علم

رسالة كيرلس إلى نسطور (01)



رسالة كيرلس إلى نسطور (01)

رسالة
كيرلس إلى نسطور (01)

إلى
الجزيل الاحترام المحب لله زميلنا في الخدمة نسطوريوس، تحية بالرب من كيرلس
والمجمع المنعقد في الإسكندرية في أبرشية مصر.

إذا
كان المخلّص يقول بجلاء: “إن من أحب أباً أو أماً أكثر مني فلن يستحقني ومن
أحب ابناً أو بنتاً أكثر مني فلن يستحقني” (متى 10-37) فماذا يحل بنا
وقداستكم تطلبون منا أن نحبكم أكثر من محبتنا للمسيح مخلصنا جميعاً؟ ومن يشفع فينا
يوم الدينونة؟ وأي عذر نقدمه لالتزامنا الصمت كل هذا الوقت الطويل في ما يتعلق
بالتجاديف التي جئتم بها ضده؟ ولو أنكم آذيتم نفسكم وحدها باعتقادكم بهذه التعاليم
وتبشيركم بها لكانت القضية أقل خطورة. أما وقد سببتم المعاثر للكنيسة كلها بصورة
واسعة وألقيتم بين الشعب خميرة بدعة جديدة وغريبة، ليس بين القاطنين في
القسطنطينية فحسب، بل بين الشعب في كل مكان وصلت إليه الكتب متضمنة تفاسيركم، فكيف
يمكننا والحالة هذه أن نجد عذراً لسكوتنا؟ وكيف لا نرغم على أن نذكر أن المسيح
قال: “لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض. لم آتِ لألقي سلاماً لكن
سيفاً. أتيت لأفرّق الإنسان عن أبيه والابنة عن أمها” (متى 10: 34 و35) لأنه
إذا اتصل الأذى إلى الإيمان بطل الإكرام الواجب للوالدين بل حلّ به انحلال أو
فساد. وصمتت شريعة المحبة الرقيقة نحو البنين والأخوة وصار الموت خيراً من الحياة
للأتقياء “ليحصلوا، كما كتب، على قيامة أفضل”.

 

 

لذلك
هوذا نحن بالاتفاق مع المجمع المقدس الذي التأم في رومة العظمى، برئاسة الجزيل
القداسة والاحترام أخينا وزميلنا في الخدمة كيلستين الأسقف، نعلن بهذه الرسالة
الثالثة لكم وننصح بأن تنبذوا اعتقاداتكم الفاسدة المعوّجة التي تبشرون بها وأن
تقبلوا الإيمان القويم الذي سلمه للكنائس منذ البدء الرسل والقديسون والإنجيليون
الذين كانوا شهود عيان وخداماً للكلمة. وإذا كنتم، قداستكم، لا تريدون أن تفكروا
وتعتقدوا بحسب الحدود التي وضعها كتابة أخونا المطوّب الذكر والحزيل الاحترام
وزميلنا في الخدمة كيلستين، أسقف كنيسة رومية، فثقوا أنه لن يكون لكم نصيب معنا
ولا شركة أو مقام بين كهنة الله وأساقفته. إذ لا يسعنا أن نهمل أمر الكنائس التي
اضطربت والشعب الذي خامرته الشكوك والخراف التي شردت وتفرقت بسببكم والتي يدعونا
الواجب أن نرشدها إلى الخلاص إذا كنا نحن أنفسنا معتمصين حقاً بالإيمان القويم
ومتبعين عبادة الآباء القديسين.

 

ونحن
في شركة مع العوام والإكليريكيين الذين قطعتموهم قداستكم من الشركة أو فصلتموهم من
الكهنوت بسبب إيمانهم. لأنه ليس من العدل أن يتألم الذين ثبتوا في الاعتقاد القويم
وكانوا على جانب الصواب في مقاومتكم لأنكم هكذا تريدون. وقد ذكرتم هذا الشيء نفسه
في رسالتكم التي كتبتموها إلى زميلنا الجزيل القداسة كيلستين أسقف رومية.

 

ولكن
لا يكفي أن سيادتكم تعترفون معنا بدستور الإيمان الذي وُضع سابقاً بإلهام الروح
القدس في المجمع الكبير المقدس في نيقية. لأنكم لم تعتصموا به ولم تفسروه تفسيراً
قويماً، بل شوهتم معناه وإن لفظتم بفمكم كلماته ذاتها، بل يجب عليكم فوق ذلك أن
تعترفوا كتابةً وتؤيدوا ذلك بقسم أنكم تبسلون معتقداتكم هذه الفاسدة الكريهة،
وأنكم تؤمنون وتعلمون بكمل ما نعتقد ونؤمن به نحن الأساقفة ورؤساء الشعب في الشرق
والغرب. إن مجمع رومة المقدس ونحن كلنا موافقون على ما جاء في الرسالة التي بعثت
بها إلى قداستكم كنيسة الإسكندرية وأنها رسالة قويمة لا عيب فيها. وقد أضفنا إلى
ذلك رسالتنا هذه وكل ما يجب أن تعتقدوا به وتعلموه وكل ما يجب أن تعتنوا في تجنبه
ونبذه. وإليكم الآن إيمان الكنيسة الجامعة الرسولية الذي اتفقت عليه كلمة الأساقفة
المستقيمي الرأي شرقاً وغرباً.

 

“قانون
الإيمان النيقاوي-القسطنيني… أما الذين يقولون أنه كان وقت لم يكن فيه، وأنه قبل
أن ولد لم يكن، وأنه قد صنع من العدم، أو كان من مادة أو جوهر آخر. أو أن ابن الله
كان قابلاً للتغيير والتبدل. فهؤلاء تبسلهم الكنيسة الجامعة الرسولية”.

 

وإننا
إذ نتبع في كل النقاط اعترافات الآباء القديسين (إذ كان الروح القدس يتكلم
بألسنتهم) وإذ نجري على منوالهم في التفكير دون أن نحيد عن الجادة المرسومة نعترف
بأن الكلمة الوحيد المولود من الآب، المولود من جوهر الآب نفسه، الإله الحق من
الإله الحق، النور من النور، الذي به كان كل شيء ما في السماء وما على الأرض نزل
لأجل خلاصنا جاعلاً نفسه بلا شهرة وقد تجسد وتأنس أعني أنه اتخذ جسداً من العذراء
القديسة جاعلاً إياه جسده من البطن فعرض نفسه للولادة لأجلنا وولد إنساناً من
امرأة دون أن ينزع عنه طبيعته التي كانت له. ومع أنه اتخذ جسداً ودماً بقي كما كان
إلهاً في الجوهر وفي الحقيقة فلا نقول أن الجسد تحول إلى الطبيعة الإلهية ولا أن
طبيعة كلمة الله التي لا يمكن وصفها عزلت جانباً من أجل الطبيعة البشرية. لأنه غير
متغير ولا يعتريه تغيير على الإطلاق وهو هو دائماً كما أعلن عنه الكتب المقدسة.
لأنه وإن كان منظوراً وطفلاً ملفوفاً في أقمطة، وإن كان في بطن العذراء أمه فهو
مالئ الخليقة كلها إلهاً وسيداً للخليقة ومساوٍ للذي وَلَده لأن الإله الرأس لا
وصف له ولا امتداد ولا حدود.

 

إننا
نعترف بأن الكلمة صار واحداً مع الجسد حسب الجوهر فنعبد الشخص الواحد الابن والرب
يسوع المسيح. إننا لا نفصل الله عن الإنسان ولا نقسمه إلى أجزاء كأن الطبيعتين قد
اتحدتا فيه وحده اتحاداً متبادلاً بواسطة الاشتراك في الكرامة والسلطة، (فإن ذلك
شيء غير اعتيادي ليس إلا) فلا نطلق الاسم “المسيح” على كلمة الله وحده،
أو على الشخص الذي ولد من امرأة دون سواه. ولكننا نعترف بمسيح واحد لا غير، كلمة
الله الآب بجسده. لأنه كإنسان مُسح معنا مع أنه هو نفسه يمنح الروح القدس للذين
يستحقونه “ولا يعطيه بمقدار” حسب شهادة الإنجيلي المغبوط (يوحنا 3: 34).

 

ولكننا
لا نقول أن كلمة الله حلت فيه حلولاً فيه حلولها في رجل عادي مولود من العذراء
مريم لئلا يعتبر المسيح كأنه إله متوشح إنساناً. لأنه وإن يكن الكلمة أقام في
وسطنا فقد قيل أيضاً في المسيح “يحل كمال اللاهوت بالجسد”. ولكننا نفهم
أنه صار جسداً على سبيل القول أنه يسكن في القديسين. بل إن ذلك الحلول كان فيه
بحسب المساواة. فجعل واحداً بحسب الجسد ولم يتحول إلى جسد وجعل مسكنه فيه على مثال
قولنا أن نفس الإنسان اتخذت مسكنها في جسده.

 

فالمسيح
إذن هو نفسه الابن والرب، وليس كإنسان توصل إلى هذا الاتحاد مع الله كأنه اتحاد في
الكرامة أو في السلطة لا غير. لأنه ليس التساوي في الكرامة سبب اتحاد الطبيعتين،
فإن هذا يشبه قولنا أن الرسولين بطرس ويوحنا، وهما متساويان في الكرامة إذ أن كلا
منهما رسول وتلميذ، وقد صارا واحداً وهما مع ذلك انثان لا واحد. ولسنا كذلك نفهم
أن الاتحاد إنما كان اتحاداً بالاسم فإن هذا لا يكفي للدلالة على الوحدة الطبيعية.

ولا
يعني ذلك الاشتراك النسبي كاتحادنا مع الرب كما قيل “أننا معه روح
واحد”. فإننا نسقط بذلك معنى الاتحاد فيزول مفهوم الوحدة الملطلقة التامة.
ولا ندعو كلمة الله الآب إله المسيح أو ربه. ولا نقسم صراحةً المسيح الواحد إلى
اثنين الابن والرب فنسقط في التجديف يجعلنا إياه إلها ورباً لذاته. لأن كلمة الله،
كما أسلفنا القول، صار مع حفظه خاصته الأقنومية واحداً في الجسد وهو مع ذلك إله
الكل وضابط الكل. على أنه ليس عبداً لنفسه ولا هو رب نفسه. فإن تعليماً كهذا يعد
حماقة وكفراً. لأنه قال أن الله أبوه مع أنه هو الله بطبيعته وجوهره. ومع ذلك لا
نجهل أنه مع بقائه إلهاً صار هو أيضاًَ إنساناً وخاضعاً لله حسب الشريعة الملائمة
للناسوت. ولكن كيف يمكن له أن يصير إلهاً ورباً لنفسه؟ إنه بسبب أنه إنسان، وبسبب
مقدار خضوعه، قيل عنه أنه مساوٍ لنا في خضوعه لله فصار هكذا تحت الشريعة في حين
أنه، وهو الله، كان واضع الشريعة ومعطيها.

 

إننا
نبذل عناية فائقة فيما نقوله عن المسيح. “إنني أعبد الواحد الذي اتخذ بسبب
الواحد الذي اتخذه. وأعبد المنظور بسبب الواحد غير المنظور”. إنه لفظيع أن
نقول في هذا الشأن هكذا: “إن من اتخذ ومن أُتخِذ كليهما يدعى الله”. لأن
مثل هذا القول يقسم المسيح أيضاً إلى اثنين ويجعل كلاً من الإنسان والله منفصلاً
بذاته. لأن هذا القول ينكر صراحة الواحدة ويكون الواحد بموجبه غير مسجود له في
الآخر ولا الله موجوداً مع الآخر. على أن يسوع يعتبر واحداً الابن الوحيد الذي يجب
أن يسجد له ولجسده الإنساني سجوداً واحداً.

 

إننا
نعترف أنه الابن المولود من الله الآب، الابن الوحيد لله، مع أنه بحسب طبيعته هذه
لم يكن عرضة للألم فقد تألم مع ذلك لأجلنا في الجسد على ما جاء في الكتب. ومع
استحالة ذلك فقد جعل بجسده المصلوب آلام جسده آلامه خاصة وبنعمة الله ذاق الموت عن
الجميع. وقدّم لذلك جسده الخاص. مع أنه كان هو نفسه بطبيعته الحياة والقيامة.

 

حتى
أنه إذ داس الموت بقوته التي لا ينطق بها صار بجسده الخاص بكر الناهضين من الأموات
وباكورة ثمار الراقدين. ومهّد طريقة لطبيعة الإنسان لتدرك عدم الفساد بنعمة الله،
كما قلنا الآن. إنه ذاق الموت عن كل إنسان وبعد ثلاثة أيام نهض ثانية وقد سبى
الجحيم. وهكذا، قيل أن القيامة من الموت صارت بإنسان، نفهم مع ذلك أن هذا الإنسان
كان كلمة الله وبواسطته انحلت قدرة الموت وسيأتي عند كمال الزمان كالابن الوحيد
والرب، في مجد أبيه، ليدين العالم بالبر والعدل كما كتب.

