًا منهم.

ولكن نهاية هذا الطريق هو حفرة الجحيم، أي يسقط الإنسان في الهاوية والعذاب الأبدي. هذا تأكيد للمرة الثانية بعقوبة الأشرار، حتى لا نصاحبهم، أو نسير معهم في طريق الشر، ولكن نسير في الطريق الكرب، أي نحتمل معاناة تنفيذ الوصايا الإلهية، لنخلص في النهاية من الهلاك، بل ونرتفع إلى الملكوت.

† كن مدققًا في اختيار أصدقائك ومن يجلسون معك من الأحباء والأقارب؛ حتى يساعدونك على الوصول إلى ملكوت السموات. وإذا أخطأت في أي كلمة ردية، أو فعل شرير، فأسرع إلى التوبة، لتواصل السير في طريق الحياة الروحية، الذي نهايته أمجاد السموات.


ع١٢: أصفق على فخذك

: علامة الحزن الشديد.

ينادى الله حزقيال ليحزن بشدة على المصائب الكثيرة التي ستحل بشعب الله، وهذا يبين أن الله بأبوته حزين جدًا على شعبه، إذ يدعوه شعبى مرتين، ولكنه مضطر لتأديبهم حتى يتوبوا، وسيكون التأديب على الشعب والرؤساء، أي كل مملكة يهوذا.

(٢) الحكيم والأحمق (ع١٢-٣١):

١٢ مَنْ حَفِظَ الشَّرِيعَةَ فَطِنَ لِرُوحِهَا. ١٣ وَغَايَةُ مَخَافَةِ الرَّبِّ الْحِكْمَةُ. ١٤ مَنْ لَمْ يَكُنْ ذَا دَهَاءٍ لَمْ يُؤَدَّبْ. ١٥ وَرُبَّ دَهَاءٍ يُكَثِرُ الْمَرَارَةَ. ١٦ عِلْمُ الْحَكِيمِ يَفِيضُ كَالْعُبَابِ، وَمَشُورَتُهُ كَيَنْبُوعِ حَيَاةٍ. ١٧ بَاطِنُ الأَحْمَقِ كَإِنَاءٍ مَكْسُورٍ، لاَ يَضْبِطُ شَيْئاً مِنَ الْعِلْمِ. ١٨ الْعَالِمُ إِذَا سَمِعَ كَلاَمَ حِكْمَةٍ مَدَحَهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ، أَمَّا الْخَلِيعُ فَإِذَا سَمِعَهُ، كَرِهَهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ. ١٩ حَدِيثُ الأَحْمَقِ كَحِمْلٍ فِي الطَّرِيقِ، وَإِنَّمَا اللُّطْفُ عَلَى شَفَتَيِ الْعَاقِلِ. ٢٠ فَمُ الْفَطِنِ يُبْتَغَى فِي الْجَمَاعَةِ، وَكَلاَمُهُ يُتَأَمَّلُ بِهِ فِي الْقَلْبِ. ٢١ الْحِكْمَةُ لِلأَحْمَقِ كَبَيْتٍ مُخَرَّبٍ، وَعِلْمُ الْجَاهِلِ كَلاَمٌ لاَ يُفْهَمُ. ٢٢ التَّأْدِيبُ لِلْجُهَّالِ كَالْقُيُودِ فِي الرِّجْلَيْنِ، وَكَالْوِثَاقِ فِي الْيَدِ الْيُمْنَى. ٢٣ الأَحْمَقُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ عِنْدَ الضَّحِكِ، أَمَّا ذُو الدَّهَاءِ فَيَتَبَسَّمُ قَلِيلاً بِسُكُونٍ. ٢٤ التَّأْدِيبُ لِلْفَطِنِ كَحِلْيَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَكَسِوَارٍ فِي ذِرَاعِهِ الْيُمْنَى. ٢٥ قَدَمُ الأَحْمَقِ تُسْرِعُ إِلَى دَاخِلِ الْبَيْتِ، أَمَّا الإِنْسَانُ الْوَاسِعُ الْخِبْرَةِ فَيَسْتَحْيِي. ٢٦ الْجَاهِلُ يَتَطَلَّعُ مِنَ الْبَابِ إِلَى دَاخِلِ الْبَيْتِ، أَمَّا الرَّجُلُ الْمُتَأَدِّبُ فَيَقِفُ خَارِجاً. ٢٧ مِنْ قِلَّةِ الأَدَبِ التَّسَمُّعُ عَلَى الْبَابِ، وَالْفَطِنُ يَسْتَثْقِلُ ذلِكَ الْهَوَانَ. ٢٨ شِفَاهُ الْجُهَّالِ تُحَدِّثُ بِالْخُزَعْبَلاَتِ، وَكَلاَمُ الْفَطِنِينَ يُوزَنُ بِالْمِيزَانِ. ٢٩ قُلُوبُ الْحَمْقَى فِي أَفْوَاهِهِمْ، وَأَفْوَاهُ الْحُكَمَاءِ فِي قُلُوبِهِمْ. ٣٠ إِذَا لَعَنَ الْمُنَافِقُ الشَّيْطَانَ، فَقَدْ لَعَنَ نَفْسَهُ. ٣١ النَّمَّامُ يُنَجِّسُ نَفْسَهُ، وَمُعَاشَرَتُهُ مَكْرُوهَةٌ.

ع١٣:

إن الله يسمح بالتأديب البابلي كامتحان لشعبه حتى يرجعوا إليه. فالمقصود ببابل، العصا التي تزدرى بكل الرؤساء والعظماء، فتضرب الكل حتى يتوبوا، الكل ويندموا على خطاياهم.

ومن المطمئن أن العصا في يد الله ولا تتحرك ضد مشيئته،فهو لا يسمح لها بتأديب شعبه فوق طاقته؛ لأن المقصود بالتأديب هو التوبة وليس الإهلاك والتخلص من شعبه.

والمقصود بعبارة "إن لم تكن أيضًا العصا المزدرية" أي كانت العصا غير مزدرية، أي أن بابل ضعيفة ولن تؤدب شعب الله، وهذا غير سليم، لأنه امتحان كما تقول بداية الآية، أي أنه لابد أن تكون مزدرية، أي عنيفة، ويستخدمها الله لتأديب شعبه بغرض توبته. وفى الترجمة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين "لأنه ماذا تكون المحنة لو لم يكن الصولجان المزدرى" أي كيف يكون امتحان لشعب الله إن لم يزدرِ ملك بابل بملوك الشعوب ويؤدبهم.

ع١٢:

من يهتم بمعرفة شريعة الله، ويطبقها في حياته، فإنه يفهم روحها، وكل ما تعنيه، وحفظ شريعة الله معناه تطبيقها في الحياة، وليس مجرد حفظها ذهنيًا. والخلاصة، الآية تدعونا أن نحيا بكلام الله؛ لنعرف روحه، ومعناه عمليًا في حياتنا. وربنا يسوع المسيح أكد ذلك في عظته على الجبل، مظهرًا أهمية العمل بوصاياه (مت٧: ٢٤-٢٧).

ع١٤: أصفق كفًا على كف

: علامة الحزن والتعجب.

المحيق

: الساحق المهلك.

يؤكد الله للمرة الثالثة أنه يعد السيف ليسحق شعبه، وتأكيده ثلاثة مرات يبين أن الأمر قريب وعنيف؛ لأنها آخر فرصة ليتوب الشعب، لأنهم إن تابوا كان الله سيبعد بابل، كما حدث مع أهل نينوى عندما تابوا فرفع الله غضبه عنهم.

ع١٣:

إن من يخاف الله يعمل حسابًا لوجوده أمامه، فيرفض كل خطية، ويسلك بالبر، والله أيضًا يرشده في كل أمور حياته، أي أنه ينال في النهاية الحكمة، فهدف وغاية مخافة الله أن يصل الإنسان إلى الحكمة، والحكمة هي الله، فيحيا مع الله على الأرض، ثم في السماء.

ع١٥:

يبين الله أن الهجوم البابلي سيؤدى إلى الانهيار النفسى لكل السكان، ويعبر عنه بذوبان القلب، أي يصير قلبهم ضعيفًا كأنه كمية ماء، بلا أية قوة للتماسك أمام العدو، خاصة عندما يرون القتلى من شعب الله كثيرين. وسيشمل الهلاك والقتل كل البيوت، فلن ينجو بيتٌ. ويعبر عن كثرة القتلى بتقلب السيف، فيضرب في كل اتجاه، ويتقلب ويخيف الناظرين، ولن توجد حماية ولا بيت محصن، أي أن السيف سيكون على كل الأماكن، وعلى باب كل بيت.

ونرى مشاعر الله كأب نحو شعبه وهو يتأوه على شعبه، لأنه يرى عنف بابل وما ستعمله بأولاده. إنه يود أن يتوبوا ولا يأتي عليهم سيف بابل، ولكنه مضطر لهذا السيف لعلهم يتوبون ويخلصون. وهكذا أيضًا يشعر كل خادم وكل أب عندما يرى أولاده يسيرون في طريق الشر والهلاك، فينصحهم ويمنعهم من مواصلة الطريق الشرير، وإن لم يستطع، يتأوه أمام الله لأجلهم ويعتصر قلبه.

ع١٤، ١٥: دهاء

: حكمة، أو ذكاء.

الذى لم يقتن الحكمة، أي الدهاء، فذلك لأنه لم يهتم أن يؤدب نفسه بوصايا الله، ويجاهد في تنفيذها، وبالتالي لن يصل إلى الحكمة، فطريق العاقل للوصول إلى الحكمة هو قراءة كلام الله، والتأمل فيه، ومحاولة تطبيقه في الحياة.

والإنسان الحكيم، أي الذي له دهاء، قد يعانى من المرارة والتعب؛ لأن الناس لا يقبلون كلامه الحكيم لشرهم.

ومن ناحية أخرى، إن كان للإنسان ذكاء، أو حكمة أرضية، غرضها إشباع شهواته المادية، فهذه ليست حكمة من الله، بل ستسبب له مرارة، إذ أنه بها يبتعد عن الله، ويعانى من تخليه عنه، أو من يستخدم ذكاءه ويتكبر به على الآخرين، فينفر منه الناس، ويشعر بالعزلة والمرارة.

ع١٦: يمن

: اتجه نحو اليمين.

شمل

: اتجه نحو الشمال.

ينادى الله سيفه الذي هو بابل أن يتحرك يمينًا وشمالًا ليقتل في كل اتجاه بحده المعد، فيقتل ويجرح، أي يؤكد أن الضيق سيكون في كل مكان.

ع١٦: العباب

: السيل، أو الطوفان.

الحكيم ممتلئ بالحكمة، فكلامه يعبر عن المعرفة والعلم التي في داخله، وهي تفيض على من حوله مثل السيل، أو الطوفان، فتشبع وتروى الجميع.

الحكمة تشبه ينبوع ماء حى في الصحراء، فتروى كل العطاش، والينبوع يرمز إلى عمل الروح القدس، أى أن الحكيم يعمل فيه روح الله، فيحيى من حوله بمشورته، ويهديهم إلى طريق الله.

ع١٧:

الله حزين على شعبه الذي يؤدبه، ويعبر عن هذا بتصفيق يده على اليد الأخرى، ولكن بهذا التأديب يظهر عدل الله، ويهدأ غضبه، إذ سمح بتجارب عنيفة ليعطى آخر فرصة للتوبة؛ لأنه يحب شعبه ويريد رجوعهم. وفعلًا سيتأثر جزء من الشعب ويرجعوا لله بالتوبة، وهؤلاء هم الذين عبدوا الله في السبي وعاد منهم الكثيرون إلى أورشليم واليهودية.


ع١٧:

الأحمق يشبه إناء مكسور، فمهما وُضع فيه من سوائل تتسرب، ولا يبقى في داخله شيء، أي أنه مهما سمع من الحكمة والعلم والمعرفة الروحية، فإنه لا يستفيد منها؛ لأنه منغمس في شهوات العالم، ومتكبر، فلا يستطيع أن يتضع ويفهم كلام الله، ويظل فارغًا طوال حياته بعيدًا عن الله، ويهلك.

ع١٨: الخليع

: المنغمس في الملذات.

نبذه

: رفضه. الإنسان الحكيم العالم بكلام الله، إذا سمع كلام الحكمة، يفرح به، ويمدحه، ويتمنى أن يستزيد منه، ويسعى إلى ذلك، بل أيضًا، يضيف إليه مما تعلمه عن الحكمة. على العكس، الإنسان الأحمق، وهو الخليع، المنغمس في الشهوات الشريرة، إذا سمع كلام الحكمة، فإن خطاياه تتكشف أمام عينيه، فيتضايق، ويرفض كلام الحكمة الذي سمعه، ويلقيه وراء ظهره، أي يهمله، بل يكرهه؛ لأنه يفضحه.ع(٣) طريقا ملك بابل (ع١٨-٢٤):

١٨ وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلاً: ١٩ «وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ، عَيِّنْ لِنَفْسِكَ طَرِيقَيْنِ لِمَجِيءِ سَيْفِ مَلِكِ بَابِلَ. مِنْ أَرْضٍ وَاحِدَةٍ تَخْرُجُ الاثْنَتَانِ. وَاصْنَعْ صُوَّةً، عَلَى رَأْسِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ اصْنَعْهَا. ٢٠ عَيِّنْ طَرِيقًا لِيَأْتِيَ السَّيْفُ عَلَى رَبَّةِ بَنِي عَمُّونَ، وَعَلَى يَهُوذَا فِي أُورُشَلِيمَ الْمَنِيعَةِ. ٢١ لأَنَّ مَلِكَ بَابِلَ قَدْ وَقَفَ عَلَى أُمِّ الطَّرِيقِ، عَلَى رَأْسِ الطَّرِيقَيْنِ لِيَعْرِفَ عِرَافَةً. صَقَلَ السِّهَامَ، سَأَلَ بِالتَّرَافِيمِ، نَظَرَ إِلَى الْكَبِدِ. ٢٢ عَنْ يَمِينِهِ كَانَتِ الْعِرَافَةُ عَلَى أُورُشَلِيمَ لِوَضْعِ الْمَجَانِقِ، لِفَتْحِ الْفَمِ فِي الْقَتْلِ، وَلِرَفْعِ الصَّوْتِ بِالْهُتَافِ، لِوَضْعِ الْمَجَانِقِ عَلَى الأَبْوَابِ، لإِقَامَةِ مِتْرَسَةٍ لِبِنَاءِ بُرْجٍ. ٢٣ وَتَكُونُ لَهُمْ مِثْلَ عِرَافَةٍ كَاذِبَةٍ فِي عُيُونِهِمِ الْحَالِفِينَ لَهُمْ حَلْفًا. لكِنَّهُ يَذْكُرُ الإِثْمَ حَتَّى يُؤْخَذُوا. ٢٤ لِذلِكَ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمْ ذَكَّرْتُمْ بِإِثْمِكُمْ عِنْدَ انْكِشَافِ مَعَاصِيكُمْ لإِظْهَارِ خَطَايَاكُمْ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ، فَمِنْ تَذْكِيرِكُمْ تُؤْخَذُونَ بِالْيَدِ.

ع١٩:

الإنسان الأحمق، أي الشرير البعيد عن الله، كلامه عن الشهوات الأرضية، وأمور تافهة كثيرة، فهو غير مفيد، بل وأكثر من هذا مملوء شرًا، فيضايق من يسمعه، ويكون للسامع كحمل ثقيل يحمله في الطريق، أي يود أن يتخلص من هذا الكلام الشرير، وينساه.

أما الإنسان الحكيم العاقل، فكلامه، لطيف، ومريح للسامع؛ لأنه كلام الله الذي يعطى السامع سلامًا وطمأنينة، ويقربه إلى الله، فيفرح، ويساعده على السلوك المستقيم، فهو إرشاد يساعد ويطمئن السامع.

ع١٨: صوة

: حجر، أو مجموعة أحجار توضع على الطريق كعلامة لمعرفة الاتجاه إلى أي الطرق.

المدينة

: يقصد بها أورشليم.

طلب الله من حزقيال في هذه النبوة أن يرسم كوسيلة إيضاح أمام الشعب طريق يخرج من بابل ثم ينقسم إلى اتجاهين، أحدهما يتجه إلى عاصمة بنى عمون وهي ربة، والآخر يتجه إلى أورشليم، ويضع عند مفترق الطرق علامة من الأحجار تظهر أن هناك طريقين ينبغى على المسافر أن يتجه إلى أحدهما، إما ربة، أو أورشليم.

ع٢٠:

إن كلمات الحكيم، وهو الفطن، يحبها السامعون، بل يشتاقون لسماعها، من أجل حلاوتها، وفائدتها، ويتأملون في معانيها، بل يحاولون أن يطبقونها في حياتهم؛ لأن كلام الحكمة من الله، وهو مؤثر في النفوس، ومريح لها.

ع٢٠:

وهذا الرسم التوضيحي، الذي سيصنعه حزقيال، إما بخطوط على الأرض، أو بوضع أخشاب، أو حجارة تبين أن هناك طريق ينقسم إلى طريقين؛ يقصد به إعلان أن بابل ستتحرك بجيوشها وتقترب من أورشليم، وقبل أن تصل إليها تجد نفسها في مفترق طرق إما أن تتجه في محاربة بنى عمون، أو تواصل سيرها إلى أورشليم.

وكان سكان مملكة يهوذا قد تجمعوا في أورشليم لثقتهم أن مدينتهم منيعة لا يمكن اقتحامها، إذ فيها هيكل الله الذي يحميها، ونسوا أن شرهم سيؤدى إلى عقابهم، وعدم احترامهم لهيكل الله جعله يغضب عليهم.

ع٢١:

الأحمق إذا سمع كلمات الحكمة يشعر أنها كلمات فاشلة، وغير مفيدة في حياته الأرضية الشهوانية، وهي تشبه في نظره بيت خرب، لا يجلس، أو يسكن فيه؛ لأنه منغمس في شروره، فلا يفهم كلام الله، وهو الحكمة.

ومن جهة أخرى، فهذا الأحمق، أو الجاهل إذا ظن أنه يعرف ويعلم أمورًا كثيرة، فكلها كلمات غير مفهومة للحكماء، وغير مفيدة، ومرفوضة؛ لأنها كلمات شريرة.

ع٢١: أم الطريق

: مفترق الطرق.

عرافة

: التنبؤ باستخدام وسائل السحرة وهي بالطبع كاذبة لأنها شيطانية، أو نوع من الدجل.

الترافيم

: تماثيل صغيرة للأوثان يستخدمها الناس في بيوتهم ويحملونها معهم في أسفارهم لترشدهم وتحميهم، وهي غير تماثيل الأوثان الكبيرة التي تقام في أماكن العبادة.

الكبد

: كان الوثنيون، أو العرافون يؤمنون أن كبد الحيوان بعد ذبحه ووضعه في الشمس يستدلون من لونه والتجاعيد التي فيه على إرشادات في حياتهم، مثلما يقرأون الآن الكف والفنجان، إذ كانوا يعتقدون بأهمية الكبد لكثرة الدم الواصل إليه أنه مصدر الحياة وقراءته ترشد الإنسان في طرق حياته.

سيصل ملك بابل إلى مفترق الطرق ويجد أمامه طريقين، أحدهما إلى أورشليم، والآخر إلى ربة، ولا يعرف أي طريق يسلكه، وبالتالي أي بلد يبدأ بالهجوم عليها، ويقف هناك ويعد أسلحته، فيصقل السهام لتصير براقة وحادة، ويكتب على أحدها ربة وعلى السهم الآخر أورشليم، ويضعها في الجراب، ويهزها، ثم يختار أحدها فيعرف أي طريق يسلكه، وقد يستخدم الترافيم، أي تماثيل الأوثان لترشده. ومن الطرق التي يستخدمها أيضًا ذبح حيوان، ووضع كبده في الشمس ليستدل العرافون من شكله على الطريق الذي يسلكه. والخلاصة أن ملك بابل سيستخدم طرق السحر ليعرف أي طريق يسلكه، وسيرشدوه إلى أورشليم، والله سيسمح بهذا لتأديب شعبه، وليس معنى هذا موافقة الله على طرق السحر، لكنه يستخدمها لتحقيق أوامره، فهو ضابط الكل ويحول كل شيء، حتى لو كان شريرًا، لتمجيد اسمه.

ع٢٢: الوثاق

: الرباط.

الجاهل، وهو البعيد عن الله، والسالك بحماقة، لا يقبل تأديب الله، الذي يريد أن يعيده إلى الطريق المستقيم، ويعتبره قيودًا تعطل حركته، كأنها قيود لرجليه، ومعطل لأعماله، كأنها قيد ليده اليمنى، التي يعتمد عليها في العمل، فهو يريد أن يستمر في شره؛ لذا فوصايا الله ثقيلة عليه جدًا؛ لأن قلبه يرفض التوبة.

ع٢٢: المجانق

: أدوات حربية قديمة يستخدمونها لرمى الحجارة، أو الكور النارية.

مترسة

: حائط يبنيه الأعداء حول المدينة ليحتموا وراءه ويمنعوا أي إنسان أن يهرب من المدينة.

عندما يقف ملك بابل عند مفترق الطرق ويعتمد على العرافة، أي تكون عن يمينه، ويثق فيها وتدله على مهاجمة أورشليم، يعد أسلحته وتدابيره الحربية، ويتحرك نحو أورشليم، وقد أعد المجانيق ليلقى بها الحجارة والكور النارية، فترتفع فوق الأسوار، وتسقط داخل المدينة. وحينئذ يفتح اليهود أفواهم خوفًا وفزعًا من سيف بابل الذي يقتلهم، وفى نفس الوقت يفتح البابليون أفواههم، ويهتفون هتاف النصرة عند مهاجمتهم أورشليم التي أقاموا حولها المتاريس ليحتموا وراءها، ويراقبوا من الأبراج العالية ما يحدث داخل المدينة عند حصارهم لها، أي أن ملك بابل سيتحرك لأورشليم ويحاصرها، ويهتف عليها، ويهاجمها ليقتل من فيها.

ع٢٣:

الأحمق، أو الجاهل، عندما يسمع شيئًا يسعده، ويفرحه، يعبر عن فرحه بطريقة خليعة، غير مؤدبة، فيضحك بصوت مرتفع، ويحدث ضوضاء بلا داعٍ، ولعله أثناء هذا الكلام، يشرب خمرًا، فيكون ضحكه بشكل زائد، وفيه استهزاء غير مقبول.

أما ذو الدهاء، والمقصود به الحكيم، أو البار، فإذا سمع شيئًا لطيفًا، يفرحه، يبتسم بهدوء، بطريقة متزنة، فهو لا يستغرق في الضحك والسفاهة؛ لأنه يشعر أنه أمام الله في كل حين، سواء في فرحه، أو حزنه، ويهتم أن يرضى الله، بل يكون تعوده هو التصرف المتزن في جميع الأحوال.

ع٢٣:

أما شعب الله فيسقطون في عرافة كاذبة بسؤال أنبيائهم الكذبة، الذين يخبرونهم بأن مدينتهم لن يهاجمها أحد، لوجود الهيكل بها، وكذلك اتكلوا على تحالفهم مع مصر القوية، فهي تحميهم من بابل. وآخرون قالوا إن صدقيا قد تعاهد مع ملك بابل ليخضع له، وبالتالي لا يمكن أن تهاجمهم بابل، ونسوا أن بابل يمكن أن تعرف خداع صدقيا لأنه تحالف معها، وتحالف في نفس الوقت مع مصر، فغضبوا عليه. والخلاصة أن شعب الله لم يتكل على الله، بل على أفكاره الخاصة وأنبيائه الكذبة، ولم يفكروا في التوبة عن خطاياهم؛ لذلك استحقوا غضب الله الذي ذكر خطاياهم، وسيؤدبهم عليها بالهجوم البابلي، والله لم يكن ناسيًا خطاياهم، ولكن ذكره لها يعنى أنه أطال أناته عليهم كثيرًا، ثم أتى وقت التأديب والعقاب.

وكان حزقيال قد أخبرهم بأن ملك بابل سيقف عند مفترق الطرق ويسأل عرافيه، فقالوا له إن عرافة ملك بابل التي سترشدهم في مهاجمة أورشليم هي عرافة كاذبة، لأنها سحر وعمل شياطين وعبادة أوثان، ولن تتم؛ بسبب ما يعتقدونه من حصانة مدينتهم.

† كن متضعًا وارجع عن خطاياك ولا تتكل على قوتك، أو أفكار عقلك التي توهمك بقوتك؛ لأن الله فوق الكل ولن يقف بجوارك إلا إذا كنت تائبًا متضعًا.

ع٢٤:

هذه الآية تعلن تصرف الفطن، وهو الحكيم بخلاف تصرف الجاهل، المذكور في (ع٢٢). فالإنسان الفطن إذا سمح له الله بتأديب؛ ليعود إلى طريقه المستقيم، فإنه يقبله برضا، بل بفرح كهدية من الله. وتشبه الآية هذه الهدية بحلى من ذهب، وأسورة ثمينة يلبسها في يده اليمنى، أي مساعدة إلهية لتقويم أعماله، ولأنه عاقل فهو يتجاوب مع التأديب الإلهي، ويتوب عن خطاياه، ويبدأ الجهاد في الطريق الذي أرشده الله إليه عن طريق التأديب. إنه مطيع وخاضع لوصايا الله وتدابيره، واثقًا أن كل الأشياء تعمل معًا للخير، للذين يحبون الله (رو٨: ٢٨).

ع٢٤:

في النهاية يعلن الله لشعبه أنه من أجل إصرارهم على خطاياهم سيجعلونه يذكر خطاياهم ويعاقبهم عليها بيده، أي بيد ملك بابل، فالله سيذكر آثامهم القديمة التي لم يتوبوا عنها عندما يرى معاصيهم التي تصاحب أعمالهم، أي تظهر خطاياهم في كل تصرفاتهم، فيستحقون بالتالى أن يضربوا بيد بابل التي هي يد الله المؤدبة.


ع٢٥-٢٧:

سلوك الأحمق يُظهر خطاياه، فهو إن وصل إلى بيت، يسرع للدخول إلى أي مكان فيه، وقد يكون هذا بدافع حب الاستطلاع؛ ليعرف أسرار من يزورهم، ولا يحترم خصوصياتهم، وقد يكون بدافع الكبرياء، إذ يشعر أنه أفضل منهم، ومن حقه أن يعرف أي شيء عنهم.

أما واسع الخبرة، وهو الحكيم، فيتميز بالحياء، ولا يدخل إلى مكان، أو مجلس إلا إذا دُعى إليه، ولا يتطلع في كل جانب، والحياء تعبير عن اتضاع الحكيم، واحترامه للآخرين، فهو لا يشعر أنه فوقهم، بل أقل منهم، ويقدر حقهم في أن يكون لهم أسرارًا، وخصوصيات، والحياء يضبط الإنسان الحكيم عن التعلق بمعرفة أخبار الناس؛ لأنه مشغول بمعرفة الله، فهو إما يفكر في أمور الله، أو يتكلم عنها بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة.

والخلاصة، أن الجاهل، وهو الأحمق الغير متأدب، يدفعه حب الاستطلاع إلى التطلع داخل البيوت، أو التصنت لسماع ما يدور داخل البيت، أو أي مجلس، فهو سارق، إذ يأخذ ما لا يحق له، ويسلب غيره بالإجبار، كل هذا كما ذكرنا لكبريائه، وحب استطلاعه، أما الفطن المتأدب لا يقتحم البيوت، ويحترم حقوق الآخرين، سواء من الأصدقاء، أو الأقارب، فيحبه الجميع، ولا يهينه أحد؛ لأنه لا يقتحم أي مكان.

(٤) صدقيا الشرير (ع٢٥-٢٧):

٢٥ «وَأَنْتَ أَيُّهَا النَّجِسُ الشِّرِّيرُ، رَئِيسُ إِسْرَائِيلَ، الَّذِي قَدْ جَاءَ يَوْمُهُ فِي زَمَانِ إِثْمِ النِّهَايَةِ، ٢٦ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: انْزِعِ الْعَمَامَةَ. ارْفَعِ التَّاجَ. هذِهِ لاَ تِلْكَ. ارْفَعِ الْوَضِيعَ، وَضَعِ الرَّفِيعَ. ٢٧ مُنْقَلِبًا، مُنْقَلِبًا، مُنْقَلِبًا أَجْعَلُهُ! هذَا أَيْضًا لاَ يَكُونُ حَتَّى يَأْتِيَ الَّذِي لَهُ الْحُكْمُ فَأُعْطِيَهُ إِيَّاهُ.

ع٢٨: الخزعبلات

: الكلام غير المنطقي.

الجاهل إذا سمع شيئًا يردده دون فحص، مهما كان كلامًا غير منطقي، أو إذا خطر على باله شيئٌ، يسرع ليقوله، ولا يفحص مدى صحته، فهو متهور، وبالتالي فالناس تحتقر كلامه، ولا تثق فيه، فكل أخباره وكلامه تحتاج إلى مراجعة.

أما الإنسان الحكيم الفطن، فيفحص أفكاره، وكل ما سمعه قبل أن ينطق به، فإذا تأكد من صحته، يعلنه للآخرين، وإن لم يتأكد، فلا يتكلم، فهو حريص أن يزن كل فكرة داخله بميزان دقيق، ويصلى فيرشده الله، فينطق بكلمات عميقة مفيدة للسامعين، ولذا فالناس تسرع إليه لتستشيره في أمور حياتهم الخاصة، ويهتمون بكلماته، ويشعرون أنه ينطق بكلمات الله.

ع٢٥:

هذه النبوة قالها حزقيال ضد ملك يهوذا وهو صدقيا، ويصفه الله بأنه نجس وشرير؛ لأنه ليس فقط عبد الأوثان وسار في شهواته الشريرة، بل أيضًا شجع شعبه على الشر ولم يحاول إرجاعهم إلى الله، فكان بهذا قائدهم في الشر، وامتلأ كأس غضب الله عليه، وأتى زمان معاقبته على شروره، أى نهاية مملكته.

ع٢٩:

يُفهم من الآية السابقة أن الأحمق يُخرج بسرعة ما يشعر به في قلبه أو يأتي على فكره، لأنه متهور كما ذكرنا، أما الحكيم فقبل أن ينطق بما يشعر أو يفكر فيه، يفحصه جيدًا، فيخرج كلامًا متزنًا. فالأحمق يتكلم قبل أن يفكر، والحكيم يتأمل ويفحص ما يخطر على باله ويقيسه على مقياس كلام الله، ثم يتكلم به.

ع٢٦: العمامة

: التاج، المقصود الملك.

أنذر حزقيال صدقيا بأن تاج الملك سينزع عن رأسه، وينزلونه عن عرشه، ويقودونه أسيرًا إلى بابل، وبعد أن يضعونه إلى الأرض، وهو الرفيع الشأن، ويرفعون واحدًا من الشعب ويجعلونه حاكمًا للمملكة وهو جدليا، الذي ليس من النسل الملكى. وعندما يقول "هذه لا تلك" يقصد أن نهاية ملك صدقيا ستأتي لأن شره قد زاد، ولن تبقى تلك، أي العمامة والتاج على رأسه، وفى الترجمة اليسوعية للكاثوليك يقول هذه لا تبقى، أي أن التاج لن يبقى على رأسه فهو تأكيد لزوال ملك صدقيا.

† اعلم أن كل مواهبك وقدراتك هي نعمة من الله، فكن أمينًا عليها لئلا تنزع منك وتفقدها، مثلما فقد صدقيا تاجه. لذلك حاسب نفسك كل يوم، ليس فقط عن خطاياك السلبية، بل أيضًا على مدى أمانتك في استغلال قدرتك.

ع٣٠، ٣١:

اللعن هو إدانة، بل وشتيمة للآخر، فالمنافق، أي الشرير إذا لعن المخطئ فهو يدينه، وهو بهذا يعمل أعمال الشيطان. فهذه الإدانة، أو النميمة تأتى على رأس قائلها، وإن كان المدان شيطانًا في نظر من يدينه، فمن يدين هو أيضًا شيطان؛ لأنه قد أطفأ الروح القدس الذي فيه، والناس تتضايق منه، وتبتعد عنه. إذن فالذى يدين، أو ينم هو ينجس نفسه، وهو مستحق الإدانة من الله؛ لذا خطيته تأتى على رأسه، ولا يستحق الغفران لإصراره على إدانة غيره.

† اهتم بعلاقتك مع الله، فيسكن الله فيك، وتسلك في طريق البر، وهذا يظهر ليس في أفكارك ومشاعرك، بل أيضًا في تصرفاتك، فيحبك الناس، وتجذبهم إلى الله دون أى جهد؛ لأنك صرت صورة لله.

ع٢٧:

يؤكد هنا ثلاث مرات أن عرش صدقيا سينقلب ولن يكون، وهكذا يزول الملك من نسل داود إلى أن يأتي المسيح في ملء الزمان؛ ليملك على الصليب ويفدى شعبه، ليس فقط اليهود، بل كل من يؤمن به في العالم، ويملك عليهم إلى الأبد.


(٥) معاقبة العمونيين (ع٢٨-٣٢):

٢٨ «وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَتَنَبَّأْ وَقُلْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ، فِي بَنِي عَمُّونَ وَفِي تَعْيِيرِهِمْ، فَقُلْ: سَيْفٌ، سَيْفٌ مَسْلُولٌ لِلذَّبْحِ! مَصْقُولٌ لِلْغَايَةِ لِلْبَرِيقِ. ٢٩ إِذْ يَرَوْنَ لَكَ بَاطِلاً، إِذْ يَعْرِفُونَ لَكَ كَذِبًا، لِيَجْعَلُوكَ عَلَى أَعْنَاقِ الْقَتْلَى الأَشْرَارِ الَّذِينَ جَاءَ يَوْمُهُمْ فِي زَمَانِ إِثْمِ النِّهَايَةِ. ٣٠ فَهَلْ أُعِيدُهُ إِلَى غِمْدِهِ؟ أَلاَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي خُلِقْتِ فِيهِ فِي مَوْلِدِكِ أُحَاكِمُكِ! ٣١ وَأَسْكُبُ عَلَيْكِ غَضَبِي، وَأَنْفُخُ عَلَيْكِ بِنَارِ غَيْظِي، وَأُسَلِّمُكِ لِيَدِ رِجَال مُتَحَرِّقِينَ مَاهِرِينَ لِلإِهْلاَكِ. ٣٢ تَكُونِينَ أُكْلَةً لِلنَّارِ. دَمُكِ يَكُونُ فِي وَسْطِ الأَرْضِ. لاَ تُذْكَرِينَ، لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ تَكَلَّمْتُ».

ع٢٨:

شمت العمونيون جيران وأعداء بني إسرائيل عندما وجدوا أورشليم قد دمرت وأحرقت بالنار. فيعلن حزقيال لهم أن سيف بابل سيكون حادًا ومصقولًا وبراقًا ومهلكًا لهم بشدة، لأجل شرهم وتعييرهم لشعب الله. فالله يستاء ممن يعير أولاده حتى لو كان أولاده أشرارًا، فهو يحب أولاده ويدعوهم إلى التوبة، ويمكن أن يستجيبوا، أما الأشرار فهم مصرون على شرهم، فغضبه شديد عليهم. ونفهم من هذا أن حزقيال يتنبأ على شعب الله، وأيضًا على الأمم؛ لأن الله إله كل الشعوب ويريد خلاص الكل، فهو يقصد بهذه النبوة التي ستصل إلى بنى عمون أن يخافوا ويؤمنوا بالله فيقبلهم.

ع٢٩:

كان للعمونيين أنبياء كذبة وسحرة عرفوا لهم عرافة كاذبة، فقالوا لهم إن تحطيم أورشليم قوة لبنى عمون، إذ لن يوجد بعد منافس لهم في المنطقة من الجيران، وأنهم سيقفون على أعناق القتلى من بنى إسرائيل، الذين أتت نهاية شرورهم وغضب الله عليهم، وذلك من عمل الشيطان، ليبعدهم عن الخوف من الله والإيمان به. ولكن ما حدث فعلًا هو أن بابل هاجمت بنى عمون بعد خمس سنوات من تدمير أورشليم.

ع٣٠:

يعلن الله أنه لن يرجع سيفه، أي بابل، إلى غمده، بل ستهاجم العمونيين في مكان مولدهم وإقامتهم، أي يحطمهم ويقتلهم في بلادهم التي أطمأنوا داخلها لأنها محصنة وتحيط بها الخيرات.

† لا تشمت في مصيبة من حولك مهما كانوا أشرارًا، أو مسيئين إليك، بل اتعظ من أخطائهم، وارجع إلى الله بالتوبة، وصلى لأجل الذين في تجارب؛ ليرفع عنهم الله، فيرحمك الله أيضًا؛ لأجل محبتك لهم.

ع٣١:

يوضح الله عقابه الشديد للعمونيين بأنه سيسكب الغضب بشدة، فيغرق العمونيون وذلك بهجوم رجال بابل العنفاء المملوئين غيظًا وشرًا، فيقتلون العمونيين ويدمرون بلادهم وهكذا يهلكون ويفنون، وليس مثل بني إسرائيل يؤدبون ليتوبوا، إذ أن العمونيين لا يؤمنون بالله ومنغمسون في الشر، وهم في نظر الله الشر نفسه، وليسوا أشرارًا فقط، يمكن أن يتوبوا؛ لأن الله يريد خلاص الكل وتوبة الأشرار.

ع٣٢:

والخلاصة أن بلاد العمونيين ستأكلها نيران بابل، وتملأها بالدماء، وتنتهي لأجل شرها. وهذا مختلف تمامًا عن شعب الله الذي يؤدب مؤقتًا بالسبي، ثم سيرجع منه بعد أن يتوب، ثم يعطيهم ملكًا إلى الأبد هو المسيح.
زر الذهاب إلى الأعلى

معاني الكلمات في الأصحاح

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

Please consider supporting us by disabling your ad blocker!