سلسلة دراسة الذبائح טֶבַח والتقديمات (53) ذبيحة الخطية، تابع مناسبات أخرى لتقديمها
الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
تابع الوجه الثاني من أوجه الصليب
تابع / ذبيحة الخطية – άμαρτία – חַטָּאת
تابع/ ثانياً : ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها
الرجاء الرجوع للجزء السابق أضغط : هنـــــــــــــــا
+ تابع مناسبات أُخرى لتقديم ذبيحة الخطية +
(أ) بعد الشفاء من البَرَص: كان الأبرص يُقدم في اليوم الثامن لتطهيره خروفين ونعجة وتقدمة دقيق ذبائح إثم وخطية ومحرقة. أما إذا كان فقيراً فكان يُقدم فرخي حمام أو يمامتين (أنظر لاويين 14: 19و 22و 30).
(ب) بعد التطهير من نجاسة سيل: كان يُقدم كل من تنجس بسيل يمامتين أو فرخي حمام (وهي غالباً ناتجة عن مرض جنسي بسبب الخطايا الجنسية – وقد سبق وشرحنا الموضوع بتفاصيله في شرح ذبيحة المحرقة) (أنظر لاويين15: 14و 15و 30)
(ج) إذا تنجس نذير في أيام نذره: كان يُقدم يمامتين أو فرخي حمام، أحدهما ذبيحة خطية والآخر ذبيحة محرقة للتكفير عنه. ومتى تمت أيام نذره كان عليه أن يُقدم للرب نعجة واحدة حولية صحيحة ذبيحة خطية (أنظر عدد6: 10و 11؛ عدد7: 16 –… الخ)، ولكي نفهم موضوع تنجيس نذير لابد من أن نفهم ما معنى نذير: عموماً كلمة "نذير" في اللغة العربية مأخوذة من الفعل العبري "نذر" بمعنى "تكريس" أو " تخصُّص" أي كفعل "تخصيص". ويُذكر موضوع النذر لله كثيراً في الكتاب المقدس، وخاصة في العهد القديم، وعلى الأخص في سفر المزامير. ولم يكن النذر أمر توجيه من الشريعة، أي أنه ليس قانون تشريعي في العهد القديم، بل هو أمر يعتبر تطوعي من الشخص نفسه بدون أي قانون أو نص في شريعة أو حتى طلب من الله إلا في حالات خاصة كما سوف نرى، وذلك على خلاف تقديم العشور والذبائح والتقديمات وحفظ السبت والختان الذي أمرت بهما الشريعة كأفعال إلزامية وليست اختياريه حسب وصية الله.
وبالرغم من ذلك فقد وضعت الشريعة مبادئ مُحددة للنذر لمن يحب أن ينذر شيئاً للرب. فالنذر الذي ينذره الرجل أو الأرملة أو الطلقة لا يجوز نقصه أو النكوص عن الوفاء به لأنه مقدم لله الحي كسيد عظيم جداً لا يصح ان يُقدم له ما هو معيوب أو ناقص أو الرجوع فيه كأنه مقدم لأي شخص أقل من أن يُحترم أو يُقدر، لذلك من الخطورة أن نقدم شيئاً ما لله باستهتار أو نقص أو بدون وعي منا أو إدراك لمن نُقدم أو لماذا نُقدم، لأنه ينبغي أن تكون التقدمة بلا تسرع أو عن مجرد انفعال بدون إدراك أو وعي…
أما إذا صدر النذر من فتاة دون مشورة أبيها، أو من امرأة دون مشورة زوجها، فكان من حق الأب أو الزوج متى سمع النذر أن يُثبته أو يُلغيه في يوم سماعه: (عدد30: 1 – 15).
لذلك وحتى اليوم وفي العهد الجديد رأت الكنيسة نفس ذات الأمر والقانون وذلك بكون الله لا يتغير ولا فرق ما بين العهدين من الجهة الأدبية وليست الطقسية، فبكون الأب هو المسئول أمام الله عن أولاده القُصر لأنهم لم يبلغوا بعد فمن حقه أن يلغي نذرهم الذي نذروه بتسرع أو بعدم وعي، وأيضاً كون الزوج مع زوجته جسداً واحداً فلا يصح للزوجة أو حتى للزوج أن ينذر أحدهما شيئاً بدون اتفاقه مع الآخر لتكون التقدمة أمام الله صحيحة ومُلزمة كما رأينا في سفر العدد….
سبب تقديم النذر كما هو واضح في الكتاب المقدس: نرى في سفر المزامير تعهدات الناذرين بوفاء نذورهم، وذلك كاعتراف بفضل الله عليهم وتقديمهم مشاعر شكرهم وتمجيدهم للرب الذي أحسن إليهم بدون أي استحقاق لهم بل هو فضل الله عليهم ورحمته، وهم يقدمون الشكر والحمد عملياً بالنذر:
+ مِن قِبَلك تسبيحي في الجماعة العظيمة. أُوفي بنذوري قُدام خائفيه (مز22: 25)
+ اللهم عليَّ نذورك، أُوفي ذبائح شكر لك، لأنك نجيت نفسي من الموت. نعم، ورجلَيَّ من الزَّلق… (مز56: 12و 13)
+ هكذا أُرنم لاسمك إلى الأبد لوفاء نذوري يوماً فيوماً (مز61: 8)
+ أدخل إلى بيتك بمحرقات، أوفيك نذوري التي نطقت بها شفتاي، وتكلَّم بها فمي في ضيقي (مز66: 13و 14)
+ ماذا أردُّ للرب من أجل كل حسناته لي؟ كأس الخلاص أتناول، وباسم الرب أدعو. أُوفي نذوري للرب مقابل كل شعبه (مز116: 12 – 14)
طبعاً كل ما ذكرناه بالنسبة لأي عطية تُقدم لله، ولكن يوجد من ينذر نفسه للرب، بمعنى أنه يكرس حياته للرب في عبادة نسكية وواجبات والتزامات خاصة يُقدمها طوعاً للرب وباختياره الخاص، إما طول الحياة أو لزمان محدد حسب اختيار كل واحد كنوع من الاعتكاف ونذر النفس للرب لمدة محددة، وقد تكلم الكتاب المقدس عن نذر الأشخاص بطرق متنوعة مثل:
1 – إما أن يكون نذر الشخص من قِبَل الله نفسه، مثل ما كان مع شمشون (لوقا1: 15)
2 – أو أن ينذر الوالدان (الأبوين) أولادهم للرب، كما نذرت حنَّة صموئيل النبي ليكون للرب طول حياته وليس لمدة معينة، بل وهبته بالكامل لله وحده فقط طول حياته: (1صموئيل1: 11)
3 – أو أن يُنذر الإنسان نفسه للرب فترة من حياته، وذلك كما جاء في شريعة النذير كما ذكرناها في سفر العدد. وبالطبع نجد ان الشريعة لا تُحدد المدة التي ينذر فيها الشخص نفسه لله، إذ أن الأرجح أن هذه المُدة كان يُحددها الشخص نفسه. وتذكر "المِشْنا اليهودية" أن المُدة كانت عادة ثلاثين يوماً أو ستين يوماً.
ونجد عموماً أن كلمة "نذر" لم ترد في العهد الجديد سوى مرتين، وكانت مرتبطة بالقديس بولس الرسول (1كورنثوس6: 20).
عموماً لكي ما نفهم ما المعنى المقصود بتنجيس النذير لابد من ان نتعرف على شريعة النذير والتزاماته فأن كسرها ستدنس ويحتاج ذبيحة خطية وذبيحة إثم كما سوف نشرحها فيما بعد، وهذه هي شريعة النذير والتزاماته:
1 – ألا يشرب خمراً أو يأكل حتى من ثمار الكرمة (العنب) (عدد6: 3و 4)
2 – ألا يحلق شعر رأسه (عدد6: 5)
3 – ألا يتنجس لأجل ميت (عدد6: 6 – 8)
+ عموماً المعنى العام والمقصود من وراء هذا كله بأنها توضح أن فترة نذر النفس للرب، هي فترة التصاق بالرب وتكريس الحياة لعباداته، فهي إذن تستلزم النسك والزهد وترك مباهج العالم بكل ما فيه، وبما أن المُسكر يُفسد ذهن الإنسان ويفقده توازنه، فمن اللائق أن يُمتنع عن الخمر المُسكر، وأي نوع يؤدي إلى السُكر وغيبة الوعي أو عدم الاتزان. من أجل ذلك أوصى القديس بولس الرسول أهل كنيسة أفسس قائلاً: (لوقا1: 15). وفي ايام انتهاء نذر النذير مُصرح له أن يشرب خمراً كإشارة على الفرح الروحي بالرب وأنه تمم هذا النذر بمسرة قلبه وليس غصباً عن إرادته.
+ وبالنسبة لترك الشعر بلا أي حلاقة أو هندمة أو تنظيم وترتيب، فهو علامة ظاهرة أمام الناس أنه شخص مخصص للرب وحده، كما أن حلاقة الشعر بالنسبة للرجل يُعتبر نوع من أنواع الزينة والشكل المهندم أمام الناس والمجتمع، ولكن لكونه للرب وحده يعطي ذاته فأنه لا يهتم بمباهج الحياة ورؤية الناس لشكله او شخصه، وهذا نوع من أنواع التكريس لله وحده، إذ أن اهتمامه كيف يُرضي الله وليس الناس.
+ وأيضاً النذير ملتزم بأن لا يأتي إلى جسد ميت كل أيام انتذاره، حتى لو كان الميت هو أبوه أو أمه أو أخته أو أخيه… الخ، فلا ينبغي أن يتنجس من أجلهم عند موتهم لأن انتذاره لإلهه على رأسه؛ ومثله مثل رئيس الكهنة والكهنة بني هارون (أنظر لاويين21: 11). فقد كان على النذير (كما للكاهن أيضاً) أن يرتفع فوق كل علاقة جسدية مهما ما كان نوعها، وخاصة وأن الجسد الميت كان يُعتبر نجاسة في العهد القديم، لأن الموت كان أُجرة الخطية وعلامة دخولها إلى العالم، لذلك يُحسب لمس الميت نجاسة حسب الشريعة حتى ولو كان الميت نبياً، فالموت دخل إلى العالم بالخطية، إذ أن بالخطية الموت والانفصال عن الله، والاهتمام بالجسد الميت ولمسه هو علامة موت، ولأن الله يريد أن الكل يشعر بفجاعة الخطية لا يُريد لأحد ان يتعلق بالموت ويهتم بجسد الموت ويعرف كم كانت الخطية خاطئة جداً وما فعلته في كيانه، ومن خصص نفسه للرب لا يمسه موت ولا يعرف ميت، بل هو منفصل كُلياً عن كل ميت وكل رباط جسدي لأنه ارتبط بالرب وحده الذي هو الحياة…
عموماً القصد كله من طقس تطهير النذير إذا تدنس انتذاره، وتقديسه والتكفير عنه، أنه يُظهر ويُبين إلى أي مدى يُريد الرب ممَّن يتكرس له أن يحفظ نفسه نقياً طاهراً من كل دنس، بريئاً من كل نقص، سواء كان بقصد أو بغير قصد: (1تسالونيكي4: 7)، وذلك كله لأجل أن نُعاين الرب ويكون هناك شركة حيه وحقيقية معه في النور، فالرب قدوس والذي يقترب منه لابد من ان يتقدس:
(خروج15: 11)
(عبرانيين12: 14)
(2كورنثوس7: 1)

