علم

الباب الثاني: مقالاته لطالبي العماد



الباب الثاني: مقالاته لطالبي العماد

الباب
الثاني: مقالاته لطالبي العماد

المقال
الأول[1]: اغتسلوا، تنقوا

“اغتسلوا،
تنقوا، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عيني…” (إش 1: 16)

1.
السماء تفرح بكم!

يتوق
تلاميذ العهد الجديد وشركاء أسرار المسيح أن يكون لهم قلب جديد وروح جديد، ليس
بحكم عملهم بل وبالنعمة أيضًا، إذ تعم السعادة سكان السماء. لأنه إن كان كقول
الإنجيل: “يكون هناك فرح من أجل خاطئ واحد يتوب” (لو 15: 7)، فكم
بالأكثر يسعد سكان السماء بخلاص نفوس كثيرة؟! إذ كما لو كنتم داخلين ممرًا صالحًا
مجيدًا، راكضين بوقار في جهادٍ وورعٍ.

 

إن
ابن الله الوحيد حّال هنا، ومستعد على الدوام أن يخلصكم، قائلاً: “تعالوا
إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم” (مت 11: 28).

 

يا
لابسي ثوب المعاصي الدنس، أيها المقيّدون بحبال خطاياكم، أنصتوا إلى صوت النبي
القائل: “اغتسلوا، تنقوا، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عيني” (إش 1: 16)،
فإن طغمات الملائكة تترنم بسببكم قائلة: “طوبى لمن غفر إثمه، وسُترت
خطيته” (مز 32: 1).

 

يا
من تضيئون مشاعل الإيمان، لا تسمحوا لها أن تنطفئ بين أيديكم حتى يهبكم – ذاك الذي
قديمًا على جبل الجلجثة المقدس فتح باب الفردوس للص بسبب إيمانه – أن تسبحوا ترنيمة
العرس.

 

2.
اخلعوا الإنسان العتيق

 إن
كان بينكم من هو عبد للخطية، فليستعد بالإيمان استعدادًا تامًا للميلاد الجديد في
الحرية والتبني. وبخلع عبوديته لخطاياه المرذولة وارتدائه عبوديته للرب المطوّبة،
يصير أهلاً لميراث ملكوت السماوات.

 

اخلعوا
“الإنسان العتيق الفاسد حسب شهوات الغرور” (أف 4: 22) بالاعتراف، حتى
تلبسوا “الإنسان الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه” (كو 3: 10).

 

بالإيمان
خذوا “عربون الروح القدس” (2 كو 1: 22) “لكي يقبلوكم في المظال
الأبدية” (راجع لو 16: 9).

 

تعالوا
لتنالوا الختم السري حتى يعرفكم السيد بسهولة، وتكونوا محصيين بين قطيع المسيح
المقدس الروحاني، ويكون مكانكم عن يمينه، فترثوا الحياة المعدة لكم. أما هؤلاء
اللابسون ثوب خطاياهم الدنس فيبقون عن يساره، إذ لم يقتربوا بالمسيح إلى نعمة الله
في الميلاد الجديد بالمعمودية. وإنني لا أعني بالميلاد الجديد ميلادًا جسديًا، بل
ميلادًا روحيًا جديدًا للنفس، فوالدانا المنظوران يلدوننا حسب الجسد، أما أرواحنا
فتُولد ميلادًا جديدًا بالإيمان. إذ “الريح تهب حيث تشاء” (يو 3: 8).

 

عندئذ
متى وُجدتم مستحقين، تسمعون الصوت القائل: “نعمًا أيها العبد الصالح
والأمين” (مت 25: 21)، وذلك إن كان ضميركم غير ملوث بدنس الرياء.

 

3.
اخلعوا الرياء

إن
ظن أحد الحاضرين في نفسه أن يجرب الله، فإنه يخدع نفسه ولا يختبر قوة الله.

 

تحرر
يا إنسان من الرياء، وذلك من أجل فاحص القلوب والكُلى (مز 7: 9).

 

وكما
أن الذين يتقدمون للحرب يفحصون أعمار المتقدمين للخدمة العسكرية ويختبرون لياقتهم
البدنية، هكذا يختبر الرب نيّات الأرواح المجندة (ضد إبليس)، فإن وُجد في إحداها
رياء خفيًا يطردها، إذ لا تصلح لخدمته الحقيقة، أما إن رأى من تستحق فإنه للحال
يهبه نعمتها.

 

إنه
لا يعطى القدس للكلاب (مت 7: 6)، لكن من رأى فيه ضميرًا صالحًا يهبه ختم الخلاص،
الختم الذي يرعب الشياطين وتعرفه الملائكة، يهرب منه الأولون، ويتطلع إليه الآخرون
كأقرباء… لذلك يليق بمن يتقبل هذا الختم الروحي المخلص أن تكون له الأخلاق
اللائقة به. وكما أن القلم والسهم يحتجان إلى من يستخدمها، هكذا تحتاج الخدمة إلى
أذهان مؤمنة تستخدمها.

 

4.
تأمل عظمة المركز الجديد

 إنك
لا تتقبل درعًا فاسدًا، بل درعًا روحيًا!

منذ
الآن تُزرع في فردوس غير منظور!

إنك
تتسلم اسمًا جديدًا لم يكن لك من قبل، إذ كنت تُدعى موعوظًا، أما الآن فمؤمنًا!

 

 من
الآن فصاعدًا تُطعم في زيتونة روحية (رو 11: 24)، إذ قُطعت من الزيتونة البرية،
وطُعِّمت في الزيتونة الجيدة. نُزعت من الخطايا إلى البرّ، ومن الأدناس إلى
النقاوة.

 

ها
أنت تصير شريكًا في الكرمة المقدسة! (يو 15: 1، 4، 5) حسنًا فإن ثبّت في الكرمة
تنمو كغصنٍ مثمرٍ، وإن لم تثبت فيها تهلك بالنار.

 

إذن
لتحمل ثمرًا باستحقاق! فلا يسمح الله أن يحل بك ما حلّ بشجرة التين العقيمة (مت
21: 19)، إذ لم يأتِ بعد المسيح (للدينونة)، ولا لعننا بسب عُقمنا.

 

لتكن
لنا القدرة أن نقول: “أما أنا فمثل زيتونة مثمرة في بيت الله، توكلت على رحمة
الله إلى الدهر والأبد” (راجع مز 52: 8)، وهنا لا نفهم الزيتونة بمعناها
المادي، بل نفهمها ذهنيًا بكمال النور.

 

فإن
كان الله يزرع ويسقي[2]، فإنه يليق بك أن تأتي بثمار. الله يهب نعمته، وأنت من
جانبك تتقبلها وتحافظ عليها.

 

لا
تحتقر النعمة من أجل مجّانيتها بل اقبلها واكتنزها بورع.

 

5.
جاهد لتنال أكثر

 الآن
وقت للاعتراف. اعترف بما تقترفه بالقول أو بالعمل، نهارًا وليلاً. اعترف في وقت
مقبول وفي يوم خلاص (2 كو 6: 2)، فتتسلم الكنز السماوي.

 

كرِّس
وقتك للتلاوات، واظب على التعليم، تذكر ما تتلقنه، لأن ما يُقال لك هو ليس لأذنك
فحسب، إنما بالإيمان اختمه في ذاكرتك.

 

 أمحِ
من ذهنك كل اهتمام أرضي[3]، فإنك تركض من أجل نفسك، إنك تطلب أمور العالم فقط،
وهذه قليلة بينما يهبك الله الأمور العظيمة!

 

أطلب
الأمور الحاضرة، لكن لتكن ثقتك في الأمور المقبلة.

 

العلّك
ركضت حلقات من السنين هذا عددها منهمكًا في العمليات الباطلة، ولا تتفرغ في
الأربعين يومًا للصلاة[4] من أجل نفسك؟!

 

يقول
الكتاب: “كفوا واعلموا أني أنا الله” (مز 46: 10).

 

اعف
نفسك من التفوّه بكلمات كثيرة باطلة، وامتنع عن الوشايات، ولا تمل أذنك إلى
النمامين، بل بالأحرى كن متأهبًا للصلاة، وليظهر قلبك متشددًا في التدبير النسكي.

 

نقِ
كأسك لتقبل فيضًا أكثر من النعمة! حقًا إن غفران الخطايا يوهب للجميع بالتساوي،
لكن شركة الروح القدس تُوهب حسب إيمان كل إنسانٍ. فإن كنت تعمل قليلاً تنال
قليلاً، وإن كثيرًا تكسب مكافأة عظيمة.

إذن
اركض لأجل نفسك واهتم بها.

 

6.
نصائح ووصايا

 إن
كان لك شيء على أحد أصفح عنه. فإذ تأتي هنا لنوال غفران خطاياك يلزمك أن تصفح لمن
أخطأ ضدك. وإلا فبأي وجه تقول للرب: “اغفر لي خطاياي الكثيرة”، إن كنت
لا تصفح عن أخطاء العبد رفيقك القليلة؟!

 

واظب
على اجتماعات الكنيسة بنشاطٍ، ليس فقط في هذه الوقت حيث يطالبك الكهنة بالمثابرة
على الحضور، بل وبعد أن تنال النعمة، لأنه إن كنت قبل نوالها تعمل عملاً صالحًا،
أفما يليق بالأكثر بعد نوالها؟! إن كنت وأنت لم تُطعم بعد لك فرصة آمنة لكي تُسقى
ويُعتنى بك، فكم بالأولى بعد تطعيمك؟!

 

صارع
من أجل نفسك، خاصة في مثل هذه الأيام. أنعشها بالقراءات المقدسة، إذ يعد الرب لك
مائدة روحية. عندئذ تقول مع المرتل: “الرب راعيّ فلا يعوزني شيء، في مراعٍ
خضرٍ يربضني، إلى مياه الراحة يوردني، يرد نفسي” (مز 23: 1-3)، حتى الملائكة
أيضًا تشاركك فرحتك، والمسيح نفسه رئيس الكهنة الأعظم إذ يتقبل صدق عزيمتك يُحضرك
أمام الآب قائلاً: “ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم الله” (عب 2: 13؛ إش
8: 18).

 

 ليحفظك
الرب موضع سرور في عينه، هذا الذي له المجد والسلطان إلى دهر الدهور الأبدية. آمين

—————-

[1]
العنوان الأصلي: أول مقال تعليمي لأبينا القديس كيرلس رئيس أساقفة أورشليم إلى
الذين يستنيرون، ألقاها ارتجالياً كمقالٍ موجه للمتأهبين لقبول العماد.

[2]
يقول الرسول: “أنا غرست وأبلوس سقى، لكن الله ينمي” (1 كو 6: 3). نسب
القديس كيرلس الغرس والسقي للَّه العامل الذي ينمى الزرع.

[3]
الترجمة الحرفية “بشري”.

[4]
محذوفة في بعض النسخ.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى