كتب

أرتابانوس الراوي



أرتابانوس الراوي

أرتابانوس
الراوي

 

نصوص
يهودية فى العالم الهيلينى

نورد
هنا نقاطع من مؤلّفات يهوديّة ضاعت، فما بقي منها سوى آثار بسيطة ونحن نقرأها في
تضاعيف مؤلّفات آباء الكنيسة. هذه المقاطع وصلت في اللغة اليونانيّة، وحسب الفنون
الأدبيّة المعروفة آنذاك. هي ليست مغفلة، بل نحن نعرف أسماء أصحابها، وها نحن
نذكرهم، ونذكر المرجع الذي ورد فيه كلُّ مقطع من هذه المقاطع.

 

ارتابانوس الراوي

بقيت
لنا ثلاثة أجزاء من ارتابانوس الذي كتب “قصصاً” في القرن الثاني ق م.
أشار إلى اليهود أسلافه الذين جاءوا إلى مصر: ابراهيم، يوسف، موسى. وقدَّم كلَّ
واحد على أنه مؤسّسُ حضارة. ابراهيم علّم المصريين دراسة النجوم. يوسف نظَّم تقسيم
الأرض واكتشف القياسات. كما دبّر مصر وخزن القمح خلال سبع سنوات الخصب. وصُوّرت
مسيرةُ موسى بشكل أطول، فتماهى مع موساوس، معلّم أورفاوس، ومع هرمس الاله. نُسبت
إليه عدّة اكتشافات، ومنها تنظيم عبادة الحيوان في مصر. حسده ملكُ مصر، فأرسله في
حملة إلى الحبشة، فنجح نجاحاً كبيراً. بعد ذلك قتل موسى الرجلَ الذي جاء يغتاله،
وهرب إلى عرابية. منع العرب من حملة على مصر، ولكنه عاد إلى هناك ليطلب أن يُطلق
العبرانيّون. حين قاوم الملكُ طلبَه، تفوّق موسى إذ استعمل قوّة فائقة الطبيعة.
دُمّرت معظمُ الهياكل المصريّة بالضربات العشر، كما أغرقت الحيواناتُ
المقدّسة في
البحر الأحمر،مع المصريين. يُروى خبران عن عبور البحر. واحدٌ نُسب إلى أهل ممفيس
الذين اعتبروا أن العبرانيّين عبروا والجَزْر في أقصاه. والآخر نُسب إلى أهل
هليوبوليس، فشدّد على الطابع العجائبي كما يراه ارتابانوس.

كتب
ارتابانوس كتاباً دفاعياً، فمجّد الشعبَ اليهودي، وشدّد على نقاوة ديانته. ولكن لا
ننسى أننا أمام قصّة (ورواية) تحاول أن تقدّم الكتاب المقدّس، في أسلوب شيّق، إلى
العالم الهلينيّ وفي لغته. أما النصوص التي نُوردها فأخذت من اوسابيوس، التهيئة
الانجيليّة، الكتاب التاسع.

ابراهيم
في مصر

1
(1) حسب ارتابانوس في كتابه “اليهوديات”، يُسمّي اليهود أنفسهم
“هرميوت” ويُترجم في اللغة اليونانية: اليهود. ولكن يسمَّون العبرانيين
بالنسبة إلى ابراهيم. قيل عن هذا أنه جاء مع كل عشيرته إلى مصر، لدى فرعون، ملك
مصر وعلّمه الاسترولوجيا. وبعد أن لبث هناك عشرين سنة، عاد إلى مناطق سورية. ولكن
عدداً من الذين وصلوا معه إلى مصر، أقاموا هناك بسبب الازدهار في البلاد.

 

يوسف في مصر

23
(1) قال ارتابانوس في كتابه “عن اليهود” إن يوسف كان من نسل ابراهيم
وابن يعقوب. ولما تفوّق على الآخرين في الفهم والحكمة، تآمر عليه إخوته. ولكنه
استبق هجومَهم، فطلب من عرب الجوار أن يأخذوه إلى مصر. فلبّوا طلبه، لأن ملوك
العرب هم أحفاد اسرائيل، ابن ابراهيم وإخوة اسحق.

(2)
مضى إلى مصر، وقُدّم إلى الملك، فصار حاكمَ الأرض كلِّها. وإذ كان المصريون
يَفلحون الأرض بطريقة لا نظام فيها، لأنّ المنطقة لم تكن مقسّمة، ولأنَّ الكبارَ
كانوا يضايقون الصغار، بدأ تقسيمَ الأرض، ووضع الحدودَ، وجعل عدداً من الحصص
الجافة أراضي زراعيّة، وأعطى حقولاً للكهنة.

(3)
وهو أيضاً من استنبط القياسات، ولهذا صار عزيزاً على المصريين. فتزوّج اسنات، ابنة
كاهن هليوبوليس، فأعطته ولدين. عندئذ جاء بأبيه وإخوته إليه، وحمّلهم خيرات كثيرة.
وأسكنهم في هليوبوليس وسائيس. وهكذا تكاثر السوريّون في مصر.

(4)
فَهُم، كما يقول المؤرّخ (ارتابانوس)، اتّخذوا اسم هرميوت، وبنوا هيكلاً في أتوس
وآخر في هليوبوليس. بعد ذلك، مات يوسف كما مات ملكُ مصر. وإذ كان يوسف حاكمَ مصر،
خزّن قمح السنوات السبع، الذي كان وافراً في الحقول، وصار سيّدَ مصر.

27
(1) حسب ارتابانوس في كتابه “عن اليهود”، حين مات ابراهيم وابنه
ممبساستانوت ومات ملك مصر، انتقلت السلطةُ إلى ابنه بالمانوتس.

(2)
فهذا الأخير عامل اليهود معاملة سيّئة. بدأ فبنى سائيس، وشيّد هيكلاً هناك. ثم بنى
هيكلاً في هليوبوليس.

(3)
ووُلدت له ابنةٌ، ماريس، فزوَّجها إلى خنفريس الذي كان الملك على منطقة ممفيس
العليا (كان هناك أكثر من ملك في مصر). هذه المرأة التي كانت عاقراً، تبنّت ابن
أحد اليهود وسمّته موسى. ولما صار بالغاً، سمّاه اليونان موسايوس.

(4)
فموسايوس هذا كان معلّمَ اورفايوس. ولما صار بالغاً، نقل إلى البشر عدداً من
المعارف المفيدة. فاستنبط السفن، وآلاتٍ لترتيب الحجارة، والأسلحةَ المصرية، وآلات
لجرِّ المياه ومن أجل الحرب، والفلسفة. بعد ذلك، قسم البلاد إلى ستٍ وثلاثين
مقاطعة، وعيّن لكل مقاطعة إلهاً تعبده. وسلّم الكهنة الحروف المقدّسة، وكانتْ بعدُ
قططاً وكلاباً وأبا منجل. ووهب الكهنة أيضاً أرضاً وقفها لهم.

(5)
كل هذا فعله لكي يحافظ على مُلك ثابت لخنفريس. وبما أن الجموع كانت في الماضي غير
منظّمة، فتطرد تارة الملوكَ، وطوراً تقيم منهم، مرّة تكون هي، أو تكون أخرى.

(6)
لهذا أحبّت الجموع موسى، كما أحبّه الكهنةُ الذين اعتبروه أهلاً لإكرام إلهي،
فدعوه هرمس لأنه كان يفسّر الحروف المقدّسة.

 

حملة
على الحبشة

(7)
ولكن حين رأى خنفريس فضْلَ موسى، حسده وطلب قتله في عمليّة تمويه. فلما زحف
الحبشيّون على مصر، ظنّ خنفريس أنه وجد الفرصة المؤاتية، فأرسل موسى عليهم كقائد
مع فرق جنّدهم من طبقة الفلاّحين، وقد ظنّ أن ضُعف جنوده سيجعلُه يُقتل بسهولة بيد
العدوّ.

(8)
ولكن لما وصل موسى إلى المقاطعة المسمّاة هرموبوليس، مع عشر ربواتٍ من الفلاّحين،
جعل مخيّمه هناك. وأرسل ضبّاطاً يراقبون المنطقة، فانتصروا في القتال انتصاراً
كبيراً. وقال (ارتابانوس): دامت تلك الحرب عشر سنوات، كما يقول أهل هليوبوليس.

(9)
تجاه أهميّة هذه الحملة، أسّس موسى في هذا الموقع مدينة، وكرّس فيها أبا منجل، لأن
هذا الطائر يقتل العصافير المضرّة بالانسان. وسمّاها هرموبوليس.

(10)
ومع ذلك، أحبّ الحبشيّون موسى، فتعلّموا منه الختان. وليس هم وحدهم، بل جميع
الكهنة أيضاً.

 

مؤامرة
على موسى

(11)
ولما انتهت الحرب، تظاهر خنفريس أنه ماضٍ لاستقباله. ولكنه في الواقع كان يتآمر
عليه. فقسم جيشه، وأرسل بعض الجنود إلى حدود الحبشة، وأمر الآخرين بأن يدمّروا
هيكلَ مدينة زوش، الذي بُني بحجارة مشويّة، وأن يبنوا هيكلاً آخر بحجر يأخذونه من
الجبال المجاورة، وأوكل بالبناء ناخيروس.

(12)
فجاء هذا مع موسى إلى ممفيس، وسأل إن كان هناك ما يُفيد الرجال: فأجاب موسى: نوع
البقر التي تفيد في فلاحة الأرض. ولكن خنفريس دعا الثورأبيس وأمر الجموع بأن يبنوا
له هيكلاً، وأن يأتوا إليه بحيوانات كرّسها موسى لتُدفن فيه، وهكذا تُدفن مشاريعُ
موسى.

(13)
فلما أبعده المصريون، حلّف (الملك) أصدقاءه بأن
لا يكشفوا المؤامرة المحاكة ضدّه، وعرض أسماء الذين سيقتلونه.

(14)
فلم يقبل أحد. حينئذ شتم خنفريس خانيتوت الذي عيّنه بشكل خاص. ولكن ذاك الذي شُتم،
أقسم بأن ينتقم حين تحين الفرصة.

(15)
وكانت ماريس قد ماتت في ذلك الوقت. فوعد خنفريس بأن موسى وخانيتوت يحملان الجسد
إلى مصر العليا ويدفنانه هناك، منتظراً أن يَقتل خانيتوتُ موسى.

(16)
خلال السفر، كشف أحدُ المتآمرين عن المؤامرة لموسى. فاتّخذ حذره ودفن ماريس. وسمّى
مروي النهر والمدينة التي على شاطئه. وماريس هذه يكرّمها أهلُ المنطقة كما يكرّمون
إيزيس.

موسى
في عرابية

(17)
عرف هرون، شقيقُ موسى، بالمؤامرة، فنصح أخاه بأن يهرب إلى عرابية. فاقتنع موسى،
وعبرَ النيلَ عند ممفيس، وانتقل إلى عرابية.

(18)
فلما علم خانيتوت بهرب موسى، نصب له فخاً لكي يميته. وإذ رآه آتياً، امتشق سيفه.
غير أن موسى سبقه، فأمسك له يده. ثم امتشق سيفه وقتل خانيتوت.

(19)
وهرب موسى إلى عرابية، وقاسم رعوئيل، سيّدَ تلك الأماكن، عيشَه. وتزوّج ابنته. وإذ
أراد رعوئيل أن يحارب مصر، رغب أن يأخذ معه موسى بحيث يؤمّن الحكم لابنته وصهره.
ولكن موسى عارضه، لأنه فكّر بمواطنيه. وهكذا جعل رعوئيل يصرف النظر عن الدخول في
حرب. وأوصى العرب بأن يسلبوا مصر.

(20)
في ذلك الوقت، كان خنفريس أوّلَ من أصيب بمرض النيل فتوفيّ. وهكذا سقط مريضاً لأنه
أجبر اليهود على ارتداء الأكفان، لا الثياب الصوفيّة، ليقدر أن يعرفهم ويعاقبهم.

(21)
وصلّى موسى إلى الله لكي يضع حداً لشقاء الشعب. خلال تضرّعاته، يقول التاريخ إن
ناراً خرجت فجأة من الأرض، فاشتعلت مع أنه لم يكن هناك أشجار أو أي نوع من الحطب.
ارتعب موسى من هذه المعجزة. وأراد أن يهرب. ولكن صوتاً إلهياً قال له بأن يقوم
بحملة على مصر فيخلّص اليهود ويعود بهم إلى موطنهم القديم.

موسى
أمام فرعون

(22)
تشجّع فعزم على أن يرمي قوى حربيّة على المصريّين. فمضى أولاً إلى أخيه هرون. وإذ
علم ملك مصر بمجيء موسى، دعاه وسأله عن سبب مجيئه. فأجاب موسى: لأن سيّدَ الأرض
أمرَه أن يُنقذ اليهود.

(23)
فلم علم الملك بهذا، جعله في السجن. ولكن حين جاء الليل، انفتحت جميعُ أبواب السجن
وحدها. وبين الحرس، منهم من مات، والآخرون سيطر عليهم النعاس وتحطّم سلاحُهم.

(24)
فخرج موسى ومضى إلى القصر الملكي. وإذ رأى الأبواب مفتوحة، دخل. وإذ كان الحرس على
الأرض، أيقظ الملك، فبُهت وأمر موسى أن يكشف له عن اسم الاله الذي أرسله، وكان
يهزأ منه.

(25)
فانحنى موسى وقال له في أذنه. فما إن سمع الملك، حتى سقط بلا حراك. فأنهضه موسى
فعاد إلى الحياة.

(26)
فكتب الاسم على لوحٍ، وختمه بختمه. واحتقر واحدٌ من الكهنة الكتابة، فتشنّج
وتوفّي.

 

الضربات

(27)
فقال الملك لموسى بأن يُجري له معجزة. فرمى موسى العصا التي في يده فصارت حيّة.
فدُهش الجميع. فأمسك الحيّة بذنبها وقتلها، وصنع العصا من جديد.

(28)
واقترب من النيل بمياهه القليلة، فضربه بعصاه. فامتلأ النهرُ وفاض على كل مصر. ثم
انحسر الماء. فالماء الذي اجتمع في الشقوق صار نتناً، فأهلك الحيوانات المائيّة
ومات الناسُ من العطش.

(29)
أمام هذه المعجزات، التزم الملك بأن يُطلق الناس بعد شهر، إن أعاد موسى النهرَ إلى
حالته الأولى. حينئذ ضرب موسى أيضاً الماء بعصاه، فأوقف الموج.

(30)
حينئذ دعا الملك كهنة مصر العليا وهدّدهم بأن يقتلهم ويقلب هياكلهم إن لم يُجروا
هم أيضاً معجزة ما. فقاموا بأعمال السحر والعرافة، فخلقوا حيّة ولوّنوا ماء النهر.

(31)
انتفخ الملك بما حدث، فضايق اليهودَ بكل أنواع العقابات والعذابات. فلما رأى موسى
ذلك، أجرى معجزات مختلفة. مثلاً، ضرب الأرض بعصا، فأطلق حيواناً مجنّحاً فضايق
المصريين الذين امتلأوا بالقروح. وإذ لم يستطع الأطبّاء أن يشفوا المرضى، نال
اليهودُ بعضَ الراحة.

(32)
ومدّ موسى عصاه فأخرج الضفادع، ثم الجراد والبعوض. فكرَّس المصريون عصا في كل
هيكل، ولايزيس أيضاً، لأن إيزيس هي الأرض التي ضربتها العصا فولّدت المعجزات.

(33)
وإذ لبث الملك يتصرّف بجهالة، أخرج موسى في الليل البرَدَ وأحدث زلازل، بحيث إن
الذين هربوا من الزلازل هلكوا بالبرَد، والذين أفلتوا من البرد مات بالزلازل.
فسقطت جميعُ البيوت ومجملُ الهياكل.

(34)
وفي النهاية، تجاه مثل هذه الآفات، أطلق الملكُ اليهود، الذين استقرضوا من
المصريين كاسات كثيرة، وكميّة من اللباس، وعدداً آخر من الغنى، وعبروا نهر عرابية.
وبعد أن اجتازوا مسافات كبيرة، وصلوا في اليوم الثالث إلى البحر الأحمر.

(35)
عند ذاك، وكما يقول أهل ممفيس، لاحظ موسى الذي كان يعرف المنطقة، الجزرَ، ليجعل
الشعب يعبر البحر كما على أرض يابسة. وكما يقول أهل هليوبوليس، لحق بهم الملك
ترافقه قوّات كبيرة، مع حيوانات مكرّسة، لأن اليهود أخذوا الخيرات التي استقرضوها
من المصريّين.

(36)
ودعا موسى صوتٌ إلهيّ، فضرب البحر بعصاه ليقسمه. أطاع فلمس الماء بعصاه، فظلّ
الموج منقسماً. وسار الجيش على أرض يابسة.

(37)
وقال المؤرّخ: حين دخل المصريون بدورهم في البحر ليلحقوا بهم، خرجت نارٌ أمامهم،
فعاد البحر على الطريق. فهلك المصريّون كلهم بالنار وبالمياه العظيمة. أما اليهود،
فبعد أن أفلتوا من هذا الخطر، قضوا أربعين سنة في البريّة حيث أمطر الله لهم
طحيناً يشبه طحين الذرة، ولونه قريب من الثلج. وقال: كان موسى كبيراً، أسمر، وكان
شعره طويلاً وأبيض، وكلُّه وقار. وصنع كلَّ هذا وهو ابن 89 سنة تقريباً.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى