علم

حياة يوحنا ذهبى الفم



حياة يوحنا ذهبى الفم

حياة
يوحنا ذهبى الفم

وُلد
القديس يوحنا ذهبى الفم في مدينة أنطاكية سنة 354م، في عصر استشرى فيه الفساد
وانتشرت فيه الآثام والمعاصى، حيث كانت تشيع فيه روح البذخ والتنعم والافتخار
بالثروة، وامتلاك القصور والعبيد والإماء، والانهماك في الشهوات والملذات. وكان
القديس يوحنا ذهبى الفم يراقب كل هذا عن كثب، ورغم أن المناخ كان يتسم بالفساد،
إلاّ أنه سلك بالتقوى التي نشأ عليها، وكرّس حياته لنشر كلمة الإيمان، وتحقيق حياة
الفضيلة، والسعى في خلاص النفوس بلا فتور. وفي كل هذا لم يكن يخشى أحدًا مهما كانت
مكانته، بل إنه هاجم أباطرة بسبب سلوكهم غير المستقيم، وأيضًا لم يكن يتردد لحظة
في مقاومة الظلم مهما كلفه هذا من متاعب ولم يثنيه الاضطهاد عن التمسك بمبادئه
والتشبث بالحق.

 

كان
والده قائدًا للجيش، أما أمه وتدعى “أنثوسا” فقد ترملت في سن مبكر جدًا،
وقد رفضت هذه الأرملة الشابة التقية الزواج مرة أخرى وكرّست كل حياتها لتربية
يوحنا تربية روحية مستقيمة. ولقد كان لهذه النشأة الروحية أكبر الأثر في حياته
فيما بعد. فقد مارس حياة النسك فعليًا حتى أثناء تواجده مع أمه. لكن بعد انتقالها،
ترك منزله وتوجه إلى البرية ليقضى 4 سنوات في النسك إلى جوار ناسك سورى، ثم قضى
سنتين بمفرده في احدى المغائر في جبال أنطاكية. لكن تدهور حالته الصحية أجبره على
العودة إلى المدينة (أنطاكية). وقد تعمق في العلوم اللاهوتية أثناء فترة تنسكه
تعمقًا كبيرًا، ظهرت نتائجه في تعاليمه اللاهوتية حتى أنه لُقب بذهبى الفم.

 

في
عام 381م رسم شماسًا، وفي عام 386م رسم كاهنًا، ومن هذه اللحظة بدأ خدمته الحقيقية
ونشاطه المكثف، وصارت له شهرة واسعة، حيث ذاع صيته من خلال عظاته المتميزة وقدرته
على الخطابة. ولم تقتصر خدمته فقط على عمله الوعظى والتبشيرى، لكنه انشغل أيضًا
وبشكل أساسى بأعمال الرحمة في خدمة الفقراء والمعوزين، ولهذا فقد كرّس جزءً كبيرًا
من حياته في خدمة كل مَن له احتياج، الأمر الذي جعله محبوبًا جدًا في كل أنطاكية.
وقد عاش حياة متقشفة، وكان ملبسه خشنًا ومأكله بسيطًا وكان يدوام على افتقاد
الفقراء في بيوتهم ويزور المرضى والمسجونين ليخفف من آلامهم، وبهذا السلوك قد أكد
على أن الحياة التعبدية لا يمكن ولا ينبغى أيضًا أن تكون في عزلة عن الحياة
العملية، وبمعنى آخر لم تكن التقوى عنده بديلاً عن العمل.

 

في
عام 397م وبأمر من الإمبراطور أركاديوس ذهب إلى القسطنطينية، لتقلد الكرسى
البطريركى، فقد أجمع القسوس وكل الشعب على تزكيته لهذا المركز الرفيع على غير
رغبته. وقام برسامته البابا ثافيلوس الأسكندرى سنة 398م. ومنذ ذلك الحين عاد
النظام إلى بطريركية القسطنطينية،

 

فاعتنى
بالحياة الروحية للمؤمنين وكثف من عمله التبشيرى ونجح في ضم كثيرين من الهراطقة
والوثنيين إلى الطريق الأرثوذكسى القويم. وبسبب استقامة رأيه وجرأته في الحق،
تصادم مع كثيرين منهم الإمبراطورة أفذوكسيا والوزير الأول في الإمبراطورية
أفتروبيوس. وقد وُجهت له اتهامات عدديدة وأُجبر على النفى ولكن بسبب زلزال أصاب
المدينة (القسطنطينية) قال البعض إنه حدث بسبب نفيه أمرت الإمبراطورة بعودته من
المنفى. لكن بعد شهرين من عودته اختلف مرة أخرى مع أفذوكسيا، وأُقتيد إلى المنفى،
وكانت أول محطة له هى مدينة كوكوسوس الأرمنية، وبعد وقت قليل صدر أمر آخر بإرساله
إلى مدينة بيتوندا في الضفة الشرقية للبحر الأسود. لكنه لم يصل إلى هناك لأن
الطريق كان طويلاً وشاقًا. وبسبب المتاعب الكثيرة والمعاملة السيئة التي لاقاها،
تنيح في الطريق سنة 407م.

 

وتحتفل
الكنيسة بتذكار نياحته في 17 هاتور 27 نوفمبر.

 

كتابات
القديس يوحنا ذهبى الفم

القديس
يوحنا هو من أكثر الآباء إنتاجًا، حيث تقع مؤلفاته في 17 مجلدًا في مجموعة الآباء
باللغة اليونانية
P.G. 47-64. وقد تنوعت كتاباته بين:

 

عظات
تفسيرية:

+
على سفر التكوين: 8 عظات، تشكل تفسيرًا شاملاً للسفر.

+
شرح المزامير: 58 مزمورًا.

+
سفر إشعياء (6 عظات).

+
إنجيل متى (90 عظة)، تشكل تفسيرًا كاملاً.

+
إنجيل لوقا (7 عظات).

+
إنجيل يوحنا (88 عظة).

+
أعمال الرسل (63 عظة).

+
عظاته على رسائل القديس بولس وهى تشكل نصف عظاته تقريبًا وتشغل الرسالة إلى رومية
النصيب الأكبر من هذه العظات.

 

كتابات
عقائدية:

+
ضد الأنوميين 12 عظة خُصصت للحديث عن الطبيعة الإلهية غير المدركة (‘
Akat¦lhpto tÁj qe…aj fÝshj)

+
12 عظة ” للمعمدين الجدد”.

+
8 عظات ” ضد اليهود”.

 

عظات
في موضوعات متفرقة:

+
عن الرحمة.

+
عن المجد الباطل وكيفية تربية الأولاد.

+
ثم عظات عن الكهنوت (6 كتب عن سمو الكهنوت والمواهب والواجبات التي ينبغى توافرها
فيمَن يتقدمون لنوال سر الكهنوت).

+
عن الحياة الرهبانية.

+
عن الزواج والبتولية

 

عظات
في الأعياد والمواسم:

+
عن ميلاد المخلّص.

+
عن الظهور الإلهى.

+
عن عيد الخمسين.

+
عن صلب المخلّص.

+
عن القيامة.

+
عن الصعود.

+
ثم عظة عن خيانة يهوذا.

 

مديح
للشهداء والأبرار القديسين:

مثل
أيوب، المكابيين، الشهداء الأساقفة القديسين، القديس بولس.

 

رسائل:

+
كتب 236 رسالة ومعظمها أُرسلت من المنفى.

+
17 رسالة إلى الشماسة أولمبيا والتي كانت تعاونه في خدمته.

 

لقد
اهتم القديس يوحنا ذهبى الفم بدراسة رسائل القديس بولس دراسة مستفيضة وقام بتفسير
كل رسائله. ووجد فيها الكثير من التعاليم السامية النافعة لحياة المؤمنين ونموهم
الروحى. وكان لتفاسيره العميقة أكبر الأثر في إنارة أذهان المؤمنين بالكثير من
الحقائق الإيمانية والروحية التي شكّلت طريقة سلوكهم في هذه الحياة، وتمتعهم
بالخلاص الذي أتمه المسيح، وأيضًا بالإطلاع على أسرار ملكوت الله، وحياة الدهر
الآتى، والمكانة العظيمة التي تنتظرهم في ملكوت الله، وغيرها من الأمور الروحية
والإيمانية الهامة. وكان لهذه التفاسير أيضًا أثر كبير في توضيح وشرح بعض المواضع
عسرة الفهم في هذه الرسائل.

 

ولم
يقتصر دور القديس يوحنا ذهبى الفم على مجرد توضيح معانى الرسائل، لكنه كان يتعرض
أيضًا لموضوعات إيمانية وعملية من خلال شرحه لنصوص هذه الرسائل.

 

لقد
كان القديس يوحنا ذهبى الفم بالحقيقة شغوفًا بتفسير رسائل القديس بولس، حيث عكف
على دراساتها دراسة جيدة جدًا، إذ أنها تحوى الكثير من التعاليم المفيدة والنافعة
للجميع. وعلى الرغم من أنه قد درس الفلسفة عند أندراغاثيوس والخطابة عند لبيانيوس،
ونبغ فيهما إلاّ أن أسلوبه في التفسير كان يتميز بالبساطة والوضوح، وفي نفس الوقت
يتسم بالرصانة والدقة.

 

وقد
تجنب ذهبى الفم استخدام المصطلحات الفلسفية المعقدة والعبارات اللاهوتية عسرة
الفهم. كما أنه كان يميل إلى استخدام الأمثلة ليجعل معانى الجزء الذي يشرحه أكثر
وضوحًا وأعمق فهمًا.

ومن
المحتمل أن يكون قد بدأ تفسير هذه الرسائل بحسب ترتيبها من البداية حتى النهاية.

 

إعجاب
القديس يوحنا ذهبى الفم بشخصية القديس بولس وشغفه لتفسير رسائله:

للقديس
يوحنا ذهبى الفم عظات احتفالية تحوى موضوعات خاصة بحياة القديسين وأعمالهم
وجهاداتهم بعضها يخص شخصيات في العهد القديم مثل (أيوب، والمكابيين)، وبعضها خاص
بشهداء مثل (رومانوس، ويوليانوس، وبرلعام، وبلاجية، يوفيندينوس ومكسيميانوس،
لوكيانوس، ذورسيدا، ودومنينا فرنيكى وبروسدوكى)، وبعضها خاص بأساقفة مثل (أغناطيوس،
فافيلاس، فيلوغونيوس، آفستاسيوس، ملاتيوس).

 

ضمن
هذه المجموعة من العظات، تنفرد وتتميز عظاته السبع الرائعة عن القديس بولس. وقد
عبّر القديس يوحنا ذهبى الفم في هذه العظات عن تقديره البالغ واعجابه الشديد
بشخصية الرسول بولس.

 

في
العظة الأولى يعرض الفضائل الكثيرة التي كان يتمتع بها الرسول بولس. وفي العظة
الثانية أكد على أن القديس بولس قد أظهر من خلال حياته وأعماله إلى أى مدى من
السمو يمكن أن تصل الطبيعة الإنسانية.

 

وفي
العظة الثالثة يصف العقبات الكثيرة والمشاكل المتعددة التي واجهها الرسول بولس
بشجاعة نادرة، وأيضًا المحبة التي أظهرها تجاه كل مخدوميه.

 

وفي
العظة الرابعة يتحدث عن العودة من دمشق، والعمى الروحى الذي أصاب العبرانيين.

 

أما
في العظتين الخامسة والسادسة فيتحدث عن النصرة على الشهوات وعلى الخوف من الموت.

 

في
العظة السابعة والأخيرة يُقدِّم الرسول بولس كارزًا بالمسيح المصلوب ومفتخرًا
بعلامة الصليب في كل مكان ذهب إليه.

 

لقد
كانت غيرة القديس يوحنا ذهبى الفم لتفسير رسائل الرسول بولس غيرة قوية جدًا، وهذا
راجع إلى إعجابه الشديد بشخصية هذا الكارز العظيم. وفي الواقع لا نجد أحد قد درس
كتابات القديس بولس وارتبط بشخصه كما فعل ذهبى الفم. حتى أنه في تفسيره لرسالة
رومية يقول: ” كثيرًا ما اتخيله حاضرًا أمامى واعتقد أننى أراه يتكلم”
وقد كانت هناك بالفعل بعض أوجه الشبه بين القديس بولس والقديس يوحنا ذهبى الفم،
فقد كان ذهبى الفم يحمل نفس كارزة كنفس القديس بولس، كما كانت لديه الغيرة عينها
لخلاص النفوس مثل تلك التي كانت لمعلمه القديس بولس، كما كانت له نفس الجرأة في
مواجهة المتسلطين، وله ذات الرحمة بالفقراء والمحتاجين. أيضًا كان كل منهما قد قضى
عدة سنوات في العزلة والتوحد، القديس بولس في الصحراء (العربية)، والقديس يوحنا في
البرية لمدة أربع سنوات، ثم متوحدًا لمدة سنتين.

 

قدم
القديس يوحنا ذهبى الفم تفسيرًا لرسالة بولس الرسول إلى أهل رومية في مجموعة عظات
كانت قد أُلقيت بمدينة أنطاكية ربما في عام 394م. وقد خصص الست عظات الأولى والجزء
الأكبر من العظة السابعة للمقدمة ولتفسير الاصحاحين الأول والثانى.

 

+
في العظة الأولى: تعرض لزمن كتابة الرسالة بالإشارة إلى باقى رسائل الرسول بولس،
وفيها أيضًا يؤكد على أن الجهل بالكتب المقدسة يثير كثير من المشاكل ويخلق كثير من
الأزمات ويُنهى العظة بحث المؤمنين على أداء مسئولياتهم من جهة الخدمة سواء
بالتعليم أو بتصحيح أفكار كل مَن نعرفهم وبالأخص الزوجة والأولاد والأصدقاء
والأقارب والجيران، مقتدين في ذلك بالرسول بولس، ذلك الكارز العظيم الذي احتضن كل
المسكونة وجال يبشر بخلاص المسيح المقدم مجانًا لكل البشرية.

 

+
في العظة الثانية (رو1: 17): يتكلم عن محبة الله، عن التبنى، وعن هبات الله وأن
هذه الهبات هى هبات ثابتة لا تتغير بل تبقى حتى بعد الموت، وعلى العكس من ذلك،
يشير إلى الأمور الإنسانية التي هى بطبيعتها أمورًا مؤقتة ومتغيرة. ثم يحث
المؤمنين على تجنب الشرور واقتناء الفضيلة.

 

+
في العظة الثالثة (رو8: 117): يُشدد القديس يوحنا ذهبى الفم على ضرورة أن نقبل كل
شئ بإيمان، وعلى أهمية أن ننفذ وصايا الله بدون أن نفحصها كثيرًا، بل أن نخضع لها
خضوعًا تامًا، حتى ولو بدت هذه الوصايا غير مقبولة للفكر البشرى.

 

+
في العظة الرابعة (رو18: 125): يتوجه بكلامه للفلاسفة الوثنيين متحدثًا عن مراحم
الله وطول أناته ويُنهى العظة بالحث على ضبط الإنفعالات وخاصةً الغضب والشهوة.

 

+
في العظة الخامسة (رو26: 127): يُشير إلى مضاجعى الذكور والعقاب الذي يستحقونه،
والعلاقات الشاذة سواء بين الرجال أو بين النساء، ثم يتحدث عن الدينونة وعن جهنم،
ويعطى مثالاً بدينونة أهل سدوم وعمورة وما حدث فيها من تدمير، وذلك بسبب الشر الذي
تزايد أمام الله. ويُنهى العظة بضرورة تجنب الحياة الرخوة، وأن نضع في قلوبنا
مخافة الله على الدوام.

 

+
في العظة السادسة (رو28: 116: 2): يستكمل الحديث عن الدينونة وعن الجحيم، وعن
كيفية الخلاص منهما، وفيها أيضًا يتحدث عن محبة الله الغنية لكل البشر.

 

+
في العظة السابعة (رو17: 2، 8: 3): يتحدث عن معلّمى الناموس، وعن ضرورة أن يقترن
التعليم بحياة الفضيلة، حتى ينجح العمل. وأيضًا يشير إلى المعنى الحقيقى للختان،
وأن الختان في الظاهر في اللحم ليس ختانًا حقيقيًا، بل أن ختان القلب بالروح هو
الختان الحقيقى.

 

يقع
تفسير الرسالة إلى رومية في 33 عظة، وهذه العظات تُشكّل، أروع تفسير لهذه الرسالة
في العصر الآبائى.

 

وقد
كتب إيسيذورس الفرمى (القرن الرابع) ” أن القديس يوحنا ذهبى الفم في تفسيره
لهذه الرسالة قد فتح كل كنوز حكمته وأفاض علينا منها، حتى أن القديس بولس نفسه لو
أنه أراد تفسير هذه الرسالة فإنه لن يفسرها بصورة تختلف عن تفسير القديس يوحنا
ذهبى الفم لها “.

 

يبدأ
هذا التفسير وينتهى بمديح للقديس بولس، وفي الوسط تظهر عظمة القديس يوحنا ذهبى
الفم كمفسر، وكراعى مهتم ليس فقط بأمور شعبه الروحية بل بطريقة سلوكهم المسيحى في
المجتمع الذي يعيشون فيه.

 

ترجمة
مبكرة لهذه العظات

وفي
محاولات القديس أغسطينوس كى يبرهن على أن القديس ذهبى الفم لم يكن له أفكار
بيلاجية كما ادعى خصومه عرض أجزاء من العظة العاشرة من تفسيره لرومية، الأمر الذي
يعنى أنه ربما كانت هناك ترجمة لاتينية لتفسير هذه الرسالة تمت في وقت لاحق.
وبالإضافة إلى التفسير الكامل للرسالة توجد خمسة عظات أخرى على بعض الشواهد
المتفرقة من نفس الرسالة في مجموعة الآباء اليونانيين (
p.g. 51,155-208).

—————

D.G.Ts£mhj. “
Ekklhsiastik» Grammatolog…a “. Qes n…kh 1992, sel.163-164
.

المرجع
السابق، ص165.

P.G. 50, 473-514.

4
انظر مقدمة القديس يوحنا ذهبى الفم، ص 43.

عن
كتاب “في الكهنوت أحاديث عن الزواج…” منشورات النور بيروت 1982، ص9،
10.

P.G. 60,391-682.

7
is…dwroj o phlousièthj Epistol»
5,32

Adv.Julianum 1,27.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى