علم

نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا



نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا

نعمل
الإنسان على صورتنا كشبهنا

كيرلس
الأسكندرى

صيغة
الجمع في الآية ” نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا

من
كتاب حوار حول الثالوث ج2 الحوار الثالث صفحة 25

الكتاب
عبارة عن حوار بين القديس كيرلس و ارميا

كيرلس:
انتبه إذًا، إن أردت، أيها الصديق إلى ما يقوله موسى النبى، الذي يتحدث إلى طبيعة
الله البسيطة غير المركبة بصيغة الجمع. لأنه يمكننا إن انتبهنا قليلاً أن نرى
ثلاثة أقانيم في طبيعة ألوهية واحدة

إرميا:
أريد أن أعرف بالضبط معنى ما تقول. تكلم معى إذًا بإيضاح أكثر.

 

كيرلس:
أليس حقيقيًا أنه وهو يكتب أول كتبه إلينا (التكوين) يشير إلى أن الله هو خالق
الكل؟ يقول إذًا إن الله بعدما خلق كل الخليقة، فإنه فقط عندما خلق الإنسان قال
” نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا ” وبعد ذلك بقليل أضاف ” فخلق
الله الإنسان على صورته

 

إرميا:
لقد فهمت.

 

كيرلس:
وعندما أراد البعض عن جهل أن يبنوا برجًا يصل إلى السماء قال رب الكل ” هلُّم
ننزل ونبلبل هناك لسانهم “. مَن إذًا الذي يتكلّم ولمن يقول ” هلُّم
ننزل ونبلبل ألسنتهم”؟ لا أعتقد أن يقول هؤلاء إن الله كان محتاجًا لمساعدة
الملائكة أو إلى مؤازرة الخلائق الأخرى، كى يتمّم ما أراده. لأن الله هو كلّى القدرة
ويستطيع أن يفعل أى شئ، ويملك في ذاته القدرة على فعل ما يريده بسهولة. وكل
الخلائق تستمد قوتها منه. كما نقول إن الله هو الحياة والحكمة وأنه لا يمكن لأى
أحد أن يُحيي أو يُشرك الآخرين في منافع الحكمة ما لم تكن هذه المواهب صادرة منه
كما من نبع متدفق. وهكذا أعتقد بنفس الطريقة، أنه لا يستطيع أى من الخلائق أن تكون
له القدرة أن يحقق شيئًا ما بدون أن يدفعه إلى ذلك الله كلّى القدرة. وبالتالى
فإننا نستطيع أن نؤكد أنه لا يليق بالله أن يقول للملائكة أو لأى من الكائنات
العاقلة ” هلُّم ننزل ونبلبل ألسنتهم”. وهكذا تَدّخَل الثالوث بنفسه في
هذا الأمر، لأن شأن تغيير طبيعة اللغة من لغة سهلة موحدة إلى لغات عديدة متنوعة
وغير معروفة فيما بينها هو من خصائص طبيعة عمل الثالوث وحده. ولكى نفهم أن هذا
الأمر ليس من اختصاص الملائكة لكن من خصائص الإله وحده فلابد أن نلاحظ أنه قال
“هلُّم” موجهًا الحديث نحو الثالوث القدوس أى نحو الثالوث ذو الجوهر
الواحد.

 

إرميا:
بالفعل.

كيرلس:
وإن كانوا يظنون أن طبيعة الإنسان بصفة عامة تتشكّل حسب الله؟ فلنسألهم صورة مَن
تلك التي خُلِقَ عليها الإنسان؟

 

إرميا:
ما رأيك لو أنهم قالوا إن صورة الله الآب هى التي خُلِقَ عليها الإنسان؟

كيرلس:
لو قالوا إن صورة الله الآب فقط لكان تفكيرهم تفكير أحمق.

 

إرميا:
كيف؟

كيرلس:
أولاً: تعبيرا ” لنعمل” وأيضًا ” على صورتنا” يدلاّن على أن
المتكلّم ليس شخص واحد بل أكثر من واحد وأكثر من اثنين، وبخلاف هذا نفكر فيما يلى.
الصورة التي تشوّهت وفقدت جمالها الأول ألا يجب أن تعود مرة أخرى إلى ما كانت عليه
أولاً وبعدما يتم إصلاح ما أصاب الصورة في بُعدها عن الأصل، وهكذا تستعيد هيئة
طبيعتها غير المشوَّهة مرة أخرى.

 

إرميا:
ماذا تقصد بهذا؟

كيرلس:
استمع لى جيدًا وسأشرح لك هذا على قدر استطاعتى. لو أن أحدًا من الصنّاع، وعلى
سبيل المثال أحد هؤلاء الذين يعملون في تشكيل النحاس، قد صنع تمثالاً معطيًا إياه
شكله وملامحه، ثم سقط هذا التمثال من على قاعدته بفعل أحد الحاسدين وتحطّم وفقد
جماله، ولو أن صانع التمثال لأنه لم يحتمل أن يرى تمثاله محطمًا أراد أن يقتل ذلك
الحاسد الذي حطّم التمثال، نجده وقد أعاد صنع التمثال مستخدمًا نارًا أشد قوة
معيدًا إياه إلى حالته الأولى بعد أن يكون قد رفع عنه ما أصابه من أضرار. وهل كنت
تعتقد أنه كان من الصواب لو أن الصانع قد ترك صنعته كى تتشكّل بشكل آخر غير الأول،
وفي هذا تتضح عدم قدرته؟

 

إرميا:
لا أعتقد طبعًا.

كيرلس:
وهل معنى أنه أعطاه ملمحه الأول أنه أعاد تشكيله بالفعل وأنه طبع صورته فيه؟

 

إرميا:
بالطبع.

كيرلس:
طالما أن الأمر هكذا، فما هو الأمر الذي تُصدق أن يكون الله الآب قد فعله، إن كان
الإنسان قد خُلق ” على صورته كشبهه” هو وحده فقط. لأن هذا الكلام
تقريبًا هو ما يقوله المخالفون. أى عندما أراد أن يعيد خلقة الإنسان الذي انزلق
وتشوّه، ويجدّده لم يعطِ له ملمحه الذي كان عليه في الأصل، أى لم يصيّره شبيهًا
بنفسه بل أعطاه شكلاً آخر؟ وهذا سيحدث بالطبع لو أن الابن الذي أُعيدت خلقتنا على
صورته كان مختلفًا في الطبيعة عنه (عن الآب). لأن بولس الحكيم يكتب للبعض ما يلى
” يا أولادى الذين اتمخض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم”. وفي موضع
آخر يقول ” لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه”.
لأن المسيح قد شكّلنا مرةً ثانيةً بالروح القدس حسب صورته واهبًا جمال طبيعته
لنفوس الأتقياء وبطريقة عقلية وغير موصوفة. بمعنى أننا كما أعتقد نتشكّل لا لنصير
كالله الحقيقى، لكننا نأخذ شكل يتناسب وطبيعتنا المخلوقة. وإلاّ فإن ما ذكره
المزمور منذ القديم بأنه ” يتجدّد كالنسر شبابك”، كان سيضيع هباء، ويظهر
أنه بدون هدف. لأن التجديد بحسب الكتاب ليس هو شئ آخر سوى أنه تجديد نفوسنا التي
لم ترتفع إلى أعلى إطلاقًا والتي لم ترجع لِمَا كانت عليه أولاً، ولكنها صارت في
وضع أقل كرامة مما كانت عليه قبلاً وهى هكذا تعانى من هذه الحالة. وقد يقال إن
عملية الخلق الأول للإنسان هى أفضل بدرجة لا تقارن بعملية تجديد الإنسان بواسطة
المسيح إذ أن الأولى قد أعطتنا إمكانية أن يكون لنا ملمح الإله الحقيقى في داخلنا
بينما التجديد الذي تم بالمسيح قد أعاد تجديدنا لكن ليس على هذا الملمح، فقد أعاد
تشكيلنا على صورة الابن، ولذلك، ماذا سنربح من تجديدنا بواسطة المسيح طالما وحسبما
يظهر أننا قد خسرنا كوننا على شبه الله، وبصفة عامة تُرك عنا مجد طبيعتنا طالما أن
حالة الغبطة بالنسبة لنا كانت في أن نصبح مشابهين الله؟ غير أنى أؤمن بأن كل هذا
الفكر هو كالأساطير يستوجب الضحك إذ هو مثل قصص الأطفال. لأننا تشكّلنا من جديد
حسب الصورة الأولى إذ ختمنا بختم الابن، كى نصبح مثله، لأنه هو صورة الآب وختمه
وليس هو آخر بجانب الآب وذلك بسبب الجوهر الواحد.

إرميا:
لقد تحدثت بدقة شديدة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى