بدع وهرطقات

_بدع_وهرطقات_2_بدع_حديثة_تيس_عزازيل_رواية_عزازيل_هل_هي_جهل_بالتاريخ_أم_تزوير_للتاريخ_01[1].html



الفصل الأول

د
يوسف زيدان

وخدعة
المخطوطات وعزازيل والراهب

 

تبدأ الرواية بخدعة من الكاتب يزعم فيها أنه أكتشف مخطوطات سريانية كتبها
راهب مصري عاش في دير سرياني في القرن الخامس الميلادي وأنه قام بترجمتها ونشرها
إلى العربية! علما بأنه لا يعرف اللغة السريانية إلا شكلا فهو ليس من المتخصصين
حتى يترجم منها! ويدور محور الرواية كما سنرى على ثلاثة محاور رئيسية هي:

(1) شخصية عزازيل أو الشيطان، كما صوره د يوسف زيدان، والذي نكتشف من خلال
حوارات الرواية أنه الأنا الداخلي أو عقل الإنسان الباطن وأنه موجه الرواية ومحرك
أحداثها والدافع والباعث على كتابتها، بل نكتشف أنه هو نفسه الدكتور يوسف زيدان،
كاتب الرواية، أو الأنا الداخلي له أو عقله الباطن
حيث يقول، د زيدان، في
إهداء الرواية ”
لِكُلِّ امرئٍ
شَيْطَانُهُ، حَتَّى أَنَا، غَيْرَ أَنَّ الله أعانني عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ..
“، (حديثٌ شريف، رواه الإمام البخاري بلفظٍ قريب). ولكن يبدو
أن الدكتور يوسف زيدان تمكن منه شيطانه أو عزازيله ف
لم
يستطع أن يتغلب عليه فغلبه وصور له بل فبرك له أحداث الرواية!

(2) الراهب هيبا بطل الرواية الذي ابتدعه د زيدان والذي تتحرك الأحداث حوله
ويحركها والناطق بلسان الدكتور زيدان وأفكاره، والذي يحركه عزازيل أو شيطان
الدكتور زيدان طوال الرواية، فهو شخصية وهمية لا وجود تاريخي لها، وقد ابتدعه
الدكتور زيدان ليضع على لسانه كل أفكاره التي تسب الكنيسة المصرية ورجالها وتسيء
لأقدس عقائدها! وهذه الأفكار قدمها الدكتور زيدان في بحث مكتوب بعد نشر الرواية في
مؤتمر القبطيات الأخير، ولم ينكرها بل تمسك بها وزعم أنها نظريته الخاصة!

(3) كنيسة الإسكندرية، والتي كتب الرواية أصلاً ليشوه صورتها ويصفها
بالقسوة والتخلف والظلام وقال أنها ” الكنيسة التي أظلمت العالم
“! وعلى رأسها البابا ثاوفيلس البطريرك الثالث والعشرين (385 – 412م)،
والبابا كيرلس الملقب بعمود الدين البطريرك الرابع والعشرين (412 – 444م)، من
سلسلة بطاركة الإسكندرية، والذي وصفهما ب ” ثاوفيلوس المهووس وخليفته
الأشد هوسا كيرلس
“! كما صور رهبانها ورجال الدين فيها ب “
الجراد، يأكلون كل ما هو يانع في المدينة، ويملئون الحياة كآبة
“!!
والإيمان بالنسبة لهم ” لا يكون إيمانا، إلا إذا كان يناقض العقل والمنطق
“!

 

1 – خدعة المخطوطات وخداع د زيدان:

ولكي يصل إلى أهدافه لجأ لحيلة أدبية غير مألوفة في الأدب العالمي بصفة
عامة والأدب العربي بصفة خاصة! فبدأ روايته بخدعه وحيلة يخدع بها القراء لكي
يوهمهم أن ما يقوله هو وثيقة تاريخية حقيقية، زعم فيها أنه اكتشف مخطوطات سريانية
كتبها راهب مصري عاش في دير سرياني في القرن الخامس الميلادي وأنه قام بترجمتها
ونشرها علما بأنه لا يعرف اللغة السريانية إلا شكلا وليس متخصصاً فيها لدرجة أن
يترجم منها! فالموضوع كله من تأليفه وخيالة! لذلك هاجمه كثير من النقاد والكتاب في
الصحف! لأنه كان يجب أن يقول منذ البداية أن هذه المخطوطات المزعومة هي محض خيال
من تأليفه! وقد تكررت هذه الخدعة مرة أخرى في تاريخ الأدب، حسبما اعتقد، عندما كتب
الكاتب الأسباني
ميجيل دي سرفانتس سافيدرا
روايته الشهيرة المعروفة في الأدب العربي بدون كيشوت وفي الأسبانية (
دون كيخوتي دي لامنشا)،
الرجل الذي حارب طواحين الهواء “،
سنة 1605م.
والتي أعتمد فيها على مخطوطة ألفها كاتب مغربي. ولكن رواية دون كيشوت هي رواية
لبطل تمثل بالفرسان
الجوالين وذلك بتقليدهم والسير على
نهجهم حين يضربون في الأرض ويخرجون لكي ينشروا العدل وينصروا الضعفاء، ويدافعوا عن
الأرامل واليتامى والمساكين[1]، ولكن رواية دون كيشوت لم تتكلم في العقيدة
وتاريخها بل تتكلم عن بطل يمكن أن يوجد في أي مكان أو زمان، أما
د يوسف زيدان، لم يعتمد في تزيف أو تلفيق ما اسماه بمخطوطات سريانية على
قصة كتبها غيره بل زعم أنه هو الذي اكتشف هذه المخطوطات وأوحى بأنها في حوزته!
وبرغم أنه كتب في بداية الكتاب أنها رواية إلا أنه لم يحاول ولم يفكر أن يقول أن
هذه المخطوطات المزعومة لا وجود لها في الحقيقة بل هي مجرد حيلة أدبية، كما أن
الشخص الذي يفترض أنه كتبها لا وجود له في التاريخ ولم يوجد أصلا إنما هو شخصية من
حبكة وخيال وإبداع د زيدان نفسه! بل وإمعانا في الخداع والتضليل زعم أن من كان
يشرف على التنقيبات الأثرية التي وجدت خلالها هذه المخطوطات المزعومة هو الأبُ
الجليلُ وليم كازاري، وحتى لا نجهد أنفسنا في البحث عنه لنسأله عن الحقيقة قال أنه
لقي مصيره المفجع المفاجئ (منتصف شهر مايو سنة 1997 الميلادية)!!

ولا أظن أنه جاء بهذا الاسم بمحض الصدفة بل، على ما أعتقد، أنه أختاره
عمداً ليوحي به إلى شيء مهم وهو جماعة الكازارس الذين وجدوا في فرنسا في نهاية
العصور الوسطى، الذين كانوا يؤمنون بإلوهية المسيح فقط ولا يؤمنون بتجسده واتخاذه
جسداً من مريم العذراء، والذين أشار إليهم كُتّاب الوثنية الإلحادية الحديثة من
أمثال
ميشيل بيجنت وريتشارد لي وهنري لنكولن كُتّاب رواية ”
الكأس المقدس الدم المقدسة ” ودان براون في روايته ” شفرة دافنشي ”
و
لين بكنت وكليف برنس في كتابهما ” كشف سر فرسان الهيكل:
حراس سر هوية المسيح الحقيقة! وغيرهم. وترجع إشارته إل الكازارس باعتبارهم يتمسكون بالكتب
الأبوكريفية التي أشار إليها كتاب هذه الكتب الإلحادية وبنوا أهم أفكارهم على ما
جاء بها، فقد وصفها د زيدان عدة مرات ب ”
الأناجيل المحرمة ” والتي زعم
أنها كانت مع نسطور وراهبه المزعوم، وأن نسطور كان يتفاخر بوجودها معه!
في
حين أن نسطور لم يستخدمها ولم يشر إليها مطلقا لأنها كتب منحولة، كما سنبين في
الفصل التالي.

وفيما يلي فقرات من هذه المقدمة:

يضمُّ هذا الكتابُ الذي أَوْصيتُ أن يُنشر بعد وفاتي، ترجمةً أمينةً قَدْرَ
المستطاع لمجموعة اللفائف (الرقوق) التي اكتُشفتْ قبل عشر سنوات بالخرائب الأثرية
الحافلة، الواقعة إلى جهة الشمال الغربي من مدينة حلب السورية، وهي الخرائب
الممتدة لثلاثة كيلومترات، على مقربةٍ من حوافِّ الطريق القديم الواصل بين مدينتيْ حلب وأنطاكية العتيقتين اللتين بدأتا
تاريخهما قبل التاريخ المعروف … وقد وصلتنا هذه الرقوق بما عليها من كتابات
سُريانية قديمة (آرامية) في حالةٍ جيدةٍ، نادراً ما نجد مثيلاً لها، مع أنها كُتبت
في النصف الأول من القرن الخامس الميلادي، وتحديداً: قبل خمسٍ وخمسين وخمسمائة
وألف، من سنين هذا الزمان.

وكان المأسوفُ عليه، الأبُ الجليلُ وليم كازاري الذي أشرف بنفسه على
التنقيبات الأثرية هناك، وهناك لقي مصيره المفجع المفاجئ (منتصف شهر مايو سنة 1997
الميلادية) يرجِّح أن السِّرَّ في سلامة هذه اللفائف، هو جودة الجلود (الرقوق)
التي كُتبت عليها الكلماتُ، بحبرٍ فاحمٍ من أجود الأحبار التي استُعملت في ذاك
الزمان البعيد. علاوةً على حِفْظها في ذلك الصندوق الخشبي، محكم الإغلاق، الذي
أودع فيه الراهبُ المصريُّ الأصل هيبا ما دوَّنه من سيرةٍ عجيبة وتأريخٍ غير مقصود
لوقائع حياته القَلِقة، وتقلُّبات زمانه المضطرب.

وكان الأبُ كازاري يظن أن الصندوق الخشبي المحلَّى بالزخارف النحاسية
الدقيقة، لم يُفتح قطُّ طيلة القرون الماضية. وهو ما يدلُّ على أنه، عفا الله عنه،
لم يتفحَّص محتويات الصندوق بشكل جيد. أو لعله خشي أن يفرد اللفائف قبل معالجتها
كيميائياً، فتتقصَّف بين يديه. ومن ثَمَّ، فهو لم
يلحظ الحواشي
والتعليقات المكتوبة على أطراف الرقوق، باللغة العربية بقلمٍ
نسخيٍّ دقيق، في حدود القرن الخامس الهجري تقديراً. كتبها فيما يبدو لي، راهبٌ
عربي من أتباع الكنيسة الكلدانية (الأشورية) التي اتخذت النسطورية مذهباً لها، ولا
يزال أتباعها يُعرفون إلى اليوم بالنساطرة! ولم يشأ هذا الراهب المجهول أن يصرِّح
باسمه. وقد أوردتُ في هوامش ترجمتي، بعضاً من حواشيه وتعليقاته الخطيرة، ولم أورد
بعضها الآخر لخطورته البالغة .. وكان آخر ما كتبه هذا الراهب المجهول، على ظهر
الرَّقِّ الأخير: سوف أُعيد دفن هذا الكنز، فإن أوان ظهوره لم يأت بَعْدُ!

وقد أمضيتُ سبع سنين في نقل هذا النصِّ من اللغة السريانية إلى العربية.
غير أنني ندمتُ على قيامي بترجمة رواية الراهب هيبا هذه، وأشفقتُ من نشرها في
حياتي. خاصةً وقد حَطَّ بي عمري في أرض الوهن، وآل زماني إلى خَطِّ الزوال ..
والرواية في جملتها تقع في ثلاثين رَقَّاً، مكتوبة على الوجهين بقلمٍ سرياني سميك،
بحسب التقليد القديم للكتابة السريانية الذي يسميه المتخصصون الخط الأسطرنجيلى؛
لأن الأناجيل القديمة كانت تُكتب به. وقد اجتهدتُ في التعرُّف إلى أية معلومات عن
المؤلِّف الأصلي، الراهب هيبا المصري، إضافةً لما رواه هو عن نفسه في روايته، فلم
أجد له أيّ خبرٍ في المصادر التاريخية القديمة. ومن ثم، فقد خَلَت المراجع الحديثة
من أيّ ذكرٍ له. فكأنه لم يوجد أصلاً، أو هو موجودٌ فقط في هذه (السيرة) التي بين
أيدينا. مع أنني تأكَّدتُ بعد بحوثٍ مطوَّلة
من صحةِ كُلِّ الشخصيات الكنسية، ودِقَّةِ كل الوقائع التاريخية التي أوردها في
مخطوطته البديعة هذه، التي كتبها بخطِّه الأنيق المنمَّق من دون إسرافٍ في زخرفة
الكلمات، وهو ما تُغرى به الكتابة السريانية القديمة (الأسطرنجيلية) الزخرفية
بطبعها.

وقد مكَّنني وضوحُ الخطِّ في معظم المواضع من
قراءة النص بيسر، وبالتالي ترجمته إلى العربية دون قلقٍ من قلق الأصل واضطرابه،
مثلما هو الحال في معظم الكتابات التي وصلتنا من هذه الفترة المبكرة .. ولا يفوتني
هنا أن أشكرَ العلاَّمة الجليل، كبير الرهبان بدير السريان بقبرص، لما أبداه من
ملاحظاتٍ مهمة على ترجمتي، وتصويبات لبعض التعبيرات الكنسية القديمة التي لم تكن
لي أُلفة بها.

ولستُ واثقاً من أن ترجمتي هذه إلى العربية، قد نجحتْ في مماثلة لغة النص
السرياني بهاءً ورونقاً. فبالإضافة إلى أن السريانية كانت تمتاز منذ هذا الوقت المبكر
بوفرة آدابها وتطور أساليب الكتابة بها، فإن لغة الراهب هيبا وتعبيراته، تعدُّ
آيةً من آياتِ البيان والبلاغة. ولطالما أمضيتُ الليالي الطوال في تأمُّل تعبيراته
الرهيفة، البليغة، والصور الإبداعية التي تتوالى في عباراته، مؤكِّدةً شاعريته
وحساسيته اللغوية، وإحاطته بأسرار اللغة السريانية التي كتب بها “.

ويختم مقدمته الطويلة هذه بكلمة ” المترجم – الإسكندرية في 4 إبريل
2004
“!
ليزيد في خداع القارئ ويجعله يظن أنه بالفعل أمام مخطوطات حقيقية! وللأسف فقد كاد
المؤلف أن ينجح في ذلك، فقال في حوارنا في برنامج العاشرة مساء بقناة دريم
الفضائية أن باحثة سريانية من سوريا طلبت منه بعض هذه الرقوق لتعمل عليها رسالة
دكتوراة! متصورة أن هناك مخطوطات حقيقية! بل وفي نفس الحلقة قال الفقيه الدستوري
الأستاذ يحي الجمل أنه تصور أن هذه المخطوطات المزعومة هي مخطوطات حقيقية! ولكن ما
كتب عن هذه الرواية في الجرائد والمجلات والنت والتي كتبنا فيها أكثر من مقالة في
مجلة روز اليوسف وجريدة صوت الأمة وعلى النت، وكذلك في برامج التلفزيون التي
شاركنا في اثنين منها كشفنا حقيقتها وأنها مجرد خدعة! بل وقد لامه الكثيرون على
أنه لم يقل في مقدمة الرواية أن هذه المخطوطات المزعومة غير حقيقية وأنها مجرد
حيلة أدبية.

 

2
– هيبا بطل الرواية أو راهب شيطان د يوسف زيدان وعزازيله:

وضع الدكتور زيدان شخصية الراهب هيبا، بطل
الرواية، موضع خاص جداً، كمحرك الرواية والشخصية المحورية فيها الذي تدور من حوله
الأحداث ويدير الحوارات ويتكلم طوال الوقت بلسان وفكر د زيدان ويعبر عما يريد أن
يقوله. والذي قال من خلاله كل ما يريد قوله والإساءة به للمسيحية! كما عبر به عن
الصورة التي أراد أن يغرسها في ذهن القارئ وهي صورة لمسيحية متعصبة لا وجود لها
إلا في خياله! ووضع على لسانه ما أراد أن يشوه به رجال الكنيسة الذين أراد أن
يصورهم كقساة متجبرين لا يعرفون للرحمة أو الشفقة معنى فلم يرحموا لا اليهود ولا
الوثنيين! وقد صور د زيدان راهبة كمولود لأب وثني، طيب ومسالم ورحيم، يمثل الخير
والحب والجمال، يقوم بصيد السمك لتقديمه لكهنة معبد خنوم الذي يقع عند الطرف
الجنوبي لجزيرة الفنتين (فيله) الذين تركهم المؤمنون بديانتهم التي هجرها أهلها
وانضموا للمسيحية، بل والمحاصرين من المسيحيين الذين يصورهم بالقتلة والوحوش
وسافكي الدماء! وأم مسيحية تتآمر بصورة غير أخلاقية مع أهلها المسيحيين لقتل
زوجها! وقد وضعها المؤلف في صورة الشريرة القاسية التي لا تعرف للحب وللرحمة
وللعشرة الزوجية معنى! في مشهد يصور القتلة المتوحشين الذين يقتلون بلا رحمة ولا
شفقة وهم يهللون ” بالترنيمة الشهيرة: المجد ليسوع المسيح، والموت
لأعداء
الرب “! هذا المشهد الذي علق بذهن هيبا طوال حياته!

فيقول د زيدان بلسان
هيبا في حوار متخيل مع نسطور: ” لم يكن البوح يوما من صفاتي، ولا الاطمئنان
لأحد. غير أني رحت ليلتها، احكي لنسطور عن معبد الإله خنوم الذي يسقبل جريان
النيل، عند الطرف الجنوبي من جزيرة الفتنين الواقعة جنوب مصر، بالقرب من أسوان.
حكيت له عن المهابة المعتقة والقدسية المبثوثة في إرجاء المعبد وأسواره منذ قرون،
وحكيت عن أبي الذي كان يحمل السمك كل يومين، للكهنة الحزانى المتحصنين في المعبد
منذ سنين. الكهنة المحصورين، المتحسرين على اندثار ديانتهم، مع انتشار عقيدة
المسيح. كان أبي يصحبني في قاربه، كلما زار المعبد ليقدم للكهنة نصف ما علق في
شباكه من سمك، خلال اليومين. كنا نذهب للمعبد خفية، وقت الفجر
.

لم استطع منع ما انفلت
من دموعي، حين وصفت له فزعي المهول في ذاك الفجر المروع، يوم كنت في التاسعة من
عمري، فقد تربص بنا عوام المسيحيين عند المرسى الجنوبي، القريب من بوابة المعبد.
كانوا يختبئون خلف الصخور من قبل رسوّ القارب، ثم هرولوا نحونا كأشباح فرت من
قعر الجحيم
. قبل أن نفيق من هول منظرهم، كانوا قد وصلوا إلينا من مكمنهم
القريب .. سحبوا أبي من قاربه وجروه على الصخور ليقتلوه طعنا بالسكاكين الصدئة
التي كانوا يخبئونها تحت
ملابسهم الرثة. كنت أزوم متحصنا بانكماشي في زاوية
القارب، وكان أبي غير متحصن بشيء يصرخ تحت طعناتهم مستغيثا بالإله الذي كان يؤمن
به. كهنة خنوم أفزعتهم الأصوات التي شقت السكون، فاصطفوا بأعلى سور المعبد ينظرون
إلى ما يجرى تحتهم بوجل واضطراب .. كانوا يرفعون أيديهم مبتهلين لآلهتهم مستصرخين!
ما كانوا يدركون أن الآلهة التي يعبدونها. ماتت منذ زمن بعيد. وان دعاءهم الفزع،
لن يسمعه احد .. ولن يجبر أبي من أولئك السفاحين أحدّ .. ولن يدرك عمق
عذاباتي من بعد. ذاك الفجر أحدّ
.

– يا مسكين. وهل اقترب
الجهال يومها منك؟

ليتهم قتلوني لأستريح
للأبد … نظروا نحوى بعيون ذئاب قد ارتوت، وجاءوا للقارب، فخطفوا مشنة السمك،
وقذفوا بها في وجه بوابة المعبد المغلقة بإحكام، ثم حملوا جثة أبي المتهرئة،
فالقوا بها فوقها. اختلط دمه ولحمه وأسماكه بتراب الأرض التي ما عادت مقدسة، ثم
تملكتهم نشوة الظفر والارتواء، فتصايحوا وقد رفعوا أزرعتهم الملطخة بدم أبي وراحوا
وبأيديهم السكاكين الصدئة المضرجة بالدم، يلوحون في وجه الكهنة المذعورين فوق
السور00 مضوا من بعد ذلك متهللين مهللين بالترنيمة الشهيرة: المجد ليسوع المسيح
والموت لأعداء الرب .. المجد ليسوع المسيح، والموت لأعداء الرب00 المجد ليسوع ..
[2]
.

ويقول أيضاً: ”
كيف تنمحي الذكريات .. أمي .. كيف ارتضت الزواج بواحد من القتلة، أبي كان رجلا
طيبا، لم أره ينهرها يوما، ولم يضربني قط. كان يأخذني ليلقي شباكه في النيل من فوق
الصخور البيضاوية، التي يعتقد أنها بيض سماوي مقدس هبط مع ماء النيل، ليحمي الواقف
عليه من التماسيح، التي هي أيضا مقدسة. كنت افرح بالأسماك العالقة في شباكه، وكان
يفرح لفرحي … لماذا أمعنوا في قتله، علي هذا النحو؟00 يا يسوع المسيح00 إنني
اشعر بحرقة قلب العذراء ولوعتها عليك … أحس بعمق عذاباتها، يوم دقوا المسامير في
يديك وقدميك المشبوحتين فوق الصليب. فانا مشبوح مثلك فوق صليب الذكريات، وملتاع
مثلها بحرقة الفقدان “[3]
.

ثم يأخذه عمه المسيحي فيصير مسيحياً. بل ويجعل
الرواية تبدأ بمولد هذا الراهب في جنوب مصر سنة 391 ميلادية، وهى نفس السنة التي
أُعلنت فيها المسيحية ديانةً رسميةً للإمبراطورية الرومانية، موحياً بأن تحول
الإمبراطورية إلى المسيحية هو تحول إلى العنف والقوة والإرهاب الديني ونبذ الآخر!
وهو هنا يتجاهل أكثر من ثلاثمائة سنة من الاضطهاد الدموي الذي قاساه المسيحيون على
أيدي اليهود والرومان بلا هوادة والذي استشهد فيه آلاف بل عشرات الآلاف من
المسيحيين عبر هذه السنين ودمرت فيه كنائسهم وأحرق فيه الكثير من كتبهم وأرتد فيه
الآلاف عن المسيحية بسبب شدة وقسوة هذا الاضطهاد الدموي! كما تجاهل الخلفيات
التاريخية والظروف التي أدت لأحداث العنف ولوى عنق الحقيقة وحول المظلوم إلى ظالم
والظالم إلى مظلوم! كما سنرى.

وينهي أحداث الرواية بمجمع أفسس المسكوني سنة
431م، الذي ناقش أفكار نسطور وحكم عليها بالهرطقة! وكأن هذا المجمع هو سبب انحراف
المسيحية وبداية عصور الظلام!

والسؤال هنا؛ ما الذي جعل د زيدان يفعل ذلك؟ هل
هو تأثره بالفكر الغربي الإلحادي كما يبدو واضحا في الكثير من أقواله وما نسبه
للمسيحية من أفكار لا أساس لها من الصحة، كما سنبين؟ أم كونه أستاذا للفلسفة
الإسلامية، والفلسفة تعتمد بالدرجة الأولى على دراسة أفكار ونظريات الفلاسفة
الوضعية في جميع العصور ومن كل المدارس؟ ومع احترامنا للفلسفة والفلاسفة نوضح أن
الفلسفة مبنية على فكر بشري، وضعي، والفلاسفة مجموعة من الشيع والمدارس التي لا
تتفق مع بعضها البعض إلا في حرية الفكر، فمنها الملحد واللاديني والمادي والوجودي
والمؤمن بوحدة الإله والكون والمؤمن بأن للكون إله كلي القدرة دون أن تربطه بدين
معين رابطة ..الخ. وفي معظمها ترفض الإعلان والوحي الإلهي، ومن ثم تختلف كثيراً عن
الوحي والإعلان الإلهي، وفي الأغلب ترفضه كلية! وهذا ما يبدو واضحاً أيضا في فكر د
زيدان. أم أنه فعل ذلك مثلما يفعل الذين يشتغلون بالدين المقارن من الإخوة
المسلمين؟ وهذا مشكوك فيه، لأنه أعتبر علم الكلام الإسلامي مجرد تطور للاهوت
المسيحي وما يسميه، هو، باللاهوت العربي السابق. وتتضح لنا أفكاره ومنهجه وربما
عقيدته من خلال حديثه عن شخصية عزازيل بل وشخص الله ذاته وتصويره بأن السعادة
والاستمتاع ليس بالتفرغ للعبادة لله أو بتخيل حياة بعد الموت يمكن أن نكافئ فيها،
بل في هذه الدنيا! وأن الإنسان يمكن أن يجد ذاته في متع الحياة وخاصة الجنس
وممارسة الشهوات الجسدية! هذا على الأقل ما وضعه على لسان بطله هيبا الذي يتكلم
بلسانه، بل وما جعله يغرق فيه! فأننا لا نرى أمامنا راهباً ناسكاً بمفهوم الرهبنة
كما يعرفها كل العالم المسيحي، بل راهباً منحلاً من كل القيود وغارقاً في الجنس
والشهوات الجنسية! وكأن الدكتور زيدان يقول لنا؛ أن الزهد الحقيقي والنسك الحقيقي
هو الانغماس في الجنس والشهوات الجنسية أكبر وقت ممكن! بل وجعل راهبه بلا أي مقدس
يقدسه سوى اللهو والانطلاق لحرية دنيوية بلا قيود!

ويقول موقع
العربية نت (15 سبتمبر 2008م) نقلا عن صحيفة أخبار الأدب المصرية،
تعليقا
على انغماس الراهب في الجنس: ” والمشكلة أن هذا الراهب فيه ضعف شديد أمام
المرأة، وقد تعرض لتجارب نسائية مرتين، وفشل في المرتين فشلا ذريعتا. كانت تجربته
الأولي في
الإسكندرية،
أمام أوكتافيا، وهي سيدة جميلة من الوثنيين، تعبد إله البحر (بوسيدون)، وقد تنبأت
لها العرافة أن رجلها المنتظر سيأتيها من البحر، فراحت
تذهب كل يوم إلي البحر لانتظاره، حتى كان اليوم الأول للراهب
في الإسكندرية، ونزل إلي البحر، وتوغل فيه، لولا أن وجد امرأة على الشاطئ تشير
إليه فانتبه وخرج من البحر ليجدها في انتظاره، وتجد فيه حبيبها المنتظر. يقضي
البطل مع أوكتافيا ثلاث ليال سويا، وخلال هذه الفترة يعرف الجنس لأول مرة في حياته،
وينسي أنه راهب في البداية، ويفكر في الخروج من الرهبانية في بعض الأحيان، ويسيء
الظن بها في بعض الأحيان، ويقرر التمرد،
لكنه في كل الأحيان ينتهي
بالتراجع أمامها، ولا
تنتهي العلاقة بينهما إلا حين تقوم بطرده. وعندما ترك مصر واستقر ببلاد الشام، بدأ
الراهب التجربة الثانية مع فتاة مسكينة (مرتا) أعطاها رئيس الدير غرفة خارج الدير
لتسكنها مع خالتها، مقابل أن تغني في
الكنيسة في أيام الآحاد، وكلف البطل باعتباره شاعرا أن يشرف
على تدريبها هي ومجموعة من الأطفال، إلا أنه وقع في هواها وبادلته حبا بحب، ووقع
معها في الخطيئة، وصار أسير هواها،
وتطور الأمر بسرعة، فقد عرضت عليه (مرتا)
أن
يتزوجها،
وأن يهجرا الدير وحياة الرهبنة ويرحلا إلي مصر معا، فيعمرا بيت أسرته
القديم، وتنجب له ذرية
تملأ عليهما البيت، إلا أنه في هذه اللحظة تذكر أنه جاء
في إنجيل متي الرسول، مكتوب: من يتزوج مطلقة، فهو يزني ..
حينئذ كان لابد أن
تصفعه مرتا بقولها: نزني؟ وما الذي كان بيننا
بالأمس في الكوخ؟ ألم نكن
نزني[4]؟ “.

بل أن ما صوره د زيدان عن عشق الراهب للنساء ولهفته
على أن يقضي مع عشيقاته كل أيام حياته يبين لنا وكأن الخلاص الحقيقي، من وجهة
نظره، كما صوره من خلال الصراع الداخلي بين الراهب وبين نفسه، عزازيل، هو في اللهو
والعبث وممارسة الجنس الذي أفاض في شرحه والذي جعل الراهب يقبل عليه وكأنه أكسير
الحياة، بل والجنة التي يجب أن يبقى فيها إلى الأبد! والذي يضعه في حالة تضاد مع
الإيمان المسيحي، دون أن يوحي لنا ولو لحظة أنه كسر نذره كراهب أختار أن يعيش حياة
البتولية، ودون أن يشعر ولو لحظة واحدة بأنه وقع في خطية الزنا المحرمة في جميع
الأديان! بل جعله يقبل على الزنا والجنس المحرم دون تردد، وكأنه آدم الذي يعود إلى
الجنة مرة أخرى بالاستمتاع بالجنس المحرم! فعندما يصف علاقته بأوكتافيا خادمة
السيد الصقلي، والذي يشرح علاقته بها في 51 صفحة متواصلة[5]، غير الصفحات التي تكلم فيها عن ندمه لأنه
خرج من جنتها! يترك نفسه لها تفعل به ما تشاء! بل واستفاض في شرح الأوضاع الجنسية،
التي من الصعب جدا أن نضعها هنا! وبعد أن ترك الراهب أوكتافيا مطروداً من جنتها
يتذكر دائما، وخاصة عندما تحل به النوائب والمرتبطة دائما بشخص نسطور، بل ودائما
ما يربط بين ما يصوره أنه حدث لنسطور وتفكيره في جنته المفقودة مع أوكتافيا ثم مع
مرتا: “
الآن00 آه يا أوكتافيا المسكينة .. لو كنت قد صبرت علي
قليلا. ولو كنت اعرف ما يخبئه لي الزمان … أو … الآن … أن يدي ترتجفان …
أوكتافيا … الحبيبة، المسكينة … ما عدت قادرا علي الكتابة “[6]
. بل ويربط علاقاته بالنساء بحبه لنسطور؟! ” أي ذكرى مؤلمة بالضرورة. حتى لو كانت من ذكريات اللحظات الهانئة، فتلك أيضا
مؤلمة لفواتها .. أود لو خرجت هذه اللحظة إلى حافة سور الدير، وصرخت إلى جهة
الشمال حيث حوصر نسطور، وإلى جهة الجنوب حيث غابت مرتا
.. ولو صرخت بكل ما في
القلب من الم فهل يصل الصوت أم يصل الموت، أم يصلينا الفوات الدائم والأحزان؟
[7]
.

ويصف أوكتافيا بالتي تضحي بنفسها في محاولة
لإنقاذ الفيلسوفة هيباتيا على عكس المسيحيين الذين قتلوها وأحرقوا جثتها! أنه يضع
المرأة الوثنية التي يمارس معها الجنس في مقابلة مع المسيحية الأرثوذكسية وتكون هي
دائما الأفضل! بل ويضعها كمرادفة لفكر نسطور وآريوس وكل من وصفتهم المسيحية
الأرثوذكسية بالهراطقة! وهذا واضح جدا في حديثه عن المرأة الثانية في جنته، التي تكلم
عنها في أكثر من عشرين صفحة، والتي يتوق أن لا يفارقها، بل والتي كما يبدو في
نهاية الرواية أنه ترك الرهبنة وتخلص منها إلى الأبد ليلحق بها في خمارات حلب!
مارتا، والتي يقول في أول حديث عنها: ” وفي غمرة تلك الأيام الغائمة، لمحت
مرتا لأول مرة. ولم يخطر ببالي يوم رأيتها، أني سوف أحترق بنارها اللاهية
[8]! ويضيف: ” مرتا التي ستعصف بكياني
[9]! كما يتذكر دائماً ” أوكتافيا نائمة
في ثوبها الحريري الشفاف
[10]! وهذا عكس حياة الراهب الذي يود أن يذوب أو
يحترق بنار الحب الإلهي، ولكن راهب الدكتور يوسف زيدان يحترق في نار الشهوة
الجنسية اللاهية ولا يجد خلاصه إلا في ترك الرهبنة نهائياً والذهاب وراء مرتا التي
يصف ما تم من علاقة جنسية معها بصورة لا يمكن تدوينها هنا[11].

وكما صور علاقته
بأوكتافيا، عشيقته الأولى، بالجنة المفقودة، راح يقول عن علاقته بمرتا، عشيقته
الثانية، أنه كان يجب أن يجثو عند قدميها ويموت في أحضانها، فراح يقول: “
لم أستطع
منع ابتسامتي، فاتسعت ابتسامتها، واشتدت توجهات الروح في عينيها.
التفتت ناحيتي بكلها، فالتصق نظري بصدرها. لم أستطع تحويل عيني عن الموضع الذي
أود أن أميل برأسي عليه، ولم تنزعج هي من ثبات نظرتي على الموضع المحرم. لعلها
أرادت أن تبيح لي هذا الحرم، لتهدئ الأحزان التي تستبد روحي منذ سنين، وتنهى زمن
الحرمان … آه لو ملت برأسي على صدرها. كان يجب أن أجثو أمامها، وأضع رأسي بين
نهديها، وتضمني إليها، فأخبو فيها وأموت
[12]
.

بل ويربط د زيدان دائماً بين تمنى الراهب لنصرة
نسطور وفوزه هو بالانطلاق مع مرتا فيقول: ” فربما تأتيك بعد أيام اعتكافك
الأربعين، أخبار نصرة نسطور من بعد هزيمته! وربما سترى مرتا مرة ثانية في ثوبها
الدمشقي الخلاب، وتأخذها معك يوم رحيلك المنتظر
(أي خروجه من الدير والرهبنة
بلا عودة)، فتهنأ بها بقية عمرك، ويهدأ قلبك الملتاع[13]!

هذه هي السعادة التي
يتوق إليها راهب د زيدان! والجنة المفقودة التي يتمنى أن لا يفقدها وأن لا يفارقها
مرة أخرى، بعد أن فقدها آدم! عبث وجنس ومجون!!

ثم يضيف ” إنه صوت
عزازيل. كان يستعطفني بنداء باطني عميق: لا تفقد مرتا، مثلما فقدت أوكتافيا قبل
عشرين عاماً
[14]. ” أصير هرماً في الخمسين من العمر، وتصير هي امرأة
جميلة في سن الثلاثين تصبو إلى الرجال وترنو إليها العيون الطامعة، وقد تمتد نحوها
الأيدي. هل سأقضى معها السنوات الأخيرة من عمري حارساً لها، منها؟ .. هل سينتهي بي
الحال حارساً لامرأة، بعد حياة تقلبت فيها أحوالي، حتى إنني ما عدت أعرف لي وصفاً
محدداً: هل أنا طبيب، أم راهب، أم مكرس، أم ضائع، أم مسيحي، أم وثنى “[15]
.

” في جوف الليل، عادت
الأفكار الجامحة لتجتاحني لماذا لا أقوم الآن فأخذ مرتا بعيداً عنهما؟ أو أترك كل
شيء ورائي وارحل إلى أفسس؟ لن يعرفني هناك الرهبان والأساقفة السكندريون سابقا
بالقرب من نسطور في محنته، وقد ينقلب الحال لصالحي، حين يصل الإمبراطور والأساقفة
المؤيدون له ولسوف ينصره الإمبراطور فهو أسقف عاصمته، سأعود معه إلى القسطنطينية
بعد انقضاء هذه المحنه “[16]
.

” أنت قلق يا هيبا
مما فيك لأنك تعرف ما سوف يحدث في أفسس، وتعرف انك ستفقد مرتا، مثلما فقدت من قبل
ما كان لك حلم النبوغ في الطب، الأمر في إدراك سر الدين، الغرام بأوكتافيا، الولع
بهيباتيا، الاطمئنان بالغفلة، الإيمان بالخرافات .. كان الصوت يأتيني هذه المرة
هامساً، واضح النبرات، ثم صارت ملاح الوجه، أبين اظهر كان يشبهني، وكان الصوت صوتي
هذا أنا أخر، غير، محبوس بداخلي لا بأس لو حدثت نفسي قليلا وصارحتها بما يجب
السكوت عنه، اشتياقي لمرتا، وخشيتي عليها، وخشيتي منها، وأنا تائه في صحراوات
الذات، وغير مستبشر بضربة الأسقف كيرلس المتوقعة في أفسس، فسوف تكون مروعة. كيرلس
هو رأس الكنيسة الإسكندرية، المرقسية وكلمات مرقس تعنى ضمن ما تعنيه المطرقة
الثقيلة التي نسميها في بلادنا المرزبة “
.

 

3 – عزازيل أو شيطان د يوسف زيدان:

(1) وهم عزازيل: كلمة عزازيل في العبرية (עזאזלAzazel)، وهي في
الكتاب المقدس
اسم علم للروح الشرير الذي يسكن في البرية
(اش13: 21؛34: 14؛مت12: 43). ومعنى اسمه في العبرية ” عزّ إيل “، أي
” قوّة الله “. ويوصف في الميثولوجيا وفي الفولكلور الفلسطينيّ القديم ب
” رئيس أبناء الآلهة “. ويُذكر في المغارة الرابعة في قمران 180 عادةً
كرئيس الملائكة. كما يعني أيضاً الشيطان أو الجن في الصحاري والبراري أو ملاك
ساقط. كما يعني أيضاً ” العزل للخطيئة أو الفصل (بحسب الترجمة اليونانية
السبعينية)[17]. وقد ورد اللفظ في (لاويين16: 8 و 10 و 26).
حيث كان رئيس الكهنة في يوم الكفارة، الذي يتكرر مرة واحدة في السنة، يأخذ تيسين
” ويوقفهما أمام الرب لدى باب خيمة الاجتماع. ويلقي هرون على التيسين قرعتين
قرعة للرب وقرعة لعزازيل. ويقرّب هرون التيس الذي خرجت عليه القرعة للرب ويعمله
ذبيحة خطية. وأما التيس الذي خرجت عليه القرعة لعزازيل فيوقف حيّا أمام الرب
ليكفّر عنه ليرسله إلى عزازيل إلى البرية ” (لا16: 7-10). فالتيس الأول يرمز
لتكفير الخطايا والتيس الثاني، تيس عزازيل، يرمز لأبعاد الله للخطية عن شعبه. ولكن
د زيدان استخدمه كمرادف للشيطان، بل هو الشيطان نفسه، ولأنه يؤمن بوجود الشيطان
ونقيضه الله، فقد صوره كالأنا الداخلي للإنسان، كصدى لما بداخل الإنسان، وكعقل
الإنسان الباطن الذي يعبر عن فكره الباطن وصراع الأفكار الداخلية، والذي جعله د
زيدان في النهاية ينتصر على كل ما سبق أن آمن به الراهب. ويقول د زيدان في إهداء
الرواية ”
لِكُلِّ امرئٍ شَيْطَانُهُ، حَتَّى
أَنَا، غَيْرَ أَنَّ الله أعانني عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ..
“، (حديثٌ شريف، رواه الإمام البخاري بلفظٍ قريب).
ويقول بلسان عزازيل:
نعم
يا هيبا، عزازيل الذي يأتيك منك وفيك[18]. ويقول في أجابته على سؤال لمحرر جريدة
الراي: ”
من المعروف أن معنى كلمة
عزازيل هو الشيطان … فمن هو عزازيل الذي قمت بطرحه في

روايتك؟

عزازيل في الرواية .. هو الجزء المظلم من الذات الإنسانية، الجزء

المطمور المخفي الذي لا يموت ما دام
الإنسان حيًّا، فهو الذي يحركه ويربطه بالحياة، الذي يشجعه على تحقيق إرادته ثم
ينتظر اللوم ويتحمله ويهنأ به، فيتحقق الطرفان .. الذي فعل، والذي كان مشجباً علقت
عليه الخطايا “
[19].

ويصور د زيدان عزازيل
وهو يدفع راهبه لكتابه ما اسماه بمذكراته ليتركها مع الأناجيل التي اسماها بالمحرمة
حتى تكتشف فيما بعد! والسؤال هنا لماذا وهي لا تليق براهب المفترض أن يعيش حياة
البر والقداسة وهو، هنا يحيا حياة غارقة في الشك في كل شيء وانغماس في الجنس
والرزيلة؟! أن من يدفن شيئاً بمثل هذه الطريقة عادة ما يؤمن أنه يدفن الحقيقة التي
لم يستطع كشفها في أيامه لتفيد من يعرفها فيما بعد! فأي حقيقة يريد د زيدان من
الراهب أن يسجلها ويدفنها لتكتشف فيما بعد؟ هل يريد أن يؤكد أن ممارسة الجنس
المحرم وإطلاق الإنسان العنان لشهواته وترك الراهب للرهبنة وتخليه عن نذره وعن كل
ما هو مقدس وإلقاءه بالصليب وزي الرهبان على الأرض! بل وعن الإيمان نفسه، هو الحق
الذي لم يستطع أن يكشفه في زمانه، بالرغم من أنه فعل ذلك؟! أم هي الكتب المنحولة
التي أسماها بالمحرمة؟ أم يريد أن يقول أن الحق كان مع آريوس ونسطور، برغم تضادهما
في الفكر والعقيدة، وغيرهما من الهراطقة؟ وبالتالي ما عليه الكنيسة الآن من إيمان
وتمسك الراهب بالفضيلة والعفة هو الخطأ؟! بل أن تركه لكل ما هو مقدس وللإيمان
وانطلاقه لحياة الحرية التي لا يقيدها مبدأ ولا دين ولا عرف ولا مقدس هو ما حدث،
كما صور د زيدان بلسان الراهب: ” عزازيل يعشق الحياة فهي مرتعه، ولذلك هو يكره الداعين إلى نبذ
المباهج والأفراح، ولا يطيق الزُهاد والمنقطعين عن الحياة. يسميهم الحمقى!
[20]! وهذا ما يوضحه لنا بصورة أوضح في الحوار
التالي حيث يتساءل الراهب:

ما الذي يريده عزازيل مني، ولماذا يدفعني لكتابة ما كان وما هو كائن؟ لابد أن له
غرضا شريرا، موافقا لطبيعته. لقد احتال علي حتى أغواني بحكاية ما جري مع أوكتافيا
من فحش وخطية، فتدنست روحي وتكدرت
.

وهل كانت روحك صافية، يا هيبا، قبل الكتابة؟

– عزازيل؟ جئت …

– يا هيبا، قلت لك
مرارا أنني لا أجيء ولا اذهب. أنت الذي تجيء بي، حين تشاء. فانا آت إليك منك.
وبك، وفيك. إنني انبعث حين تريدني لأصوغ حلمك، أو أمد بساط خيالك، أو اقلب لك ما
تدفنه من الذكريات
. أنا حامل أوزارك وأوهامك ومآسيك، أنا الذي لاغني لك عنه،
ولاغني لغيرك. وأنا الذي00

– هل بدأت ترنيمة
التمجيد، لذاتك الإبليسية؟

– عفوا، سألتزم الصمت.
وماذا تريد الآن؟

– أريدك أن تكتب يا
هيبا. اكتب كأنك تعترف، وأكمل ما كنت تحكيه، كله … اذكر ما جري بينكما وأنتما
تنزلان الدرج “
.

ويقول في الصفحات التالية[21]: اسكت، وعْد أنت
من حيث .. أيها الوجود الغامض المخايل
.

– أعدني أنت، فأنت
الذي أوجدتني
.

– أنا لم أوجد أحداً ..
أنا الآن احلُم
.

– إذنً،سوف يطول حلمك
يا هيبا!

– أنت تناديني بأسمى
المشهور .. فما أسمك أنت؟

– عزازيل “.

ولكي يؤصل د زيدان مفهومه في عزازيل باعتباره خرافة وليس حقيقة، بل هو
الإنسان نفسه، فكر الإنسان والأنا المعبر عنه، يقول: “
في أصل عزازيل أراء وأقاويل. بعضها مذكور في الكتب القديمة، وبعضها منقول
عن ديانات الشرق لا تؤمن كل الديانات بوجوده، ولم يعرفه المصريون القدماء،
العرفاء00 ويُقال أن مولده في وهم الناس، كان في زمن سومر القديمة، أو كان
أيام الفرس الذين يعبدون النور والظلام معاً، ومنهم عرفه البابليون. ثم كان ذكره
الأشهر، في التوراة التي كتبها الأحبار بعد عودة اليهود من السبي البابلي. أما في
ديانة المسيح فالمذاهب كلها تؤكده، ولا تقبل الشك فيه فهو دوماً في مقام عدو الله،
وعدو المسيح، ولا يعرف مقامه من الروح القدس!00 روى عنه القدماء، أنه خلق الطاووس،
فقد ورد في نقش قديم، أنهم عيروا عزازيل بأنه لا يفعل إلا القبائح، ولا يدعو إلا
إليها، فأراد أن يثبت لهم قدرته على فعل الجمال فخلق هذا الطائر. قلت ذلك يوماً
لعزازيل، فابتسم وهز كتفه اليمين متعجباً
.

وراح يقول بلسان
الراهب: ” سمعت صوت عصافير تملأ الأفق، وكان باب الصومعة مفتوحاً، وعزازيل
يجلس صامتاً عند الباب. أحببت أن أسمع منه صوته سألته أي أسماء أحب إليه؟ فقال:
كلها عندي سواء، إبليس، الشيطان، أهريمان، عزازيل، بعلزبوب، بعلزبول، قلت له أن
بعلزبول تعنى في العبرية سيد الزبالة وبعلزبوب تعنى سيد الزباب، فكيف لا يكترث
بالفروق التي بين أسمائه، ويراها كلها سواء؟ قال: كلها سواسية فالفرق في الألفاظ،
لا في المعنى الواحد
.

… سالت عزازيل عن
المعنى الواحد لأسمائه الكثيرة فقال: النقيض[22]
.

وهكذا يؤكد لنا د زيدان
فكره بأن عزازيل أو الشيطان هو الأنا الداخلي للإنسان، المعبر عن أفكاره ورغباته!
وفي هذه الرواية هو د يوسف زيدان نفسه أو الأنا الداخلي وعقله الباطن وأن ما كتبه
في هذه الرواية وما وضعه على لسان بطله هيبا كتبه بوحي من شيطانه هذا أو عزازيله
الذي زعم أن الله أعانه عليه والذي من الواضح أنه لم يعينه عليه بل سيطر عليه
تماماً!

(2) الله المألوه، الذي
خلقه الإنسان، ونقيض عزازيل!
ويتضح فكر د زيدان أكثر عندما يتحدث عن الله، بالمقابلة مع عزازيل، لا
باعتباره خالق الكون ومدبره كلي الوجود والقدرة والعلم، بل باعتباره وُجد بفعل
الفكر البشري! أوجده الإنسان! خلقه فكر الإنسان! لم يخلق هو الإنسان بل الإنسان هو
الذي خلقه!
الله
في الرواية، وفي فكر د زيدان مثله مثل عزازيل، مجرد وهم في خيال وفكر الناس! فهو
نقيض عزازيل، فإذا كان عزازيل وهم فالله أيضاً وهم! وعزازيل هو الذي صوره خيال
الإنسان ونسب له التحريض على فعل الشر ليبرر به، الإنسان، شروره، ومن ثم فقد أوجد
خيال الإنسان، أيضاً، الله ليكون نقيضاً للشر ويعلل به الخير الذي في داخله! أي أن
كل من عزازيل والله وهم من اختراع الإنسان وخلقه! فيقول:

هل خلق الله الإنسان أم العكس؟

– ماذا تقصد؟

– يا هيبا، الإنسان في كل عصر يخلق إلها له على
هواه، فإلهه دوما على هواه
وأحلامه المستحيلة ومُناه … أن الله
محتجب في ذواتنا والإنسان عاجز عن الغوص لإدراكه! ولما ظن البعض في الزمن
القديم، أنهم رسموا صورة للإله الكامل، ثم أدركوا أن الشر أصيل في العالم وموجود
دوماً؛ أوجدوني (أي عزازيل) لتبريره
“!

وكما قال عن عزازيل: ” ويقال أن مولده في
وهم الناس … عزازيلُ نقيضُ الله المألوه .. هو أذن نقيض الإله الذي
عرفناه، وعرفناه بالخير المحض. ولأن لكل شيء نقيضا، أفردنا للشر المحض كيانا مناقضا
لما افردناه أولاً، وسميناه عزازيل وأسماء أخرى كثيرة
[23]. ويصور عزازيل
والله الذي يسميه بالمألوه، أي الذي أخترعه فكر الإنسان، كنقيضان من خيال الإنسان:
عزازيل نقيض الله المألوه .. هذا ما قاله لي همساً، بلغة أخرى غير
اللغة السابقة التي لم أعرفها. غير أنني فهمت عبارته وهمت في معانيها .. هو إذاً
نقيض الإله، عرفناه، وعرفناه بالخير المحض. ولأن لكل شيء نقيضا، أفردنا للشر
المحض كيانا مناقضا لما افترضناه أولاً، وسميناه عزازيل وأسماء كثيرة أخرى
..
قلت همساً ..

– لكنك يا عزازيل، سبب
الشر في العالم
.

– يا هيبا كن عاقلاً، أنا
مبررُ الشرور
.. هي التي تسببّنُي
.

– ألم تزرع الفرقة بين
الأساقفة؟ أعترف!

– أنا أقترف ولا أعترف،
هذا ما يريدونه منى
.

– وأنت، ألا تريد شيئا؟

أنا يا هيبا أنت،
وأنا هم
.. تراني حاضر حيثما أردت، أو أردوا. فأنا حاضر دوماً لرفع
الوزر، ودفع الأثر، وتبرئه كل مدان. أنا الإرادةُ والمريدُ والمرادُ، وأنا
خادم العباد ومثير العباد إلى مطاردة خيوط أوهامهم
.

عزازيل يعشق الحياة فهي مرتعه، ولذلك هو يكره الداعين إلى نبذ المباهج
والأفراح،
ولا يطيق الزُهاد
والمنقطعين عن الحياة. يسميهم الحمقى
! قمت من مجلسي، فأغلقت الشباك الذي كان مفتوحا على ساحة
الدير، وكان نور الصباح قد بدأ إشراقه. أردت مواصلة الكلام مع عزازيل فأسندت جبهتي
على اليسار وسألته
.

– أأنت الذي قابلتني عند حدود بلدة سرمدة، وعند نزولي من جبل قسقام بمصر؟

– ما هذا الذي تقول؟ أنا
لا وجود لي، مستقلا عنك. أنا يا هيبا أنت، ولا أكون إلا فيك
.

– ألا تتجسد يا عزازيل في أشخاص بعينهم؟

– التجسد خرافة “[24].

ويختم د زيدان روايته بإقناع عزازيل لهيبا بعبثية الإيمان وباتخاذ القرار النهائي
بكتابة مذكراته التي تحطم الإيمان بكل شيء وتجعله يترك الرهبنة وينطلق للحياة حرا
من كل قيود تمنعه من اللهو والاستمتاع بمباهج الحياة التي وجدها مع أوكتافيا
ومرتا: ” أمضيت يومين بالمكتبة أحاور عزازيل حتى أقنعته بأمور، وأقنعني بأمور
كنُت متردداً فيها ..
كان مما أقنعني
به وصادف هواي في نفسي، أن أختلي بصومعتي هذه أربعين يوماً أدون خلالها ما رأيته
في حياتي منذ هروبي من قرية أبي، حتى رحيلي عن هنا، غدا، للقيام بما اتفقنا عليه
.

وها هي الأيام الأربعون قد مرت، وتم اليوم تدويني. وما ذكرت فيه إلا ما تذكرت أو رأيت في أعماق ذاتي .. وها هو الرق الأخير، ما يزال معظمه خالياً من
الكتابة ولسوف أترك هذه المساحة بيضاء، فربما يأتي بعدي من يملؤها. والآن سأغفو
قليلاً، ثم أصحو عند الفجر، فأضع الرقوق في هذا الصندوق، وأواريه التراب تحت
الحجارة الكبيرة التي عند بوابة الدير. ولسوف أدفن معه خوفي الموروث، وأوهامي
القديمة كلها. ثم أرحل مع شروق الشمس حراً “
.

فعزازيل في الرواية، هو المعبر عن الإنسان نفسه،
هو الإنسان نفسه، فالإنسان هو الذي أوجده ليبرر به أفعاله الشريرة، كما أوجد الله
ليبرر الخير الذي بداخله، ولذا فهو المحرك والمدبر ولسان حال د زيدان وبطله المعبر
عن أفكاره! وكما يقول (الأستاذ محمد الحمامصي) هو الظاهر والمختفي، الصريح
والمراوغ، وهو الداعي للكتابة والتدوين، اكتشفه الراهب هيبا في ذاته، بعد
مخايلة طويلة ظلت الرواية بزمانها الدائري تشير إليه، حتى تجلى بداخله في واحد من
أعمق فصول الرواية وأكثرها روعة
“.

 

1
تحكي رواية دون كيشوت قصة شخص لم يتزوج من كثرة قراءاته في
كتب الفروسية وكاد أن يفقد عقله وينقطع ما بينه وبين الحياة الواقعية ثم يبلغ به
الهوس حدا يجعله بفكر في أن يعيد دور الفرسان الجوالين وذلك بمحاكاتهم والسير على
نهجهم حين يضربون في الأرض ويخرجون لكي ينشروا العدل وينصروا الضعفاء، ويدافعوا عن
الأرامل واليتامى والمساكين. فأعد عدته للخروج بان استخرج من ركن خفي بمنزله سلاحا
قديما متآكلا خلفه له آباؤه فأصلح من أمره على قدر ما استطاع، وأضفى على نفسه
درعا، ولبس خوذة وحمل رمحا وسيفا وركب حصانا أعجف هزيلا. وفي نفس الرواية نجد
شخصية أخرى لنبيل كان يعيش في إقليم لامانشا الإسباني، ولا يملك سوى درع ورمح
وفرس. إلا أن هذا لم يمنعه من أن ينصب نفسه فارسا متجولا برفقة فلاح بسيط من
جيرانه يدعى سانشو بانزا، معتقدا أن من واجبه محاربة الظلم والظلام في كافة بقاع الأرض.
كان سانشو بانزا ضخم الجثة بعكس صاحبه دون كيخوتي الطويل الهزيل، وتنشأ المفارقات
المضحكة ابتداء بمنظر الرجلين ثم تستمر على طوال هذه الرواية الكوميدية ذات
الأسلوب الجميل والخفيف. (أقرأ رواية دون كيشوت ترجمه عن الفرنسية صيَّاح الجحيم،
عن دار الفكر اللبناني).

2
ص41و42.

3
ص95.

[4] https://www.alarabiya.net/articles/2008/09/15/56643.html

5
من ص 75 إلى ص 126.

6
ص125.

7
ص126.

8
ص224.

9
ص231.

10 ص231.

11
ص321.

12
ص312.

13
ص51.

14
ص334.

15
ص335.

16
ص344.

[17] https://en.wikipedia.org/wiki/Azazel

18
ص51.

[19] https://coptreal.com/ShowSubject.aspx?SID=14021

20
ص350.

21
ص245و246.

22
ص 349.

23
ص 348 – 350.

24 ص 350.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى