علم

ها أنا أبشركم بفرح عظيم[1]



ها أنا أبشركم بفرح عظيم[1]

ها
أنا أبشركم بفرح عظيم[1]

يوحنا
ذهبيّ الفم

(لو
10: 2)

لنفرح
ونبتهج به[2]

أرض
سماوية!

إني
أتأمل سرًا عجيبًا وجديدًا، فيرن في أذني صوت تسبحة الراعي المتغني بترنيمة السماء…

 

هوذا
الملائكة ترتل، ورؤساء الملائكة تتغنى في انسجام وتوافق. الشاروبيم يسبحون بتسابيحهم
المفرحة، والساروفيم يمجدونه. الكل اتحد معًا لتكريم ذلك العيد المجيد، ناظرين
الإله على الأرض، والإنسان في السماء، الذي من فوق يسكن هنا على الأرض لأجل خلاصنا،
والإنسان الذي هو تحت يرتفع إلى فوق بالمراحم الإلهية!

 

هوذا
بيت لحم تضاهي السماء، فتسمع فيها أصوات تسبيح الملائكة من الكواكب، وبدلا من
الشمس سطع شمس البرّ في كل جانب.

 

لا
تسل: كيف هذا؟! فإن الله إذ يريد، تخضع الطبيعة، لقد أراد، وكان له سلطان، نزل،
وخلص… والكل يتحرك في طاعة لإرادته.

 

هوذا
اليوم وُلد ذاك الذي هو كائن، وصار غير الذي كان عليه، إذ وهو الله صار إنسانًا،
لكن بلا انفصال عن لاهوته، أي عن نفسه، وبلا نقص أو زيادة في لاهوته. لأن
“الكلمة صار جسدًا دون أن تتغير طبيعته…

 

الأشرار
رفضوه

رفض
اليهود ميلاده العجيب. وبدأ الفريسيون يخطئون في تفسير الكتب، والكتبة ينطقون بما
يناقض ما يقرأونه.

هيرودس
بحث عن المولود، لا لكي يسجد له، بل لكي يقتله…

 

ليأتِ
الكل إليه

ليأتِ
الملوك، ويروا الملك السماوي، هذا الذي جاء على الأرض بلا ملائكة ولا رؤساء ملائكة
ولا عروش ولا قوات، مع أنه لم ينسَ ملائكته، ولا تركهم بلا رعاية…!

ليأتِ
الجنود ليخدموا قائد الجنود السماوية..

لتأتِ
النسوة لتمجد ذاك الذي وُلد من امرأة، حتى يحول مرارة آلام الولادة إلى لذة.

لتأتِ
العذارى إلى ابن العذراء، متطلعات بفرح إلى ذاك الذي يعطي اللبن… يتقبل غذاء
الأطفال من أمه العذراء.

ليأتِ
الأطفال ليعبدوا ذاك الذي صار طفلاً صغيرًا حتى يهيئ من أفواه الأطفال والرضع
سبحًا للطفل الذي أقام منهم شهداء في ثورة هيرودس.

ليأتِ
الرجال إلى ذاك الذي صار إنسانًا حتى ينزع البؤس عن عبيده.

ليأتِ
الرعاة إلى الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن خدامه.

ليأتِ
الكهنة إلى ذاك الذي صار رئيس كهنة على رتبة ملكي صادق.

ليأتِ
العبيد إلى ذاك الذي أخذ صورة عبد حتى يحررهم من العبودية.

ليأتِ
صيادوا الأسماك إلى ذاك الذي اختار من بينهم تلاميذه.

ليأتِ
العشارون إلى ذاك الذي اختار منهم متى الإنجيلي.

لتأتِ
النسوة إلى ذاك الذي قدم قدميه لتغسلهما التائبة بدموعها.

وإنني
إذ احتضن الجميع، يأتي الخطاة لينظروا “حمل الله الذي يحمل خطايا
العالم”.

 

هذه
هي فرحتي

ليفرح
الجميع، وأنا أيضًا أريد أن أفرح معهم، مشتركًا مع المحتفلين بميلاده.

 

ومشاركتي
في الفرحة، لا أريدها بالضرب على القيثارة، أو بواسطة المزمار، ولا بحمل المشاعل…
بحمل مهد الطفل بين يدي. هذا هو رجائي، هذا هو حياتي. هذا هو خلاصي، هذا هو مزماري،
هذا هو قيثارتي.

 

إني
آتي لكي أحمله، وأنال بقوته قوة الحديث، مرنمًا مع الملائكة أيضًا، قائلاً: “المجد
لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة”.

 

ميلاد
أزلي وميلاد زمني

ذاك
الذي ولد من الآب ميلادًا لا يُوصف، ولد اليوم لأجلي من عذراء ميلادًا غير منطوق
به.

 

المولود
من الآب قبل كل الدهور… ولد اليوم ثانية بالروح القدس من عذراء، ناقضًا ناموس
الطبيعة.

 

ميلاده
السماوي (الأزلي) حق، وميلاده على الأرض حق أيضًا…

وإذ
هو ابن الله الوحيد، فهو أيضًا الوحيد مولود من عذراء.

في
ميلاده السماوي من ينسب له أًما يكون له هرطوقيًا، وفي ميلاده على الأرض من ينسب
له أبا يكون مجدفًا.

ميلاده
السماوي لا يُوصف، ومجيئه بيننا في هذا الزمان لا يمكن استقصائه بتدقيق…

 

سر
الأسرار

إنه
أمر طبيعي لامرأة متزوجة أن تنجب، أما إن عذراء تلد وهي غير متزوجة وتبقى عذراء
بعد الإنجاب، فهذا ما يفوق قانون الطبيعة.

 

ما
يحدث بحسب الناموس الطبيعي يمكننا فحصه، أما ما يتجاوز الطبيعة، فنكرمه صامتين، لا
أن نتجنبه أو نعبر عنه، بل نبجله صامتين كأمرٍ عظيمٍ يفوق كل حديث…

 

ماذا
أقول لك وبماذا أخبرك؟!.. إني أرى أمًا تلد، وأرى طفلاً مولودًا جاء إلى العالم.
أما كيفية الحمل، فهذا لا أقدر أن أدركه (بعقلي). هوذا الطبيعة قد قُهرت، والنظم
المستقرة قد أُبطلت، لأن الله أراد ذلك! هوذا الطبيعة قد استراحت، بينما إرادة
الله تعمل!

 

يا
لها عطية غير موصوفة! المولود قبل كل الدهور وحده، غير المحسوس ولا المنظور،
البسيط، الذي بلا جسد أخذ جسدي. لماذا؟ لكي يأتي بيننا ويعلمنا، ويقودنا بيديه إلى
الأمور غير المنظورة. فإذ يصدق البشر أعينهم أكثر من آذانهم، لذلك يشكون فيما لا
يرونه. هكذا تفضل أن يظهر في الجسد لكي يبدد الشكوك…

 

أعطانا
كرامة

إنه
كخالقٍ أعد لنفسه إناء جميلاً، هكذا خلق السيد المسيح جسد العذراء الطوباوية
ونفسها، ليبني لنفسه هيكلاً يسكن فيه كما أراد. أخذ من العذراء جسدًا، وجاء به دون
أن يخجل من طبيعتنا الحقيرة، إذ يرى أنه ليس بأمرٍ حقيرٍ أن يأتي فيما قد صنعه حتى
تبقى جبلة يديه مُكرمة…

 

وكما
أنه في الخلقة الأولى للجسد، ما كان يخلق ما لم يوضع الطين في يدي الله، هكذا ما
كان لهذا الجسد أن يصير مكرمًا إلا بعدما يصير حلة لصانعه…

 

ماذا
أقول، وبماذا أصف لكم هذا الميلاد؟!… قديم الأيام صار طفلاً. الجالس على العرش
السماوي يرقد الآن في مزود، غير المحسوس، البسيط، غير المركب، الذي بلا جسد، صار
بين أيدي البشر، الذي يفك أسر الخطاة مُقمط بأقمطة الأطفال[3]

 

لقد
أعلن أنه ما هو للعار صار مشرفًا، والفضيحة تّزيت بالفخر، وانحطاطنا نُزع بنعمته.
لهذا أخذ جسدًا حتى نصير متفطنين لكلمته. أخذ جسدي، معطيًا إياي روحه. هو أعطاني
وأنا آخذ، مهيأ لي كنز الحياة. أخذ جسدي لكي يقدسني، معطيا إياي روحه لكي يخلصني.

 

بين
اليهود الأشرار والكنيسة

ولكن
ماذا أقول، وبماذا ينطق لساني الضعيف؟ “هوذا العذراء تحبل” (إش 14: 7)…

لقد
تمت النبوة بين اليهود الذي تنبأوا بهذا، لكن نحن الذين لم يعلن لنا بها قد آمنا…

لقد
أعطيت النبوة لليهود، لكن الكنيسة هي التي انتفعت بها.

واحد
أخذ الوثيقة، والآخر نال قيمتها.

واحد
لبس الصوف، والآخر لبس الحلة الملوكية.

اليهودية
أنجبته، لكن العالم كله قبله.

مجمع
اليهود علم عنه، لكن الكنيسة هي التي قبلته وأمسكت به.

المجمع
عند غصن الكرمة، وأنا عندي ثمرة الإيمان.

إسرائيل
جمع الأعشاب، لكن الأمم شربوا الخمر السرية.

واحد
زرع البذور، والأمم جمعوا الحصاد بالإيمان.

قطفت
الأمم الزهور باحترام وتبجيل، وبقي شوك الحقد لليهود.

الفرخ
أخذ جناحًا، وأما الغبي (لليهود) فلا زال ينتظر في العش الفارغ.

إسرائيل
لازال يتطلع إلى أوراق الكتاب، بينما تتمتع الأمم بثمار الروح…

 

ميلاده
من عذراء

اليوم
جاء من عذراء، هذا الذي ترك الطبيعة جانبًا وارتفع فوق الوسائل الزوجية.

 

كان
يليق بواهب القداسة أن يدخل هذا العالم بولادة مقدسة. فهو الذي خلق آدم قديمًا من
أرض عذراء، خلق حواء من آدم بغير امرأة.

 

كما
أن آدم أنجب امرأة بدون امرأة، هكذا أنجبت العذراء رجلاً بدون رجل.

 

وكما
أن المرأة قديمًا كانت مدينة للرجل إذ انجبها بغير امرأة، هكذا بدون رجل أنجبت
العذراء الآن رجلا، فسددت الدين الذي كان عليها. لذلك فليس لآدم أن يتكبر، لأنه
أنجب امرأة، إذ المرأة أنجبت رجلاً بغير رجل.

 

وكما
أن القدير أخذ ضلعًا من آدم دون أن ينقص من آدم شيئ، هكذا أسس في العذراء هيكلاً
دون أن تُمس عذراويتها…

 

إنه
خالق الرحم وموجد البكورية، وبدون مساس لبكوريتها رتب ولادته منها بطريقة عجيبة.

 

لماذا
رفضتموه أيها اليهود؟

أخبريني
يا أرض الموعد: هل العذراء ولدت أم لا؟

 

إن
كانت ولدت، فاعترفي بهذا الميلاد العجيب. وإن كانت لم تلده، فلماذا خدعتي هيرودس
عندما سألكِ: أين يولد المسيح، قائلة إنه في بيت لحم اليهودية.

 

هل
عرفتي المكان والقرية.. ألم يقل إشعياء “هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا ويُدعى
اسمه عمانوئيل” (إش 14: 7). أما أخبرتمونا بهذا أيها الأعداء؟ ألم تعلموننا
بهذه الأمور أيها الكتبة الفريسيون أم نحن الذين نعرف اللغة العبرية؟!

 

ألستم
أنتم الذين فتشتم الكتب عندما سألكم هيرودس، وأحضرتم له الشاهد من سفر ميخا، حتى
يصدق كلامكم، قائلين: “أنت يا بيت لحم اليهودية، لست الصغرى بن ملوك يهوذا،
لأن منكِ يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل” (مت6: 2؛ ميخا 2: 5).

 

لقد
صدق الشاهد في قوله: “منك يخرج”. لقد خرج عنك إلى كل العالم.

 

الذي
هو كائن، وقبل أن تكون كل الأشياء هو كائن، والدائم والذي يحكم العالم، جاء اليوم
كإنسان لكي يدبر الناس ويخلص الجميع. آه أيها الأعداء… من الذي أعلن أنه وُلد في
بيت لحم؟!

 

من
الذي أخبر أنه يرقد في مزود؟! من الذي أشار بغير قصد إلى المغارة التي كان هو
مختبئا فيها… لقد أعلنوا عمن أرادوا أن يخفوه… لقد هلكوا جوعًا، وهم يطعمون
الآخرين، عطشوا وأعطوا الآخرين ليشربوا، احتاجوا بينما تسببوا في غنى الآخرين.

 

فلنعيد
اليوم!

تعال
إذن لنتأمل العيد. تعال لنقدس هذا العيد المجيد.

 

اليوم
قد بطلت العبودية القديمة، والشيطان قد لُعن، الأرواح الشريرة قد ولت، وسلطان
الموت قد تبدد، والفردوس يُفتح، واللعنة تزول، وخطايانا تُغفر، وأخطاؤنا تُمسح،
والحق يرتد إلينا، والحديث عن الحب ينتشر في كل المسكونة، والحياة السماوية تُوجد
في الأرض، والملائكة تتلاقى مع البشرية بلا خوف، والبشر يتحدثون مع الملائكة.

 

لماذا
يحدث هذا؟

لأن
الله ينزل على الأرض، والإنسان يرتفع في السماء.

على
أي الأوضاع الأمور اختلطت.

 

لقد
جاء على الأرض بالرغم من أنه مازال يملاْ السماء، وإذ يرتفع إلى السماء فإنه بدون
نقص موجود على الأرض.

وبالرغم
من كونه “الله”، صار إنسانًا، ليس بمعنى أنه يحرم نفسه عن كونه
“الله”.

 

ومع
كونه الكلمة غير الملموس، صار جسدًا، حتى يقطن بيننا… لقد اخذ جسدًا، حتى إن ذاك
الذي لا تسعه السماء استقبله المزود اليوم.

 

لقد
وُضع في مزود حتى إن ذاك الذي يعول الكل، يتغذى بطعام الرضع من العذراء أمه.

 

هكذا،
أب جميع الأجيال، كرضيعٍ على الصدر، رضع على يدي العذراء حتى يمكن للمجوس أن يروه
بسهولة.

 

وهكذا
جاء المجوس اليوم، وصاروا بداية الذين يصدرون الطغاة، وقدمت السماء المجد، إذ
أعلنت عن الرب بنجمٍ (في المشرق).

——————————

[1]
تعريب عن
The Sunday Sermons Of
The Great Fathers Vol. 1. p. 110-7

[2]
هذا العنوان والتبويب ليس في الأصل.

[3]
هذه العبارات الثلاثة من أقوال القديس كيرلس السكندري.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى