علم

الطلاق



الطلاق

الطلاق

يوحنّا
ذّهبيّ الفم

“المرأة
مرتبطة بالنّاموس ما دام رجلها حيّاً، ولكن إن رقد رجلها فهي حرّة لكي تتزوّج بمن
تريد في الرّبّ فقط. ولكنّها أكثر غبطة إن لبثت هكذا”. (1كو39: 7-40)

هلمّ
نتبع بولس الرّسول متحدّثين عن قانون الزّواج هذا فإنّنا بسيرنا في إثره نتبع
المسيح، لأنّ الرّسول لم يعبّر في كتاباته عن آراء شخصيّة له بل كان مطابقاً دوماً
لما شاءه المسيح.

 

ما
هو هذا القانون الذي يقيمه بولس الرّسول؟ يقول: “المرأة مرتبطة
بالنّاموس” فهي إذن لا تستطيع أن تترك زوجها طالما زوجها على قيد الحياة، كما
أنّه لا يجوز لها أن تأخذ لنفسها زوجاً آخر ولا أن تتزوّج ثانياً بينما زوجها
الأوّل لا يزال حيّاً. أرغب إليكم أن تنتبهوا جيّداً إلى دقّة التّعابير التي
يستعملها بولس الرّسول، لم يقل “تقيم المرأة مع رجلها طالما رجلها حيّ”
بل قال “المرأة مرتبطة بالنّاموس ما دام رجلها حيّاً”. ليكن لديها كتاب
طلاق، لتكن منفصلة عن زوجها جسداً وأموالاً، ولكنّها رغم ذلك لا تزال مرتبطة
برجلها بالنّاموس، وإن أقامت مع رجل آخر فهي في حالة زنى. فإن كان رجل يريد أن
يطلّق زوجته أو امرأة تودّ أن تطلّق زوجها، فليذكر كلّ منهما كلمات النّاموس،
وليعلم الاثنان أنّ بولس الرّسول واقف لهما يردّد هذه الكلمات: “المرأة
مرتبطة بالنّاموس”.

 

متى
تستطيع المرأة أن تعقد زواجاً جديداً؟.. إنّها لا يحقّ لها ذلك إلا حين يكون
رباطها السّابق قد انفكّ عقده، حين يكون رجلها قد فارق الحياة. ولنلاحظ هنا عبارة
بولس الرّسول، فإنّه لا يقول “حين يكون زوجها قد مات” بل “حين يكون
زوجها قد رقد” كأنّما يريد أن يعزّي المرأة وأن يحثّها على البقاء على ما هي،
ولاء لزوجها، دون أن تفتّش عن زواج ثان. وعلى كلّ حال فهي “حرّة لكي تتزوّج
بمن تريد”.

 

لم
يقل “لتتزوّج من تريد” فإنّ الزّواج ثانية ليس ضرورة ولا أمر به
النّاموس، بل كلّ ما يذكره النّاموس هو حريّة المرأة في حالة وفاة زوجها في أن
تتزوّج ثانية أو أن لا تتزوّج مطلقاً. إلا أنّه لا تزال المرأة قبل هذه الوفاة
مرتبطة بالنّاموس، بمعنى أنّها لا تصبح حرّة إلا بموت زوجها. وقبل ذلك، مهما كان
لديها من وثائق الطّلاق فإنّها إن تزوّجت ثانية يكون عملها في حكم الزّنى. يستطيع
الخدم أن يستبدلوا ساداتهم أثناء حياتهم، أمّا النّساء فلا تستطعن ترك رجالهنّ إلى
غيرهم إلا بعد وفاتهم.

 

ولا
تعترضوا عليّ متمسّكين بالقوانين المدنيّة التي تمنحكم أحكام الطّلاق، فالله لن
يحاكمكم في اليوم العظيم بموجب القوانين المدنيّة بل وفق النّاموس الذي أقامه هو.

 

والنبيّ
موسى؟.. قد تقولون لي إنّ موسى أجاز الطّلاق، أمّا أنا فأجيبكم مع المسيح: “إن
لم يزد برّكم على الكتبة والفرّيسيّين لن تدخلوا ملكوت السّموات” (متى 20: 5)
وأقول لكم معه أيضاً: “إنّ من طلّق امرأته إلا لعلّة الزّنى يجعلها تزني ومن
يتزوّج مطلَّقة فإنّه يزني”.

 

إن
كان ابن الله الوحيد قد نزل إلى الأرض آخذاً صورة عبد، وإن كان قد أراق دمه الكريم
غالباً الموت وماحياً الخطيئة، وإن كان قد أفاض على البشريّة نعماً أغزر منها تحت
النّاموس القديم، فإنّه لم يفعل ذلك إلا ليصعد بنا إلى كمال أعظم. ومن جهة أخرى،
لم يكن موسى ليدخل الطّلاق على الشّريعة خلافاً لأحكام النّاموس، إلا تساهلاً دعته
إليه ضعفات الشّعب اليهوديّ. وما من أحد يجهل سرعة إقدام اليهود في ذلك العصر على
القتل، والسّهولة التي كانوا يريقون بها دماء أقربائهم أيضاً. فأفضل من أن يعمدوا
إلى قتل نسائهم في بيوتهم حين يضيقون بهم ذرعاً، أتاح لهم موسى الطّلاق مقيماً
إيّاه بدل القتل. وحين سأل اليهود المسيح: “لماذا أوصى موسى أن يعطي كتاب
طلاق”، أراد أن يؤكّد لهم أن ليس في هذا ما يخلّ بالنّاموس فأجابهم: “إنّ
موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلّقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن
هكذا” (متى 7: 19-8)، وقال لهم قبل ذلك: “إنّ الذي خلق من البدء خلقهما
ذكراً وأنثى”. فلو كان الله يجيز الطّلاق والزّواج ثانية لكان خلق لآدم
امرأتين، إحداهما زوجة والأخرى لتحلّ مكانها في حالة طلاقها. إلا أنّ مبدأ الخليقة
صريح واضح، وهو بذاته النّاموس الذي أقامه المسيح وكمّله، والذي أسمعكم إيّاه
اليوم.

 

ألا
فنتّبع ناموس المسيح ولنمتنع عن ترك نسائنا وعن الزّواج بالمطلَّقات… كيف يقدم
المرء على زواج ممنوع في الوقت الذي يرى فيه أمامه إمكانيّات زواج لا غبار عليه،
يستطيع أن يعيش به حياة هادئة بنقاوة ضمير وراحة؟… بأيّ قول يجيب على حكم الله
الأخير حين يضع العليّ أمامه أوامره الإلهيّة؟… لن يجد في تلك السّاعة قوانين
مدنيّة يستند إليها، فيسير إلى النّار المؤبّدة مكبّل اليدين ليلتحق بمصاف الزّناة
والذين لم يراعوا عند الآخرين حقوق الزّواج.

 

إن
كان بولس الرّسول لا يكاد يمنح إذناً للمرأة بالزّواج بعد وفاة زوجها إلا بصعوبة
جمّة وأسف شديد، فعلى أيّ شيء يستند من يُقدم على الزّواج بامرأة لا يزال رجلها
حيّاً يرزق؟.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى