علم

الباب الثالث: مقالاته عن الأسرار



الباب الثالث: مقالاته عن الأسرار

الباب
الثالث: مقالاته عن الأسرار

(المعمودية.
سرّ الميرون. ليتورجيا الإفخارستيا)

المقال
التاسع عشر[1]: الأسرار (1): المعمودية

مع
درس من رسالة بطرس الأولى: “تعقلوا واصحوا”… (إلى آخر الرسالة)

فاعلية
عمادكم

1.
كنت من زمن بعيد أرغب أن أعظكم بخصوص هذه الأسرار السمائية والروحية، أيها الأولاد
الحقيقيون الأعزاء، لكن حيث علمت جيدًا أن الرؤية أكثر إقناعًا من السمع، فقد
انتظرك إلى الوقت الحاضر. فإذ أجدكم مفتوحي الذهن تتأثرون بكلماتي بسبب خبرتكم
الحالية “فأقودكم” بيدكم إلى روضة الفردوس المنيرة الذكية التي أمامنا.
خصوصًا وقد جُعلتم متأهلين لتناول الأسرار المقدسة بعد أن وُجدتم جديرين بالعماد
المقدس المعطى للحياة. وحيث ينبغي أن نبسط أمامكم مائدة من أكمل التعاليم، فدعوني
أعلمكم هذه الأشياء بتدقيق حتى تعلموا بفاعلية ما قد عُمل لكم مساء عمادكم.

 

كأنكم
أمام الشيطان تجحدونه

2.
فأولاً دخلتم دهليز المعمودية، وهناك اتجهتم نحو الغرب، وأنصتّم للأمر ببسط
أيديكم، وكأنكم أمام الشيطان تجحدونه. يجب أن تعلموا أن هذه الصورة وُجدت في العهد
القديم. فإن فرعون ذلك الظالم القاسي المرّ مُضطهد لشعب العبرانيين الحر الأصيل،
وأرسل الله موسى ليخرجهم من العبودية المكروهة، حينئذ مسحوا قوائم الأبواب بدم
حمل، حتى هرب المُهلك من البيوت التي عليها علامة الدم. ونجا العبرانيّون بمعجزة،
فتبعهم العدو بعد نجاتهم ونظروا البحر ينشطر لهم، ومع ذلك تقدم تابعًا خطواتهم وفي
الحال غرقوا في البحر الأحمر.

 

بين
الخروج والعماد

3.
ولننتقل من القديم إلى الجديد، من الرمز إلى الحقيقة، فهناك أُرسِل موسى من الله
لمصر. هنا أرسل الله ابنه الوحيد يسوع المسيح إلى العالم.

 

هناك
يقود موسى شعبًا مضطهدًا ويخرجهم من مصر. وهنا يُخلص المسيح الذين ظُلموا في
العالم بالخطية.

 

هناك
دم حمل بمثابة التعويذة ضد المهلك. وهنا دم الحمل الذي بلا عيب يسوع المسيح يُرعب
الأرواح الشريرة.

 

هناك
كان الظالم يتبع الشعب القديم حتى إلى البحر. وهنا الروح الحاسد الشائن أصل الشر
يتبعكم حتى ينابيع الخلاص. الظالم القديم غرق في البحر. وهذا الحاضر يتبعكم في
مياه الخلاص ويختفي فيها.

 

أجحدك
أيها الشيطان

4.
مع ذلك تأمرون بالقول بذراع ممدودة نحوه كأنه حاضر “أجحدك أيها الشيطان”
أريد أن أقول إنكم تقفون مواجهين الغرب، لأنه ضروري مادام الغرب منطقة الظلام
المحسوس. ولما كان هو في الظلام، فسيطرته هي في الظلام. لذلك تنظرون إلى الغرب
بمعنى رمزي، تجحدون ذلك المسيطر المظلم الكئيب.

 

فماذا
إذن؟ كل منكم وقف وقال “أجحدك أيها الشيطان” أيها الظالم القاسي الشرير،
بمعنى إنني لا أخاف قوتك بعد الآن لأن المسيح قد قهرك، إذ شاركني في اللحم والدم،
وبالموت داس الموت، حتى لا أكون تحت العبودية إلى الأبد.

 

“أجحدكِ”
أيتها الحيّة الخبيثة الماكرة. “أجحدك” بمؤامراتك تحت قناع الصداقة، إذ
اخترعتِ كل مخالفة وكل عمل مارق لأبوينا الأولين.

 

“أجحدك
أيها الشيطان” الصانع لكل سوء والمحرض عليه.

 

وكل
أعمالك

5.
وفي عبارة ثانية تتعلم أن تقول “وكل أعمالك” فكل أعمال الشيطان خطية،
يجب أن تنبذها كإنسان هرب من الظالم ومن أسلحته أيضًا بالتأكيد. فكل الخطايا بجميع
أنواعها تدخل في أعمال الشيطان. اعلم هذا فقط أن كل ما نقوله في هذه الساعة
الرائعة يُكتب في كتب الله. فإذا صنعت شيئًا بعكس هذه المواعيد تُحاكم كمخالف.
إذًا فقد نبذت أفعال الشيطان، أعني كل الأعمال والأفكار ضد التعقل.

 

وكل
قوتك

6.
ثم تقول: “وكل قوتك” والآن كل قوة الشيطان هي جنون المسارح وسباق الخيل
والصيد وكل أمثال هذا الباطل، الذي يطلب القديس من الله أن ينقذه منها، فيقول:
“حول عيني عن النظر إلى الباطل”[2]. لا تسروا أيها الأحباء بجنون
المسارح. حيث تشاهد الإشارات العابثة للاعبين، مصحوبة بالاستهزاء وبما لا يليق،
ورقص الرجال المخنثين المهووس. وفي جنونهم في الصيد يعرّضون أنفسهم للحيوانات
المتوحشة حتى يُشبعوا هواياتهم التعسة. والذين لكي يشبعوا بطونهم من اللحم يصبحون
حقًا لحمًا لبطون الوحوش.

 

ولنتكلم
بالعدل من أجل إلههم (بطونهم)، فيرمون حياتهم بتهورٍ في منافسات فردية. تحاشى
أيضًا سباق الخيل المدمر للنفس بمنظره الجنوني. فكل هذه قوة الشيطان!

 

أطعمة
باسم الشيطان

7.
علاوة على ذلك الأشياء المعلقة في ميدان ومهرجان الأصنام. أما اللحم أو الخبز أو
الأشياء الأخرى النجسة بتلوات الأرواح النجسة تحسب في سلطان الشيطان.

 

لأن
الخبز والخمر للمتناولين قبل سرّ حلول الثالوث القدوس كانا خبزًا وخمرًا عاديين
بينما بعد الحلول يصير الخبز جسد المسيح، وهكذا في مثل هذه الأحوال. هذه الأطعمة
تخص “قوة الشيطان” ولو أنها بسيطة في طبيعتها لكنها تصير دنيوية بتلوات
روح الشر.

 

وكل
خدماتك

8.
بعد هذا نقول “وكل خدماتك”، فخدمات الشيطان هي الصلاة في هياكل الأصنام
والأشياء التي تعمل لإكرام الأصنام التي بلا حياة: إيقاد المصابيح أو إحراق البخور
بجانب الأنهار والينابيع، أو كما يُخدع بعض الأشخاص بالأحلام أو بالأرواح الشريرة.
(يتعهّدون بهذا) ظانين أنهم يجدون دواء حتى لعللهم الجسدية.

 

لا
تذهب وراء هذه الأشياء: مراقبة الطيور (التطّير)، أو علم الغيب، أو الفأل، أو
الأحجبة أو السحر المكتوب على أوراق الشجر، أو التنجيم، أو أي فن شرير… الكل من
خدمات الشيطان، لذا تجنبهم. لأن بعد جحد الشيطان وشركتك مع المسيح، إن سقطت تحت
تأثيرهم، ستجد الظالم أشد مرارة. لأنه عاملك في الماضي كأنك ملكه وأراحك من
عبوديته القاسية. لكنه الآن وقد آثار حنقه عليك، وهكذا تُمنع من المسيح وتجرب من
الآخر. ألم تسمع بالتاريخ القديم الذي يخبرنا عن لوط وبناته؟ عندما وصل إلى الجبل
بينما تحوّلت زوجته إلى عمود ملح، واقفة كالتمثال إلى الأبد تذكارًا لإرادتها
الفاسدة واستدارتها للوراء. لذلك خذ حذرًا لنفسك، “لا تلتفت إلى ما
وراء” (في 2: 13) مادمت قد وضعت يدك على المحراث. لا تلتفت إلى الوراء لطعم
الملح في أمور هذه الحياة. لكن اهرب إلى الجبل للمسيح يسوع، الحجر الذي لم يُنحت
بأيادٍ، الذي ملأ العالم.

 

التحول
من الغرب إلى الشرق

9.
لذلك عندما جحدت الشيطان وكسرت كل عهودك معه. (هذا الميثاق القديم مع الهاوية إش
28: 15) هناك انفتح لك باب فردوس الله الذي زرعه نحو الشرق، حيث طُرد أبونا الأول
لتعدّيه. ويرمز لهذا بالتحول من الغرب إلى الشرق إلى مكان النور، حينئذ أُخبرت أن
تقول: “أؤمن بالآب والابن والروح القدس، وبمعمودية واحدة لمغفرة
الخطايا”.

 

خلعتم
الإنسان العتيق وستحفظون اليوم المقدس

10.
أما الآن وقد تحصنت بهذه المقالات، فتعقل “لأن إبليس خصمنا” كما قُرئ
الآن “كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه”. ولو أن الموت كان في الأزمنة
الماضية قويًا ومبيدًا، ففي غسل الميلاد المقدس “يمسح السيد الرب الدموع عن
كل الوجوه” (إش 35: 15). لأنكم لن تنوحوا بعد إذ خلعتم الإنسان العتيق
وستحفظون اليوم المقدس. “قد ألبسني لباس الخلاص” حتى يسوع المسيح.

 

إعلان
عن المقالات القادمة

11.
كل هذه الأمور عُملت في الحجرة الخارجية. لكن إذا أراد الله في المقالات المتتابعة
عن الأسرار لما دخلنا إلى قدس الأقداس، سنتعلم معنى الأمور التي تمت هناك.

 

ولنقدم
إلى الله الآب والابن والروح القدس المجد والعظمة إلى أبد الآبدين آمين.

—————-

[1]
ترجمة السيدة يان جرجس فيلوثاؤس.

[2]
مز 119- 37 (بيروتى) في الترجمة القبطية “أردد عيني لئلا تعاين
الأباطيل”.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى