قالت
بأنفاس مترددة وصوت متهدج أربكته دموعها المنتحرة على كفي
وبرجفة سرت فى عروقها ورعشة في يديها المتشبثة بحقيبة سفري
وبنظرتها الحانية المتوسلة وقطرات العرق كتاج مرصع على جبينها
وحمرة الخجل تزين وجنتيها وبشجاعة وليدة اللحظة.
قالت لا ترحل…
قبل أن يسكن قمرك ليلي…
وتضع عقدا من النجوم حول رقبتي…
قبل أن تشرق شمس حبك فى قلبي…
لتذبح شتاء وحدتي وتلملم بيديك ستائر الليل عن شعري …
ويحتل صباح عينيك جبيني وتنشر الدفء فى أوصالي المرتعدة.
إبقي…
ودعني أكتم أنفاس فكرة بعقلك تود منك فراقي .
ودع تذكرة سفرك تحترق فى أتون أشواقي.
إبقى واريني عزتي فأريك بعيني لهفة العشاق.
لا ترحل…
فمن بعدك سيمسح دموعي بأنامل من حنان؟
من سيضمد جرح غائر بقلبي يعبث فيه الزمان؟
إن رحلت يا حبيبي
سيرحل الإنسان…
ويرحل المكان…
ويرحل الأمان…
و سيهاجر ربيع عمري المزهر
ويجتاحني الخريف وتتساقط أوراقي قبل الأوان
بعد رحيلك ستبقى روحي هائمة فى سمائك الغائمة
إن رحلت فلن يبقى غير ذكرياتي عنك وهي لا تكفيني ولكني سأحكيها للأصدقاء.
وسأرويها لأختي الصغيرة متي حل المساء
فقد تعودت أن احكي لها عنك…
وعن ذلك اليوم الذي إلتقيتك فيه ترتدي معطف الغموض ونظارتك السوداء
التي تداري بها حزنا ساكن عينيك إكراها
لكني رأيته ذات مرة ورأيت معه حناناً بعرض السماء.
حناناً لو رأته الجبال لدق ورق فى صدرها قلبا .
نعم سأحكي لها…
عن ابتسامة جريحة مقيمة علي شفتيك
وعن صمتك الهادي… وخجلك النادي…
وكيف أنا التي لا تؤمن بالحب!؟ آمنت بحبك…
وأحببت حبي لك… وأحببت من يحبك.
ورأى حبي لك الإنس.. والجن.. والملائكة …
رأته السماء.. والأرض…
لقد أعلنت حبي لك فى صمتي…همسي…صراخي … شرودي…حيرتي…
ولهفتي حين يتكلمون عنك
وأنت أيضا رأيت حبي…فلما الرحيل؟
وهنا كل ما نحتاج… وهل نحتاج فى حياتنا إلا للحب!؟
فبحق هذا الحب أخبرني يا صاحب قلبي الوحيد.
ماذا أقول لقلبي حين يسألني عن صاحبه؟
ويا قرة عيني ماذا أقول لعيني حين تبحث عن قرتها ؟
اه كم تمزقني الأسئلة!؟
أما يشفع كل هذا الحب عندك لتقتل كبريائك وتجعل منه شهيدا للحب؟
لعل اله الحب يغفر له العذاب الذي عذب به كل من أحبك.
أما يشفع… لتبقى
رحماك لا ترحل…حنانيك لا ترحل…
كان صوتها يتهادى في أذني ولكنه بدأ يبتعد…ويبتعد إلي أن
أفقت على صوت مذياع المطار يعلن موعد قيام رحلتي .
راجعت رقم الرحلة في تذكرتي .
عدلت من هندامي .
تأكدت من إقامة ابتسامة جريحة علي شفتي.
واريت الحزن الساكن عينيّ بنظارتي السوداء.
ورحت أتمتم بأمنية حائرة…يا ليتها قالت…
لقد حان الرحيل… يا ليتها قالت…
لقد رحلت… يا ليتها قالت.
