علم

سر التجسد في فكري كيرلس الكبير وطومس لاون



سر التجسد في فكري كيرلس الكبير وطومس لاون

سر
التجسد في فكري كيرلس الكبير وطومس لاون

إن
المقارنة التي ستراها في ما سيأتي لا تشكل كل أوجه الشبه في التعليم بين القديسين
الكبيرين كيرلس أسقف الإسكندرية ولاون أسقف روما.

ولكنها
محاولة بسيطة لربط التعليم الوارد في طومس لاون مع التعليم الوارد في رسائل القديس
كيرلس وإبسالاته.

ولذلك
لا تعتمد فقد على ما تم اقتباسه بل بعد قراءة “طومس لاون” ارجع واقرأ
رسائل القديس كيرلس وإبسالاته، وستكتشف شبهاً أكثر مما وضع.

إذ
أن رسالة القديس كيرلس إلى نسطوريوس ورسالته إلى القديس يوحنا الأنطاكي كانتا
المرجع الذي اعتمده آباء خلقيدونية لفحص طومس لاون والتعليم الوارد فيه. وعلى أساس
هاتين الرسالتين أعلن المجمع أرثوذكسية الطومس.

 

إن
لاون القديس أسقف روما الذي تقيم الكنيسة تذكاره في 18 شباط / فبراير، أرسل رسالة
إلى القديس فلافيانوس أسقف القسطنطينية مفنداً بها تعليم أصحاب الطبيعة الواحدة.
ويقال أنه بعد أن كتب الرسالة وضعها على قبر القديس بطرس الرسول وطلب إليه في صلاة
حارة أن يصحح ما قد يكون وقع فيها من أغلاط. فظهر له الرسول وقال: “إنني قد
صححتها”. وفيما يلي نص هذه الرسالة:

 

أما
وقد قرأنا رسالتكم التي أدهشنا تأخر وصولها إلينا واطلعنا على سجل مناقشات
الأساقفة (00) حصلنا أخيراً على صورة واضحة عما أثير عندكم من عثرات ضد الإيمان
القويم. وظهر لنا الآن ما غمضت علينا أسبابه سابقاً. إن افتيشيوس (أوطيخا) الذي
كان يستحق في مظهره أن يكرم بلقب كاهن قد بان الآن أنه خال من الإدراك والخبرة.
فانطبقت عليه كلمات النبي: “لا يميل إلى عمل الصلاح. ويفكر بالإثم في
مضجعه” (مز 35: 3 و4). وأي شيء أكثر لؤماً من أن يرضى المرء بأن يكون تفكيره
ضد الله ولا يصغي إلى نصح من هم أوفر منه حكمة وعلماً؟. ولا يقع في هذه الحمأة إلا
الذين يعتمدون على عقولهم حين يعسر عليهم فهم الحقائق الغامضة ولا يراجعون ما
تقوله الأنبياء والرسل والأناجيل. وهكذا يمسون معلمين الضلال لأنهم لم يكونوا
تلاميذ الحق. فما هي المعرفة التي استقاها من صفحات العهدين القديم والجديد
المقدسين وهو الذي لم يفهم حتى فاتحة دستور الإيمان؟ وقد عجز عقل ذلك الشيخ عن فهم
ما قال الباحثون عن الولادة الجديدة(01). أما وقد عجز عن معرفة ما يجب أن يعتقد به
من جهة تجسد كلمة الله(02) ورفض أن يفحص الكتب المقدسة فحصاً كافياً ليحصل على نور
الفهم فقد كان عليه على الأقل أن يقبل ذلك الاعتراف العام الذي يعترف به كل
المؤمنين:

 

“نؤمن
بالله القادر على كل شيء وبيسوع المسيح ابنه الوحيد ربنا الذي ولد من الروح القدس
ومن مريم العذراء”.(03)

 

بهذه
المواد الثلاثة قد تحطمت كل أسلحة وقوى المبتدعين تقريباً، لأنه عندما يؤمن المرء
بأن الله هو في الوقت نفسه كل القدرة وهو الآب فقد تبرهن أن الابن هو منذ الأزل مع
نفسه لا يختلف في شيء عن الآب لأنه ولد وهو إله من إله، كلي القدرة من كل القدرة،
ولا يختلف عنه في المجد، وغير منقسم عنه في الجوهر، بل هو نفسه الابن الوحيد الابن
الأزلي من الآب الأزلي، الذي ولد من الروح القدس ومن مريم العذراء(04). وهذه
الولادة قد تمت في وقت محدود لم تنقص شيئاً من تلك الولادة الإلهية منذ الأزل ولم
تضف إليها شيئا(05). ولكنها بذلت بكليتها في عمل إعادة الإنسان(06) الذي خدع
ليستطيع يقوتها أن يتغلب على الموت ويقهر إبليس الذي له سلطة الموت. لأننا ما كنا
لنستطيع الغبلة على مسبب الخطيئة لو لم يتخذ طبيعتنا(07) ويجعلها طبيعته
الخاصة(08) ذاك الذي لا يمكن أن تفسده خطيئة أو يستولي عليه الموت(09). لأنه في
الحقيقة قد حبل به من الروح القدس في بطن أمه العذراء التي ولدته كما حبلت به دون
أن تخسر بتوليتها. ولكن إذا كان هذا (أي افتيشيوس) غير قادر أن يحصل على إدراك
حقيقي من هذا النبع النقي للإيمان المسيحي لأنه بسبب عمايته صار لمعان الحقيقة
الساطع مظلماً أمام عينه فكان عليه أن يخضع لتعليم الإنجيلي. وبعد أن يقرأ ما
يقوله متى: “كتاب ميلاد يسوع المسيح بن داود بن ابراهيم” يعود إلى بولس
الرسول مسترشداً فيقرأ في رسالته إلى الرومانيين: “بولس عبد يسوع المسيح
المدعو ليكون رسولاً المفروز لإنجيل الله الذي وعد به من قبل على ألسنة أنبيائه في
الكتب المقدسة عن ابنه الذي صار من ذرية داود بحسب الجسد” (1: 1-3). وكان
عليه أيضاً أن يقوم ببعض البحث الجدي في كتب الأنبياء فيجد أن الله وعد إبراهيم
قائلاً: “وبنسلك تتبارك كل أمم الأرض” ولكي يتجنب كل شك في المعنى
الحقيقي لكلمة نسل (ذرية) يجب أن يعود إلى كلمات الرسول: “وقد قيلت المواعيد
لإبراهيم ولنسله ولا يقول للأنسال يعني كأنه إلى كثيرين بل لنسلك يعني واحداً وهو
المسيح” (غلا 3: 16). وكان عليه أن يصغي بأذن إدراكه إلى تصريح أشعيا:
“ها أن العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل” (7: 14) الذي
تفسيره “الله معنا”(10). وكان يجب عليه أن يقرأ بإيمان كلمات النبي
نفسه: “لأنه قد ولد لنا ولد، أعطي لنا ابن فصارت الرئاسة على كتفه ودعي اسمه
عجيباً مشيراً إلهاً جباراً أبا الأبد رئيس السلام” (9: 6). وكان يجب عليه
ألا يتكلم بدون ترو فَيَفهم من أقواله أن الكلمة صار جسداً بمعنى أن المسيح الذي
ولد من بطن العذراء مريم كان له قوام إنسان ولكن لم يكن له جسد مأخوذ حقاً من جسد
أمه. ومن الممكن أن ما دعاه إلى أن يظن أن ربنا يسوع المسيح لم يكن من طبيعتنا ما
قاله الملاك الذي أرسل إلى العذراء مريم المباركة: “إن الروح القدس يحل عليك
وقوة العلي تظللك ولذلك فالقدوس المولود منك يدعى ابن الله” (لو1: 35)، فظن
أنه بما أن حبل العذراء نشأ من عمل إلهي لذلك لم يكن الجسد الذي حملته من طبيعة
الأم التي حبلت به. ولكن يجب ألا نفهم من الولادة الفائقة العجب أم جدة أسلوبها
وتفرّده قد ذهبا بخاصة النوع. فإن الروح القدس هو الذي منح العذراء الخصب ولكن من
الجسم ولد جسم حقيقي. “وعندما بَنَتْ الحكمة لنفسها بيتاًَ” صار الكلمة
جسداً وسكن بيننا. أعني في ذلك الجسم الذي اتخذه من كائن بشري والذي نفخ فيه روح
حياة عاقلة. وبناء عليه إذ قد حفظ التمييز بين الطبيعتين والجوهرين، وقد اجتمعا في
الأقنوم الواحد،(11) اتخذت العظمة التواضع والقوة الضعف والخلود التعرض للموت
والطبيعة التي لا يمكن أن يعتورها تغيير اتحدت مع الطبيعة المتغيرة لكي يوفي الدين
الذي استوجبته حالتنا، وصار هو الوسيط الوحيد بين الله والإنسان-الإنسان يسوع
المسيح. وهكذا يمكنه من جهة عنصر واحد أن يموت مع أنه غير ممكن أن يموت في عنصره
الآخر(12). ولذلك فبطبيعة الإنسان الحق والكاملة التامة ولد إله حق كاملاً في ما
كان له وكاملاً في ما كان لنا(13). وبما لنا نعني ما كونه الخالق فينا في البدء
وما اتخذه هو لكي يعيده كما كان، لأن مما جبله الخادع وقبله الإنسان المخدوع لا
يوجد منه أثر في المخلّص. وكونه اتخذ لنفسه نصيباً من أمراضنا لم يجعله مشاركاً
لنا في خطايانا. إنه اتخذ شكل عبد بدون دنس الخطيئة. فأغنى ما هو بشري دون أن ينقص
مما هو إلهي. بإفراغه نفسه بحيث صار غير المنظور منظوراً (14) وشاء مبدع الكائنات
كلها أن يكون بين المائتين كان كذلك تنازلاً من قبيل الرحمة لا نقصاً في القدرة.

 

وهكذا
فالكائن نفسه الباقي في صورة الله صار إنساناً في صورة عبد(15). لأن كلاً من
الطبعتين حفظت خواصها بدون تغيير أو نقص(16). وكما أن صورة الله لا تنفي أو تزيل
صورة العبد هكذا صورة العبد لا تعطل صورة الله. لأنه وقد تباهى الشيطان بأن
الإنسان الذي خُدِعَ بحيلته قد حرم من العطايا الإلهية وبتجرده من موهبة الخلود
وقع تحت حكم الموت المحزن وهكذا وجد الخادع وهو في وسط تعاسته نوعاً من العزاء
بوجود شخص آخر رفيقاً له في المعصية. وأما الله فعملاً بمبدأ العدل قد غيّر ما كان
أعده للإنسان الذي خلقه وجعله في منزلة سامية الشرف. فنشأت الحاجة إلى السماح بمشورة
سرية حتى أن الذي لا يعتريه والذي يستحيل أن تُجرد إرادته من كرمها وجودها ينجز
خطته الأصلية من لطف محبته لنا بسر بعيد عن الفهم والإدراك.

 

وهكذا
فالإنسان الذي دُفع إلى السقوط بحيلة الشرير الخبيثة لا يهلك خلافاً لما قصده
الله. فابن الله ينزل من كرسيه في السماء دون أن يبتعد عن مجد الآب ويدخل في هذا
العالم الأدنى مولوداً على صورة جديدة بأسلوب جديد في الولادة(17). لأنه وهو في
دائرته الخاصة غير منظور صار في دائرتنا منظوراً(18)، والذي لا يمكن حصره في مكان
رضي أن يكون محصوراً، ومع أنه ما زال هو هو قبل الأزل بدأ وجوده في وقت محدد. رب
الكون بأسره سمح لعظمته التي لا تحد أن تحجب واتخذ لنفسه صورة عبد. الله غير
المتألم لم يرفض أن يكون إنساناً متألماً(19). والذي لا يعتريه موت رضي أن يخضع
لشرائع الموت. وولد بأسلوب جديد من الولادة لأن البتول مع جهلها وهي مصونة
المساكنة قدمت مادة الجسد. وما أُخذ من أم الرب كان الطبيعة(20) لا الخطيئة. ولا
يعني عجب ولادة ربنا يسوع المسيح من بطن العذراء أن طبيعته تختلف عن طبيعتنا، لأنه
هو نفسه إله حق وهو أيضاً إنسان حق(21)، لا وهم ولا تخيل في هذا الاتحاد عندما
تلتقي معاضعة الناسوت ورفعة اللاهوت. لأنه كما أن الله لم يتغير بظهور الشفقة هكذا
لم يبتلع الإنسان بإغداق الكرامة. {وكل واحدة من الطبيعتين تقوم بما يختص بها
بالاشتراك مع الأخرى. أهن أن الكلمة يقوم بما يختص بالكلمة والجسد يقوم بما يختص
بالجسد. الواحدة تسطع بالعجائب والأخرى تخضع لأنواع الأذى. فالكلمة لا يتخلى عن
المساواة مع الآب في المجد، والجسد لا يتجرد من طبيعة جنسنا. لأنه، وكم أعدنا هذا
القول، هو هو واحد لم يتغر، ابن الله حقاً وابن الإنسان حقاً. هو إله إذ أنه
“في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله” (يوحنا1:
1). وهو إنسان لأن “الكلمة صار جسداً وحل فينا” (يوحنا 1: 14)، إله
“كل به كوّن وبغيره لم يكن شيء مما كوّن” (يو1: 3) وإنسان “ولد من
من امرأة تحت الناموس” (غلا4: 4). ولادة الجسد هي ظهور الطبيعة البشرية.
وولادة العذراء طفلاً هي دليل القدرة الإلهية. طفولة المولود عرضت وضيعة بالقمط
وعظمة المتعالي أُعلنت بأصوات الملائكة. الذي يكيد هيرودس لقتله هو كالبشرية في
مهدها. والذي يبتهج المجوس بعبادته ساجدين له هو رب الكل. وإذ جاء ليعتمد من يوحنا
سابقه فلئلا يبقى اللاهوت محجوباً بالجسد ومختفياً، تلكم صوت الآب بالرعد من
السماء “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” (متى 3: 17). وهكذا فالذي
جُرِّبَ وهو إنسان بحيلة إبليس هو نفسه تقوم الملائكة بواجب خدمته كإله (متى 4:
11). الجوع والعطش والتعب والنوم كل هذه من دلائل ناسوته. ولكن إشباع خمسة آلاف
بخمسة أرغفة وإعطاء ذلك الماء الحي للمرأة السامرية، الماء الذي كل من يشرب منه لا
يعطش أبداً، والمشي على سطح البحر بقدمين لا تغرقان وأصدار الأوامر للعاصفة أن
تسكن فتهدأ الأمواج المتلاطمة كل هذا كان ولا شك من خواص اللاهوت. ولا يمكن أن
ينسب إلى طبيعة واحدة أن تبكي بشعور الحزن على صديق مات وأن ينسب إليها هي نفسها أقامته
بصوت الآمر وإعادة الحياة إليه بعد إزاحة الحجر الكبير عن باب القبر حيث انقضى على
الميت فيه أربعة أيام، أو أن يعلق على خشبة وأن يجعل كل العناصر ترتجف وقد تحول
نور النهار إلى ظلمة الليل، وأن يسمر بالمسامير وأن يفتح أبواب الفردوس للص
المؤمن. وهكذا لا يمكن أن ينسب إلى طبيعة واحدة بعينها “أنا والآب واحد”
وقوله”إن أبي أعظم مني”. لأنه كما أن في الرب يسوع المسيح الأقنوم
الواحد إله وإنسان فما يتصل بكليهما صنعة يختلف عم يتصل بهما مجداً، لأن له مما
يختص بنا الناسوت وهو دون الآب، في حين أن له مما يختص بالآب اللاهوت المساوي
للآب. وهكذا فبسبب الوحدة في الأقنوم التي يجب أن تفهم أنها وحدة في الطبيعتين
نقرأ من جهة واحدة أن “ابن الإنسان نزل من السماء” لأن ابن الله اتخذ
جسداً من العذراء التي ولد منها. ومن جهة ثانية يُقال “إن الابن الله صلب
ودفن”، مع أنه لم يحتمل هذا في حقيقة لاهوته وهو الابن الوحيد المساوي للآب
في الأزلية الجوهر بل بالطبيعية البشرية الضعيفة، ولهذا نعترف كلنا في دستور
الإيمان “ابن الله الوحيد تألم وقبر” حسب قول الرسول “لأنهم لو
عرفوا لما صلبوا رب المجد”}.(22)

 

ولكن
إذا كان ربنا ومخلصنا نفسه يستوضح بأسئلة إيمان تلاميذه قال “من يقول الناس
إن ابن البشر هو؟”. ولما ذكروا عدة آراء لآخرين قال “وأنتم من تقولون
إني هو؟”. أعني أنا الذي هو ابن الإنسان والذي ترونه في صورة عبد وهو في
الواقع جسد “من تقولون إني هو”. وعندما أجابه بطرس المغبوط بوحي من الله
لنفع الشعوب كلها باعترافه: “أنت المسيح ابن الله الحي” لم يكن بدون
استحقاق ما قاله له الرب: “طوبى لك” واتخذ من الصخرة صفة الثبات
والصلابة التي عزيت إلى فضيلته وإلى اسمه معاً لأنه بوحي من الله اعترف أنه هو
نفسه ابن والمسيح (متى16: 13-18). لأن قول إحدى هاتين الحقيقتين دون الأخر لا يفيد
للخلاص. والخطر هو واحد نفسه أن نعتقد أن الرب يسوع المسيح هو إله وليس إنسان، أو
أن نعتقد أنه إنسان وليس إلهاً.

 

ولكن
بعد قيامة الرب التي كانت في الحقيقة قيامة جسد حقيقي-إذ لم يقم إنسان آخر ثانية
غير الذي صلب ومات- لم يتم في الأربعين يوماً إلا ما كان لجعل إيماننا كاملاً
منزهاً عن كل شبهة؟ لأنه بينما كان يتحدث مع تلاميذه ويقيم بينهم ويأكل معهم ويأذن
بأن يلمسه الذين وقعوا تحت تأثير الإرتياب ويفحصوه بعناية، كان في الوقت نفسه يأتي
إلى التلاميذ لهذه الغاية ويدخل عليهم والأبواب مغلقة، وبنفخته أعطاهم الروح القدس
وفتح لهم أسرار الكتب المقدسة بعد أن وهبهم نور الفهم. هو بشخصه أظهر له جرحه في
جنبه وأثار المسامير في يديه ورجليه وكل علامات الآلام التي لا تزال ظاهرة
“أنظروا يدي ورجلي إني أنا هو. جسوني وانظروا فإن الروح لا لحم له ولا عظم
كما ترون لي” (لو 24: 39).

 

وكان
هذا ليصير في إمكاننا أن نعترف أن خواص كل من الطبيعتين الإلهية والبشرية باقية
فيه بدون أن تسبب إنقساماً، وأن ندرك أن الكلمة ليس ما هو الجسد، وأن نعترف بابن
الله الوحيد هو نفسه الكلمة والإنسان معاً(23).

 

إن
افتيشيوس يجب أن يعتبر أنه لم يدرك سر هذا الإيمان لأنه لا يقر بأن طبيعتنا موجودة
في ابن الله أما بواسطة صنعة الموت أو بواسطة مجد القيامة. ولم يقنعه الرسول
المغبوط الإنجيلي يوحنا إذ يقول: “كل روح يعترف بأن يسوع المسيح قد أتى
بالجسد فهو من الله. وكل روح يحل يسوع فليس من الله. هذا هو روح المسيح الدجال”
(1يو 4: 2 و3). والآن ما هو أن نحل (أو نقسم) المسيح إلا أن نفصل الطبيعة البشرية
عنه وأن نعطل باختراع مخزٍ السر الذي به وحده نلنا الخلاص؟ زِد على ذلك أنه ما دام
في الظلام من جهة طبيعة جسد المسيح لا أن يقع في نفس العماية من جهة آلامه. لأنه
إذا كان لا يعتقد بأن صلب الرب لم يكن واقعياً وكان لا يشك في انه احتمل الآلام
حقاً حتى الموت لأجل خلاص العالم. فكما أنه يؤمن بموته يجب أن يعترف بجسده ولا
يداخلنه الشك في أن الذي يقول عنه أنه قابل للألم هو أيضاً إنسان له جسد كأجسادنا
لأن إنكار جسده الحقيقي هو كإنكار آلامه. وإذا كان يقبل الإيمان المسيحي ولا يغلق
أذنه عن سماع بشارة الإنجيل فلينظر أي طبيعة سمِّرت بالمسامير وعلِّقت على خشبة
وليفهم من أين خرج الدم الماء عندما طعن الجندي جسد المصلوب بحربة. وهكذا صار في
إمكان كنيسة الله أن تنتعش بحوض الغسل وبالكأس معاً. وليصغ أيضاً إلى الرسول
المغبوط بطرس يلعن أن تقديس الروح يتم برش دمه (1بط 1: 2). ودعه يقرأ كلمات الرسول
نفسه -لا قراءة سطحية- “عالمين أنكم لم تفتدوا بما يفسد من الفضة والذهب من
تصرفكم الباطل على حسب سنن آبائكم ولكن بدم كريم دم حمل لا عيب فيه ولا دنس هو
المسيح” (1بط 1: 18 و19). دعه أيضاً يقرأ ولا يناقض شهادة يوحنا الرسول
المغبوط “ودم المسيح ابن الله يطهرنا من كل خطيئة” وأيضاً “هذا هو
الظفر الذي يغلب العالم أعني إيماننا ومن الذي يغلب العالم إلا الذي يؤمن أن يسوع
هو ابن الله. هذا هو الآتي بالماء والدم يسوع المسيح لا بالماء فقط بالماء والدم.
والروح هو الذي يشهد أن المسيح هو الحق لأن الشهود في السماء ثلاثة الآب والكلمة
والروح القدس. وهؤلاء الثلاثة هم واحد. والشهود في الأرض ثلاثة الروح والماء
والدم. وهولاء الثلاثة هم في واحد” (1يوحنا 5: 4-8) أعني روح التقديس ودم
الفداء وماء المعمودية. وهذه الثلاثة هي واحد وتبقى غير منقسمة ولا ينفصل أحدها عن
الآخرين. فإن الكنيسة الجامعة بهذا الإيمان تنتعش وتتقدم.

 

إننا
يجب أن نؤمن أن في المسيح لا يكون الناسوت بدون اللاهوت الحقيقي ولا اللاهوت بدون
الناسوت الحقيقي. ولكنكم أثناء فحصكم افتيشيوس سألتموه فأجاب: “إني أعترف بأن
الرب كان ذا طبيعتين قبل الإتحاد ولكني أعترف بطبيعة واحدة بعد الاتحاد”.
وإني لأدهش كيف لم يوبخه أحد القضاة على اعتراف كهذا هو من الخلط واللغو في
الكلام، وكيف صار السكوت عن تصريح من هذا النوع بلغ أقصى الحماقة ومنتهى التجديف
كأنه لا يحسب تطاولاً ولا تجديفاً. ما دام من الكفر أن نقول أن ابن الله الوحيد
كان ذا طبيعتين قبل التجسد، ومن الارجاف المزعج القول بأن الكلمة مذ صار جسداً لم
يكن فيه إلا طبيعة واحدة.(24)

 

ولئلا
يظن افتيشيوس أن ما تفوه به هو الصواب أو يجوز الإغضاء عنه إذا لم يعترض على كلامه
أحد منكم نحرض غيرتكم الصادقة أيها الأخ المحبوب لإيصال القضية بإلهام الله الرحيم
إلى نتيجة مقنعة ووجوب تطهير الرجل القليل الخبرة والعديم الاكتراث من فساد رأيه
الوبائي. وإذ نرى كما ظهر جلياً من سجل الأعمال أنه أخذ يتراجع عن رأيه الخاص
عندما حشرته براهينكم المقنعة في زاوية وأعلن أنه مستعد أن يعترف بما لم يعترف به
سابقاً ويعود إلى الإيمان الذي حاد عنه. ولكنه وقد أبى أن يبسل العقيدة الكفرية
أدركتم أيها الأخ أنه لا يزال مصراً على غوايته فاستحق الحكم بتجريمه. أما إذا
أظهر الندامة بإخلاص وصدق نية وأدرك ولو بعد فوات الوقت أن السلطة الأسقفية قامت
بما يجب وأراد أن يقدم ترضية كافية فيجب عليه أن يرذل بالصوت الحي وينبذ تحت
توقيعه بخط يده كل ما سبق فاعتقد به باطلاً وخطأ. فلا تكون الرحمة والشفقة مهما
عظمت سبباً للوم إذا عومل بها عندما بها عندما يهود إلى الصواب، لأن ربنا الراعي
الحقيقي بذل نفسه لأجل خرافه والذي جاء ليخلص نفوس الناس لا ليهلكها يريد منا أن
نتشبه به في لطف محبته.

 

وهكذا
تنزل العدالة بمن هم في الخطيئة ولا تمنع الرحمة عن التائبين. وهكذا يُدافع حقاً
عن الإيمان القويم دفاعاً يأتي بأفضل الثمار عندما يحكم على الرأي الباطل حتى من
قِبَل من قالوا به سابقاً. ولكن لكي تسوى القضية كلها تسوية تقوية دقيقة عنيا
أخوتنا يوليوس الأسقف دريادوس الكاهن وابني ايلاريون الشماس ليكونوا نواباً عنا
وأمرنا كاتبنا دلكيتيوس (دلسيتيوس) بأن يرافقهم إذ لنا ملء الثقة بأمانته، آملين
أن تكون المعونة الإلهية معكم حتى أن كل من ضل يمكن أن يخلص بحكمة هو نفسه على
رأيه المناقض للصواب. ليحفظكم الله بصحة جيدة أيها الأخ الحبيب.

—————–

(0)
عن “مجموعة الشرع الكنسي” للأب حنانيا الياس كساب ص (384-391). مترجمة
عن: مين، الآباء اللاتين، المجلد 54، الحقل 756. نقلاً عن ترجمة إنكليزية للقس
الدكتور في اللاهوت وليم برايت في كتابه مواعظ مختارة من القديس لاون الكبير في
التجسد مع رسالته المدعوة “طومس لاون”.

(00)
المقصود هنا القديس فلابيانوس ومجمع القسطنطينية الذي أدان هرطقة أوطاخي.

(01)
أول كلمة للقديس لاون يتكلم فيها عن سر التجسد فيقول: “الولادة
الجديدة”. وهي توافق تماماً تعليم الآباء وتعليم القديس كيرلس إذ يقول في
الرسالة رقم 55 والتي يشرح فيها قانون الإيمان التالي: “نزل وتجسد وتأنس، أي
أنه احتمل الولادة بحسب الجسد من امرأة وجاء في شكلنا، وهذا هو معنى أنه
تأنس.” وغيرها الكثير ولكن نكتفي بهذه فقط.

نعم
فالولادة الجديدة للابن الكلمة هي ولادته في الزمن بحسب الجسد. وهذه الجملة التي
بدأ بها القديس لاون تضحد كل محاولة إلصاق تهمة النسطورية بها. إذ ترفض النسطورية
أن يكون تكون السيدة قد ولدت إلهاً متجسداً، بل إنساناً حلّت به الإلوهة. وعليه لا
ترضَ بهذا التعبير “الولادة الجديدة”.

(02)
كلمة الله هو المتجسد، راجع الإبسال العاشر للقديس كيرلس. إذ هذه الجملة
“تجسد كلمة الله” تقف على صف واحد مع إبسال القديس كيرلس إذ يقول:
“ليكن مبسلاً كل من يقول أنه ليس الكلمة الإلهي نفسه الذي تجسد وصار
إنساناً”.

(03)
هذا هو القانون وما سيأتي لاحقاً هو شرح له. ويعلن فيه القديس لاون أن الابن
الوحيد هو نفسه الذي ولد من السيدة العذراء. ويلخص في هذا القانون كل تعليم الآباء
عن سر التجسد. وهذا ما نراه مفرقاً في شرح التجسد عند القديس كيرلس لشرحه
“التجسد والتأنس”.

(04)
الابن هو نفسه المولود من الآب ولد من العذراء، راجع رسالة القديس كيرلس إلى
أوسيبيوس الكاهن إذ يقول في الفقرة الثالثة منها: “الابن الوحيد للآب المولود
قبل كل الدهور هو نفسه وُلِدَ في الأيام الأخيرة بحسب الجسد من امرأة”. وراجع
أيضاً الفقرة 21 في شرحه لدستور الإيمان في الرسالة رقم 55. وأيضاً في نفس الرسالة
يقول: “ولكنه هو واحد وهو نفسه الكلمة الذي كان عارياً (من الجسد) قبل تجسده.
وهو الذي تجسد وتأنس بالميلاد من العذراء القديسة كما كتب الآباء القديسون
المُلهمون من الله.”

(05)
إن التعليم الوارد عند القديس لاون بأن الولادة الثانية للمسيح لم تغير في شيء
الطبيعة الإلهية في المسيح بعد تجسده، راجع رسالة القديس كيرلس إلى نسطوريوس إذ
يقول فيها: “فعرض نفسه للولادة لأجلنا وولد إنساناً من امرأة دون أن ينزع عنه
طبيعته التي كانت له. ومع أنه اتخذ جسداً ودماً بقي كما كان إلهاً في الجوهر وفي
الحقيقة فلا نقول أن الجسد تحول إلى الطبيعة الإلهية ولا أن طبيعة كلمة الله التي
لا يمكن وصفها عزلت جانباً من أجل الطبيعة البشرية. لأنه غير متغير ولا يعتريه
تغيير على الإطلاق وهو هو دائماً كما أعلن عنه الكتب المقدسة. لأنه وإن كان
منظوراً وطفلاً ملفوفاً في أقمطة، وإن كان في بطن العذراء أمه فهو مالئ الخليقة
كلها إلهاً وسيداً للخليقة ومساوٍ للذي وَلَده لأن الإله الرأس لا وصف له ولا
امتداد ولا حدود”. وهذا إن دلّ على شيء أن الاتحاد بين الوارد في فكر القديس
لاون هو اتحاد حقيقي لا انفصال ولا انقسام ولا اختلاط ولا تشوش فيه. (راجع أيضاً
فقرة 22 من شرح القديس كيرلس لدستور الإيمان في الرسالة رقم 55).

(06)
“الطبيعة البشرية” هي التي بُذِلت على الصليب، راجع شرح القديس كيرلس
لقانون الإيمان والققرة 33 منه.

(07)
هذه الجملة التي قالها القديس لاون “لأننا ما كنا لنستطيع الغبلة على مسبب
الخطيئة لو لم يتخذ طبيعتنا” مقتبسة من القديس غريغوريوس النزينزي والتعليم
المثبت في المجمع المسكوني الثاني “ما لم يتخذ لم يُشفى”، في تأكيده أن
السيد أخذ طبيعتنا كاملة (ضد أبوليناريوس) راجع أعمال المجمع المسكوني الثاني.
وراجع أيضاً شرح القديس كيرلس لدستور الإيمان والفقرة 21 منه، إذ يقول: “لأن
الكلمة الذي هو الله أخذ جسدنا”. والقديس لا يقصد بجسدنا جسد بدون نفس ولا
يقصد بأن المسيح أخذ إنسان وحلّ فيه، فيكون قصده التالي “لأن الكلمة الذي هو
الله أخذ طبيعتنا”.

(08)
نفس المصطلح للتعبير عن التجسد الإتحاد بين الطبيعتين في المسيح يستخدمه القديس
كيرلس، راجع الفقرة 22 في شرحه لدستور الإيمان (رسالة رقم 55). وأيضاً راجع
الإبسال الثاني ضد نسطوريوس فيقول للتعبير عن نفس الفكرة التالي: “ليكن
مبسلاً كل من لا يعترف أن كلمة الله الآب متحد أقنومياً بالجسد، وأنه بذلك الجسد
خاصته هو نفسه المسيح الواحد الإله والإنسان معاً في الوقت نفسه”. وأيضاً ورد
هذا التعبير في أكثر من مكان في رسائل القديس كيرلس.

(09)
التعليم التي يتكلم عنه القديس لاون هي أن السيد لأجلنا ولأجل خلاصنا قد مات بحسب
طبيعته البشرية أما بحسب ما لاهوته فلا يمكن للموت أن يستولي عليه. ونفس التعليم
نجده في رسائل القديس كيرلس، حيث يقول في رسالته الثانية إلى ارستولاس (رقم 60)
والفقرة السادسة منها التالي: “انه غير متألم بحسب لاهوته، ولكنه تألم في
جسده الخاص بحسب الكتب. ونحن نقول إن تلك الآلام التي وقعت على جسده هي آلامه هو
لأن الجسد الخاص به. لذلك، فهو غير متألم بحسب اللاهوت، ولكن في جسده الخاص تألم
عن ولأجلنا”. ونفس الشيء يقوله في الرسالة الأولى إلى ارستولاس (رقم 59).
وأيضاً راجع رسالة القديس كيرلس إلى نسطوريوس.

(10)
هنا يعلّم القديس لاون بأن المسيح المولود من السيدة العذراء من ذرية ابراهيم هو
نفسه عمانوئيل. ونفس التعليم وارد في إبسالات القديس كيرلس لنسطوريوس، راجع:
الإبسال الأول والثامن. فيكونان القديسان على نفس الخط وهو الخط الآبائي
(التسليم).

(11)
الطبيعتان المتمايزتان في الأقنوم الواحد هو أيضاً تعبير كيرلسي نراه بجلاء في
رسالة المصالحة إلى يوحنا الأنطاكي. إذ يقول القديس كيرلس التالي: “تام في
لاهوته وتام في ناسوته ويعتبر شخصاً واحداً. لأنه واحد هو الرب يسوع المسيح على
الرغم من عدم اختفاء الاختلاف بين طبيعتيه اللتين منهما كان ذلك الاتحاد الذي لا
يمكن الإعراب عنه”.

(12)
ما يقوله القديس لاون هنا يوازي ويطابق في الفكر والإيمان ما يقوله القديس كيرلس
في رسالته أرستولاوس:

لاون:
“… وهكذا يمكنه من جهة عنصر واحد أن يموت مع أنه غير ممكن أن يموت في عنصره
الآخر”

كيرلس:
“… أنه صار قادراً أن يتألم بحسب طبيعة بشريته. ونحن نعرف أنه من المستحيل
عليه أن يتألم بحسب طبيعة ألوهيته…”

وهذا
الإيمان الذي للاون المعلن في طومسه (رسالته) والذي أعلنه وأقرّه مجمع خلقيدونية
يتوافق تماماً مع الابسال الثاني عشر ضد نسطوريوس الذي يقول: “ليكن مبسلاً كل
لا يعترف أن كلمة الله تألم بالجسد، وصلب بالجسد، وبالجسد نفسه على هذه الصورة ذاق
الموت وصار باكورة الناهضين من الأموات لأنه، وهو إله، هو الحياة وهو
المحيي.”

وأيضاً
راجع الفقرة رقم 33 في رسالة القديس كيرلس رقم 55 (شرح قانون الإيمان).

(13)
تعبير ناصع عن إيمان لاون والعقائد المعلنة في طومسه إذ يقول أن الإله ولد من
العذراء بالجسد. وليس كما يدعي البعض عليه بأنه يفصل بين طبيعتي المسيح ويجعلهما
شخصين متمايزين.

(14)
صارر غير المنظور منظوراً: إنه تعبير قوي يدل على وحدة شخص المسيح في طومس لاون
وهذا التعبير للدلالة على تجسد الكلمة ووحدة شخصه نراه عند القديس كيرلس مفرّقاً

في
الرسالة رقم 55: “إن خورس الآباء القديسين المحبين للمسيح يعتقدون معنا بهذه
التعاليم كما يعتقد بها أيضا ذلك الذي يزين الآن عرش كنيسة القسطنطينية المقدسة،
أخونا المقدس جداً والمتقي لله جداً والشريك معنا الأسقف بروكلس. لأنه هو نفسه كتب
أيضا لأساقفة الشرق المحبين لله جداً بهذه الكلمات الآتية: “والذي بلا شكل
منظور تجسد بدون تغيير”.

ومن
ثم في رسالته إلى نسطوريوس يقول كيرلس: “لأنه وإن كان منظوراً وطفلاً ملفوفاً
في أقمطة، وإن كان في بطن العذراء أمه فهو مالئ الخليقة كلها إلهاً وسيداً للخليقة
ومساوٍ للذي وَلَده لأن الإله الرأس لا وصف له ولا امتداد ولا حدود.”

وهذا
التعبير الذي يستخدمه لاون، مقتبساً إياه من تعاليم كيرلس، يردّ فيه على نسطوريوس
الذي يقول -كما ورد في رسالة القديس كيرلس إلى نسطوريوس-: “إنني أعبد الواحد
الذي اتخذ بسبب الواحد الذي اتخذه. وأعبد المنظور بسبب الواحد غير المنظور”.

فالقديس
لاون هنا يجمع تعاليم كيرلس في جملة واحدة ليدحض فيها تعليم نسطوريوس الذي يقول
“بواحد منظور وآخر غير منظور” فيقول لاون بأن “الغير منظور أصبح
منظوراً”. وأيضاً يدحض فيها تعليم أوطاخي الذي يرفض حقيقة جسد السيد المسيح
ويدعي بتلاش الطبيعة البشرية في الإلهية، عندما يشرح تعليمه في طبيعتي المسيح قبل
بضعة كلمات من هذه الجملة ويقول: ” فبطبيعة الإنسان الحق والكاملة التامة ولد
إله حق كاملاً”. ولاحقاً يعود ويشدد على كمال الطبيعتين

(15)
راجع: يوحنا 1: 14 ورسالة القديس كيرلس إلى نسطوريوس، إذ جاء فيها: “….لا
نجهل أنه مع بقائه إلهاً صار هو أيضاًَ إنساناً وخاضعاً لله حسب الشريعة الملائمة
للناسوت”.

(16)
عن رسالة كيرلس إلى يوحنا الأنطاكي: “وإننا إذ نتبع في كل النقاط اعترافات
الآباء القديسين (إذ كان الروح القدس يتكلم بألسنتهم) وإذ نجري على منوالهم في
التفكير دون أن نحيد عن الجادة المرسومة نعترف بأن الكلمة الوحيد المولود من الآب،
المولود من جوهر الآب نفسه، الإله الحق من الإله الحق، النور من النور، الذي به
كان كل شيء ما في السماء وما على الأرض نزل لأجل خلاصنا جاعلاً نفسه بلا شهرة وقد
تجسد وتأنس أعني أنه اتخذ جسداً من العذراء القديسة جاعلاً إياه جسده من البطن
فعرض نفسه للولادة لأجلنا وولد إنساناً من امرأة دون أن ينزع عنه طبيعته التي كانت
له. ومع أنه اتخذ جسداً ودماً بقي كما كان إلهاً في الجوهر وفي الحقيقة فلا نقول
أن الجسد تحول إلى الطبيعة الإلهية ولا أن طبيعة كلمة الله التي لا يمكن وصفها
عزلت جانباً من أجل الطبيعة البشرية. لأنه غير متغير ولا يعتريه تغيير على الإطلاق
وهو هو دائماً كما أعلن عنه الكتب المقدسة”.

(17)
راجع الحاشية رقم (01) إذ أنهما لهما نفس المرجع.

(18)
راجع الحاشية رقم (05).

(19)
“الله غير المتألم لم يرفض أن يكون إنساناً متألماً” تقابل عند القديس
كيرلس: ” فما هي الغرابة إن كان رغم تألمه في الجسد بحسب إنسانيته فهو يُعرف
أنه غير متألم بحسب ألوهيته”، “نحن نعتمد في موت ذاك الذي تألم إنسانياً
في جسده الخاص، ولكنه ظل غير متألم إلهياً وحياً على الدوام، لأنه هو الحياة من
حياة الله الآب” (رسالة رقم 55). وأيضاً: “نحن نقول انه غير متألم بحسب
لاهوته، ولكنه تألم في جسده الخاص بحسب الكتب. ونحن نقول إن تلك الآلام التي وقعت
على جسده هي آلامه هو لأن الجسد الخاص به. لذلك، فهو غير متألم بحسب اللاهوت، ولكن
في جسده الخاص تألم عن ولأجلنا”. (الرسالة رقم 60 إلى أرستولاس).

(20)
بالنسبة للولادة الجديدة راجع الحاشية رقم (01)، هنا يقول القديس في طومسه أن السيد
ولد ولادة جديدة بأن اتخذ من السيدة العذراء طبيعة بشرية. وهذا ضحد لتعليم
نسطوريوس. الذي يرفض أن يكون الإله هو الذي ولد من العذراء بالجسد.

(21)
راجع الإبسال السادس للقديس كيرلس ضد نسطوريوس. وأيضاً الرسالة إلى أوسيبيوس:
” نحن نعرف أن هناك أبناً ومسيحاً ورباً واحداً الذي هو نفسه إله
وإنسان”. وأيضاً: “نحن لم نعتمد لإله وإنسان كما لابنين مختلفين بل
اعتمدنا لمسيح واحد” (الرسالة إلى أرستولاوس).

(22)
هذه الأسطر التي وضعناها في قوسين {} نراها في أكثر من رسالة للقديس كيرلس، بل وفي
نفس الرسالة نراها في أكثر من مكان. ولذلك سنكتفي بما ورد في رسالتي كيرلس إلى
أوسيبيوس الكاهن ويوحنا الأنطاكي:

واعترفوا
كتابة أن العذراء القديسة هي والدة الإله، وأن الابن الوحيد للآب المولود قبل كل
الدهور هو نفسه وُلِدَ في الأيام الأخيرة بحسب الجسد من امرأة. وأن شخص الابن هو
واحد، وأن اللاهوتيين يشيرون ببعض الأقوال الرسولية والإنجيلية إلى لاهوته ويشيرون
(بالأقوال) الأخرى بدورها إلى ناسوته. لأن نسطوريوس، بتقسيمه الابن والمسيح والرب
الواحد إلى اثنين، جعل الإنسان أبنا منفصلاً علي حدة، وأيضا كلمة الله ابناً آخر
منفصلاً علي حدة. وقال أن بعض الأقوال هي خاصة بالإنسان والأخرى خاصة بكلمة الله.

ولكن
التعليم الصحيح عن المسيح ليس هكذا.. نحن نعرف أن هناك أبناً ومسيحاً ورباً واحداً
الذي هو نفسه إله وإنسان، ونحن نقول أن اللاهوت خاص به، وبالمثل أيضا الناسوت خاص
به. لأنه يتكلم أحياناً إلهياً كإله وأحياناً أخرس هو يتكلم إنسانياً كإنسان. لذلك
حيث إنهم اعترفوا بتلك التعاليم فكيف لا يكون غريباً أن يظلوا يقاومون أولئك الذين
هم ضد الانقسام، وأيضاً أن يستميلوا كنائس الشرق إلى الهرطقة؟ ليت جميع الأساقفة
الآخرين يكونون مثل هؤلاء.

“لأننا
نعلم أن اللاهوتيين يجعلون بعض الأشياء من التعليم الإنجيلي الرسولي عن الرب عاماً
من جهة اختصاصه بالشخص الواحد ويوزعون البعض الآخر مخصصين قسماً لكل من الطبيعتين.
فينسبون ما هو جدير بالعزة الإلهية إلى الله من جهة لاهوت المسيح وما هو دون
مقامها إلى طبيعته البشرية من جهة ناسوته”.

إذاً
الفرق بين نسطوريوس من جهة ولاون وكيرلس من جهة أخرى أن الأول ينسب الأعمال لشخصين
في حين القديسين ينسبوا نفس الأعمال إلى شخص واحد في طبيعتين، وكل طبيعة تعمل ما
يختص بها.

(23)
راجع الإبسال الثالث ضد نسطوريوس للقديس كيرلس.

راجع
شرح القديس كيرلس للإبسال الرابع.

من
رسالته إلى يوحنا الانطاكي نقتبس: “”فنحن لذلك نعترف بربنا يسوع المسيح
ابن الله الوحيد أنه إله تام وإنسان تام مؤلف من نفس عاقلة وجسد، مولود من الآب
قبل كل الدهور بحسب لاهوته، وفي الأيام الأخيرة ولد لأجلنا ولأجل خلاصنا من مريم
العذراء بحسب ناسوته. إنه مساوٍ لأبيه في الجوهر وهو من طبيعتنا نحن ذاتها في
الناسوت. وقد حدث اتحاد بين الطبيعتين ولذلك نعترف بمسيح واحد – ابن واحد – ربّ
واحد.”

ومن
رسالته إلى نسطوريوس نقتبس: أن كل ما ورد في البشائر من أقوال المسيح عن نفسه لا
نميزه بافتراض صدوره عن شخصين إذ لا يجوز، وهو نفسه المسيح الواحد، أن يخطر بالبال
أنه اثنان. ومع أنه مؤلف من طبيعتين مختلفيتين فقد ضمهما إلى وحدة غير منظورة كما
أن كل واحد يعرف أن الإنسان واحد لا اثنان مع أنه مؤلف من نفس وجسد فإنه واحد في
كليهما. ولذلك عندما نفكر تفكيراً صحيحاً نحوّل الشخص الإلهي والشخص الإنسان إلى
الشخص الواحد بعينه.

(24)
هذا تعليم أوطيخا بأن المسيح طبيعة واحدة من طبيعتين؟ ويتساءل هنا القديس لاون حول
هذا الكفر كيف تكون الطبيعتين موجودتين قبل التجسد؟ هل الطبيعة البشرية سرمدية كما
الطبيعة الإلهية؟.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى