قد بدأ الأصحاح الأول من هذا السفر بمقدمة عن الحكمة، كما ذكرنا في مقدمة السفر في الجزء الأول من تفسير سفر يشوع بن سيراخ، ثم بدءًا من الأصحاح الثاني، تكلم بن سيراخ عن السلوك العملي، وهذا القسم يمتد من (سي ٢-٤٦)، وبالتالي الأصحاح الحالي وهو (سي ١٦) مازال بن سيراخ يتحدث عن السلوك العملي.
يقول الكتاب المقدس: "البنون ميراث من عند الرب" (مز١٢٧: ٣)، والإنسان الطبيعي يميل في معظم الأحيان أن يكون له أبناء وبنات كثيرون؛ لأنهم امتداد لحياته، ويشعر أنهم جزء منه، بل وقوة تسانده، خاصة عندما يكبر في السن. ومن ناحية أخرى، كان العقم في العهد القديم أمر مكروه، إذ كان شعب الله يتمنى كل واحد منه أن يأتي من نسله المسيا المنتظر، وعدم الإنجاب يعنى بالنسبة له عدم استحقاقه لهذا الشرف، وكان يعتبر نقصًا وضعفًا وعارًا.
ولكن تعلن هذه الآية خطورة اشتهاء كثرة الأبناء، والفرح بهم إذا كانوا أشرارًا، أو منافقين، ولا يخافون الله، أي يسلكون في شهواتهم، ويغضبون الله، ولا يفعلون شيئًا صالحًا، وبالتالي يغضبون أيضًا والديهم؛ هؤلاء ما المنفعة منهم، إن عدم وجودهم أفضل، فهم عار لوالديهم أكثر من مَن لم ينجبوا. فعالى الكاهن صار مثالًا للتهاون من أجل أبنائه الكهنة الأشرار حفنى وفينحاس (١ صم٣: ١٢-١٤)، وكذلك نسل قورح وداثان وأبيرام الذين تمردوا على الكهنوت، فابتلعتهم الأرض (عد١٦: ٣٢، ٣٣).
ع١، ٢:
طلب الله من حزقيال أن يعلن لأورشليم الشرور التي تسلك فيها، فبداية الإصلاح أن يعرف الإنسان خطاياه.
ع٢:
لا تثق بهؤلاء الأبناء الأشرار؛ لأنهم مهما كبروا، أو حققوا إنجازات في العالم، لكنهم لبعدهم عن الله، لا يعتمد عليهم في شيء، وتوقع منهم شرورًا كثيرة في كل وقت.
لا تنشغل، أو يلتفت قلبك إلى مكانتهم في المجتمع، أو أموالهم ومراكزهم، فكلها لحساب الشيطان؛ لأنهم منافقون، ومهما صنعوا في هذه الحياة، فليس لهم مكان في السماء.
ع٣: كنعان
: هي أكبر القبائل التي تعيش غرب نهر الأردن، وهي تمثل قبائل كثيرة.
الأموريين
: من أقوى القبائل الكنعانية وتعيش شرق البحر الميت وجنوبه.
الحثيين
: من نسل كنعان ومن الشعوب الوثنية القديمة، تزوج منهم إسماعيل وعيسو.
يقول الله لأورشليم أن أصلك من أرض كنعان، وأن أباك من الأموريين، وأمك من الحثيين. ويقصد أنها ارتبطت بهذه الشعوب الوثنية؛ فأخذت منها عبادتها للأوثان، وعاداتها، وتقاليدها، وأخلاقها، وهي كلها غريبة عن حياة أولاد الله، فصارت كأنها من نسلهم، مع أنها من نسل عبرانى، أي من نسل إبراهيم الذي عبر من أور الكلدانيين إلى كنعان. فقد تركت أورشليم أصلها الروحي وهو إبراهيم، وارتبطت بالوثنيين، أي بكنعان الملعون من أبيه، فصارت وكأنها من نسلهم.
ع٣:
إن كان لك ابن واحد تعبت في تربيته، فصار يخاف الله، ويعمل بوصاياه، فهو أفضل من ألف ابن منافقين، بعيدين عن الله، قد انغمسوا في الشرور. وهذا يبين أهمية تربية الأبناء، وربطهم بالله، وتعليمهم الإيمان السليم، بل إن الاكتفاء بعدد قليل من الأبناء مع تربية حسنة أفضل من إنجاب كثيرين وإهمال تربيتهم في الله.
ع٤: تقمطى
: تُلفى بلفائف.
يشبه أورشليم بطفلة مولودة مرذولة لم يعتنِ بها أحد، فلم تقطع سرتها، أي ظلت مرتبطة بالحبل السرى الذي يغذيها من أصلها الوثني، أي استمرت تتغذى بالشر. وهذا يرمز لبقاء الخطية الجدية في الإنسان الذي لم يتمتع بفداء المسيح. ولم تجد هذه الطفلة من يهتم بحميمها بالماء لينظفها من أوساخها، ولم تجد من يستخدم الملح لحفظها من الفساد، إذ أن الملح دائمًا مادة تستخدم للحفظ، أي تركت مهملة، ولم تجد من يلفها بأى قطعة قماش، بل ألقيت عارية على الأرض.
ع٤:
لا تحزن إن لم تنجب أبناء، فالأفضل لك أن تموت وليس لك أبناء من أن تحيا ويكون لك أبناء كثيرون منافقون. إنه شر عظيم تُحاسب عليه أنك أضفت إلى العالم أبناءً أشرارًا، يفسدون العالم، ويعثرون الكثيرين، وفى النهاية يهلكون.
ع٥:
هكذا نجد أورشليم في أسوأ صورة كطفلة عارية ملوثة بأوساخها، ملقاة في الحقل، ومحوطة بكل ما هو كريه، ويقصد كل ما يتصل بعبادة الأوثان المكروهة من الله. أي أنها عاشت في أرض كنعان ملوثة بالشرور.
ع٥: الأثماء
: جمع أثيم وهو الشرير.
تؤكد هذه الآية أهمية الابن الذي يخاف الله، الذي هو أفضل من أبناء كثيرين أشرار. فإنه بواسطة شخص واحد عاقل، أي يحيا مع الله في صلاح وبر، تُعمر مدينة كاملة، إذ أنه يميل لعمل الخير، ونتيجة علاقته بالله، يرشده في علاقته بالآخرين، فيقودهم للبر، ويساعدهم على العمل الصالح، فيحيون مع الله، ويبارك الله مدينتهم بخيرات كثيرة؛ لأن من يحيا مع الله ينال معونة ليس لها حدود، ومثال لهذا كل الرسل، مثل بولس الرسول الذي بكرازته أنشأ كنائس كثيرة في بلاد متعددة، فصارت عامرة بخدمته وكرازته.
أما الأشرار فإذا تجمعوا معًا يساعدون بعضهم البعض على الشر والفساد، فتخرب مدينتهم إذ يتخلى عنهم الله، ويتمادون في خطاياهم، فيأتى عليهم غضب الله، ويهلكهم، مثلما حدث في مدينتى سدوم وعمورة.
أشكر الله على ما أنت فيه؛ سواء لك ابن، أو أبناء قليلون، أو كثيرون، وأيضًا لو لم يكن لك أبناء، ولكن كن أمينًا في تربية أبنائك في خوف الله، أربطهم بالكنيسة منذ طفولتهم، وفهمهم وصايا الله.
ع٦:
هذه هي الحالة التي رآها فيها الله وحزن جدًا لابتعادها عنه، بعد أن أخرجها من مصر بذراع رفيعة، وسكن في وسطها في برية سيناء، وأدخلها إلى أرض الميعاد، لكنها تركته وانغمست في عبادة الأوثان. ومرور الله بها يرمز للتجسد الإلهي الذي تقدم ليحل مشكلتها؛ لأنها تكاد تموت من الرذل والإهمال التي هي ملقاة فيه. ومعنى بدمك عيشى، أي تركها الله مدة طويلة لعلها ترجع إليه، ولكنها رفضت، فتخلى عنها لتختبر نتيجة الشر وتُذل، وهذا ما أختبرته في عصر القضاة، لعل هذا يدعوها للعودة إليه بالتوبة. فتخلى الله عنها معناه طول أناة منه، فعاشت مُذلة بالدم الذي يحوطها، أي الخطية والشر الذي ارتبطت به. ومدوسة من الوثنيين الذين ارتبطت بهم، فأصبحت تنزف ومحاطة بالدم في ذل شديد. وتكرار عبارة بدمك عيشى يؤكد أن الله تركها مدة طويلة ولم تتب.
ليتك تحاسب نفسك لتكتشف خطاياك مهما كانت ثقيلة وصعبة، ولكن هذا هو بداية الحل لتقدم توبة وتجد بسرعة يد الله ممدودة وهذا لمعونتك.
يعلق سيراخ على الأبناء الأشرار الذين سبق أن تحدث عنهم في الآيات الخمسة السابقة، فيقول: أنه رأى بعينيه أمثلة كثيرة لهؤلاء الأشرار، وسمع أيضًا ما هو أعظم، وأكثر منها بأذنيه. فأمثلة الشر كثيرة.
ع٧: "جعلتك ربوة كنبات الحقل فربوت وكبرت"
جعلت أعدادك مثل نباتات الحقل تزداد بالربوة، وهي عشرة آلاف، أي أصبح عدد شعب الله كثير، عشرات الألوف. وهي بركة من الله فازدادوا جدًا في مصر رغم ظلم المصريين لهم ومحاولة استئصالهم وتقليل عددهم، فعلى قدر ما أذلوهم نموا وكثروا.
+ "وبلغت زينة الأزيان"
أصبحت عظيمة وجميلة مزينة بكل زينة، أي أن الله أعطى شعبه بركات كثيرة بين الشعوب.
والعجيب، رغم أن الله يعرف شر شعبه، ولكنه يراهم كعروس له قد بلغت زينة الأزيان، أي جميلة جدًا في نظره، وليس في ذاتها فهي مملوءة شرًا لاختلاطها بعبادة الأوثان لكنها جميلة جدًا ببركته.
+ "نهد ثدياك ونبت شعرك"
أى كبر ثدياك وطال شعرك وهي كلها علامات البلوغ والنضج عند المرأة. وهذا يرمز إلى النضج الروحي، فأصحبت قادرة على الفهم والتمييز لتعيشى في الخير وترفضى الشر. والثديان يستخدمان في الرضاعة، أي أصبحت قادرة أن تغذى بنيك وتعليمهم وصايا الله. والثديان يرمزان أيضًا إلى الناموس والأنبياء في العهد القديم.
+ "وقد كنت عريانة وعارية"
أى متجردة من ثيابك بسبب الخطية الجدية، وعارية بسبب خطاياك الخاصة. وتعنى أيضًا أنها عريانة بسبب الخطية، وعارية بسبب حاجتها للبر الذي في المسيح. والمعنى أن عريسها وجدها غير مكتسية بثياب العرس، أي ثياب البر. وتكرار وصفها بالعرى هو لتأكيد شرها وابتعادهاعن الله.
بارك الله شعبه الذي يشبهه بطفلة صغيرة ملقاة في الحقل، أي في العراء، وملطخة بدمها، ومدوسة من الأمم الوثنية المحيطة. ومع هذا لم يتركها بل باركها، فزادت عددًا، ونضجت في الفهم الروحي، أي صارت عروسًا يمكن أن تتزوج بعريسها. ولكن للأسف كانت عارية من ثياب البر، ومع هذا فهي جميلة في عينى عريسها رغم نجاستها وتلطخها بالدم وازدراء الناس بها وإهمالها، فهي مازالت ملقاة على الأرض بعريها.
ع٧: تتقد
: تلتهب.
يضطرم
: يشتعل.
"فى مجمع الخطأة تتقد النار":
مثال للأشرار الذي أحرقتهم النار، رؤساء اللاويين الذين تجاسروا وحملوا مجامر وبخروا أمام خيمة الاجتماع، وكان عددهم ٢٥٠ رجلًا (عد١٦: ٣٥)، مقاومين بهذا تخصيص الكهنوت لهارون وبنيه.
"وفى الأمة الكافرة يضطرم الغضب":
الأمة الكافرة التي غضب عليها، يمكن أن يكون مثال لها مصر التي ضربها الله بالضربات العشر، ثم غرق ملكها، وهو فرعون وجيشه في البحر الأحمر.
وليس المقصود أن تكون الأمة كلها كافرة، فيمكن أن يكون جزء منها، مثل مجموعة قورح وداثان وأبيرام، الذين تمردوا على الله، وعلى موسى وهارون، فانشقت الأرض وابتلعتهم؛ هم وبنيهم ومواشيهم (عد١٦: ٣٢).
ع٨: "فمررت بك ورأيتك وإذا زمنك زمن الحب"
يشير هنا إلى تجسد المسيح، عندما نظر الله إلى شعبه فوجده مذلولًا بواسطة الرومان الذين يحتلونه واليونانيين بأفكارهم وعبادتهم النجسة، أي أن شعبه شعر بحاجته، بل والعالم كله شعر بحاجته لله. فزمن الحب ليس الوقت الذي أحبها فيه الله، بل وجدها مستعدة وشعرت باحتياجها لحبه، فتجسد ليفديها.
+ "فبسطت ذيلى عليك"
كانت الوسيلة المعروفة قديمًا لإعلان زواج إنسان من امرأة، أن يبسط ذيل ثوبه، أو عباءته عليها، كما فعل بوعز مع راعوث (را٣: ٩). وهذا يرمز إلى أن المسيح أعلن مسئوليته عنها بموته على الصليب لفدائها هي والبشرية كلها.
+ "وسترت عورتك"
غطى بحبه ومجده خزى الخطية، وأزاله بدفع الدين على الصليب، فأسس كنيسة نقية، وصار هذا هو شعبه، أي إسرائيل الجديد.
+ "فحلفت لك ودخلت معك في عهد يقول السيد الرب فصرت لى"
قطع الله عهدًا مع شعبه، أي كنيسته بالدم الفادى على الصليب، والذي يعطيه لكنيسته في الأسرار المقدسة. وبهذا اشترى كنيسته بدمه فصارت ملكًا وعروسًا له.
عندما نضج شعب الله وشعر باحتياجه إليه، تجسد المسيح وفداه وستر عليه وقطع عهدًا معه بالدم، فصار المؤمنون به ملكًا وعروسًا له.
ع٨: يَعْفُ
: يسامح، أو يغفر.
الجبابرة الأولون، هم البشر الذين عاشوا أيام نوح، ولم يصدقوا كلام الله على لسانه، ورفضوا دخول الفلك، فلم يسامحهم الله على تمردهم، وهلكوا بالطوفان (تك٦: ١-٧)، إذ أنهم اعتمدوا على قوتهم في مواجهة الطوفان الذي قال عنه نوح، وكانوا يشكون في حدوثه، فربما فكروا أن يصعدوا على أسطح منازلهم، أو على الجبال، ولكن كل هذا لم يفدهم، فغرقوا جميعًا في مياه الطوفان.
ع٩: "فحممتك بالماء وغسلت عنك دماءك"
قام العريس بتطهير عروسه من خطاياها بدمه الفادى، وأعطاها هذا الحميم في سر المعمودية.
+ "ومسحتك بالزيت"
وبعد ذلك دهنها العريس بالزيت لتصير جميلة بتكريسها له في سر الميرون وحلول الروح القدس وسكناه فيها.
بدأ إعدادها للزواج بحميمها في سر المعمودية ومسحها بالزيت في سر الميرون.
ع٩: مقتهم
: كرههم.
الله الحنون الذي يشفق على كل البشر، بل أيضًا على الحيوانات والنباتات والحشرات، لم يشفق على أهل سدوم الذين عاشوا حول لوط؛ لأنه كره خطاياهم، وانغماسهم في الجنس والشذوذ، واحتملهم بطول أناة سنينًا طويلة، ولكن في النهاية، كان لابد أن يأتي عليهم العدل الإلهي بحرق سدوم، وكل من فيها، وكذا عمورة المجاورة لها، والمشتركة معها في كل الشرور ( تك١٩: ٢٤).
ع١٠: "وألبستك مطرزة"
إذ كانت عارية احتاجت إلى ثياب البر، فألبسها عريسها ثيابًا مطرزة، أي حياة نقية مزينة بالفضائل.
+ "نعلتك بالتخس"
التخس هو نوع سميك من جلد الحيوانات البحرية، وكانوا يغطون به خيمة الاجتماع من الخارج لحمايتها. وهو جلد قوى، ولكن ليس له بهاء في شكله، فهو يصلح أن يكون نعلين لعروس المسيح لأن المسيح لا صورة له ولا منظر وهو معلق على الصليب، ولكن فيه كل القوة لفداء وحماية عروسه. فإذ تلبس التُخس، لا تخاف أن تصاب بالشوك والحسك اللذين في الأرض وهما نتجا عن الخطية، لأنها محمية بهذا الجلد السميك الذي يرمز لفداء المسيح.
+ "أزرتك بالكتان"
الإزار هو الثوب الخارجي، وصنعه من الكتان يعنى النقاوة، فغطاها عريسها بالنقاوة.
+ "وكسوتك بزًا"
البز هو الحرير الخالص، فتغطية العريس لعروسه بالبز يعنى تجميلها بحياة البر والفضيلة؛ لأن البز هو تبررات القديسين (رؤ١٩: ٨). بدأ العريس يكسو عروسه بالبر والفضائل ويحمى رجليها من الخطية لتحيا له في القداسة.
ع١٠:
الله الرحوم على كل من يأتى إليه، أو يتوب، لم يرحم أمة الهلاك، أي الأمة السائرة في الشر الذي هو طريق الهلاك، وهذا ينطبق على سدوم وعمورة.
وتنطبق هذه الآية أيضًا، أي أمة الهلاك، على مصر في ضربها بالضربات العشر، وكذا غرق فرعون وكل جيشه، وتنطبق على كثيرين، مثل الكنعانيين، الذين أبادهم الله، وأسكن شعبه مكانهم (١ صم١٥: ٣). وتنطبق على أمم كثيرة سارت في الشر، مثل آشور، وبابل.
ع١١: "وحليتك بالحلى"
استمر العريس في تجميل عروسه فأعطاها حلى هي الفضائل.
+ "فوضعت إسورة في يديك"
الأساور هي نعمة الله التي تبارك أعمال العروس؛ لأن اليد ترمز للعمل.
+ "وطوقًا في عنقك"
الطوق الذهبى الذي يوضع حول الرقبة يعلن المُلك والبهاء والعظمة، وبعد أن كان العنق مذلًا تحت نير الخطية أصبح مزينًا بالفضيلة. اهتم العريس بحلى عروسه التي في يديها وفى عنقها فتكون بارة في أعمالها وفى اشتياقاتها.
ع١١:
الست مئة ألف من الرجال، هم اليهود الذين خرجوا من أرض مصر، والذين يضاف إليهم النساء والأولاد، فيصيروا مليونين. هؤلاء الرجال قسوا قلوبهم، وتعصبوا ضد الله، وتذمروا، رافضين أن يدخلوا أرض كنعان، فحرمهم الله من الدخول إليها، وبادوا في برية سيناء خلال أربعين عامًا، ودخل بدلًا منهم أطفالهم الذين كبروا، أثناء الأربعين عامًا، أو وُلدوا في برية سيناء، فالله يكره الخطية، سواء كانت من اليهود، أو الأمم.
لو وجد الله واحدًا قاسى الرقبة، لكان من العجب أن يصفح عنه يهوديًا كان أو أمميًا، لا يطيع الله، لا يمكن أن يصفح الله عنه؛ لأن الله الرحيم هو أيضًا عادل.
إذا كنت يا أخى تعلم جيدًا أن عدل الله مثل رحمته، فليتك تخاف الله؛ لترفض كل شر، مهما بدا صغيرًا أمامك، أو خدعك الشيطان وبرره لك. تمسك بالنقاوة؛ لتجد رحمة الله، ويساندك، ويحفظك، ويسعد قلبك.
ع١٢: "ووضعت خزامة في أنفك"
يستكمل العريس تزينها فيضع خزامة، وهي حلقة من الذهب تثبت في الأنف لتشم هذه الأنف رائحة البخور الذي هو صلوات القديسين (رؤ٥: ٨) فتشاركهم الصلاة.
+ "وأقراطًا في أذنيك"
الأقراط هي حلقات ذهبية توضع في الآذان لتجميلها والمقصود تجميل أذنى العروس لتسمع صوت الله، أي تجميلها بكملة الله.
+ "وتاج جمال على رأسك"
التاج يوضع على رأس الملكة ليعطيها جمالًا وعظمة، فاعتبرها عريسها ملكة؛ لأنها اقترنت به الذي هو ملك الملوك.
اهتم العريس بتقديس حواس عروسه وتتويجها ملكة لتملك معه في السماوات.
والزيت هو عمل الروح القدس الدائم في الكنيسة في الأسرار ووسائط النعمة. أي أن العروس تمتعت بالغذاء والحياة وعمل الروح القدس فيها.
+ "وجملت جدًا جدًا فصلحت لمملكة"
صارت العروس جميلة جدًا واستحقت بمسيحها أن تملك وترث ملكوت السموات.
إذ لبست العروس ملابس البر والنقاوة، وتزينت بكلمة الله والميل السماوى وكل فضيلة وتغذت بالأسرار المقدسة وعمل النعمة، واستحقت أن يملك على قلبها المسيح وتملك معه في السماء.
ع١٢:
إن الله رحوم وعادل، وكامل في كليهما، فهو وحده مصدر الغفران للخطاة التائبين، وهو الذي يسكب غضبه على الأشرار المتمادين في شرهم، ولا يستطيع أحد غيره أن يسامح على الخطية، أو يعاقب عليها.
وقد اجتمعت الرحمة والعدل في الصليب، إذ ظهر حنان الله ورحمته على البشرية الضعيفة الساقطة في الخطية. وظهر عدله عندما أوفى الدين عنا بموته على الصليب. والرحمة والعدل يظهران على الأرض جزئيًا، ومن يستجيب لرحمة الله، ويتوب أمام تأديباته، فإنه يتمتع بالرحمة إلى الأبد في ملكوت السموات، أما من يستهين برحمة الله وغضبه على الأرض، فلا ينتظره إلا الهلاك الأبدي.
ع١٤: "وخرج لك اسم في الأمم لجمالك"
صارت العروس جميلة ومنيرة وسط العالم لأن أولاد الله نور العالم.
+ "لأنه كان كاملًا ببهائى الذي جعلته عليك يقول السيد الرب"
كان جمال العروس كاملًا لأنها اخذته من عريسها الذي هو الله الكامل، وصارت كاملة في مجدها.
صارت عروس المسيح الكنيسة جميلة بجماله ومنيرة للعالم كله؛ لتعلن المسيح في حياتها، فتؤثر في الكثيرين.
ما أعجب عملك يا الله في ضعفى، فأنت تعرف خطاياى ونجاساتى، ومع هذا تحبنى وتطيل أناتك علىّ حين أحتاج إليك، وتدعونى للتوبة، وتسندنى بنعمتك، وتكسونى ببرك، وتجملنى بفضائلك. فأعطنى يا إلهي أن أشعر بعظمة مكانى عندك لأتمسك بالحديث الدائم معك، وأظل أتمتع بأحضانك، وإن سقطت في الخطية أعود بالتوبة إلى أحضانك ثانية.
ع١٣:
الله كثير الرحمة على من يتجاوب معه، ويتوب، ويجاهد، محاولًا أن يطيع وصاياه، حتى لو كان ضعيفًا وكثير السقوط، فرحمة الله تستمر معه؛ حتى تخلصه، كما حدث مع الخطاة المشهورين، مثل اللص اليمين، وموسى الأسود، ومريم المصرية.
والله أيضًا شديد العقاب على المتمادين في شرهم، مثل فرعون، الذي ضربه بالضربات العشر ولم يتب، فاستحق هلاكًا شنيعًا، هو وكل جيشه في البحر الأحمر.
والخلاصة، أن الإنسان ينال جزاء أعماله، خيرًا كان، أم شرًا.
يُفهم من الآيات السابقة، كمال رحمة الله، وكذلك عدله على كل البشر. فالخاطئ الذي ينغمس في شهواته، ويطلب مكاسب الأرض، لن يستطيع أن يحتفظ بها، بل ستضيع منه، وقد يكون ذلك على الأرض، ولكن من المؤكد في الحياة الأخرى، إذ سيذهب للعذاب الأبدي، ويخسر كل شيء.
من ناحية أخرى، الله طويل الأناة، ولكنه ينظر باهتمام إلى صبر أولاده الأتقياء، واحتمالهم للظلم والتعب لأجله على الأرض، فيكافئهم جزئيًا على الأرض، بسلام في قلوبهم، وبعض البركات المادية، أما في السماء فيكافئهم ببركات عظيمة لا يعبر عنها.
ع١٥:
أعطى الله شعبه إسرائيل بركات كثيرة، ولكن للأسف استخدم هذه البركات أسوأ استخدام، إذ قدمها لعبادة الأوثان التي عبدتها الشعوب الوثنية المحيطة، بالإضافة إلى اتكاله على نفسه وشعوره بعظمته الشخصية، وبالتالي فأى نجاح يحققه في كل نواحى الحياة ينسبه لنفسه وليس لله، فهو زنى روحي لتعلقه بنفسه وليس بالله؛ لأن الكبرياء زنى مع النفس. فأعطت عروسه قلبها لكل من يعبر بها، أو يخالطها من الشعوب الوثنية، فتأثرت بهم بدلًا من أن تؤثر فيهم، وتعلن لهم إلهها القدوس، بل أصبحت معثرة للآخرين لكثرة الآلهة الوثنية التي فيها، وبدلًا من أن تستخدم اسمها العظيم الذي أعطاها لها الله بقوته لمجده صار للشر.
ع١٥:
إن الله الرحوم يريد أن يرحم الكل، ولكنه لا يعطى الرحمة إلا لمن يتجاوب معه بالتوبة، ومحاولة الرجوع إليه. ويعطى الله رحمة أكثر للتائبين بكل قلوبهم، أى أن الله سيجازى كل إنسان بحسب أعماله، فمن يرفض الله لن ينال رحمة، ومن يتجاوب معه جزئيًا، سينال مقدارًا من الرحمة، أما من يتجاوب بكل قلبه، ينال رحمة تفوق العقل.
ع١٦: ثيابك
: بركات الله وخيراته المعطاة لشعبه.
بدلًا من تقديم ذبائح لله وعبادة مقدسة، عمل شعبه مرتفعات بنى عليها معابد ومذابح للأوثان، وزينها بالأعمدة والتماثيل المختلفة، وزاد عدد العبادات الوثنية بدرجة لم توجد مثلها في كل الشعوب المحيطة.
وهكذا الإنسان المتهاون يترك حواسه تتدنس بالشر، مع أنه كان ينبغى أن يحيا مكرسًا لمحبة الله.
ع١٦، ١٧: سأتوارى
: سأختبئ.
لا تظن يا من تخطئ أنه يمكنك أن تختفى من أمام وجه الله، أو أن الله سيغيب عنه ما تعمله، فالله موجود في كل مكان، وفاحص القلوب والكلى، أي يراك، وينظر ما في داخلك، وكل أفكارك، ونيات قلبك، كلامك وأعمالك مكشوفة أمام الله. لا تختبئ مثل آدم (تك٣: ١٠)، فالله ينظر إليك، ولا تظن أن خطيتك مستورة عنه، كما ظن داود؛ حتى ذكَّره ناثان النبي، فتاب (٢ صم١٢: ١٣). أسرع إلى التوبة، ولا تضيع الوقت، لئلا تفتر مشاعرك، وتخسر أبديتك.
لا تقل في نفسك أنى مجرد فرد وسط أمة كبيرة، فمن يشعر بى، أو يرانى؟ وبالأولى أنا في وسط العالم كله، فمن يلاحظنى؟ لا تقل هذا يا أخى؛ لأن الله يرى كل شيء، وحتى لو اختبأت في مكان ما فهو يراك، كما قال إرميا النبي (إر٢٣: ٢٤).
ع١٧:
استخدم شعب الله الغنى الذي وهبه الله له، والممثل بالذهب والفضة، لعمل معابد للأوثان وتماثيل ذكور إرضاء للآلهة الوثنية، ولم يفطن أنها بركات الله التي ينبغى أن تقدم له، وليس للشياطين أعدائه.
ع١٨-٢٠: الغمر
: المياه الكثيرة.
إن الطبيعة كلها تهتز أمام غضب الله؛ السماء والأرض، ومياه في البحار والأنهار، وكذلك الجبال، بل وأعماق الأرض أيضًا؛ لأنه هو خالق الكل، فالكل يخافه، ويرتعد أمامه. فكيف لا تتأمل يا إنسان الطبيعة المحيطة بك؟ وتظن أن الله لا يراك؛ لأنك فرد وسط الملايين.
ويذكر هنا سماء السماء، معلنًا أن هناك سموات وليس سماء واحدة، كما يبين بولس الرسول في العهد الجديد إنه ارتفع للسماء الثالثة (٢ كو١٢: ٢). كل هذا يتزعزع أمام الله، فلابد أن يخافه الإنسان ويبتعد عن الخطية لئلا يغضبه.
الإنسان الذي يميل إلى الخلوة وحده في هدوء يستطيع أن يرى الله، وعندما يراه بقلبه يخافه، فتظهر أمامه فظاعة خطاياه، وحينئذ يبعد عنها، ويكتشف أن الطبيعة كلها تهتز أمام الله، فالبحر ينشق أيام موسى، والسماء لا تمتطر أيام إيليا، والنهر أيضًا ينشق بثياب إيليا، وجبل المقطم يتحرك أيام الأنبا إبرآم بن زرعة، فلذا يهتز قلب الإنسان عندما يخطئ، فيندم ويبكى على خطاياه، فينال مراحم الله.
ع١٨:
يظهر هنا مدى فجور شعب الله، إذ استخدموا بركاته لشرورهم وعبادتهم السخيفة المقدمة للأوثان. فبعد أن كانت العروس عريانة وتغطت بالثياب المطرزة، أخذت هذه الثياب وغطت بها الأصنام التي صنعتها، فابتعدت عن عريسها، وصارت عارية من كل بر. وبدلًا من أن تقدم الزيت والبخور لله قدمته للأوثان.
فالزيت يرمز لعمل الروح القدس الذي يقدس أرواح شعب الله، ولكن للأسف تعلقت أرواح شعب الله بالأوثان، أي تعلقت مشاعر العروس الزانية بالشر. والبخور يرمز إلى صلوات القديسين المرفوعة أمام الله. الآن هذه العروس الزانية تقدم صلواتها للأوثان، وهكذا عادت إلى خزيها وعريها بفقدها ثياب البر وحب عريسها السماوى.
ع٢١: زوبعة
: عاصفة شديدة.
إن طرق وتعاليم الله، ومقاصده الإلهية صعب على الإنسان البعيد عن الله أن يفهمها؛ لأنه يفكر بطريقة سطحية. فإذا نظر إلى زوبعة، فإنه لا يرى الهواء المتحرك فيها، ولكنه يشعر بتأثيرها عندما تصطدم هذه الزوبعة بأشياء ثابتة تهزها، أو تحطمها. فالزوبعة قادرة أن تخلع شجرة، أو تكسر جزء من مبنى، فمن تأثير الزوبعة يفهم الإنسان قوتها، هكذا أيضًا الإنسان لا يرى الله بعينيه، ولكنه يدرك قوته، وتدبيره في الطبيعة والمخلوقات، فهو واضح للإنسان الحكيم الروحي، وغير مفهوم للإنسان السطحى الذي يظن أنه يستطيع أن يرى الله بعينيه.
ع١٩:
أطعم الله عروسه، أي شعبه بخيرات كثيرة. بالمعنى المباشر أعطاها أرضًا تفيض لبنًا وعسلًا، أي مملوءة من الخيرات، مثل الحنطة التي ينتج منها أفخر أنواع الدقيق (السميذ)، والأطعمة المستخرجة من ثمار الأرض اللذيذة التي يعبر عنها بالعسل، والزيتون المنتشر في أرض الميعاد المستخرج منه الزيت.
وبالمعنى الروحي يرمز السميذ إلى جسد الرب ودمه، والعسل إلى كلمة الله، والزيت لعمل الروح القدس.
كل هذه العطايا بدلًا من أن تتحول إلى طاقة شكر لله، أخذتها عروسه الزانية، وقدمتها لإرضاء الآلهة الغريبة، وقدمت نفسها بكل ما تغذته من هذه الأطعمة؛ لتكون حياتها إرضاءً لهذه الآلهة، كم يكون هذا قاسيًا على قلب الله عريسها؟!
راجع نفسك يا أخى لتعرف قدراتك وعطايا الله لك، وهل تقدمها لله أو يسرقها الشيطان في شرور كثيرة لحسابه؟ راجع نفسك وتب لتعيد لله ممتلكاته، أي نفسك الغالية، وكل عطاياه تكون لمجده.
ع٢٢:
إن أكثر أعمال الله في الخفاء، أي مختفية عن أعين البعيدين عن الله، ويدركها فقط المؤمنون به؛ لأنهم يرونه وراء الأحداث، ويفهمون من نتائج الأمور قوة الله.
إن الله عادل، ونرى هذا في الطبيعة والمخلوقات حولنا، فالحيوان الضعيف عندما يختفى بين الصخور مثلًا، لا يستطيع أن يفترسه الحيوان القوى. والشجرة التي تتعمق جذورها في الأرض، تستطيع أن تحتمل قوة الرياح التي تهب عليها. فالله عادل يكافئ المتعمق بالمساندة، والقوة، ويتعرض السطحى للاهتزاز والسقوط.
ويظهر هنا الجاهل، الذي يتناسى أن الله موجود وعادل، ويطالبنا بالعهود التي بيننا وبينه؛ للسلوك بالاستقامة، ويشعر أن مواجهة الله يوم الدينونة بعيد عنه جدًا، أي يتناسى يوم الدينونة الذي يمكن أن يحل في أي وقت، وإذا وجد الإنسان غير مستعد، يعاقب بالعذاب الأبدي. ويقوده هذا التفكير إلى الانغماس في الشهوات، أو إهمال الله، والحياة معه، فيفسد حياته، ويعثر من حوله، وأكد بطرس الرسول هذا المعنى في رسالته الثانية (٢ بط٣: ٣، ٤).
ع٢٠، ٢١:
يعاتب الله عروسه الخائنة، أي شعبه بأنه قد وهبها بنين وبنات بكثرة، حتى أثناء وقت الذل والعبودية في مصر، وأيام الاجتياز في برية سيناء القاحلة فكيف تتعلق بالآلهة الوثنية؟! وتقدم لها ليس فقط ممتلكاتها المادية التي وهبها إياها الله، بل أكثر من هذا تقدم بنيها وبناتها ذبائح بشرية للآلهة الوثنية، مثل الإله مولك إله العمونيين، الذي كانوا يقدمون له الأطفال ليحترقوا على يديه الملتهبتين بالنار، وأصوات الطبول العالية تغطى على صراخ الأطفال حتى يموتوا. فهذا الإله كان تمثاله مصنوعًا من النحاس الأجوف يمثل رجلًا جالسًا ممدود اليدين، ويضعون النار تحته، فيصير النحاس ساخنًا جدًا حتى درجة الإحمرار، ثم يضعون على يديه الأطفال. إلى هذه الدرجة سيطر الشيطان على عقول الناس وقلوبهم، فعملوا هذه الأعمال الوحشية ضد أبنائهم. ويتساءل الله هل هذا الزنى قليل، أو هل هناك زنى روحي وتعلق بالأصنام أكثر من هذا.
وهذا يرمز إلى إنشغال الإنسان بالمال، أو الجنس، أو الكبرياء، فيقدم طاقاته لها مهما فقد من أمور غالية، وحتى لو فقد حياته، ظانًا بهذا أنه يصير قويًا وسعيدًا، مع أنه يحترق لأجل الشيطان وهو لا يدرى.
ع٢٣:
الإنسان المتواضع يريد أن يتعلم، ويتتلمذ على يد الله، والمرشدين الروحيين، فيتأمل في أعمال الله المذكورة في الآيات السابقة، ويرشده الله، بل ويعلن له حقائق روحية عظيمة؛ لاتضاعه واهتمامه، إذ أن المتضع مستقر عند الله، وساكن عنده، كما أعلن ذلك أشعياء النبي (أش٥٧: ١٥).
من ناحية أخرى، الجاهل، المنغمس في الشر، والذي يضل عن طريق الله، نجده منشغلًا بالحماقات، وهي الشهوات الشريرة، ويتأمل فيها، فيزداد انغماسه، وتعلقه بها.
إن الطريق إلى الله يا أخى سهل وبسيط، وهو الاتضاع، الذي به تتمتع بعشرة الله، ويعلن لك أسراره، وتنال الحكمة، وتحيا سعيدًا في الأرض وفى السماء.
ع٢٢:
وفيما العروس الخائنة تجرى وراء الشيطان نسيت حالتها الأولى، عندما كانت عارية من نعمة الله، وعريانة من كل بر وفضيلة، ومدوسة ومذلولة وملطخة بدمائها وشكلها قبيح. فها هي عادت إلى هذا الشكل بعد أن نقاها الله وجدد حياتها ومجدها. إنها فقدت مجدها وعادت إلى ذلها مرة أخرى.
الله لم يهدأ عن تنبيه عروسه الخائنة وتوبيخها وتحذيرها بالويلات حتى تتوب، ولكنها تتمادى للأسف في شرها في عبادة الأوثان.
ع٢٤:
يدعو ابن سيراخ أولاده، محبى الحكمة إلى ثلاث وسائل ناجحة للحصول على الحكمة، وهي:
١. الإستماع إلى كلام الله.
٢. الإهتمام بتعلم العلم الروحي، وهو معرفة الله ووصاياه.
٣. توجيه القلب، أي المشاعر إلى كلام الله، فإرادة الإنسان تدعو مشاعره للإحساس بكلام الله، والتأمل فيه، فتنال أعماقًا جديدة من معرفته، وتتمتع بها.
ع٢٤:
أكثر شعب الله من بناء معابد للأوثان، فصنع أماكن لها قباب في الشوارع المختلفة للمدن، وأيضًا على الأماكن العالية أقاموا عبادات لآلهة السماء، مثل عبادة الشمس والقمر والنجوم وهذا يرمز إلى كثرة الشهوات التي يسقط فيها الإنسان، فيدنس حواسه وأعضاءه المختلفة.
ع٢٥:
إن الحكيم تظهر حكمته فيما يلي:
١- "التأديب بوزن":
المقصود بالتأديب، كلمات العتاب، والتوبيخ، والانتهار؛ هذه يعطيها الحكيم ابن سيراخ بوزن، أي بما يناسب كل إنسان، والظروف التي يمر بها، فيعطيها بالمقدار الذي يحتمله كل أحد، وقد يزداد تدريجيًا مع نموه الروحي؛ لازدياد هذا الإنسان في الحكمة، والتمتع بعشرة الله.
٢- "العلم بتدقيق":
والعلوم الروحية؛ سواء معرفة الله، أو السلوك بها في الحياة، ومعاملة الآخرين، يعلمها الحكيم بتدقيق، بما يناسب كل إنسان، وكل موقف، وحسبما يدرك هذا الإنسان المتعلم؛ لأنه كلما اقترب الإنسان من الله يزداد فهمه، حتى أن الله يعلن لبعض قديسيه أمورًا روحية عالية، لا يستطيعون أن يقولوها لغيرهم لارتفاعها، ونحن لا نعرف ماذا تعلم الأنبا بولا في السبعين عامًا، التي قضاها في الوحدة، ولا الأنبا أنطونيوس في العشرين عامًا التي اختلى فيها، ولا ما أعلنه الله لمريم المصرية في السبعة وأربعين عامًا التي قضتها في البرية، ولكن فهمنا شيئًا قليلًا من قداستهم.
ع٢٥:
فى بداية كل طريق من طرق المدينة الرئيسية، بنت العروس معابد على المرتفعات. فأتلفت جمالها الذي وهبه الله إياها. فأصبحت مستعدة للزنى مع أي أجنبى يعبر بها، فتفتح رجليها له لتزنى معه، أى تقبل الآلهة الوثنية الجديدة التي للشعوب المحيطة، وتبنى لها معابد وتقدم لها عبادات. وهكذا أصبح الزنى هو الشئ الطبيعي في كل طرق المدينة، أي انتشرت عبادة الأوثان في كل مكان.
وهذا يرمز إلى سيطرة الأفكار والكلمات والأعمال الشريرة على أولاد الله، وجريهم وراء كل جديد من الشر؛ ليلتصقوا به، فيصيروا زناة كل يوم أكثر مما قبله. ويتكلم الله هنا بكلام مباشر عن تفاصيل الزنى الروحي لشعبه؛ ليبين لهم شناعة خطيتهم.
ع٢٦:
منذ بداية الخليقة، الله أعطى كل مخلوقاته صفاتها التي تعيش بها، وكل مخلوق يتميز عن غيره، ولكن الكل يعيش في توازن مع باقي المخلوقات، فالحيوانات لها صفاتها بأنواعها المختلفة، أليفة ومفترسة، تسير على الأرض، أو تطير في السماء، أو تسبح في البحر؛ سواء كانت كبيرة مثل الفيل والأسد، أو صغيرة مثل الحشرات، وكذا أيضًا النباتات بأنواعها المختلفة؛ أشجار، أو شجيرات، أو نباتات تعيش لمدة قصيرة. بالإضافة إلى الأفلاك؛ الكواكب، أو النجوم، فلكل منها صفاته ومساره. كل المخلوقات تحيا معًا في تناغم شديد، وحتى لو كان بعضها يبدو ضد البعض، ولكن في النهاية تحيا معًا، فيما يسمى بالتوازن البيئى، فلا يسود حيوان، وينهى على باقي الحيوانات، بل يعيش كل منها بأسلوبه، وأصغر الحيوانات يحيا أيضًا في هدوء بتدبير الله ضابط الكل.
وأجزاء المخلوقات ليس فقط أنواعها، كما ذكرنا، ولكن أيضًا أجزاء كل مخلوق، فالإنسان، أو الحيوان أو النبات يشمل كل منها أعضاء مختلفة، كلها تتعاون لتعطى حياة لصاحبها بحكمة الله وتدبيره، فكل عضو له وظيفة محددة لا يعملها غيره، ولكن يكمل عمله مع باقي الأعضاء، لينال المخلوق حياته المتزنة.
ع٢٦: الغلاظ اللحم
: المتكبرون.
لم تكتفِ عروس الله الخائنة بالزنى، أي الالتصاق بالآلهة الوثنية للشعوب المحيطة بها، مثل الفلسطينيين والموآبيين والعمونيين والآدوميين، بل أكثر من هذا تذكروا آلهة مصر الوثنية، وعادوا ليعبدوها في أرض كنعان. وهكذا عادت للزنى مع مصر المتكبرة التي أذلتها مئات السنين. وقد زنى شعب الله مع مصر عندما اتكل عليها وعقد معاهدات معها، بدلًا من أن يتكل على الله.
ويرمز أيضًا لتذكر الإنسان خطاياه القديمة، فيستعيدها ويسقط فيها ثانية.
وهذا يرمز إلى جرى الإنسان وراء الخطية فيقبلها حتى ممن يتكبر عليه ويذله.
ع٢٧-٢٩: الدهر
: نهاية العالم.
مبادئها
: بداية خلقتها.
أحقابها
: جمع حقبة، وهي مدة زمنية والمقصود حتى نهاية العالم.
تعاصى
: تعصى وتتمرد.
"زين أعماله إلى الدهر"
الله خلق جميع المخلوقات بترتيب ونظام جميل؛ حتى أنه رأى كل ما خلقه حسن، بل وحسن جدًا. ومازال الإنسان وحتى نهاية العالم يكتشف حكمة الله، وعظمته، وجمال ما صنع.
"ومبادئها إلى أحقابها":
وستظل الخليقة منذ خلقها الله، وحتى نهاية أحقاب العالم، أي نهايته، في جمالها، وسيظل الله يدبرها بحكمته؛ ليتمتع بها الإنسان، ويحيا في أحضان الله، الذي يحوطه بكل هذه الخلائق الجميلة.
"فلم تجع، ولم تتعب، ولم تزل تعمل":
كل المخلوقات يطعمها الله بحسب احتياجها، فلا تحتاج إلى شيء، وكل مخلوق يعمل عمله، ولا يتعب منه، أي ليس فوق طاقته، فالله بحكمة عالية يدبر ويسوس الخليقة كلها؛ لتكون مستريحة في شبع وعمل بلا معاناة. والإنسان رأس الخليقة؛ هذا هو الوضع الطبيعي له، إن عاش مع الله، أما إذا ابتعد عنه، وسار مع أفكار الشيطان، فسيعانى من متاعب كثيرة.
"ولم يضايق بعضها بعضًا":
المخلوقات كلها تسير في المسار الذي حدده الله لها، ولا تزاحم غيرها، ولا تصطدم به. وحتى بعض الحيوانات التي تفترس غيرها، أو الإنسان، أو الحيوان الذي يتغذى على النباتات، لا يتلف أو يقضى على غيره من المخلوقات، بل في النهاية يحدث التوازن البيئى، فلا يزيد نوع من المخلوقات أكثر مما يجب، ويضايق من حوله، ولكن يسمح الله أن يتغذى بعض الحيوانات على بعضها، فتظل جميع المخلوقات موجودة بنسب متزنة.
"وهى لا تعاصى كلمته مدى الدهر":
وجميع المخلوقات مطيعة لله، لا تعصى أوامره، بل تسير في طريقها وطباعها التي حددها الله لها وتستمر في هذا إلى نهاية العالم. ولكن الإنسان هو المخلوق الوحيد، الذي له حرية إرادة؛ ليقبل إلى الله، ويتمتع بحبه، ولكنه يمكن أن يعصاه، فيفقد علاقته بالله، ويضايق ما حوله من المخلوقات.
ع٢٧: فريضتك
: الخبز والأطعمة الأساسية لحياة الإنسان.
في محاولة من الله لإرجاع عروسه الخائنة، أعلن غضبه عليها، فمنع عنها احتياجاتها المادية، أى سمح بالجوع والوبأ لعلها ترجع إليه وتتوب. وبعد هذا سمح لها أن تذل في الحروب مع الفلسطينيين جيرانها، ورغم أن الفلسطينيين يعبدون الأوثان، ولكن تفوق شعب الله في كثرة الأوثان أخجل الفلسطينيين من هذه العبادات الكثيرة، وكل ما يتصل بها من إتمام للشهوات الردية، أي أصبح أهل العالم غير محتملين لزيادة شر أولاد الله، وصاروا يوبخون أولاد الله من أجل شرورهم.
ع٣٠، ٣١: "وبعد ذلك نظر الرب إلى الأرض وملأها من خيراته":
الله الكريم المحب نظر إلى إحدى مخلوقاته، وهي الأرض، وملأها من خيراته، أى المخلوقات المتنوعة التي يحتاجها الإنسان. إذ أن الله خلق الجنة بكل التمتعات التي فيها، ليفرح الإنسان بها، ولا ينقصه شئ؛ لأن الله سخى في العطاء. وكان من الطبيعي أن يشكر الإنسان الله على كل هذه العطايا، ولكنه انحرف بغواية إبليس، وسقط في الخطية وتمرد على الله، فخسر كل شيء، وطُرد من الجنة، ولكن محبة الله أنقذته بعد هذا بالفداء، فعاد يتمتع بخيرات الله، ليس فقط في الأرض، بل وأيضًا في السماء.
"ونفوس ذوى الحياة تغطى وجهها وإليها تعود":
إن كل المخلوقات الحية؛ سواء الإنسان أو الحيوان، أو النبات، التي خلقها الله بوفرة، غطت الأرض كلها، وعاشت في فرح مع بعضها حول الإنسان، الذي يقودها في تسبيح الله. وفى النهاية تموت كل هذه الخلائق، وتدفن في الأرض. ويتميز هنا الإنسان عن باقي الخلائق بأن روحه تنطلق إلى السماء، ويحيا إلى الأبد مع الله؛ هذا ما سيحدث في يوم الدينونة، فيملك الله مع أولاده في ملكوت السموات.
الله يحبك يا أخي، وأعطاك خيرات كثيرة على الأرض؛ لتتمتع بها، ولتراه في كل هذه الخلائق، فتشكره، وتسبحه، فلماذا أنت حزين؟! .. لأنك انشغلت عن الله، الذي يسندك، ويحوطك من كل جانب، ولم يعد أمامك إلا المشاكل والضيقات التي لا تقوى عليها. إرجع إلى الله بالصلاة والتأمل في أعماله التي عملها لأجلك، فتستعيد حياتك وتفرح من جديد.
ع٢٨:
امتد زنى العروس الخائنة للأشوريين - الذين سيطروا على العالم واحتلوا مملكة إسرائيل، المملكة الشمالية - فأخذ اليهود آلهة الأشوريين أيضًا وعبدوها. وهذا يرمز للانسياق وراء المسيطرين والقادة في العالم في كل ما يتبعونه من خطايا لا ترضى الله.
ع٢٩:
وعندما قامت الإمبراطورية البابلية وسيطرت على العالم، بما فيه بلاد اليهود، وأخذت بالوثنيين اليهود وبعثرتهم في أرجاء مملكتها، اختلطوا بالوثنيين وعبدوا آلهتهم، أي آلهة بابل التي كانت تقود العالم وقتذاك. ويرمز هذا لاتباع الرئاسات في شرورها.
ع٣٠: سليطة
: وقحة وجريئة في الشر.
يتعجب الله من أجل جرأة عروسه الخائنة في الشر، فهي لا تعمل كل ما سبق بخجل، أو في الخفاء، ولكنها تعمله بوقاحة وبجاحة غريبة.
إن أخطأت راجع نفسك، خاصة إن وبخك أحد. وإياك أن تبرر خطاياك وتتمادى فيها؛ فتفقد تمييزك، وتفتخر بالشر، وتصير مصدرًا للشر لكل من حولك.
ع٣١-٣٤:
من محبة العروس الخائنة للخطية أصبحت تكافئ كل من يزنى معها، أي كل من يدعوها لعبادة الأوثان، أو عمل أية شهوات شريرة، وهذا بخلاف العرف السائد في العالم الشرير، أنهم يدفعون مكافآت لإسقاط الأبرياء.
عندما عقد شعب الله معاهدات مع البلاد المجاورة، مثل أشور؛ لتحميه، كان من شروط المعاهدة أن يقدم شعب الله العبادة لآلهة الأمم الغريبة، ويدفعون هدايا ثمينة لهذه الشعوب لتحميهم، أي اتكلوا على هذه الشعوب بدلًا من الله، وعبدوا أوثانهم بدلًا منه، وقدموا لهذه الشعوب هدايا تأكيدًا لتعلقهم بالزنى الروحي. وهذا يرمز لمن يجرى وراء الخطية، ويبذل أمواله وممتلكاته وطاقاته حتى يحصل عليها، فهو أصبح مصرًا على الشر، يدبر له، ويبذل من أجله، وليس إنسانًا ساذجًا يغوونه بالمكافآت المادية حتى يفعل الشر. كل ما مر من شرور، أو صفات سيئة للعروس الخائنة تم مع شعب الله في أوقات مختلفة وتزايد جدًا في النهاية، حتى اضطر الله أن يسمح لهم بالسبي الأشوري، ثم السبي البابلي.
يذكر الله عروسه الخائنة بخطاياها، وهي أنها قدمت كل خيراتها التي وهبها الله لها، كل ما على أرضها، بل وحتى ما في باطن الأرض من معادن، كالنحاس وهو من المعادن الغالية القيمة، كل مقتنيات العروس قدمتها لعبادة الأوثان وللشر بكل نوع، حتى قدمت في النهاية كل طاقاتها وأغلى ما عندها وهو بنيها، الذين قدمتهم ذبائح بشرية للأوثان. وهذا معناه أنها أضاعت كل ما عندها وبذلته للشيطان، ورفضت الله تمامًا.
ع٣٧: لذذت لهم
: الذين تلذذوا بك.
يعلن الله تأديبه لعروسه، أي شعبه، بأنه سيفضحها ويظهر ضعفها وخزيها، عندما يعاقبها وتجتمع حولها كل الشعوب، التي أخذت عبادتهم الوثنية وتصادقت معهم في الشر، أو الذين كانوا يعادونها، الكل سيجتمع لينظر فضيحتها وعقاب الله الشديد لها، عندما تدمرها بابل وتحرقها بالنار. والله يسمح بهذا حتى تتعظ كل الشعوب؛ لأنه إن كان قد فعل هكذا بعروسه فكم يفعل بباقى الشعوب؟ فهي دعوة لكل الشعوب حتى تخاف الله، وينذرها بهذا لتؤمن به وترجع إليه.
ع٣٨: الفاسقات
: المتماديات في الزنى والانحرافات الجنسية.
السافكات الدم
: العنيفات جدًا لدرجة قتل الآخرين.
عقوبة الله لعروسه الخائنة الزانية هي العقوبة التي توقع على الفاجرات والقاتلات. إن الإعدام هو أصعب عقوبة يعرفها العالم لمثل هذه الجرائم، والله سيدمر أورشليم ويحرقها بالنار. وهكذا تسيل دماء عروسه لأن سخط الله، أي غضبه الشديد قد أتى عليها، بسبب غيرته القوية عليها؛ لأنه أحبها محبة كاملة، وهي خائنة خيانة كاملة، أي استهانت ورفضت حبه تمامًا.
ع٣٩:
عندما تهجم بابل على أورشليم ستدمرها تمامًا، وتدمر كل معابد الأوثان التي فيها، مع هيكل الرب الذي ستحرقه، وتتعرى أورشليم من كل بهائها ومجدها، وتهدم قصورها وكل ما تزينت به، وهكذا تصير مهجورة وعريانة من كل بهائها. فالله لابد أن يزيل الشر تمامًا ويبيد الأشرار، بعد أن أطال أناته عليهم طويلًا، وأعطاهم من محبته الكثير والكثير.
ع٤٠:
ستهجم جيوش بابل بأعداد ضخمة على أورشليم، ويصعدون مرتفعاتها، ويدمرونها، ويقتلون كل من يصادفهم فيها وخاصة العظماء والرؤساء.
وهذا يرمز إلى أن الله يسمح بأن يفقد الإنسان كل قوته وجماله الذي استخدمه في الشر حتى يكاد يموت، لعله بهذا يتوب ويرجع عن شره، ومن ناحية أخرى عندما يقتل الكثيرين ويهلكون فالبقية، إذ تفقد كل قوتها وغناها، تعود لله، وهذا ما حدث مع سكان أورشليم.
ع٤١: نساء كثيرة
: الشعوب المحيطة.
ستحرق جيوش بابل أورشليم والأسوار والهيكل والقصور، ويدمرون كل ما يقابلهم، ويقتلون بعنف، ويعملون فضائح لم تحدث من قبل، كل هذا يتم أمام الشعوب المحيطة بأورشليم، فهي إن كان يشبهها بعروس، فالنساء المحيطة، أي الشعوب المحيطة، ترى كل هذا التدمير وتتعجب لتخلى إلهها عنها. وعندما تتساءل هذه الشعوب ستعرف أن السبب هو تمادى أورشليم في الزنى، وسيرون الباقين في أورشليم قد ابتعدوا عن عبادة الأصنام وكل الشهوات الشريرة. ولا تطلب وقتذاك أجرة، أي ماديات، من الشعوب المحيطة كما كانت ترضى قديمًا الشعوب الوثنية، وتضمن التحالف معهم بإقامة معابد لأوثانهم داخل أورشليم. أما الآن، بعد توبتها، لم تعد أورشليم محتاجة أن تعبد الأوثان، فالباقون فيها يعبدون الله، الذي يحفظهم ويباركهم ويكفيهم بخيراته، وهذا ما حدث بعد الرجوع من السبي.
ع٤٢:
بتنفيذ هذه العقوبة وتدمير أورشليم يكون الله قد سكب غضبه عليها، ونالت عقابها، فتهدأ غيرته على هيكله، وعلى نفوس أولاده، الذين باعوه، وأسلموا نفوسهم للشر. وبعد هذا لا يبقى في أورشليم إلا القليلون الذين يخافون الله ويعبدونه، فيهدأ غضب الله ولا يعاقبهم بل يحفظهم ويباركهم.
ع٤٣:
يوضح الله سبب العقاب العنيف الذي سيحل بأورشليم، وهو أنها نسيت وأهملت محبة الله التي أعطاها لها حين أخرجها من مصر بالضربات العشر، وعبر بها البحر الأحمر، وعالها في البرية ٤٠ سنة، وسكن في وسطها، وأدخلها أرض الميعاد التي تفيض لبنًا وعسلًا، وأباد من أمامها شعوب كثيرة؛ كل هذا الحب أهملته وارتبطت بالأوثان.
وعلى العكس تذمرت على الله وغضبت عليه بشدة، فلم يعجبها المن في البرية، وحاولت الرجوع إلى مصر، فأتاهها في البرية واحتملها. فالله بعقابه يعاقب شرورها الكثيرة التي احتملها على مدى السنين، والتي زادت جدًا قبل التدمير البابلي؛ حتى لا ترتبط بالأوثان، وهي الخطية الفظيعة التي زادت على كل خطاياها السابقة من التذمر والظلم والشهوات الشريرة مثل الزنى.
ع٤٤:
من كثرة شر العروس الخائنة صارت مضربًا للأمثال في الشر بين شعوب العالم، فيقولون مثل الأم إبنتها، أي أن هذه العروس الخائنة مثل أمها، فأجيال الأمة اليهودية كلهم أشرار، بل ويتزايدون في الشر؛ حتى زاد شرهم، فاستحقوا تدمير مدينتهم أورشليم، أي أنهم أصبحوا أشر من آبائهم. ويقصد أيضًا بالأم الشعوب الوثنية المحيطة ببني إسرائيل، كما قال أن أمك حثية في (ع٣، ٤٥) فهي تنسب لهن كأم لها بسبب تشابهها معهن في عبادة الأوثان.
ع٤٥، ٤٦:
يشبه شعبه بزوجة شريرة في سلوكها، تكره زوجها وبنيها، وتعاملهم معاملة سيئة، والمقصود بزوجها هو الله، وبنوها هم أبناؤها الجسديون الذين تعلمهم الشر؛ ليكونوا بعيدين عن الله مثلها ويعبدون الأوثان.
وهى بهذا تشبه جيرانها الشهيرات بالشر وهن المملكة الشمالية مملكة إسرائيل، ويسميها الأخت الكبرى؛ لأنها تشمل عشرة أسباط. أما العروس الخائنة التي تحدث معها الله، فهي مملكة يهوذا، التي عاصمتها أورشليم، وكانت موجودة في هذا الوقت؛ لأن المملكة الشمالية كانت قد سبيت بالأشوريين، وهي تمثل الشر لانشغالها بعبادة الأوثان.
وأختها الصغرى هي سدوم التي اشتهرت في الكتاب المقدس بالشذوذ الجنسى أيام لوط، وهي مدينة أصغر من مملكة يهوذا، وقد احترقت بالنار من السماء (تك١٩: ٢٤). ويقارن بها هنا، ليس لأنها موجودة، بل لأنها تمثل الشر، فهي تحت الماء الآن ولا يعرف مكانها إلا أنها جنوب البحر الميت. يوحد الله بين عروسه الخائنة وأختيها السامرة عاصمة مملكة إسرائيل وسدوم، حيث جميعهن أصلهن حثى وأمورى، أي شعوب وثنية، فانتشرت العبادات الوثنية في الثلاثة بلاد، بل واشتهرن بهذه العبادات، إلى هذه الدرجة وصل شعب الله في خيانته له.
إذا تهاون الإنسان في علاقته مع الله، واستباح بعض الشرور، يتعلق بها، بل يصير مثالًا للشر. فكن حريصًا واقطع الخطية من بدايتها، وإن كنت قد توغلت فيها فارجع الآن؛ لأن الله مازال يحبك، ومستعد أن يغفر لك كل خطاياك.
ع٤٧، ٤٨:
يتعحب الله لتزايد عروسه في شرها، ففاقت البلاد المشهورة في عبادة الأوثان والشر التي دعاها أخواتها، أي مثيلاتها في الشر، وهما السامرة وسدوم، ففاق شر العروس الخائنة شرهما.
ع٤٩، ٥٠:
يعلن الله تفاصيل شرور البلاد المشهورة بالشر والتي تفوقت عليها عروسه، فيبدأ هنا بتوضيح شرور سدوم وكل بناتها، أي شعبها، وهي:
١. الكبرياء
: فلم تخضع لله وشعرت بقوتها في ذاتها، وتكبرت على الشعوب المحيطة بها من اجل غناها.
٢. الشبع من الخبز
: أي الانشغال بالماديات والترف والبعد عن الله.
٣. سلام الاطمئنان
: من أجل غناها وقوة رجالها عاشت في سلام، فأرجعت الفضل في هذا لقوتها وخيراتها، وليس لله الذي أعطاها كل هذا الذي تفعله، أي سدت أبواب التوبة أمام نفسها، لذلك احترقت وفنيت تمامًا، ولم تعد تشعر بوخز الضمير على الزنى.
٤. ولم تشدد يد الفقير
: انشغل الأغنياء بلذاتهم وأهملوا الفقراء والمساكين الذين لا يجدون قوتهم اليومى.
٥. عملن الرجس
: أي كل النجاسات، سواء عبادة الأوثان، أو الزنى والشذوذ الجنسى وكل الشهوات الشريرة.
في النهاية بعد طول أناة كبير من الله اضطر أن يزيل الشر، كما فعل مع سدوم وأحرقها.
ع٥١:
يهوذا التي عاصمتها أورشليم، وفيها هيكل الله، والتي يسميها الله عروسه، لها أخت ثانية في الشر هي السامرة، ويقصد المملكة الشمالية التي تسمى إسرائيل، وتشمل العشرة أسباط. هذه عبدت الأصنام التي أقامتها، رغم إيمانها بأسفار موسى، وسقطت في شهوات كثيرة. ولكن يعلن الله أن عروسه قد زادت أضعاف عن شر السامرة، إذ يقول أن السامرة لم تفعل نصف شر يهوذا، وبهذا أصبحت السامرة وسدوم بارتين بالمقارنة بيهوذا.
: إذا قورنت خطايا يهوذا بخطايا الأمم المحيطة، تحكم وتقضى بأنهن أبرّ منها.
يطالب الله عروسه مملكة يهوذا أن تحمل خزيها، أي تُنخس في قلبها وتشعر بمدى جرمها في حق الله، فهذا هو السبيل الوحيد لإصلاحها، أي أن بدء التوبة هو أن تشعر بخطيتها.
يذكرها الله بأن آثامها الشنيعة وزناها الروحي جعلاها قاضية على أخواتها السامرة وسدوم، فتجعلهن أفضل منها، أي تبررهن، ليس لأن خطاياها أكثر منهن، ولكن لأن فيها هيكل الله وتعرف وصاياه، فكيف تصنع الشر؟! "ولكن الذي لا يعلم ويفعل ما يستحق ضربات، يضرب قليلًا. فكل من أعطى كثيرًا يطلب منه كثير ومن يودعونه كثيرًا يطالبونه بأكثر" (لو١٢: ٤٨). فرجاسة ونجاسة مملكة يهوذا أكثر؛ لأن خطيتها تجازى بعقوبة أكبر من السامرة، حيث في السامرة اختلطت عبادة الله بعبادة الأصنام التي أقامها يربعام بعد حكم سليمان، وخطايا السامرة أصعب من سدوم؛ لأن سدوم وثنية لا تعرف الله ولا وصاياه.
ثم يطالب الله عروسه مملكة يهوذا بأن تخجل، والخجل نتيجة الخزي، فبعد أن ينخس قلبها وتشعر بشناعة شرورها تكون متضعة أمام الله في دموع التوبة وتخجل؛ لأنها أساءت إلى حبيبها وعريسها، وتطلب غفرانه ليعيدها إلى أحضانه. ويظل خجلها كلما نظرت إلى أخواتها في الشر؛ السامرة وسدوم، وكيف زادت عنهن في الشر وبررتهن؟! فتزداد توبتها أمام الله. مثلما كان بولس الرسول يتذكر خطيته أنه اضطهد كنيسة المسيح، فيزداد اتضاعًا وتوبة. وكما كان يقول داود النبي "خطيتى أمامي دائمًا" (مز٥١: ٣) ليحتفظ بمشاعر التوبة والخجل أمام الله.
ع٥٣: سبى مسبييك في وسطها
: شعب مملكة يهوذا المسبيين في إسرائيل وسدوم. ويقصد رجوع المسبيين بيد الأمم إلى الله بالتوبة، وليس الرجوع إلى أورشليم.
تظهر هنا محبة الله الذي يشتاق إلى توبة عروسه، التي بسبب شرها تعرضت للسبى الأشوري والبابلي، وبعده احتلال مادي وفارس، ثم الاحتلال الإغريقى. ولكن يقصد بالأكثر سبى الخطية الذي خضعت له سنينًا طويلة، فتوبتها تعيدها إلى علاقتها الأولى مع الله في محبة العروس لعريسها.
ولكن عندما يعيد المسبيين، يبدأ بإعادة سدوم وبناتها، أي شعبها؛ لأن سدوم أقل شرًا بالقياس بشعب الله. ثم يعيد سبى السامرة وشعبها؛ لأنهم وإن كان أصلهم يهودي إلا أنهم اختلطوا بعبادة الأوثان. ويعود معهم المسبيون شعب مملكة يهوذا، أي بناتها، الذين كانوا يسكنون في سدوم وفى السامرة، فيرجعون كلهم إلى الله. وحتى وقت كتابة هذه الآية لم يكن المسبيون قد عادوا إلى أورشليم؛ ولأنهم كانوا يسكنون حول الهيكل، فشرهم أعظم من الكل، لذلك لم يرحمهم الله إلا في النهاية، أي ترك اليهود الذين كانوا يسكنون أورشليم في احتقار، وذلك لعلهم يتوبون. وكان المفروض أن يكونوا أول التائبين بسبب قربهم من الهيكل، ومعرفتهم بالعبادة ولكن بسبب قساوة قلوبهم انغمسوا في الخطية، ولكن في النهاية تابوا، فأرجع إليهم المسبيين من اليهود بين الأمم، أي عادوا إلى أورشليم في بداية مملكة مادي وفارس.
ع٥٤:
يرحم الله شعب سدوم الذين يعودون للإيمان بالله، وهذا يكمل في الإيمان بالمسيح في ملء الزمان. ويرحم أيضًا شعب السامرة، ويرحم كذلك المسبيين من شعب يهوذا في سدوم وفى السامرة. وتخزى مملكة يهوذا، وتشعر بجرم خطيتها وعارها، إذ لم تستحق رحمة الله وبقيت للنهاية بعد هذه الشعوب. ولكثرة خطاياها جعلت هذه الشعوب تتعزى بغفران الله، والإيمان بالمسيح قبلها، فعندما يقول "بتعزيتك إياهن" يقصد أن شرورك جعلتهن يتعزين وينلن مراحم الله وغفرانه. وهذا واضح تاريخيًا، إذ أن اليهود في أورشليم هم الذين اضطهدوا المسيحية، أما الأمم واليهود الساكنين بينهم بعيدًا عن أورشليم، فآمنوا خاصة على يد بولس الرسول. وحتى الآن مازال اليهود في أورشليم وما حولها لم يرجعوا بعد إلى الله ويؤمنوا بالمسيح.
ع٥٥: الحالة القديمة
: العلاقة النقية مع الله، كما خلق الله آدم وحواء في الجنة، أي حالة ما قبل السقوط.
أخيرًا يرحم الله شعبه بأن يعيده إلى الحياة النقية قبل السقوط، وذلك من خلال الإيمان بالمسيح وسر المعمودية. وهذا حدث لسدوم أولًا، ثم السامرة، ثم يهوذا. وذلك كما شرحنا في (ع٥٢) لأن خطية يهوذا كانت أكبر من السامرة بسبب وجود هيكل الله عندها ومعرفتها الكاملة لوصاياه.
والمقصود بسدوم والسامرة ليس مدينة سدوم؛ لأنها قد اختفت الآن عن وجه الأرض، كما ذكرنا (ع٤٥، ٤٦) ولكن المقصود الشعوب الوثنية التي تخطئ خطايا كثيرة، كما هو مذكور في (ع٤٩). والمقصود بالسامرة الذين يؤمنون بالله ولهم بعض عقائد خاطئة؛ كل هؤلاء يرحمهم الله ويقبلهم ويؤمنون بالمسيح ويغفر خطاياهم السابقة.
ع٥٦، ٥٧: آرام
: تقع شمال شرق بلاد اليهود وعاصمتها دمشق، أي سورية الحالية.
الفلسطينيين
: يسكنون جنوب بلاد اليهود وجنوب شرقها حتى البحر الأبيض.
يوبخ الله عروسه مملكة يهوذا أنه في أيام ابتعادها عن الله وكبريائها كانت تعتبر سدوم مثالًا للشر وتعتبر نفسها مبررة. فبكبرياء كانت لا تتحدث عن سدوم فهي مدينة ليست ذات قيمة في نظرها لأنها شريرة، والحقيقة أن مملكة يهوذا كانت أشر من سدوم وقتذاك ولكن الكبرياء أعمى عينيها. وذلك كان في فترة ما قبل سبى بابل، أي قبل أن تفضح خطاياها، وتعاقب بتدميرها وحرقها، في هذا الوقت كانت الشعوب الأرامية وكذلك الفلسطينيون يحتقرون ويعيرون مملكة يهوذا لتزايدها في الشر.
ع٥٨:
ويوجه الله كلامه لعروسه مملكة يهوذا بأنها مسئولة عن خطاياها ولا تنسب أخطاءها للبلاد المحيطة بها، أو تلتمس العذر لنفسها.
ع٥٩: نكث العهد
: الرجوع عن الالتزام بالعهد.
يعلن الله عقابه لشعبه بأنه سيجازيه بحسب أفعاله، ولأن أفعاله شريرة جدًا سيعاقب عقابًا شديدًا، لأنه رجع عن عهده مع الله أن يحيا له ولا يتكل على الأمم المحيطة، أو يرتبط بأوثانها بل كان المفروض ألا يخالطها. ولأن شعبه رجع عن عهده، فالله بالتالي مضطر أن يرجع عن عهده في المحافظة على شعبه، فيعاقبه مستخدمًا بابل لتأديبه.
ع٦٠:
اضطرار الله أن يرجع عن عهده ويعاقب شعبه ليس معناه رجوع الله عن العهد إلى الأبد، بل الله في حنانه عندما يرى شعبه يتوب ويرجع إليه يسامحه ويذكر عهده مع شعبه عندما بدأ معه في أيام صباه، أي عندما أدخله في أرض الميعاد، وسحق الشعوب الوثنية أمامه. وقد تمم هذا الوعد بإرجاع شعبه من السبي، ثم تممه بالكمال في المسيح الفادى الذي أعطى المؤمنين به حياة أبدية، أي يمتعهم بملكوته الأبدي.
ع٦١، ٦٢:
عندما يرى شعب الله غفرانه ومراحمه برجوعه من السبي، ثم إيمانه بالمسيح، يخجل من خطاياه السابقة وكل طرق الشر التي سار فيها ثم تاب عنها. في هذا الوقت، أي بعد الإيمان بالمسيح تصبح أورشليم مركزًا لكنيسة العهد الجديد تنطلق منها نحو الأمم، فتقبل أخواتها السامرة، وسدوم ولكن في الإيمان، ليس بعهد الشر الذي سارت فيه مع هذه الشعوب، بل بعهد جديد يهبه الله لها، هو عهد النعمة في المسيح يسوع، الذي ستتمتع به مع جميع المؤمنين في كل العالم.
والمقصود أيضًا بعهدها هو العهد القديم، عهد الناموس، الذي كسرته وسارت في الخطية وعهد الله هو العهد الجديد في المسيح يسوع.
ع٦٣:
فى العهد الجديد عندما تذكر عروسه، أي شعبه، الخطايا القديمة يخزى في توبة واتضاع، ويرفض هذه الشرور، ويقبل إلى الله لينمو في معرفته، ويظل في حياة الاتضاع لا يفتح فاه بكبرياء متذكرًا خطاياه السابقة دائمًا فيحيا حياة التوبة ويعرف الله عندما يتم كل ما سبق الذي أنبأه به الله.
نلاحظ في هذا الأصحاح سبعة مراحل مرت بها عروس الله، أي شعبه هي:
١. سقوطها في الخطية وارتباطها بالأوثان.
٢. مرور الله بها والستر عليها وغسلها وتطهيرها؛ لتصير عروسًا له. وهذا ما حدث عند اختيار الله لنفسه شعبًا خاصًا أيام إبراهيم واسحق ويعقوب.
٣. انحرافها وزناها روحيًا بعبادتها الأوثان واتكالها على نفسها.
٤. تأديب الله لها بحرمانها من البركات الروحية والمادية بمضايقة الشعوب المحيطة بها.
٥. إذ لم تتجاوب العروس وتزايدت في زناها، سمح الله لها بالتأديب الشديد في السبي البابلي عند تدمير أورشليم وحرقها.
٦. غفران الله لعروسه ورجوعها من السبي وذلك على يد مادي وفارس.
٧. رحمة الله الكاملة لعروسه عند فدائها بدم المسيح؛ لتحيا له، بل تنضم الشعوب إليها عندما تؤمن.
إن رحمة الله تفوق كل تصور، فمهما كانت خطاياك، ومهما كانت التأديبات التي مررت بها، فهو مستعد أن يغفر لك إن تبت، ويرفع عنك كل الضيقات ويرفعك ويباركك كأن لم يحدث شيء. فقم الآن، إرجع إليه بالتوبة، واقطع الخطية الشريرة التي تستعبدك من أجل محبته، مقدمًا توبة واعترافًا، ثم تتناول من الأسرار الإلهية، فتمتلئ قوة وتتمتع بعشرته.
الأَصْحَاحُ السادس عَشَرَ
عاقبة الأشرار
قد بدأ الأصحاح الأول من هذا السفر بمقدمة عن الحكمة، كما ذكرنا في مقدمة السفر في الجزء الأول من تفسير سفر يشوع بن سيراخ، ثم بدءًا من الأصحاح الثاني، تكلم بن سيراخ عن السلوك العملي، وهذا القسم يمتد من (سي ٢-٤٦)، وبالتالي الأصحاح الحالي وهو (سي ١٦) مازال بن سيراخ يتحدث عن السلوك العملي.
(١) الأبناء الأشرار (ع١-٥)
(٢) أمثلة للأشرار (ع٦-١١)
(٣) غضب الله على الأشرار ( ع١٢-٢٣)
(٤) الله ضابط الكل (ع٢٤-٣١)
الأَصْحَاحُ السادس عَشَرَ
العروس الخائنة
(١) العروس المرذولة (ع١-٦)
(٢) الله يجمل عروسه ( ع٧-١٤)
(٣) خيانة العروس لعريسها ( ع١٥-٣٤)
(٤) الله يؤدب شعبه ( ع٣٥-٥١)
(٥) الإصلاح والعودة إلى الله (ع٥٢-٦٣)
(١) الأبناء الأشرار (ع١-٥):
١ لاَ تَشْتَهِ كَثْرَةَ أَوْلاَدٍ لاَ خَيْرَ فِيهِمْ، وَلاَ تَفْرَحْ بِالْبَنِينَ الْمُنَافِقِينَ، وَلاَ تُسَرَّ بِكَثْرَتِهِمْ، إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ مَخَافَةُ الرَّبِّ. ٢ لاَ تَثِقْ بِحَيَاتِهِمْ، وَتَلْتَفِتْ إِلَى مَكَانِهِمْ. ٣ وَلَدٌ وَاحِدٌ يَتَّقِي الرَّبَّ، خَيْرٌ مِنَ أَلْفٍ مُنَافِقِينَ. ٤ وَالْمَوْتُ بِلاَ وَلَدٍ، خَيْرٌ مِنَ الأَوْلاَدِ الْمُنَافِقِينَ. ٥ لأَنَّهُ بِعَاقِلٍ وَاحِدٍ تُعْمَرُ الْمَدِينَةُ، وَقَبِيلَةٌ مِنَ الأُثَمَاءِ تُخْرَبُ.
(١) العروس المرذولة (ع١-٦):
١ وَكَانَتْ إِلَيَّ كَلِمَةُ الرَّبِّ قَائِلَةً: ٢ «يَا ابْنَ آدَمَ، عَرِّفْ أُورُشَلِيمَ بِرَجَاسَاتِهَا، ٣ وَقُلْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ لأُورُشَلِيمَ: مَخْرَجُكِ وَمَوْلِدُكِ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ. أَبُوكِ أَمُورِيٌّ وَأُمُّكِ حِثِّيَّةٌ. ٤ أَمَّا مِيلاَدُكِ يَوْمَ وُلِدْتِ فَلَمْ تُقْطَعْ سُرَّتُكِ، وَلَمْ تُغْسَلِي بِالْمَاءِ لِلتَّنَظُّفِ، وَلَمْ تُمَلَّحِي تَمْلِيحًا، وَلَمْ تُقَمَّطِي تَقْمِيطًا. ٥ لَمْ تَشْفُقْ عَلَيْكِ عَيْنٌ لِتَصْنَعَ لَكِ وَاحِدَةً مِنْ هذِهِ لِتَرِقَّ لَكِ، بَلْ طُرِحْتِ عَلَى وَجْهِ الْحَقْلِ بِكَرَاهَةِ نَفْسِكِ يَوْمَ وُلِدْتِ. ٦ فَمَرَرْتُ بِكِ وَرَأَيْتُكِ مَدُوسَةً بِدَمِكِ، فَقُلْتُ لَكِ: بِدَمِكِ عِيشِي، قُلْتُ لَكِ: بِدَمِكِ عِيشِي.
ع١:
يقول الكتاب المقدس: "البنون ميراث من عند الرب" (مز١٢٧: ٣)، والإنسان الطبيعي يميل في معظم الأحيان أن يكون له أبناء وبنات كثيرون؛ لأنهم امتداد لحياته، ويشعر أنهم جزء منه، بل وقوة تسانده، خاصة عندما يكبر في السن. ومن ناحية أخرى، كان العقم في العهد القديم أمر مكروه، إذ كان شعب الله يتمنى كل واحد منه أن يأتي من نسله المسيا المنتظر، وعدم الإنجاب يعنى بالنسبة له عدم استحقاقه لهذا الشرف، وكان يعتبر نقصًا وضعفًا وعارًا.ولكن تعلن هذه الآية خطورة اشتهاء كثرة الأبناء، والفرح بهم إذا كانوا أشرارًا، أو منافقين، ولا يخافون الله، أي يسلكون في شهواتهم، ويغضبون الله، ولا يفعلون شيئًا صالحًا، وبالتالي يغضبون أيضًا والديهم؛ هؤلاء ما المنفعة منهم، إن عدم وجودهم أفضل، فهم عار لوالديهم أكثر من مَن لم ينجبوا. فعالى الكاهن صار مثالًا للتهاون من أجل أبنائه الكهنة الأشرار حفنى وفينحاس (١ صم٣: ١٢-١٤)، وكذلك نسل قورح وداثان وأبيرام الذين تمردوا على الكهنوت، فابتلعتهم الأرض (عد١٦: ٣٢، ٣٣).
ع١، ٢:
طلب الله من حزقيال أن يعلن لأورشليم الشرور التي تسلك فيها، فبداية الإصلاح أن يعرف الإنسان خطاياه.ع٢:
لا تثق بهؤلاء الأبناء الأشرار؛ لأنهم مهما كبروا، أو حققوا إنجازات في العالم، لكنهم لبعدهم عن الله، لا يعتمد عليهم في شيء، وتوقع منهم شرورًا كثيرة في كل وقت.لا تنشغل، أو يلتفت قلبك إلى مكانتهم في المجتمع، أو أموالهم ومراكزهم، فكلها لحساب الشيطان؛ لأنهم منافقون، ومهما صنعوا في هذه الحياة، فليس لهم مكان في السماء.
ع٣: كنعان
: هي أكبر القبائل التي تعيش غرب نهر الأردن، وهي تمثل قبائل كثيرة.الأموريين
: من أقوى القبائل الكنعانية وتعيش شرق البحر الميت وجنوبه.الحثيين
: من نسل كنعان ومن الشعوب الوثنية القديمة، تزوج منهم إسماعيل وعيسو.يقول الله لأورشليم أن أصلك من أرض كنعان، وأن أباك من الأموريين، وأمك من الحثيين. ويقصد أنها ارتبطت بهذه الشعوب الوثنية؛ فأخذت منها عبادتها للأوثان، وعاداتها، وتقاليدها، وأخلاقها، وهي كلها غريبة عن حياة أولاد الله، فصارت كأنها من نسلهم، مع أنها من نسل عبرانى، أي من نسل إبراهيم الذي عبر من أور الكلدانيين إلى كنعان. فقد تركت أورشليم أصلها الروحي وهو إبراهيم، وارتبطت بالوثنيين، أي بكنعان الملعون من أبيه، فصارت وكأنها من نسلهم.
ع٣:
إن كان لك ابن واحد تعبت في تربيته، فصار يخاف الله، ويعمل بوصاياه، فهو أفضل من ألف ابن منافقين، بعيدين عن الله، قد انغمسوا في الشرور. وهذا يبين أهمية تربية الأبناء، وربطهم بالله، وتعليمهم الإيمان السليم، بل إن الاكتفاء بعدد قليل من الأبناء مع تربية حسنة أفضل من إنجاب كثيرين وإهمال تربيتهم في الله.ع٤: تقمطى
: تُلفى بلفائف.يشبه أورشليم بطفلة مولودة مرذولة لم يعتنِ بها أحد، فلم تقطع سرتها، أي ظلت مرتبطة بالحبل السرى الذي يغذيها من أصلها الوثني، أي استمرت تتغذى بالشر. وهذا يرمز لبقاء الخطية الجدية في الإنسان الذي لم يتمتع بفداء المسيح. ولم تجد هذه الطفلة من يهتم بحميمها بالماء لينظفها من أوساخها، ولم تجد من يستخدم الملح لحفظها من الفساد، إذ أن الملح دائمًا مادة تستخدم للحفظ، أي تركت مهملة، ولم تجد من يلفها بأى قطعة قماش، بل ألقيت عارية على الأرض.
ع٤:
لا تحزن إن لم تنجب أبناء، فالأفضل لك أن تموت وليس لك أبناء من أن تحيا ويكون لك أبناء كثيرون منافقون. إنه شر عظيم تُحاسب عليه أنك أضفت إلى العالم أبناءً أشرارًا، يفسدون العالم، ويعثرون الكثيرين، وفى النهاية يهلكون.ع٥:
هكذا نجد أورشليم في أسوأ صورة كطفلة عارية ملوثة بأوساخها، ملقاة في الحقل، ومحوطة بكل ما هو كريه، ويقصد كل ما يتصل بعبادة الأوثان المكروهة من الله. أي أنها عاشت في أرض كنعان ملوثة بالشرور.ع٥: الأثماء
: جمع أثيم وهو الشرير.تؤكد هذه الآية أهمية الابن الذي يخاف الله، الذي هو أفضل من أبناء كثيرين أشرار. فإنه بواسطة شخص واحد عاقل، أي يحيا مع الله في صلاح وبر، تُعمر مدينة كاملة، إذ أنه يميل لعمل الخير، ونتيجة علاقته بالله، يرشده في علاقته بالآخرين، فيقودهم للبر، ويساعدهم على العمل الصالح، فيحيون مع الله، ويبارك الله مدينتهم بخيرات كثيرة؛ لأن من يحيا مع الله ينال معونة ليس لها حدود، ومثال لهذا كل الرسل، مثل بولس الرسول الذي بكرازته أنشأ كنائس كثيرة في بلاد متعددة، فصارت عامرة بخدمته وكرازته.
أما الأشرار فإذا تجمعوا معًا يساعدون بعضهم البعض على الشر والفساد، فتخرب مدينتهم إذ يتخلى عنهم الله، ويتمادون في خطاياهم، فيأتى عليهم غضب الله، ويهلكهم، مثلما حدث في مدينتى سدوم وعمورة.
أشكر الله على ما أنت فيه؛ سواء لك ابن، أو أبناء قليلون، أو كثيرون، وأيضًا لو لم يكن لك أبناء، ولكن كن أمينًا في تربية أبنائك في خوف الله، أربطهم بالكنيسة منذ طفولتهم، وفهمهم وصايا الله.
ع٦:
هذه هي الحالة التي رآها فيها الله وحزن جدًا لابتعادها عنه، بعد أن أخرجها من مصر بذراع رفيعة، وسكن في وسطها في برية سيناء، وأدخلها إلى أرض الميعاد، لكنها تركته وانغمست في عبادة الأوثان. ومرور الله بها يرمز للتجسد الإلهي الذي تقدم ليحل مشكلتها؛ لأنها تكاد تموت من الرذل والإهمال التي هي ملقاة فيه. ومعنى بدمك عيشى، أي تركها الله مدة طويلة لعلها ترجع إليه، ولكنها رفضت، فتخلى عنها لتختبر نتيجة الشر وتُذل، وهذا ما أختبرته في عصر القضاة، لعل هذا يدعوها للعودة إليه بالتوبة. فتخلى الله عنها معناه طول أناة منه، فعاشت مُذلة بالدم الذي يحوطها، أي الخطية والشر الذي ارتبطت به. ومدوسة من الوثنيين الذين ارتبطت بهم، فأصبحت تنزف ومحاطة بالدم في ذل شديد. وتكرار عبارة بدمك عيشى يؤكد أن الله تركها مدة طويلة ولم تتب.ليتك تحاسب نفسك لتكتشف خطاياك مهما كانت ثقيلة وصعبة، ولكن هذا هو بداية الحل لتقدم توبة وتجد بسرعة يد الله ممدودة وهذا لمعونتك.
(٢) أمثلة للأشرار (ع٦-١١):
٦ كَثِيرٌ مِنْ أَمْثَالِ هذِهِ رَأَيْتُهُ بِعَيْنَيَّ، وَأَعْظَمُ مِنْهَا سَمِعَتْ بِهِ أُذُنِي. ٧ فِي مَجْمَعِ الْخَطَأَةِ تَتَّقِدُ النَّارُ، وَفِي الأُمَّةِ الْكَافِرَةِ يَضْطَرِمُ الْغَضَبُ. ٨ لَمْ يَعْفُ عَنِ الْجَبَابِرَةِ الأَوَّلِينَ الَّذِينَ تَمَرَّدُوا بِقُوَّتِهِمْ، ٩ وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى جِيلِ لُوطٍ، الَّذِينَ مَقَتَهُمْ لِكِبْرِيَائِهِمْ، ١٠ وَلَمْ يَرْحَمْ أُمَّةَ الْهَلاَكِ الْمُتَعَظِّمِينَ بِخَطَايَاهُمْ. ١١ وَكَذلِكَ السِّتُّ مِئَةَ أَلْفٍ مِنَ الرَّجَّالَةِ، الَّذِينَ تَعَصَّبُوا بِقَسَاوَةِ قُلُوبِهِمْ، بَلْ لَوْ وُجِدَ وَاحِدٌ قَاسِي الرَّقَبَةِ، لَكَانَ مِنَ الْعَجَبِ أَنْ يُصْفَحَ عَنْهُ.
(٢) الله يجمل عروسه ( ع٧-١٤):
٧ جَعَلْتُكِ رَبْوَةً كَنَبَاتِ الْحَقْلِ، فَرَبَوْتِ وَكَبُرْتِ، وَبَلَغْتِ زِينَةَ الأَزْيَانِ. نَهَدَ ثَدْيَاكِ، وَنَبَتَ شَعْرُكِ وَقَدْ كُنْتِ عُرْيَانَةً وَعَارِيَةً. ٨ فَمَرَرْتُ بِكِ وَرَأَيْتُكِ، وَإِذَا زَمَنُكِ زَمَنُ الْحُبِّ. فَبَسَطْتُ ذَيْلِي عَلَيْكِ وَسَتَرْتُ عَوْرَتَكِ، وَحَلَفْتُ لَكِ، وَدَخَلْتُ مَعَكِ فِي عَهْدٍ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، فَصِرْتِ لِي. ٩ فَحَمَّمْتُكِ بِالْمَاءِ، وَغَسَلْتُ عَنْكِ دِمَاءَكِ، وَمَسَحْتُكِ بِالزَّيْتِ، ١٠ وَأَلْبَسْتُكِ مُطَرَّزَةً، وَنَعَلْتُكِ بِالتُّخَسِ، وَأَزَّرْتُكِ بِالْكَتَّانِ، وَكَسَوْتُكِ بَزًّا، ١١ وَحَلَّيْتُكِ بِالْحُلِيِّ، فَوَضَعْتُ أَسْوِرَةً فِي يَدَيْكِ وَطَوْقًا فِي عُنُقِكِ. ١٢ وَوَضَعْتُ خِزَامَةً فِي أَنْفِكِ وَأَقْرَاطًا فِي أُذُنَيْكِ وَتَاجَ جَمَال عَلَى رَأْسِكِ. ١٣ فَتَحَلَّيْتِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلِبَاسُكِ الْكَتَّانُ وَالْبَزُّ وَالْمُطَرَّزُ. وَأَكَلْتِ السَّمِيذَ وَالْعَسَلَ وَالزَّيْتَ، وَجَمُلْتِ جِدًّا جِدًّا، فَصَلُحْتِ لِمَمْلَكَةٍ. ١٤ وَخَرَجَ لَكِ اسْمٌ فِي الأُمَمِ لِجَمَالِكِ، لأَنَّهُ كَانَ كَامِلاً بِبَهَائِي الَّذِي جَعَلْتُهُ عَلَيْكِ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ.
ع٦:
يعلق سيراخ على الأبناء الأشرار الذين سبق أن تحدث عنهم في الآيات الخمسة السابقة، فيقول: أنه رأى بعينيه أمثلة كثيرة لهؤلاء الأشرار، وسمع أيضًا ما هو أعظم، وأكثر منها بأذنيه. فأمثلة الشر كثيرة.ع٧: "جعلتك ربوة كنبات الحقل فربوت وكبرت"
جعلت أعدادك مثل نباتات الحقل تزداد بالربوة، وهي عشرة آلاف، أي أصبح عدد شعب الله كثير، عشرات الألوف. وهي بركة من الله فازدادوا جدًا في مصر رغم ظلم المصريين لهم ومحاولة استئصالهم وتقليل عددهم، فعلى قدر ما أذلوهم نموا وكثروا.
+ "وبلغت زينة الأزيان"
أصبحت عظيمة وجميلة مزينة بكل زينة، أي أن الله أعطى شعبه بركات كثيرة بين الشعوب.
والعجيب، رغم أن الله يعرف شر شعبه، ولكنه يراهم كعروس له قد بلغت زينة الأزيان، أي جميلة جدًا في نظره، وليس في ذاتها فهي مملوءة شرًا لاختلاطها بعبادة الأوثان لكنها جميلة جدًا ببركته.
+ "نهد ثدياك ونبت شعرك"
أى كبر ثدياك وطال شعرك وهي كلها علامات البلوغ والنضج عند المرأة. وهذا يرمز إلى النضج الروحي، فأصحبت قادرة على الفهم والتمييز لتعيشى في الخير وترفضى الشر. والثديان يستخدمان في الرضاعة، أي أصبحت قادرة أن تغذى بنيك وتعليمهم وصايا الله. والثديان يرمزان أيضًا إلى الناموس والأنبياء في العهد القديم.
+ "وقد كنت عريانة وعارية"
أى متجردة من ثيابك بسبب الخطية الجدية، وعارية بسبب خطاياك الخاصة. وتعنى أيضًا أنها عريانة بسبب الخطية، وعارية بسبب حاجتها للبر الذي في المسيح. والمعنى أن عريسها وجدها غير مكتسية بثياب العرس، أي ثياب البر. وتكرار وصفها بالعرى هو لتأكيد شرها وابتعادهاعن الله.
بارك الله شعبه الذي يشبهه بطفلة صغيرة ملقاة في الحقل، أي في العراء، وملطخة بدمها، ومدوسة من الأمم الوثنية المحيطة. ومع هذا لم يتركها بل باركها، فزادت عددًا، ونضجت في الفهم الروحي، أي صارت عروسًا يمكن أن تتزوج بعريسها. ولكن للأسف كانت عارية من ثياب البر، ومع هذا فهي جميلة في عينى عريسها رغم نجاستها وتلطخها بالدم وازدراء الناس بها وإهمالها، فهي مازالت ملقاة على الأرض بعريها.
ع٧: تتقد
: تلتهب.يضطرم
: يشتعل."فى مجمع الخطأة تتقد النار":
مثال للأشرار الذي أحرقتهم النار، رؤساء اللاويين الذين تجاسروا وحملوا مجامر وبخروا أمام خيمة الاجتماع، وكان عددهم ٢٥٠ رجلًا (عد١٦: ٣٥)، مقاومين بهذا تخصيص الكهنوت لهارون وبنيه.
"وفى الأمة الكافرة يضطرم الغضب":
الأمة الكافرة التي غضب عليها، يمكن أن يكون مثال لها مصر التي ضربها الله بالضربات العشر، ثم غرق ملكها، وهو فرعون وجيشه في البحر الأحمر.
وليس المقصود أن تكون الأمة كلها كافرة، فيمكن أن يكون جزء منها، مثل مجموعة قورح وداثان وأبيرام، الذين تمردوا على الله، وعلى موسى وهارون، فانشقت الأرض وابتلعتهم؛ هم وبنيهم ومواشيهم (عد١٦: ٣٢).
ع٨: "فمررت بك ورأيتك وإذا زمنك زمن الحب"
يشير هنا إلى تجسد المسيح، عندما نظر الله إلى شعبه فوجده مذلولًا بواسطة الرومان الذين يحتلونه واليونانيين بأفكارهم وعبادتهم النجسة، أي أن شعبه شعر بحاجته، بل والعالم كله شعر بحاجته لله. فزمن الحب ليس الوقت الذي أحبها فيه الله، بل وجدها مستعدة وشعرت باحتياجها لحبه، فتجسد ليفديها.
+ "فبسطت ذيلى عليك"
كانت الوسيلة المعروفة قديمًا لإعلان زواج إنسان من امرأة، أن يبسط ذيل ثوبه، أو عباءته عليها، كما فعل بوعز مع راعوث (را٣: ٩). وهذا يرمز إلى أن المسيح أعلن مسئوليته عنها بموته على الصليب لفدائها هي والبشرية كلها.
+ "وسترت عورتك"
غطى بحبه ومجده خزى الخطية، وأزاله بدفع الدين على الصليب، فأسس كنيسة نقية، وصار هذا هو شعبه، أي إسرائيل الجديد.
+ "فحلفت لك ودخلت معك في عهد يقول السيد الرب فصرت لى"
قطع الله عهدًا مع شعبه، أي كنيسته بالدم الفادى على الصليب، والذي يعطيه لكنيسته في الأسرار المقدسة. وبهذا اشترى كنيسته بدمه فصارت ملكًا وعروسًا له.
عندما نضج شعب الله وشعر باحتياجه إليه، تجسد المسيح وفداه وستر عليه وقطع عهدًا معه بالدم، فصار المؤمنون به ملكًا وعروسًا له.
ع٨: يَعْفُ
: يسامح، أو يغفر.الجبابرة الأولون، هم البشر الذين عاشوا أيام نوح، ولم يصدقوا كلام الله على لسانه، ورفضوا دخول الفلك، فلم يسامحهم الله على تمردهم، وهلكوا بالطوفان (تك٦: ١-٧)، إذ أنهم اعتمدوا على قوتهم في مواجهة الطوفان الذي قال عنه نوح، وكانوا يشكون في حدوثه، فربما فكروا أن يصعدوا على أسطح منازلهم، أو على الجبال، ولكن كل هذا لم يفدهم، فغرقوا جميعًا في مياه الطوفان.
ع٩: "فحممتك بالماء وغسلت عنك دماءك"
قام العريس بتطهير عروسه من خطاياها بدمه الفادى، وأعطاها هذا الحميم في سر المعمودية.
+ "ومسحتك بالزيت"
وبعد ذلك دهنها العريس بالزيت لتصير جميلة بتكريسها له في سر الميرون وحلول الروح القدس وسكناه فيها.
بدأ إعدادها للزواج بحميمها في سر المعمودية ومسحها بالزيت في سر الميرون.
ع٩: مقتهم
: كرههم.الله الحنون الذي يشفق على كل البشر، بل أيضًا على الحيوانات والنباتات والحشرات، لم يشفق على أهل سدوم الذين عاشوا حول لوط؛ لأنه كره خطاياهم، وانغماسهم في الجنس والشذوذ، واحتملهم بطول أناة سنينًا طويلة، ولكن في النهاية، كان لابد أن يأتي عليهم العدل الإلهي بحرق سدوم، وكل من فيها، وكذا عمورة المجاورة لها، والمشتركة معها في كل الشرور ( تك١٩: ٢٤).
ع١٠: "وألبستك مطرزة"
إذ كانت عارية احتاجت إلى ثياب البر، فألبسها عريسها ثيابًا مطرزة، أي حياة نقية مزينة بالفضائل.
+ "نعلتك بالتخس"
التخس هو نوع سميك من جلد الحيوانات البحرية، وكانوا يغطون به خيمة الاجتماع من الخارج لحمايتها. وهو جلد قوى، ولكن ليس له بهاء في شكله، فهو يصلح أن يكون نعلين لعروس المسيح لأن المسيح لا صورة له ولا منظر وهو معلق على الصليب، ولكن فيه كل القوة لفداء وحماية عروسه. فإذ تلبس التُخس، لا تخاف أن تصاب بالشوك والحسك اللذين في الأرض وهما نتجا عن الخطية، لأنها محمية بهذا الجلد السميك الذي يرمز لفداء المسيح.
+ "أزرتك بالكتان"
الإزار هو الثوب الخارجي، وصنعه من الكتان يعنى النقاوة، فغطاها عريسها بالنقاوة.
+ "وكسوتك بزًا"
البز هو الحرير الخالص، فتغطية العريس لعروسه بالبز يعنى تجميلها بحياة البر والفضيلة؛ لأن البز هو تبررات القديسين (رؤ١٩: ٨). بدأ العريس يكسو عروسه بالبر والفضائل ويحمى رجليها من الخطية لتحيا له في القداسة.
ع١٠:
الله الرحوم على كل من يأتى إليه، أو يتوب، لم يرحم أمة الهلاك، أي الأمة السائرة في الشر الذي هو طريق الهلاك، وهذا ينطبق على سدوم وعمورة.وتنطبق هذه الآية أيضًا، أي أمة الهلاك، على مصر في ضربها بالضربات العشر، وكذا غرق فرعون وكل جيشه، وتنطبق على كثيرين، مثل الكنعانيين، الذين أبادهم الله، وأسكن شعبه مكانهم (١ صم١٥: ٣). وتنطبق على أمم كثيرة سارت في الشر، مثل آشور، وبابل.
ع١١: "وحليتك بالحلى"
استمر العريس في تجميل عروسه فأعطاها حلى هي الفضائل.
+ "فوضعت إسورة في يديك"
الأساور هي نعمة الله التي تبارك أعمال العروس؛ لأن اليد ترمز للعمل.
+ "وطوقًا في عنقك"
الطوق الذهبى الذي يوضع حول الرقبة يعلن المُلك والبهاء والعظمة، وبعد أن كان العنق مذلًا تحت نير الخطية أصبح مزينًا بالفضيلة. اهتم العريس بحلى عروسه التي في يديها وفى عنقها فتكون بارة في أعمالها وفى اشتياقاتها.
ع١١:
الست مئة ألف من الرجال، هم اليهود الذين خرجوا من أرض مصر، والذين يضاف إليهم النساء والأولاد، فيصيروا مليونين. هؤلاء الرجال قسوا قلوبهم، وتعصبوا ضد الله، وتذمروا، رافضين أن يدخلوا أرض كنعان، فحرمهم الله من الدخول إليها، وبادوا في برية سيناء خلال أربعين عامًا، ودخل بدلًا منهم أطفالهم الذين كبروا، أثناء الأربعين عامًا، أو وُلدوا في برية سيناء، فالله يكره الخطية، سواء كانت من اليهود، أو الأمم.لو وجد الله واحدًا قاسى الرقبة، لكان من العجب أن يصفح عنه يهوديًا كان أو أمميًا، لا يطيع الله، لا يمكن أن يصفح الله عنه؛ لأن الله الرحيم هو أيضًا عادل.
إذا كنت يا أخى تعلم جيدًا أن عدل الله مثل رحمته، فليتك تخاف الله؛ لترفض كل شر، مهما بدا صغيرًا أمامك، أو خدعك الشيطان وبرره لك. تمسك بالنقاوة؛ لتجد رحمة الله، ويساندك، ويحفظك، ويسعد قلبك.
ع١٢: "ووضعت خزامة في أنفك"
يستكمل العريس تزينها فيضع خزامة، وهي حلقة من الذهب تثبت في الأنف لتشم هذه الأنف رائحة البخور الذي هو صلوات القديسين (رؤ٥: ٨) فتشاركهم الصلاة.
+ "وأقراطًا في أذنيك"
الأقراط هي حلقات ذهبية توضع في الآذان لتجميلها والمقصود تجميل أذنى العروس لتسمع صوت الله، أي تجميلها بكملة الله.
+ "وتاج جمال على رأسك"
التاج يوضع على رأس الملكة ليعطيها جمالًا وعظمة، فاعتبرها عريسها ملكة؛ لأنها اقترنت به الذي هو ملك الملوك.
اهتم العريس بتقديس حواس عروسه وتتويجها ملكة لتملك معه في السماوات.
(٣) غضب الله على الأشرار ( ع١٢-٢٣):
١٢ لأَنَّ الرَّحْمَةَ وَالْغَضَبَ مِنْ عِنْدِهِ. هُوَ رَبُّ الْعَفْوِ، وَسَاكِبُ الْغَضَبِ. ١٣ كَمَا أَنَّهُ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، هكَذَا هُوَ شَدِيدُ الْعِقَابِ؛ فَيَقْضِي عَلَى الرَّجُلِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ. ١٤ لاَ يُفْلِتُ الْخَاطِئُ بِغَنَائِمِهِ، وَلاَ يُضَيِّعُ الرَّبُّ صَبْرَ الْتَّقِيِّ. ١٥ لِكُلِّ رَحْمَةٍ يَجْعَلُ مَوْضِعًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَلْقَى مَا تَسْتَحِقُّ أَعْمَالُهُ. ١٦ لاَ تَقُلْ: «سَأَتَوَارَى عَنِ الرَّبِّ، أَلَعَلَّ أَحَدًا مِنَ الْعُلَى يَذْكُرُنِي؟ ١٧ إِنِّي فِي شَعْبٍ كَثِيرٍ لاَ أُذْكَرُ، فَمَاذَا تُعْتَبَرُ نَفْسِي فِي خَلْقٍ لاَ يُقَدَّرُ؟» ١٨ هَا إِنَّ السَّمَاءَ وَسَمَاءَ سَمَاءِ اللهِ وَالْغَمْرَ وَالأَرْضَ تَتَزَعْزَعُ عِنْدَ افْتِقَادِهِ. ١٩ وَالْجِبَالَ وَأُسُسَ الأَرْضِ تَرْتَعِدُ رُعْبًا عِنْدَمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا. ٢٠ وَفِي ذلِكَ لاَ يَتَأَمَّلُ الْقَلْبُ، ٢١ وَلَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ طُرُقَهُ. رُبَّ زَوْبَعَةٍ لاَ يُبْصِرُهَا الإِنْسَانُ؛ ٢٢ فَإِنَّ أَكْثَرَ أَعْمَالِ الرَّبِّ فِي الْخَفَاءِ. أَعْمَالُ الْعَدْلِ مَنْ يُخْبِرُ بِهَا أَوْ مَنْ يَحْتَمِلُهَا. إِنَّ الْعَهْدَ بَعِيدٌ، وَالْفَحْصَ عَنِ الْجَمِيعِ يَكُونُ عِنْدَ الاِنْقِضَاءِ. ٢٣ الْمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ يَتَأَمَّلُ فِي ذلِكَ، أَمَّا الرَّجُلُ الْجَاهِلُ الضَّالُّ فَيَتَأَمَّلُ فِي الْحَمَاقَاتِ.
ع١٣: "فتحليت بالذهب والفضة"
الذهب يرمز للسماويات، والفضة لكلمة الله، أي أن الكنيسة عروس المسيح صار فكرها سماويًا ومتحليًا بكلمة الله.
+ "ولباسك الكتان والبز والمطرز"
تمتعت العروس بملابس البر والنقاوة والفضيلة.
+ "وأكلت السميذ والعسل والزيت"
السميذ هو أفخر أنواع الدقيق والذي يعمل منه القربان المقدس، أي أن العروس تغذت بجسد الرب في سر التناول.
والعسل هو كلام الله الذي مثل الشهد (حز٣: ٣).
والزيت هو عمل الروح القدس الدائم في الكنيسة في الأسرار ووسائط النعمة. أي أن العروس تمتعت بالغذاء والحياة وعمل الروح القدس فيها.
+ "وجملت جدًا جدًا فصلحت لمملكة"
صارت العروس جميلة جدًا واستحقت بمسيحها أن تملك وترث ملكوت السموات.
إذ لبست العروس ملابس البر والنقاوة، وتزينت بكلمة الله والميل السماوى وكل فضيلة وتغذت بالأسرار المقدسة وعمل النعمة، واستحقت أن يملك على قلبها المسيح وتملك معه في السماء.
ع١٢:
إن الله رحوم وعادل، وكامل في كليهما، فهو وحده مصدر الغفران للخطاة التائبين، وهو الذي يسكب غضبه على الأشرار المتمادين في شرهم، ولا يستطيع أحد غيره أن يسامح على الخطية، أو يعاقب عليها.وقد اجتمعت الرحمة والعدل في الصليب، إذ ظهر حنان الله ورحمته على البشرية الضعيفة الساقطة في الخطية. وظهر عدله عندما أوفى الدين عنا بموته على الصليب. والرحمة والعدل يظهران على الأرض جزئيًا، ومن يستجيب لرحمة الله، ويتوب أمام تأديباته، فإنه يتمتع بالرحمة إلى الأبد في ملكوت السموات، أما من يستهين برحمة الله وغضبه على الأرض، فلا ينتظره إلا الهلاك الأبدي.
ع١٤: "وخرج لك اسم في الأمم لجمالك"
صارت العروس جميلة ومنيرة وسط العالم لأن أولاد الله نور العالم.
+ "لأنه كان كاملًا ببهائى الذي جعلته عليك يقول السيد الرب"
كان جمال العروس كاملًا لأنها اخذته من عريسها الذي هو الله الكامل، وصارت كاملة في مجدها.
صارت عروس المسيح الكنيسة جميلة بجماله ومنيرة للعالم كله؛ لتعلن المسيح في حياتها، فتؤثر في الكثيرين.
ما أعجب عملك يا الله في ضعفى، فأنت تعرف خطاياى ونجاساتى، ومع هذا تحبنى وتطيل أناتك علىّ حين أحتاج إليك، وتدعونى للتوبة، وتسندنى بنعمتك، وتكسونى ببرك، وتجملنى بفضائلك. فأعطنى يا إلهي أن أشعر بعظمة مكانى عندك لأتمسك بالحديث الدائم معك، وأظل أتمتع بأحضانك، وإن سقطت في الخطية أعود بالتوبة إلى أحضانك ثانية.
ع١٣:
الله كثير الرحمة على من يتجاوب معه، ويتوب، ويجاهد، محاولًا أن يطيع وصاياه، حتى لو كان ضعيفًا وكثير السقوط، فرحمة الله تستمر معه؛ حتى تخلصه، كما حدث مع الخطاة المشهورين، مثل اللص اليمين، وموسى الأسود، ومريم المصرية.والله أيضًا شديد العقاب على المتمادين في شرهم، مثل فرعون، الذي ضربه بالضربات العشر ولم يتب، فاستحق هلاكًا شنيعًا، هو وكل جيشه في البحر الأحمر.
والخلاصة، أن الإنسان ينال جزاء أعماله، خيرًا كان، أم شرًا.
(٣) خيانة العروس لعريسها ( ع١٥-٣٤):
١٥ «فَاتَّكَلْتِ عَلَى جَمَالِكِ، وَزَنَيْتِ عَلَى اسْمِكِ، وَسَكَبْتِ زِنَاكِ عَلَى كُلِّ عَابِرٍ فَكَانَ لَهُ. ١٦ وَأَخَذْتِ مِنْ ثِيَابِكِ وَصَنَعْتِ لِنَفْسِكِ مُرْتَفَعَاتٍ مُوَشَّاةٍ، وَزَنَيْتِ عَلَيْهَا. أَمْرٌ لَمْ يَأْتِ وَلَمْ يَكُنْ. ١٧ وَأَخَذْتِ أَمْتِعَةَ زِينَتِكِ مِنْ ذَهَبِي وَمِنْ فِضَّتِي الَّتِي أَعْطَيْتُكِ، وَصَنَعْتِ لِنَفْسِكِ صُوَرَ ذُكُورٍ وَزَنَيْتِ بِهَا. ١٨ وَأَخَذْتِ ثِيَابَكِ الْمُطَرَّزَةَ وَغَطَّيْتِهَا بِهَا، وَوَضَعْتِ أَمَامَهَا زَيْتِي وَبَخُورِي. ١٩ وَخُبْزِي الَّذِي أَعْطَيْتُكِ، السَّمِيذَ وَالزَّيْتَ وَالْعَسَلَ الَّذِي أَطْعَمْتُكِ، وَضَعْتِهَا أَمَامَهَا رَائِحَةَ سُرُورٍ. وَهكَذَا كَانَ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. ٢٠ «أَخَذْتِ بَنِيكِ وَبَنَاتِكِ الَّذِينَ وَلَدْتِهِمْ لِي، وَذَبَحْتِهِمْ لَهَا طَعَامًا. أَهُوَ قَلِيلٌ مِنْ زِنَاكِ ٢١ أَنَّكِ ذَبَحْتِ بَنِيَّ وَجَعَلْتِهِمْ يَجُوزُونَ فِي النَّارِ لَهَا؟ ٢٢ وَفِي كُلِّ رَجَاسَاتِكِ وَزِنَاكِ لَمْ تَذْكُرِي أَيَّامَ صِبَاكِ، إِذْ كُنْتِ عُرْيَانَةً وَعَارِيَةً وَكُنْتِ مَدُوسَةً بِدَمِكِ. ٢٣ وَكَانَ بَعْدَ كُلِّ شَرِّكِ. وَيْلٌ، وَيْلٌ لَكِ! يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، ٢٤ أَنَّكِ بَنَيْتِ لِنَفْسِكِ قُبَّةً وَصَنَعْتِ لِنَفْسِكِ مُرْتَفَعَةً فِي كُلِّ شَارِعٍ. ٢٥ فِي رَأْسِ كُلِّ طَرِيق بَنَيْتِ مُرْتَفَعَتَكِ وَرَجَّسْتِ جَمَالَكِ، وَفَرَّجْتِ رِجْلَيْكِ لِكُلِّ عَابِرٍ وَأَكْثَرْتِ زِنَاكِ. ٢٦ وَزَنَيْتِ مَعَ جِيرَانِكِ بَنِي مِصْرَ الْغِلاَظِ اللَّحْمِ، وَزِدْتِ فِي زِنَاكِ لإِغَاظَتِي. ٢٧ «فَهأَنَذَا قَدْ مَدَدْتُ يَدِي عَلَيْكِ، وَمَنَعْتُ عَنْكِ فَرِيضَتَكِ، وَأَسْلَمْتُكِ لِمَرَامِ مُبْغِضَاتِكِ، بَنَاتِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، اللَّوَاتِي يَخْجَلْنَ مِنْ طَرِيقِكِ الرَّذِيلَةِ. ٢٨ وَزَنَيْتِ مَعَ بَنِي أَشُّورَ، إِذْ كُنْتِ لَمْ تَشْبَعِي فَزَنَيْتِ بِهِمْ، وَلَمْ تَشْبَعِي أَيْضًا. ٢٩ وَكَثَّرْتِ زِنَاكِ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ إِلَى أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ، وَبِهذَا أَيْضًا لَمْ تَشْبَعِي. ٣٠ مَا أَمْرَضَ قَلْبَكِ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، إِذْ فَعَلْتِ كُلَّ هذَا فِعْلَ امْرَأَةٍ زَانِيَةٍ سَلِيطَةٍ، ٣١ بِبِنَائِكِ قُبَّتَكِ فِي رَأْسِ كُلِّ طَرِيق، وَصُنْعِكِ مُرْتَفَعَتَكِ فِي كُلِّ شَارِعٍ. وَلَمْ تَكُونِي كَزَانِيَةٍ، بَلْ مُحْتَقَرةً الأُجْرَةَ. ٣٢ أَيَّتُهَا الزَّوْجَةُ الْفَاسِقَةُ، تَأْخُذُ أَجْنَبِيِّينَ مَكَانَ زَوْجِهَا. ٣٣ لِكُلِّ الزَّوَانِي يُعْطُونَ هَدِيَّةً، أَمَّا أَنْتِ فَقَدْ أَعْطَيْتِ كُلَّ مُحِبِّيكِ هَدَايَاكِ، وَرَشَيْتِهِمْ لِيَأْتُوكِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِلزِّنَا بِكِ. ٣٤ وَصَارَ فِيكِ عَكْسُ عَادَةِ النِّسَاءِ فِي زِنَاكِ، إِذْ لَمْ يُزْنَ وَرَاءَكِ، بَلْ أَنْتِ تُعْطِينَ أُجْرَةً وَلاَ أُجْرَةَ تُعْطَى لَكِ، فَصِرْتِ بِالْعَكْسِ.
ع١٤: غنائمه
: مكاسبه.يُفهم من الآيات السابقة، كمال رحمة الله، وكذلك عدله على كل البشر. فالخاطئ الذي ينغمس في شهواته، ويطلب مكاسب الأرض، لن يستطيع أن يحتفظ بها، بل ستضيع منه، وقد يكون ذلك على الأرض، ولكن من المؤكد في الحياة الأخرى، إذ سيذهب للعذاب الأبدي، ويخسر كل شيء.
من ناحية أخرى، الله طويل الأناة، ولكنه ينظر باهتمام إلى صبر أولاده الأتقياء، واحتمالهم للظلم والتعب لأجله على الأرض، فيكافئهم جزئيًا على الأرض، بسلام في قلوبهم، وبعض البركات المادية، أما في السماء فيكافئهم ببركات عظيمة لا يعبر عنها.
ع١٥:
أعطى الله شعبه إسرائيل بركات كثيرة، ولكن للأسف استخدم هذه البركات أسوأ استخدام، إذ قدمها لعبادة الأوثان التي عبدتها الشعوب الوثنية المحيطة، بالإضافة إلى اتكاله على نفسه وشعوره بعظمته الشخصية، وبالتالي فأى نجاح يحققه في كل نواحى الحياة ينسبه لنفسه وليس لله، فهو زنى روحي لتعلقه بنفسه وليس بالله؛ لأن الكبرياء زنى مع النفس. فأعطت عروسه قلبها لكل من يعبر بها، أو يخالطها من الشعوب الوثنية، فتأثرت بهم بدلًا من أن تؤثر فيهم، وتعلن لهم إلهها القدوس، بل أصبحت معثرة للآخرين لكثرة الآلهة الوثنية التي فيها، وبدلًا من أن تستخدم اسمها العظيم الذي أعطاها لها الله بقوته لمجده صار للشر.ع١٥:
إن الله الرحوم يريد أن يرحم الكل، ولكنه لا يعطى الرحمة إلا لمن يتجاوب معه بالتوبة، ومحاولة الرجوع إليه. ويعطى الله رحمة أكثر للتائبين بكل قلوبهم، أى أن الله سيجازى كل إنسان بحسب أعماله، فمن يرفض الله لن ينال رحمة، ومن يتجاوب معه جزئيًا، سينال مقدارًا من الرحمة، أما من يتجاوب بكل قلبه، ينال رحمة تفوق العقل.ع١٦: ثيابك
: بركات الله وخيراته المعطاة لشعبه.بدلًا من تقديم ذبائح لله وعبادة مقدسة، عمل شعبه مرتفعات بنى عليها معابد ومذابح للأوثان، وزينها بالأعمدة والتماثيل المختلفة، وزاد عدد العبادات الوثنية بدرجة لم توجد مثلها في كل الشعوب المحيطة.
وهكذا الإنسان المتهاون يترك حواسه تتدنس بالشر، مع أنه كان ينبغى أن يحيا مكرسًا لمحبة الله.
ع١٦، ١٧: سأتوارى
: سأختبئ.لا تظن يا من تخطئ أنه يمكنك أن تختفى من أمام وجه الله، أو أن الله سيغيب عنه ما تعمله، فالله موجود في كل مكان، وفاحص القلوب والكلى، أي يراك، وينظر ما في داخلك، وكل أفكارك، ونيات قلبك، كلامك وأعمالك مكشوفة أمام الله. لا تختبئ مثل آدم (تك٣: ١٠)، فالله ينظر إليك، ولا تظن أن خطيتك مستورة عنه، كما ظن داود؛ حتى ذكَّره ناثان النبي، فتاب (٢ صم١٢: ١٣). أسرع إلى التوبة، ولا تضيع الوقت، لئلا تفتر مشاعرك، وتخسر أبديتك.
لا تقل في نفسك أنى مجرد فرد وسط أمة كبيرة، فمن يشعر بى، أو يرانى؟ وبالأولى أنا في وسط العالم كله، فمن يلاحظنى؟ لا تقل هذا يا أخى؛ لأن الله يرى كل شيء، وحتى لو اختبأت في مكان ما فهو يراك، كما قال إرميا النبي (إر٢٣: ٢٤).
ع١٧:
استخدم شعب الله الغنى الذي وهبه الله له، والممثل بالذهب والفضة، لعمل معابد للأوثان وتماثيل ذكور إرضاء للآلهة الوثنية، ولم يفطن أنها بركات الله التي ينبغى أن تقدم له، وليس للشياطين أعدائه.ع١٨-٢٠: الغمر
: المياه الكثيرة.إن الطبيعة كلها تهتز أمام غضب الله؛ السماء والأرض، ومياه في البحار والأنهار، وكذلك الجبال، بل وأعماق الأرض أيضًا؛ لأنه هو خالق الكل، فالكل يخافه، ويرتعد أمامه. فكيف لا تتأمل يا إنسان الطبيعة المحيطة بك؟ وتظن أن الله لا يراك؛ لأنك فرد وسط الملايين.
ويذكر هنا سماء السماء، معلنًا أن هناك سموات وليس سماء واحدة، كما يبين بولس الرسول في العهد الجديد إنه ارتفع للسماء الثالثة (٢ كو١٢: ٢). كل هذا يتزعزع أمام الله، فلابد أن يخافه الإنسان ويبتعد عن الخطية لئلا يغضبه.
الإنسان الذي يميل إلى الخلوة وحده في هدوء يستطيع أن يرى الله، وعندما يراه بقلبه يخافه، فتظهر أمامه فظاعة خطاياه، وحينئذ يبعد عنها، ويكتشف أن الطبيعة كلها تهتز أمام الله، فالبحر ينشق أيام موسى، والسماء لا تمتطر أيام إيليا، والنهر أيضًا ينشق بثياب إيليا، وجبل المقطم يتحرك أيام الأنبا إبرآم بن زرعة، فلذا يهتز قلب الإنسان عندما يخطئ، فيندم ويبكى على خطاياه، فينال مراحم الله.
ع١٨:
يظهر هنا مدى فجور شعب الله، إذ استخدموا بركاته لشرورهم وعبادتهم السخيفة المقدمة للأوثان. فبعد أن كانت العروس عريانة وتغطت بالثياب المطرزة، أخذت هذه الثياب وغطت بها الأصنام التي صنعتها، فابتعدت عن عريسها، وصارت عارية من كل بر. وبدلًا من أن تقدم الزيت والبخور لله قدمته للأوثان.فالزيت يرمز لعمل الروح القدس الذي يقدس أرواح شعب الله، ولكن للأسف تعلقت أرواح شعب الله بالأوثان، أي تعلقت مشاعر العروس الزانية بالشر. والبخور يرمز إلى صلوات القديسين المرفوعة أمام الله. الآن هذه العروس الزانية تقدم صلواتها للأوثان، وهكذا عادت إلى خزيها وعريها بفقدها ثياب البر وحب عريسها السماوى.
ع٢١: زوبعة
: عاصفة شديدة.إن طرق وتعاليم الله، ومقاصده الإلهية صعب على الإنسان البعيد عن الله أن يفهمها؛ لأنه يفكر بطريقة سطحية. فإذا نظر إلى زوبعة، فإنه لا يرى الهواء المتحرك فيها، ولكنه يشعر بتأثيرها عندما تصطدم هذه الزوبعة بأشياء ثابتة تهزها، أو تحطمها. فالزوبعة قادرة أن تخلع شجرة، أو تكسر جزء من مبنى، فمن تأثير الزوبعة يفهم الإنسان قوتها، هكذا أيضًا الإنسان لا يرى الله بعينيه، ولكنه يدرك قوته، وتدبيره في الطبيعة والمخلوقات، فهو واضح للإنسان الحكيم الروحي، وغير مفهوم للإنسان السطحى الذي يظن أنه يستطيع أن يرى الله بعينيه.
ع١٩:
أطعم الله عروسه، أي شعبه بخيرات كثيرة. بالمعنى المباشر أعطاها أرضًا تفيض لبنًا وعسلًا، أي مملوءة من الخيرات، مثل الحنطة التي ينتج منها أفخر أنواع الدقيق (السميذ)، والأطعمة المستخرجة من ثمار الأرض اللذيذة التي يعبر عنها بالعسل، والزيتون المنتشر في أرض الميعاد المستخرج منه الزيت.وبالمعنى الروحي يرمز السميذ إلى جسد الرب ودمه، والعسل إلى كلمة الله، والزيت لعمل الروح القدس.
كل هذه العطايا بدلًا من أن تتحول إلى طاقة شكر لله، أخذتها عروسه الزانية، وقدمتها لإرضاء الآلهة الغريبة، وقدمت نفسها بكل ما تغذته من هذه الأطعمة؛ لتكون حياتها إرضاءً لهذه الآلهة، كم يكون هذا قاسيًا على قلب الله عريسها؟!
راجع نفسك يا أخى لتعرف قدراتك وعطايا الله لك، وهل تقدمها لله أو يسرقها الشيطان في شرور كثيرة لحسابه؟ راجع نفسك وتب لتعيد لله ممتلكاته، أي نفسك الغالية، وكل عطاياه تكون لمجده.
ع٢٢:
إن أكثر أعمال الله في الخفاء، أي مختفية عن أعين البعيدين عن الله، ويدركها فقط المؤمنون به؛ لأنهم يرونه وراء الأحداث، ويفهمون من نتائج الأمور قوة الله.إن الله عادل، ونرى هذا في الطبيعة والمخلوقات حولنا، فالحيوان الضعيف عندما يختفى بين الصخور مثلًا، لا يستطيع أن يفترسه الحيوان القوى. والشجرة التي تتعمق جذورها في الأرض، تستطيع أن تحتمل قوة الرياح التي تهب عليها. فالله عادل يكافئ المتعمق بالمساندة، والقوة، ويتعرض السطحى للاهتزاز والسقوط.
ويظهر هنا الجاهل، الذي يتناسى أن الله موجود وعادل، ويطالبنا بالعهود التي بيننا وبينه؛ للسلوك بالاستقامة، ويشعر أن مواجهة الله يوم الدينونة بعيد عنه جدًا، أي يتناسى يوم الدينونة الذي يمكن أن يحل في أي وقت، وإذا وجد الإنسان غير مستعد، يعاقب بالعذاب الأبدي. ويقوده هذا التفكير إلى الانغماس في الشهوات، أو إهمال الله، والحياة معه، فيفسد حياته، ويعثر من حوله، وأكد بطرس الرسول هذا المعنى في رسالته الثانية (٢ بط٣: ٣، ٤).
ع٢٠، ٢١:
يعاتب الله عروسه الخائنة، أي شعبه بأنه قد وهبها بنين وبنات بكثرة، حتى أثناء وقت الذل والعبودية في مصر، وأيام الاجتياز في برية سيناء القاحلة فكيف تتعلق بالآلهة الوثنية؟! وتقدم لها ليس فقط ممتلكاتها المادية التي وهبها إياها الله، بل أكثر من هذا تقدم بنيها وبناتها ذبائح بشرية للآلهة الوثنية، مثل الإله مولك إله العمونيين، الذي كانوا يقدمون له الأطفال ليحترقوا على يديه الملتهبتين بالنار، وأصوات الطبول العالية تغطى على صراخ الأطفال حتى يموتوا. فهذا الإله كان تمثاله مصنوعًا من النحاس الأجوف يمثل رجلًا جالسًا ممدود اليدين، ويضعون النار تحته، فيصير النحاس ساخنًا جدًا حتى درجة الإحمرار، ثم يضعون على يديه الأطفال. إلى هذه الدرجة سيطر الشيطان على عقول الناس وقلوبهم، فعملوا هذه الأعمال الوحشية ضد أبنائهم. ويتساءل الله هل هذا الزنى قليل، أو هل هناك زنى روحي وتعلق بالأصنام أكثر من هذا.وهذا يرمز إلى إنشغال الإنسان بالمال، أو الجنس، أو الكبرياء، فيقدم طاقاته لها مهما فقد من أمور غالية، وحتى لو فقد حياته، ظانًا بهذا أنه يصير قويًا وسعيدًا، مع أنه يحترق لأجل الشيطان وهو لا يدرى.
ع٢٣:
الإنسان المتواضع يريد أن يتعلم، ويتتلمذ على يد الله، والمرشدين الروحيين، فيتأمل في أعمال الله المذكورة في الآيات السابقة، ويرشده الله، بل ويعلن له حقائق روحية عظيمة؛ لاتضاعه واهتمامه، إذ أن المتضع مستقر عند الله، وساكن عنده، كما أعلن ذلك أشعياء النبي (أش٥٧: ١٥).من ناحية أخرى، الجاهل، المنغمس في الشر، والذي يضل عن طريق الله، نجده منشغلًا بالحماقات، وهي الشهوات الشريرة، ويتأمل فيها، فيزداد انغماسه، وتعلقه بها.
إن الطريق إلى الله يا أخى سهل وبسيط، وهو الاتضاع، الذي به تتمتع بعشرة الله، ويعلن لك أسراره، وتنال الحكمة، وتحيا سعيدًا في الأرض وفى السماء.
ع٢٢:
وفيما العروس الخائنة تجرى وراء الشيطان نسيت حالتها الأولى، عندما كانت عارية من نعمة الله، وعريانة من كل بر وفضيلة، ومدوسة ومذلولة وملطخة بدمائها وشكلها قبيح. فها هي عادت إلى هذا الشكل بعد أن نقاها الله وجدد حياتها ومجدها. إنها فقدت مجدها وعادت إلى ذلها مرة أخرى.(٤) الله ضابط الكل (ع٢٤-٣١):
٢٤ اِسْمَعْ لِي يَا بُنَيَّ، وَتَعَلَّمِ الْعِلْمَ، وَوَجِّهْ قَلْبَكَ إِلَى كَلاَمِي. ٢٥ إِنِّي أُعَبِّرُ عَنِ التَّأْدِيبِ بِوَزْنٍ، وَأُبْدِي الْعِلْمَ بِتَدْقِيقٍ. ٢٦ جَمِيعُ أَعْمَالِ الرَّبِّ مِنَ الْبَدْءِ قَدَّرَهَا بِحِكْمَةٍ، وَمُنْذُ إِنْشَائِهَا مَيَّزَ أَجْزَاءَهَا. ٢٧ زَيَّنَ أَعْمَالَهُ إِلَى الدَّهْرِ، وَمَبَادِئَهَا إِلَى أَحْقَابِهَا، فَلَمْ تَجُعْ وَلَمْ تَتْعَبْ وَلَمْ تَزَلْ تعْمَلُ، ٢٨ وَلَمْ يُضَايِقْ بَعْضُهَا بَعْضًا، ٢٩ وَهِيَ لاَ تُعَاصِي كَلِمَتَهُ مَدَى الدَّهْرِ. ٣٠ وَبَعْدَ ذلِكَ نَظَرَ الرَّبُّ إِلَى الأَرْضِ وَمَلأَهَا مِنْ خَيْرَاتِهِ. ٣١ وَنُفُوسُ ذَوِي الْحَيَاةِ تُغَطِّي وَجْهَهَا وَإِلَيْهَا تَعُودُ.
ع٢٣:
الله لم يهدأ عن تنبيه عروسه الخائنة وتوبيخها وتحذيرها بالويلات حتى تتوب، ولكنها تتمادى للأسف في شرها في عبادة الأوثان.ع٢٤:
يدعو ابن سيراخ أولاده، محبى الحكمة إلى ثلاث وسائل ناجحة للحصول على الحكمة، وهي:١. الإستماع إلى كلام الله.
٢. الإهتمام بتعلم العلم الروحي، وهو معرفة الله ووصاياه.
٣. توجيه القلب، أي المشاعر إلى كلام الله، فإرادة الإنسان تدعو مشاعره للإحساس بكلام الله، والتأمل فيه، فتنال أعماقًا جديدة من معرفته، وتتمتع بها.
ع٢٤:
أكثر شعب الله من بناء معابد للأوثان، فصنع أماكن لها قباب في الشوارع المختلفة للمدن، وأيضًا على الأماكن العالية أقاموا عبادات لآلهة السماء، مثل عبادة الشمس والقمر والنجوم وهذا يرمز إلى كثرة الشهوات التي يسقط فيها الإنسان، فيدنس حواسه وأعضاءه المختلفة.ع٢٥:
إن الحكيم تظهر حكمته فيما يلي:١- "التأديب بوزن":
المقصود بالتأديب، كلمات العتاب، والتوبيخ، والانتهار؛ هذه يعطيها الحكيم ابن سيراخ بوزن، أي بما يناسب كل إنسان، والظروف التي يمر بها، فيعطيها بالمقدار الذي يحتمله كل أحد، وقد يزداد تدريجيًا مع نموه الروحي؛ لازدياد هذا الإنسان في الحكمة، والتمتع بعشرة الله.
٢- "العلم بتدقيق":
والعلوم الروحية؛ سواء معرفة الله، أو السلوك بها في الحياة، ومعاملة الآخرين، يعلمها الحكيم بتدقيق، بما يناسب كل إنسان، وكل موقف، وحسبما يدرك هذا الإنسان المتعلم؛ لأنه كلما اقترب الإنسان من الله يزداد فهمه، حتى أن الله يعلن لبعض قديسيه أمورًا روحية عالية، لا يستطيعون أن يقولوها لغيرهم لارتفاعها، ونحن لا نعرف ماذا تعلم الأنبا بولا في السبعين عامًا، التي قضاها في الوحدة، ولا الأنبا أنطونيوس في العشرين عامًا التي اختلى فيها، ولا ما أعلنه الله لمريم المصرية في السبعة وأربعين عامًا التي قضتها في البرية، ولكن فهمنا شيئًا قليلًا من قداستهم.
ع٢٥:
فى بداية كل طريق من طرق المدينة الرئيسية، بنت العروس معابد على المرتفعات. فأتلفت جمالها الذي وهبه الله إياها. فأصبحت مستعدة للزنى مع أي أجنبى يعبر بها، فتفتح رجليها له لتزنى معه، أى تقبل الآلهة الوثنية الجديدة التي للشعوب المحيطة، وتبنى لها معابد وتقدم لها عبادات. وهكذا أصبح الزنى هو الشئ الطبيعي في كل طرق المدينة، أي انتشرت عبادة الأوثان في كل مكان.وهذا يرمز إلى سيطرة الأفكار والكلمات والأعمال الشريرة على أولاد الله، وجريهم وراء كل جديد من الشر؛ ليلتصقوا به، فيصيروا زناة كل يوم أكثر مما قبله. ويتكلم الله هنا بكلام مباشر عن تفاصيل الزنى الروحي لشعبه؛ ليبين لهم شناعة خطيتهم.
ع٢٦:
منذ بداية الخليقة، الله أعطى كل مخلوقاته صفاتها التي تعيش بها، وكل مخلوق يتميز عن غيره، ولكن الكل يعيش في توازن مع باقي المخلوقات، فالحيوانات لها صفاتها بأنواعها المختلفة، أليفة ومفترسة، تسير على الأرض، أو تطير في السماء، أو تسبح في البحر؛ سواء كانت كبيرة مثل الفيل والأسد، أو صغيرة مثل الحشرات، وكذا أيضًا النباتات بأنواعها المختلفة؛ أشجار، أو شجيرات، أو نباتات تعيش لمدة قصيرة. بالإضافة إلى الأفلاك؛ الكواكب، أو النجوم، فلكل منها صفاته ومساره. كل المخلوقات تحيا معًا في تناغم شديد، وحتى لو كان بعضها يبدو ضد البعض، ولكن في النهاية تحيا معًا، فيما يسمى بالتوازن البيئى، فلا يسود حيوان، وينهى على باقي الحيوانات، بل يعيش كل منها بأسلوبه، وأصغر الحيوانات يحيا أيضًا في هدوء بتدبير الله ضابط الكل.وأجزاء المخلوقات ليس فقط أنواعها، كما ذكرنا، ولكن أيضًا أجزاء كل مخلوق، فالإنسان، أو الحيوان أو النبات يشمل كل منها أعضاء مختلفة، كلها تتعاون لتعطى حياة لصاحبها بحكمة الله وتدبيره، فكل عضو له وظيفة محددة لا يعملها غيره، ولكن يكمل عمله مع باقي الأعضاء، لينال المخلوق حياته المتزنة.
ع٢٦: الغلاظ اللحم
: المتكبرون.لم تكتفِ عروس الله الخائنة بالزنى، أي الالتصاق بالآلهة الوثنية للشعوب المحيطة بها، مثل الفلسطينيين والموآبيين والعمونيين والآدوميين، بل أكثر من هذا تذكروا آلهة مصر الوثنية، وعادوا ليعبدوها في أرض كنعان. وهكذا عادت للزنى مع مصر المتكبرة التي أذلتها مئات السنين. وقد زنى شعب الله مع مصر عندما اتكل عليها وعقد معاهدات معها، بدلًا من أن يتكل على الله.
ويرمز أيضًا لتذكر الإنسان خطاياه القديمة، فيستعيدها ويسقط فيها ثانية.
وهذا يرمز إلى جرى الإنسان وراء الخطية فيقبلها حتى ممن يتكبر عليه ويذله.
ع٢٧-٢٩: الدهر
: نهاية العالم.مبادئها
: بداية خلقتها.أحقابها
: جمع حقبة، وهي مدة زمنية والمقصود حتى نهاية العالم.تعاصى
: تعصى وتتمرد."زين أعماله إلى الدهر"
الله خلق جميع المخلوقات بترتيب ونظام جميل؛ حتى أنه رأى كل ما خلقه حسن، بل وحسن جدًا. ومازال الإنسان وحتى نهاية العالم يكتشف حكمة الله، وعظمته، وجمال ما صنع.
"ومبادئها إلى أحقابها":
وستظل الخليقة منذ خلقها الله، وحتى نهاية أحقاب العالم، أي نهايته، في جمالها، وسيظل الله يدبرها بحكمته؛ ليتمتع بها الإنسان، ويحيا في أحضان الله، الذي يحوطه بكل هذه الخلائق الجميلة.
"فلم تجع، ولم تتعب، ولم تزل تعمل":
كل المخلوقات يطعمها الله بحسب احتياجها، فلا تحتاج إلى شيء، وكل مخلوق يعمل عمله، ولا يتعب منه، أي ليس فوق طاقته، فالله بحكمة عالية يدبر ويسوس الخليقة كلها؛ لتكون مستريحة في شبع وعمل بلا معاناة. والإنسان رأس الخليقة؛ هذا هو الوضع الطبيعي له، إن عاش مع الله، أما إذا ابتعد عنه، وسار مع أفكار الشيطان، فسيعانى من متاعب كثيرة.
"ولم يضايق بعضها بعضًا":
المخلوقات كلها تسير في المسار الذي حدده الله لها، ولا تزاحم غيرها، ولا تصطدم به. وحتى بعض الحيوانات التي تفترس غيرها، أو الإنسان، أو الحيوان الذي يتغذى على النباتات، لا يتلف أو يقضى على غيره من المخلوقات، بل في النهاية يحدث التوازن البيئى، فلا يزيد نوع من المخلوقات أكثر مما يجب، ويضايق من حوله، ولكن يسمح الله أن يتغذى بعض الحيوانات على بعضها، فتظل جميع المخلوقات موجودة بنسب متزنة.
"وهى لا تعاصى كلمته مدى الدهر":
وجميع المخلوقات مطيعة لله، لا تعصى أوامره، بل تسير في طريقها وطباعها التي حددها الله لها وتستمر في هذا إلى نهاية العالم. ولكن الإنسان هو المخلوق الوحيد، الذي له حرية إرادة؛ ليقبل إلى الله، ويتمتع بحبه، ولكنه يمكن أن يعصاه، فيفقد علاقته بالله، ويضايق ما حوله من المخلوقات.
ع٢٧: فريضتك
: الخبز والأطعمة الأساسية لحياة الإنسان.في محاولة من الله لإرجاع عروسه الخائنة، أعلن غضبه عليها، فمنع عنها احتياجاتها المادية، أى سمح بالجوع والوبأ لعلها ترجع إليه وتتوب. وبعد هذا سمح لها أن تذل في الحروب مع الفلسطينيين جيرانها، ورغم أن الفلسطينيين يعبدون الأوثان، ولكن تفوق شعب الله في كثرة الأوثان أخجل الفلسطينيين من هذه العبادات الكثيرة، وكل ما يتصل بها من إتمام للشهوات الردية، أي أصبح أهل العالم غير محتملين لزيادة شر أولاد الله، وصاروا يوبخون أولاد الله من أجل شرورهم.
ع٣٠، ٣١: "وبعد ذلك نظر الرب إلى الأرض وملأها من خيراته":
الله الكريم المحب نظر إلى إحدى مخلوقاته، وهي الأرض، وملأها من خيراته، أى المخلوقات المتنوعة التي يحتاجها الإنسان. إذ أن الله خلق الجنة بكل التمتعات التي فيها، ليفرح الإنسان بها، ولا ينقصه شئ؛ لأن الله سخى في العطاء. وكان من الطبيعي أن يشكر الإنسان الله على كل هذه العطايا، ولكنه انحرف بغواية إبليس، وسقط في الخطية وتمرد على الله، فخسر كل شيء، وطُرد من الجنة، ولكن محبة الله أنقذته بعد هذا بالفداء، فعاد يتمتع بخيرات الله، ليس فقط في الأرض، بل وأيضًا في السماء.
"ونفوس ذوى الحياة تغطى وجهها وإليها تعود":
إن كل المخلوقات الحية؛ سواء الإنسان أو الحيوان، أو النبات، التي خلقها الله بوفرة، غطت الأرض كلها، وعاشت في فرح مع بعضها حول الإنسان، الذي يقودها في تسبيح الله. وفى النهاية تموت كل هذه الخلائق، وتدفن في الأرض. ويتميز هنا الإنسان عن باقي الخلائق بأن روحه تنطلق إلى السماء، ويحيا إلى الأبد مع الله؛ هذا ما سيحدث في يوم الدينونة، فيملك الله مع أولاده في ملكوت السموات.
الله يحبك يا أخي، وأعطاك خيرات كثيرة على الأرض؛ لتتمتع بها، ولتراه في كل هذه الخلائق، فتشكره، وتسبحه، فلماذا أنت حزين؟! .. لأنك انشغلت عن الله، الذي يسندك، ويحوطك من كل جانب، ولم يعد أمامك إلا المشاكل والضيقات التي لا تقوى عليها. إرجع إلى الله بالصلاة والتأمل في أعماله التي عملها لأجلك، فتستعيد حياتك وتفرح من جديد.
ع٢٨:
امتد زنى العروس الخائنة للأشوريين - الذين سيطروا على العالم واحتلوا مملكة إسرائيل، المملكة الشمالية - فأخذ اليهود آلهة الأشوريين أيضًا وعبدوها. وهذا يرمز للانسياق وراء المسيطرين والقادة في العالم في كل ما يتبعونه من خطايا لا ترضى الله.ع٢٩:
وعندما قامت الإمبراطورية البابلية وسيطرت على العالم، بما فيه بلاد اليهود، وأخذت بالوثنيين اليهود وبعثرتهم في أرجاء مملكتها، اختلطوا بالوثنيين وعبدوا آلهتهم، أي آلهة بابل التي كانت تقود العالم وقتذاك. ويرمز هذا لاتباع الرئاسات في شرورها.ع٣٠: سليطة
: وقحة وجريئة في الشر.يتعجب الله من أجل جرأة عروسه الخائنة في الشر، فهي لا تعمل كل ما سبق بخجل، أو في الخفاء، ولكنها تعمله بوقاحة وبجاحة غريبة.
إن أخطأت راجع نفسك، خاصة إن وبخك أحد. وإياك أن تبرر خطاياك وتتمادى فيها؛ فتفقد تمييزك، وتفتخر بالشر، وتصير مصدرًا للشر لكل من حولك.
ع٣١-٣٤:
من محبة العروس الخائنة للخطية أصبحت تكافئ كل من يزنى معها، أي كل من يدعوها لعبادة الأوثان، أو عمل أية شهوات شريرة، وهذا بخلاف العرف السائد في العالم الشرير، أنهم يدفعون مكافآت لإسقاط الأبرياء.عندما عقد شعب الله معاهدات مع البلاد المجاورة، مثل أشور؛ لتحميه، كان من شروط المعاهدة أن يقدم شعب الله العبادة لآلهة الأمم الغريبة، ويدفعون هدايا ثمينة لهذه الشعوب لتحميهم، أي اتكلوا على هذه الشعوب بدلًا من الله، وعبدوا أوثانهم بدلًا منه، وقدموا لهذه الشعوب هدايا تأكيدًا لتعلقهم بالزنى الروحي. وهذا يرمز لمن يجرى وراء الخطية، ويبذل أمواله وممتلكاته وطاقاته حتى يحصل عليها، فهو أصبح مصرًا على الشر، يدبر له، ويبذل من أجله، وليس إنسانًا ساذجًا يغوونه بالمكافآت المادية حتى يفعل الشر. كل ما مر من شرور، أو صفات سيئة للعروس الخائنة تم مع شعب الله في أوقات مختلفة وتزايد جدًا في النهاية، حتى اضطر الله أن يسمح لهم بالسبي الأشوري، ثم السبي البابلي.
(٤) الله يؤدب شعبه ( ع٣٥-٥١):
٣٥ «فَلِذلِكَ يَا زَانِيَةُ اسْمَعِي كَلاَمَ الرَّبِّ: ٣٦ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ أُنْفِقَ نُحَاسُكِ وَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُكِ بِزِنَاكِ بِمُحِبِّيكِ وَبِكُلِّ أَصْنَامِ رَجَاسَاتِكِ، وَلِدِمَاءِ بَنِيكِ الَّذِينَ بَذَلْتِهِمْ لَهَا، ٣٧ لِذلِكَ هأَنَذَا أَجْمَعُ جَمِيعَ مُحِبِّيكِ الَّذِينَ لَذَذْتِ لَهُمْ، وَكُلَّ الَّذِينَ أَحْبَبْتِهِمْ مَعَ كُلِّ الَّذِينَ أَبْغَضْتِهِمْ، فَأَجْمَعُهُمْ عَلَيْكِ مِنْ حَوْلِكِ، وَأَكْشِفُ عَوْرَتَكِ لَهُمْ لِيَنْظُرُوا كُلَّ عَوْرَتِكِ. ٣٨ وَأَحْكُمُ عَلَيْكِ أَحْكَامَ الْفَاسِقَاتِ السَّافِكَاتِ الدَّمِ، وَأَجْعَلُكِ دَمَ السَّخْطِ وَالْغَيْرَةِ. ٣٩ وَأُسَلِّمُكِ لِيَدِهِمْ فَيَهْدِمُونَ قُبَّتَكِ وَيُهَدِّمُونَ مُرْتَفَعَاتِكِ، وَيَنْزِعُونَ عَنْكِ ثِيَابَكِ، وَيَأْخُذُونَ أَدَوَاتِ زِينَتِكِ، وَيَتْرُكُونَكِ عُرْيَانَةً وَعَارِيَةً. ٤٠ وَيُصْعِدُونَ عَلَيْكِ جَمَاعَةً، وَيَرْجُمُونَكِ بِالْحِجَارَةِ وَيَقْطَعُونَكِ بِسُيُوفِهِمْ، ٤١ وَيُحْرِقُونَ بُيُوتَكِ بِالنَّارِ، وَيُجْرُونَ عَلَيْكِ أَحْكَامًا قُدَّامَ عُيُونِ نِسَاءٍ كَثِيرَةٍ. وَأَكُفُّكِ عَنِ الزِّنَا، وَأَيْضًا لاَ تُعْطِينَ أُجْرَةً بَعْدُ. ٤٢ وَأُحِلُّ غَضَبِي بِكِ فَتَنْصَرِفُ غَيْرَتِي عَنْكِ، فَأَسْكُنُ وَلاَ أَغْضَبُ بَعْدُ. ٤٣ مِنْ أَجْلِ أَنَّكِ لَمْ تَذْكُرِي أَيَّامَ صِبَاكِ، بَلْ أَسْخَطْتِنِي فِي كُلِّ هذِهِ، فَهأَنَذَا أَيْضًا أَجْلِبُ طَرِيقَكِ عَلَى رَأْسِكِ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، فَلاَ تَفْعَلِينَ هذِهِ الرَّذِيلَةَ فَوْقَ رَجَاسَاتِكِ كُلِّهَا. ٤٤ «هُوَذَا كُلُّ ضَارِبِ مَثَل يَضْرِبُ مَثَلاً عَلَيْكِ قَائِلاً: مِثْلُ الأُمِّ بِنْتُهَا. ٤٥ اِبْنَةُ أُمِّكِ أَنْتِ، الْكَارِهَةُ زَوْجَهَا وَبَنِيهَا. وَأَنْتِ أُخْتُ أَخَوَاتِكِ اللَّوَاتِي كَرِهْنَ أَزْوَاجَهُنَّ وَأَبْنَاءَهُنَّ. أُمُّكُنَّ حِثِّيَّةٌ وَأَبُوكُنَّ أَمُورِيٌّ. ٤٦ وَأُخْتُكِ الْكُبْرَى السَّامِرَةُ هِيَ وَبَنَاتُهَا السَّاكِنَةُ عَنْ شِمَالِكِ، وَأُخْتُكِ الصُّغْرَى السَّاكِنَةُ عَنْ يَمِينِكِ هِيَ سَدُومُ وَبَنَاتُهَا. ٤٧ وَلاَ فِي طَرِيقِهِنَّ سَلَكْتِ، وَلاَ مِثْلَ رَجَاسَاتِهِنَّ فَعَلْتِ، كَأَنَّ ذلِكَ قَلِيلٌ فَقَطْ، فَفَسَدْتِ أَكْثَرَ مِنْهُنَّ فِي كُلِّ طُرُقِكِ. ٤٨ حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، إِنَّ سَدُومَ أُخْتَكِ لَمْ تَفْعَلْ هِيَ وَلاَ بَنَاتُهَا كَمَا فَعَلْتِ أَنْتِ وَبَنَاتُكِ. ٤٩ هذَا كَانَ إِثْمَ أُخْتِكِ سَدُومَ: الْكِبْرِيَاءُ وَالشَّبَعُ مِنَ الْخُبْزِ وَسَلاَمُ الاطْمِئْنَانِ كَانَ لَهَا وَلِبَنَاتِهَا، وَلَمْ تُشَدِّدْ يَدَ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ، ٥٠ وَتَكَبَّرْنَ وَعَمِلْنَ الرِّجْسَ أَمَامِي فَنَزَعْتُهُنَّ كَمَا رَأَيْتُ. ٥١ وَلَمْ تُخْطِئِ السَّامِرَةُ نِصْفَ خَطَايَاكِ. بَلْ زِدْتِ رَجَاسَاتِكِ أَكْثَرَ مِنْهُنَّ، وَبَرَّرْتِ أَخَوَاتِكِ بِكُلِّ رَجَاسَاتِكِ الَّتِي فَعَلْتِ.
ع٣٥، ٣٦:
يذكر الله عروسه الخائنة بخطاياها، وهي أنها قدمت كل خيراتها التي وهبها الله لها، كل ما على أرضها، بل وحتى ما في باطن الأرض من معادن، كالنحاس وهو من المعادن الغالية القيمة، كل مقتنيات العروس قدمتها لعبادة الأوثان وللشر بكل نوع، حتى قدمت في النهاية كل طاقاتها وأغلى ما عندها وهو بنيها، الذين قدمتهم ذبائح بشرية للأوثان. وهذا معناه أنها أضاعت كل ما عندها وبذلته للشيطان، ورفضت الله تمامًا.ع٣٧: لذذت لهم
: الذين تلذذوا بك.يعلن الله تأديبه لعروسه، أي شعبه، بأنه سيفضحها ويظهر ضعفها وخزيها، عندما يعاقبها وتجتمع حولها كل الشعوب، التي أخذت عبادتهم الوثنية وتصادقت معهم في الشر، أو الذين كانوا يعادونها، الكل سيجتمع لينظر فضيحتها وعقاب الله الشديد لها، عندما تدمرها بابل وتحرقها بالنار. والله يسمح بهذا حتى تتعظ كل الشعوب؛ لأنه إن كان قد فعل هكذا بعروسه فكم يفعل بباقى الشعوب؟ فهي دعوة لكل الشعوب حتى تخاف الله، وينذرها بهذا لتؤمن به وترجع إليه.
ع٣٨: الفاسقات
: المتماديات في الزنى والانحرافات الجنسية.السافكات الدم
: العنيفات جدًا لدرجة قتل الآخرين.عقوبة الله لعروسه الخائنة الزانية هي العقوبة التي توقع على الفاجرات والقاتلات. إن الإعدام هو أصعب عقوبة يعرفها العالم لمثل هذه الجرائم، والله سيدمر أورشليم ويحرقها بالنار. وهكذا تسيل دماء عروسه لأن سخط الله، أي غضبه الشديد قد أتى عليها، بسبب غيرته القوية عليها؛ لأنه أحبها محبة كاملة، وهي خائنة خيانة كاملة، أي استهانت ورفضت حبه تمامًا.
ع٣٩:
عندما تهجم بابل على أورشليم ستدمرها تمامًا، وتدمر كل معابد الأوثان التي فيها، مع هيكل الرب الذي ستحرقه، وتتعرى أورشليم من كل بهائها ومجدها، وتهدم قصورها وكل ما تزينت به، وهكذا تصير مهجورة وعريانة من كل بهائها. فالله لابد أن يزيل الشر تمامًا ويبيد الأشرار، بعد أن أطال أناته عليهم طويلًا، وأعطاهم من محبته الكثير والكثير.ع٤٠:
ستهجم جيوش بابل بأعداد ضخمة على أورشليم، ويصعدون مرتفعاتها، ويدمرونها، ويقتلون كل من يصادفهم فيها وخاصة العظماء والرؤساء.وهذا يرمز إلى أن الله يسمح بأن يفقد الإنسان كل قوته وجماله الذي استخدمه في الشر حتى يكاد يموت، لعله بهذا يتوب ويرجع عن شره، ومن ناحية أخرى عندما يقتل الكثيرين ويهلكون فالبقية، إذ تفقد كل قوتها وغناها، تعود لله، وهذا ما حدث مع سكان أورشليم.
ع٤١: نساء كثيرة
: الشعوب المحيطة.ستحرق جيوش بابل أورشليم والأسوار والهيكل والقصور، ويدمرون كل ما يقابلهم، ويقتلون بعنف، ويعملون فضائح لم تحدث من قبل، كل هذا يتم أمام الشعوب المحيطة بأورشليم، فهي إن كان يشبهها بعروس، فالنساء المحيطة، أي الشعوب المحيطة، ترى كل هذا التدمير وتتعجب لتخلى إلهها عنها. وعندما تتساءل هذه الشعوب ستعرف أن السبب هو تمادى أورشليم في الزنى، وسيرون الباقين في أورشليم قد ابتعدوا عن عبادة الأصنام وكل الشهوات الشريرة. ولا تطلب وقتذاك أجرة، أي ماديات، من الشعوب المحيطة كما كانت ترضى قديمًا الشعوب الوثنية، وتضمن التحالف معهم بإقامة معابد لأوثانهم داخل أورشليم. أما الآن، بعد توبتها، لم تعد أورشليم محتاجة أن تعبد الأوثان، فالباقون فيها يعبدون الله، الذي يحفظهم ويباركهم ويكفيهم بخيراته، وهذا ما حدث بعد الرجوع من السبي.
ع٤٢:
بتنفيذ هذه العقوبة وتدمير أورشليم يكون الله قد سكب غضبه عليها، ونالت عقابها، فتهدأ غيرته على هيكله، وعلى نفوس أولاده، الذين باعوه، وأسلموا نفوسهم للشر. وبعد هذا لا يبقى في أورشليم إلا القليلون الذين يخافون الله ويعبدونه، فيهدأ غضب الله ولا يعاقبهم بل يحفظهم ويباركهم.ع٤٣:
يوضح الله سبب العقاب العنيف الذي سيحل بأورشليم، وهو أنها نسيت وأهملت محبة الله التي أعطاها لها حين أخرجها من مصر بالضربات العشر، وعبر بها البحر الأحمر، وعالها في البرية ٤٠ سنة، وسكن في وسطها، وأدخلها أرض الميعاد التي تفيض لبنًا وعسلًا، وأباد من أمامها شعوب كثيرة؛ كل هذا الحب أهملته وارتبطت بالأوثان.وعلى العكس تذمرت على الله وغضبت عليه بشدة، فلم يعجبها المن في البرية، وحاولت الرجوع إلى مصر، فأتاهها في البرية واحتملها. فالله بعقابه يعاقب شرورها الكثيرة التي احتملها على مدى السنين، والتي زادت جدًا قبل التدمير البابلي؛ حتى لا ترتبط بالأوثان، وهي الخطية الفظيعة التي زادت على كل خطاياها السابقة من التذمر والظلم والشهوات الشريرة مثل الزنى.
ع٤٤:
من كثرة شر العروس الخائنة صارت مضربًا للأمثال في الشر بين شعوب العالم، فيقولون مثل الأم إبنتها، أي أن هذه العروس الخائنة مثل أمها، فأجيال الأمة اليهودية كلهم أشرار، بل ويتزايدون في الشر؛ حتى زاد شرهم، فاستحقوا تدمير مدينتهم أورشليم، أي أنهم أصبحوا أشر من آبائهم. ويقصد أيضًا بالأم الشعوب الوثنية المحيطة ببني إسرائيل، كما قال أن أمك حثية في (ع٣، ٤٥) فهي تنسب لهن كأم لها بسبب تشابهها معهن في عبادة الأوثان.ع٤٥، ٤٦:
يشبه شعبه بزوجة شريرة في سلوكها، تكره زوجها وبنيها، وتعاملهم معاملة سيئة، والمقصود بزوجها هو الله، وبنوها هم أبناؤها الجسديون الذين تعلمهم الشر؛ ليكونوا بعيدين عن الله مثلها ويعبدون الأوثان.وهى بهذا تشبه جيرانها الشهيرات بالشر وهن المملكة الشمالية مملكة إسرائيل، ويسميها الأخت الكبرى؛ لأنها تشمل عشرة أسباط. أما العروس الخائنة التي تحدث معها الله، فهي مملكة يهوذا، التي عاصمتها أورشليم، وكانت موجودة في هذا الوقت؛ لأن المملكة الشمالية كانت قد سبيت بالأشوريين، وهي تمثل الشر لانشغالها بعبادة الأوثان.
وأختها الصغرى هي سدوم التي اشتهرت في الكتاب المقدس بالشذوذ الجنسى أيام لوط، وهي مدينة أصغر من مملكة يهوذا، وقد احترقت بالنار من السماء (تك١٩: ٢٤). ويقارن بها هنا، ليس لأنها موجودة، بل لأنها تمثل الشر، فهي تحت الماء الآن ولا يعرف مكانها إلا أنها جنوب البحر الميت. يوحد الله بين عروسه الخائنة وأختيها السامرة عاصمة مملكة إسرائيل وسدوم، حيث جميعهن أصلهن حثى وأمورى، أي شعوب وثنية، فانتشرت العبادات الوثنية في الثلاثة بلاد، بل واشتهرن بهذه العبادات، إلى هذه الدرجة وصل شعب الله في خيانته له.
إذا تهاون الإنسان في علاقته مع الله، واستباح بعض الشرور، يتعلق بها، بل يصير مثالًا للشر. فكن حريصًا واقطع الخطية من بدايتها، وإن كنت قد توغلت فيها فارجع الآن؛ لأن الله مازال يحبك، ومستعد أن يغفر لك كل خطاياك.
ع٤٧، ٤٨:
يتعحب الله لتزايد عروسه في شرها، ففاقت البلاد المشهورة في عبادة الأوثان والشر التي دعاها أخواتها، أي مثيلاتها في الشر، وهما السامرة وسدوم، ففاق شر العروس الخائنة شرهما.ع٤٩، ٥٠:
يعلن الله تفاصيل شرور البلاد المشهورة بالشر والتي تفوقت عليها عروسه، فيبدأ هنا بتوضيح شرور سدوم وكل بناتها، أي شعبها، وهي:١. الكبرياء
: فلم تخضع لله وشعرت بقوتها في ذاتها، وتكبرت على الشعوب المحيطة بها من اجل غناها.٢. الشبع من الخبز
: أي الانشغال بالماديات والترف والبعد عن الله.٣. سلام الاطمئنان
: من أجل غناها وقوة رجالها عاشت في سلام، فأرجعت الفضل في هذا لقوتها وخيراتها، وليس لله الذي أعطاها كل هذا الذي تفعله، أي سدت أبواب التوبة أمام نفسها، لذلك احترقت وفنيت تمامًا، ولم تعد تشعر بوخز الضمير على الزنى.٤. ولم تشدد يد الفقير
: انشغل الأغنياء بلذاتهم وأهملوا الفقراء والمساكين الذين لا يجدون قوتهم اليومى.٥. عملن الرجس
: أي كل النجاسات، سواء عبادة الأوثان، أو الزنى والشذوذ الجنسى وكل الشهوات الشريرة.في النهاية بعد طول أناة كبير من الله اضطر أن يزيل الشر، كما فعل مع سدوم وأحرقها.
ع٥١:
يهوذا التي عاصمتها أورشليم، وفيها هيكل الله، والتي يسميها الله عروسه، لها أخت ثانية في الشر هي السامرة، ويقصد المملكة الشمالية التي تسمى إسرائيل، وتشمل العشرة أسباط. هذه عبدت الأصنام التي أقامتها، رغم إيمانها بأسفار موسى، وسقطت في شهوات كثيرة. ولكن يعلن الله أن عروسه قد زادت أضعاف عن شر السامرة، إذ يقول أن السامرة لم تفعل نصف شر يهوذا، وبهذا أصبحت السامرة وسدوم بارتين بالمقارنة بيهوذا.(٥) الإصلاح والعودة إلى الله (ع٥٢-٦٣):
٥٢ فَاحْمِلِي أَيْضًا خِزْيَكِ، أَنْتِ الْقَاضِيَةُ عَلَى أَخَوَاتِكِ، بِخَطَايَاكِ الَّتِي بِهَا رَجَسْتِ أَكْثَرَ مِنْهُنَّ. هُنَّ أَبَرُّ مِنْكِ، فَاخْجَلِي أَنْتِ أَيْضًا، وَاحْمِلِي عَارَكِ بِتَبْرِيرِكِ أَخَوَاتِكِ. ٥٣ وَأُرَجِّعُ سَبْيَهُنَّ، سَبْيَ سَدُومَ وَبَنَاتِهَا، وَسَبْيَ السَّامِرَةِ وَبَنَاتِهَا، وَسَبْيَ مَسْبِيِّيكِ فِي وَسْطِهَا، ٥٤ لِكَيْ تَحْمِلِي عَارَكِ وَتَخْزَيْ مِنْ كُلِّ مَا فَعَلْتِ بِتَعْزِيَتِكِ إِيَّاهُنَّ. ٥٥ وَأَخَوَاتُكِ سَدُومُ وَبَنَاتُهَا يَرْجِعْنَ إِلَى حَالَتِهِنَّ الْقَدِيمَةِ، وَالسَّامِرَةُ وَبَنَاتُهَا يَرْجِعْنَ إِلَى حَالَتِهِنَّ الْقَدِيمَةِ، وَأَنْتِ وَبَنَاتُكِ تَرْجِعْنَ إِلَى حَالَتِكُنَّ الْقَدِيمَةِ. ٥٦ وَأُخْتُكِ سَدُومُ لَمْ تَكُنْ تُذْكَرْ فِي فَمِكِ يَوْمَ كِبْرِيَائِكِ، ٥٧ قَبْلَ مَا انْكَشَفَ شَرُّكِ، كَمَا فِي زَمَانِ تَعْيِيرِ بَنَاتِ أَرَامَ وَكُلِّ مَنْ حَوْلَهَا، بَنَاتِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ اللَّوَاتِي يَحْتَقِرْنَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ. ٥٨ رَذِيلَتُكِ وَرَجَاسَاتُكِ أَنْتِ تَحْمِلِينَهَا، يَقُولُ الرَّبُّ. ٥٩ « لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: إِنِّي أَفْعَلُ بِكِ كَمَا فَعَلْتِ، إِذِ ازْدَرَيْتِ بِالْقَسَمِ لِنَكْثِ الْعَهْدِ. ٦٠ وَلكِنِّي أَذْكُرُ عَهْدِي مَعَكِ فِي أَيَّامِ صِبَاكِ، وَأُقِيمُ لَكِ عَهْدًا أَبَدِيًّا. ٦١ فَتَتَذَكَّرِينَ طُرُقَكِ وَتَخْجَلِينَ إِذْ تَقْبَلِينَ أَخَوَاتِكِ الْكِبَرَ وَالصِّغَرَ، وَأَجْعَلُهُنَّ لَكِ بَنَاتٍ، وَلكِنْ لاَ بِعَهْدِكِ. ٦٢ وَأَنَا أُقِيمُ عَهْدِي مَعَكِ، فَتَعْلَمِينَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ، ٦٣ لِكَيْ تَتَذَكَّرِي فَتَخْزَيْ وَلاَ تَفْتَحِي فَاكِ بَعْدُ بِسَبَبِ خِزْيِكِ، حِينَ أَغْفِرُ لَكِ كُلَّ مَا فَعَلْتِ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ».
ع٥٢: قاضية
: إذا قورنت خطايا يهوذا بخطايا الأمم المحيطة، تحكم وتقضى بأنهن أبرّ منها.يطالب الله عروسه مملكة يهوذا أن تحمل خزيها، أي تُنخس في قلبها وتشعر بمدى جرمها في حق الله، فهذا هو السبيل الوحيد لإصلاحها، أي أن بدء التوبة هو أن تشعر بخطيتها.
يذكرها الله بأن آثامها الشنيعة وزناها الروحي جعلاها قاضية على أخواتها السامرة وسدوم، فتجعلهن أفضل منها، أي تبررهن، ليس لأن خطاياها أكثر منهن، ولكن لأن فيها هيكل الله وتعرف وصاياه، فكيف تصنع الشر؟! "ولكن الذي لا يعلم ويفعل ما يستحق ضربات، يضرب قليلًا. فكل من أعطى كثيرًا يطلب منه كثير ومن يودعونه كثيرًا يطالبونه بأكثر" (لو١٢: ٤٨). فرجاسة ونجاسة مملكة يهوذا أكثر؛ لأن خطيتها تجازى بعقوبة أكبر من السامرة، حيث في السامرة اختلطت عبادة الله بعبادة الأصنام التي أقامها يربعام بعد حكم سليمان، وخطايا السامرة أصعب من سدوم؛ لأن سدوم وثنية لا تعرف الله ولا وصاياه.
ثم يطالب الله عروسه مملكة يهوذا بأن تخجل، والخجل نتيجة الخزي، فبعد أن ينخس قلبها وتشعر بشناعة شرورها تكون متضعة أمام الله في دموع التوبة وتخجل؛ لأنها أساءت إلى حبيبها وعريسها، وتطلب غفرانه ليعيدها إلى أحضانه. ويظل خجلها كلما نظرت إلى أخواتها في الشر؛ السامرة وسدوم، وكيف زادت عنهن في الشر وبررتهن؟! فتزداد توبتها أمام الله. مثلما كان بولس الرسول يتذكر خطيته أنه اضطهد كنيسة المسيح، فيزداد اتضاعًا وتوبة. وكما كان يقول داود النبي "خطيتى أمامي دائمًا" (مز٥١: ٣) ليحتفظ بمشاعر التوبة والخجل أمام الله.
ع٥٣: سبى مسبييك في وسطها
: شعب مملكة يهوذا المسبيين في إسرائيل وسدوم. ويقصد رجوع المسبيين بيد الأمم إلى الله بالتوبة، وليس الرجوع إلى أورشليم.تظهر هنا محبة الله الذي يشتاق إلى توبة عروسه، التي بسبب شرها تعرضت للسبى الأشوري والبابلي، وبعده احتلال مادي وفارس، ثم الاحتلال الإغريقى. ولكن يقصد بالأكثر سبى الخطية الذي خضعت له سنينًا طويلة، فتوبتها تعيدها إلى علاقتها الأولى مع الله في محبة العروس لعريسها.
ولكن عندما يعيد المسبيين، يبدأ بإعادة سدوم وبناتها، أي شعبها؛ لأن سدوم أقل شرًا بالقياس بشعب الله. ثم يعيد سبى السامرة وشعبها؛ لأنهم وإن كان أصلهم يهودي إلا أنهم اختلطوا بعبادة الأوثان. ويعود معهم المسبيون شعب مملكة يهوذا، أي بناتها، الذين كانوا يسكنون في سدوم وفى السامرة، فيرجعون كلهم إلى الله. وحتى وقت كتابة هذه الآية لم يكن المسبيون قد عادوا إلى أورشليم؛ ولأنهم كانوا يسكنون حول الهيكل، فشرهم أعظم من الكل، لذلك لم يرحمهم الله إلا في النهاية، أي ترك اليهود الذين كانوا يسكنون أورشليم في احتقار، وذلك لعلهم يتوبون. وكان المفروض أن يكونوا أول التائبين بسبب قربهم من الهيكل، ومعرفتهم بالعبادة ولكن بسبب قساوة قلوبهم انغمسوا في الخطية، ولكن في النهاية تابوا، فأرجع إليهم المسبيين من اليهود بين الأمم، أي عادوا إلى أورشليم في بداية مملكة مادي وفارس.
ع٥٤:
يرحم الله شعب سدوم الذين يعودون للإيمان بالله، وهذا يكمل في الإيمان بالمسيح في ملء الزمان. ويرحم أيضًا شعب السامرة، ويرحم كذلك المسبيين من شعب يهوذا في سدوم وفى السامرة. وتخزى مملكة يهوذا، وتشعر بجرم خطيتها وعارها، إذ لم تستحق رحمة الله وبقيت للنهاية بعد هذه الشعوب. ولكثرة خطاياها جعلت هذه الشعوب تتعزى بغفران الله، والإيمان بالمسيح قبلها، فعندما يقول "بتعزيتك إياهن" يقصد أن شرورك جعلتهن يتعزين وينلن مراحم الله وغفرانه. وهذا واضح تاريخيًا، إذ أن اليهود في أورشليم هم الذين اضطهدوا المسيحية، أما الأمم واليهود الساكنين بينهم بعيدًا عن أورشليم، فآمنوا خاصة على يد بولس الرسول. وحتى الآن مازال اليهود في أورشليم وما حولها لم يرجعوا بعد إلى الله ويؤمنوا بالمسيح.ع٥٥: الحالة القديمة
: العلاقة النقية مع الله، كما خلق الله آدم وحواء في الجنة، أي حالة ما قبل السقوط.أخيرًا يرحم الله شعبه بأن يعيده إلى الحياة النقية قبل السقوط، وذلك من خلال الإيمان بالمسيح وسر المعمودية. وهذا حدث لسدوم أولًا، ثم السامرة، ثم يهوذا. وذلك كما شرحنا في (ع٥٢) لأن خطية يهوذا كانت أكبر من السامرة بسبب وجود هيكل الله عندها ومعرفتها الكاملة لوصاياه.
والمقصود بسدوم والسامرة ليس مدينة سدوم؛ لأنها قد اختفت الآن عن وجه الأرض، كما ذكرنا (ع٤٥، ٤٦) ولكن المقصود الشعوب الوثنية التي تخطئ خطايا كثيرة، كما هو مذكور في (ع٤٩). والمقصود بالسامرة الذين يؤمنون بالله ولهم بعض عقائد خاطئة؛ كل هؤلاء يرحمهم الله ويقبلهم ويؤمنون بالمسيح ويغفر خطاياهم السابقة.
ع٥٦، ٥٧: آرام
: تقع شمال شرق بلاد اليهود وعاصمتها دمشق، أي سورية الحالية.الفلسطينيين
: يسكنون جنوب بلاد اليهود وجنوب شرقها حتى البحر الأبيض.يوبخ الله عروسه مملكة يهوذا أنه في أيام ابتعادها عن الله وكبريائها كانت تعتبر سدوم مثالًا للشر وتعتبر نفسها مبررة. فبكبرياء كانت لا تتحدث عن سدوم فهي مدينة ليست ذات قيمة في نظرها لأنها شريرة، والحقيقة أن مملكة يهوذا كانت أشر من سدوم وقتذاك ولكن الكبرياء أعمى عينيها. وذلك كان في فترة ما قبل سبى بابل، أي قبل أن تفضح خطاياها، وتعاقب بتدميرها وحرقها، في هذا الوقت كانت الشعوب الأرامية وكذلك الفلسطينيون يحتقرون ويعيرون مملكة يهوذا لتزايدها في الشر.
ع٥٨:
ويوجه الله كلامه لعروسه مملكة يهوذا بأنها مسئولة عن خطاياها ولا تنسب أخطاءها للبلاد المحيطة بها، أو تلتمس العذر لنفسها.ع٥٩: نكث العهد
: الرجوع عن الالتزام بالعهد.يعلن الله عقابه لشعبه بأنه سيجازيه بحسب أفعاله، ولأن أفعاله شريرة جدًا سيعاقب عقابًا شديدًا، لأنه رجع عن عهده مع الله أن يحيا له ولا يتكل على الأمم المحيطة، أو يرتبط بأوثانها بل كان المفروض ألا يخالطها. ولأن شعبه رجع عن عهده، فالله بالتالي مضطر أن يرجع عن عهده في المحافظة على شعبه، فيعاقبه مستخدمًا بابل لتأديبه.
ع٦٠:
اضطرار الله أن يرجع عن عهده ويعاقب شعبه ليس معناه رجوع الله عن العهد إلى الأبد، بل الله في حنانه عندما يرى شعبه يتوب ويرجع إليه يسامحه ويذكر عهده مع شعبه عندما بدأ معه في أيام صباه، أي عندما أدخله في أرض الميعاد، وسحق الشعوب الوثنية أمامه. وقد تمم هذا الوعد بإرجاع شعبه من السبي، ثم تممه بالكمال في المسيح الفادى الذي أعطى المؤمنين به حياة أبدية، أي يمتعهم بملكوته الأبدي.ع٦١، ٦٢:
عندما يرى شعب الله غفرانه ومراحمه برجوعه من السبي، ثم إيمانه بالمسيح، يخجل من خطاياه السابقة وكل طرق الشر التي سار فيها ثم تاب عنها. في هذا الوقت، أي بعد الإيمان بالمسيح تصبح أورشليم مركزًا لكنيسة العهد الجديد تنطلق منها نحو الأمم، فتقبل أخواتها السامرة، وسدوم ولكن في الإيمان، ليس بعهد الشر الذي سارت فيه مع هذه الشعوب، بل بعهد جديد يهبه الله لها، هو عهد النعمة في المسيح يسوع، الذي ستتمتع به مع جميع المؤمنين في كل العالم.والمقصود أيضًا بعهدها هو العهد القديم، عهد الناموس، الذي كسرته وسارت في الخطية وعهد الله هو العهد الجديد في المسيح يسوع.
ع٦٣:
فى العهد الجديد عندما تذكر عروسه، أي شعبه، الخطايا القديمة يخزى في توبة واتضاع، ويرفض هذه الشرور، ويقبل إلى الله لينمو في معرفته، ويظل في حياة الاتضاع لا يفتح فاه بكبرياء متذكرًا خطاياه السابقة دائمًا فيحيا حياة التوبة ويعرف الله عندما يتم كل ما سبق الذي أنبأه به الله.نلاحظ في هذا الأصحاح سبعة مراحل مرت بها عروس الله، أي شعبه هي:
١. سقوطها في الخطية وارتباطها بالأوثان.
٢. مرور الله بها والستر عليها وغسلها وتطهيرها؛ لتصير عروسًا له. وهذا ما حدث عند اختيار الله لنفسه شعبًا خاصًا أيام إبراهيم واسحق ويعقوب.
٣. انحرافها وزناها روحيًا بعبادتها الأوثان واتكالها على نفسها.
٤. تأديب الله لها بحرمانها من البركات الروحية والمادية بمضايقة الشعوب المحيطة بها.
٥. إذ لم تتجاوب العروس وتزايدت في زناها، سمح الله لها بالتأديب الشديد في السبي البابلي عند تدمير أورشليم وحرقها.
٦. غفران الله لعروسه ورجوعها من السبي وذلك على يد مادي وفارس.
٧. رحمة الله الكاملة لعروسه عند فدائها بدم المسيح؛ لتحيا له، بل تنضم الشعوب إليها عندما تؤمن.
إن رحمة الله تفوق كل تصور، فمهما كانت خطاياك، ومهما كانت التأديبات التي مررت بها، فهو مستعد أن يغفر لك إن تبت، ويرفع عنك كل الضيقات ويرفعك ويباركك كأن لم يحدث شيء. فقم الآن، إرجع إليه بالتوبة، واقطع الخطية الشريرة التي تستعبدك من أجل محبته، مقدمًا توبة واعترافًا، ثم تتناول من الأسرار الإلهية، فتمتلئ قوة وتتمتع بعشرته.