 

ولا
بد من أن نضيف هنا أننا إذ نعلن موت الابن الوحيد، ابن الله، أي يسوع المسيح، بحسب
الجسد معترفين بقيامته من الأموات وصعوده إلى السماء نقدم الذبيحة غير الدموية في
الكنائس ونمضي في إتمام سر الشرك ونتقدس بتناولنا جسده المقدس ودمه الكريم، جسد
المسيح مخلصنا جميعاً ودمه. ولا نتناوله كجسد عادي، لا سمح الله، ولا كجسد إنسان
تقدس واتحد مع الكلمة حسب وحدة الكرامة أو حسب السكنى في اللاهوت، بل نتناوله بأنه
المعطي الحياة حقاً وجسد الكلمة نفسه. لأنه هو الحياة حسب طبيعته كإله ولما اتحد
بجسده جعله مانحاً للحياة كما قال هو نفسه أيضاً: “الحق الحق أقول لكم إن لم
تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه”. فلا يجوز أن نفكر أنه جسد إنسان مثلنا
لأنه كيف يمكن أن يكون جسد إنسان مانحاً الحياة بحسب طبيعته الخاصة؟. ولكن إذ قد
صار ما هو حقيقة هو نفسه الذي لأجلنا دعي ابن الإنسان. زِد على ذلك أن كل ما ورد
في البشائر من أقوال المسيح عن نفسه لا نميزه بافتراض صدوره عن شخصين إذ لا يجوز،
وهو نفسه المسيح الواحد، أن يخطر بالبال أنه اثنان. ومع أنه مؤلف من طبيعتين
مختلفيتين فقد ضمهما إلى وحدة غير منظورة كما أن كل واحد يعرف أن الإنسان واحد لا
اثنان مع أنه مؤلف من نفس وجسد (02) فإنه واحد في كليهما. ولذلك عندما نفكر
تفكيراً صحيحاً نحوّل الشخص الإلهي والشخص الإنسان إلى الشخص الواحد بعينه.

 

لأنه
وهو يتكلم عن نفسه كإله: “من رآني فقد رأى الآب” و”أنا وأبي
واحد” نعتبر هنا طبيعته الإلهية التي لا ينطق بها وهو بموجبها واحد مع أبيه
إذ الجوهر واحد “صورة ورسم وبهاء مجده”. ولكنه مع عدم ازدرائه لناسوته
قال لليهود: “إنكم تطلبون قتلي لأني إنسان قلت لكم الحق”. ثم نعترف
أيضاً، كما نعترف قبلاً، أنه كلمة الله من نسبه وشبهه للآب ومن ظروف ناسوته: لأنه
إذا كان من المحتم أن نؤمن أنه، وهو إله بالطبع، صار جسداً أي إنساناً ذا نفس
عاقلة فأي داعٍ لأن يخجل البعض بكلامه هذا عن نفسه وهو لائق به كإنسان؟. لأنه إذا
وجب أن ننبذ كل ما قيل عنه كإنسان فمن الذي أرغمه أن يصير إنساناً على شبهنا؟.
وإذا شاء أن يواضع نفسه بمشيئته لأجلنا فما الذي يحمل أي شخص على رفض هذه الأقوال
الملائمة لهذا التنازل؟ ولذلك فكل الأقوال الواردة في البشائر يجب أن تنسب إلى شخص
واحد، إلى أقنوم واحد، أقنوم الكلمة المتجسد.

لأن
الرب يسوع المسيح هو واحد حسب الكتب المقدسة ودعي رسول إيماننا أو رئيس كهنة
إيماننا بتقديمه لله وللآب اعتراف الإيمان الذي نقدمه له وبواسطته لله الآب ولله
الروح القدس. ومع ذلك نقول أنه، بحسب الطبيعة، ابن الله الوحيد ولا ننسب لأي إنسان
سواه الكهنوت وكونه الوسيط بين الله والإنسان الذي صالحنا لأجل السلام بتقديمه
نفسه رائحة طيب ذكي لله وللآب. ولذلك قال هو أيضاً: “إنك لا تريد ذبائح
وتقادم. ولكنك أعددتني جسداً. إنك لا تسر بالذبائح والمحرقات لأجل الخطيئة. حينئذ
قلت هاأنذا آت، كما كتب عني في الكتاب، لأصنع مشيئتك يا الله”. لأنه من أجلنا
قدم جسده كرائحة طيب ذلك وليس لأجله هو شخصياً. لأن أي تقدمة أو ذبيحة كان هو في
حاجة إليها عن نفسه وهو الله المنزه عن كل خطيئة؟. “لأن الجميع خطئوا وكانوا
دون مجد الله”. وقد صرنا هكذا معرضين للسقوط وسقطت طبيعة الإنسان في الخطيئة.
أما هو فقد تنزه عن ذلك (ولذلك كما دون مجده). فكيف يمكن أن يخامرنا شك في أن
الحمل الحقيقي مات عنا ولأجلنا؟ وإذا قلنا أنه قدم نفسه عن نفسه وعنا نحن فلا ننجو
بذلك من الوقوع في التجديف. لأنه لم يرتكب خطيئة على الإطلاق فلأي شيء يحتاج إلى
التقدمة وهو بلا خطيئة والذبائح إنما تقدم لأجل الخطايا؟. ولكنه عندما تكلم عن
الروح القدس قال: “إنه سيمجدني”. فإذا كنا نفكر تفكيراً قويماً لا يمكن
أن نقول أن المسيح والابن، وهو واحد، كان في حاجة إلى أن يمجده آخر وأن يتلقى
المجد من الروح القدس. لأن الروح القدس ليس أعظم منه أو فوقه ولكنه استخدم الروح
القدس ليظهر لاهوته الخاص في أعماله المجيدة ولذلك قيل أنه مُجِّد به. كما لو أن
واحداً منا قال وهو يتحدث عن قوته الخاصة أو عن معرفته إن هذه القوة أو هذه
المعرفة تمجدني. لأنه وإن كان الروح القدس هو من ذات الجوهر مع ذلك نفكر به
أقنومياً أنه الروح وليس الابن ولكنه لا يختلف عنه لأنه دعي روح الحق والمسيح وهو
الحق، وقد أرسله كما أرسله الله الآب. وعندما صنع الروح القدس عجائب على أيدي
الرسل القديسين بعد صعود يسوع المسيح ربنا إلى السماء مجّده الروح القدس. لأننا
نؤمن أن الذي يعمل بواسطة روحه القدوس هو الله بحسب الطبيعة. ولذلك قال:
“وسيأخذ مني ويظهر لكم”. ولكننا لا نقول هذا كان الروح القدس هو حكيم
ومقتدر بواسطة مشاركته لأخر. لأنه كلي الكمال وليس في حاجة إلى شيء. ولذلك فما دام
روح قوة الآب وحكمته (أي قوة الابن وحكمته) فهو ولا شك الحكمة والقوة.

 

وما
دامت العذراء القديسة ولدت بالجسد الله الذي صار واحداً مع الجسد بحسب الطبيعة،
لهذا السبب ندعوها والدة الإله ولا نعني بذلك أن طبيعة الكلمة كانت بداية وجودها
من الجسد.

 

بل
“في البدء كان الكلمة والكلمة كان الله وكان الكلمة عند الله” (يوحنا 1:
1) وهو صانع الدهور، مساوٍ للآب في الأزلية ومبدع الكل. ولكن كما قلنا سابقاً إذ
ضم إلى نفسه أقنومياً طبيعة بشرية في بطنها أخضع نفسه لأن يولد كإنسان ليس لأنه في
حاجة بحسب طبيعته الخاصة للولادة في وقت، وفي آخر الأزمنة في هذا العالم. ولكن لكي
يتمكن من أن يبارك بداية وجودنا حتى أن الذي سلم أجساد كل جنسنا البشري الترابية
إلى الموت يخسر اللعنة: “بالأحزان والأوجاع تلدين الأولاد” يظهر حقيقة
ما قيل بالنبي “وابتلعهم اقتدار الموت ومسح الله من كل وجه كل دمعة”.
ولهذا نقول أيضاً أنه وقد دعي حضر وبارك العرس في قانا الجليل مع رسله القديسين
بحسب التدبير الإلهي. وقد تعلمنا أن نعتقد بهذه الأشياء من الرسل والإنجيليين
القديسين ومن الكتب المقدسة الموحى بها من الله ومن اعتراف الآباء المباركين
القويم.

 

فيجب
على جزيل وقاركم أن توافقوا على هذا كله وتتبعوه دون مواربة وأما ما يجب أن تبسلوه
فقد ألحقناه برسالتنا هذه.

————–

(01)
عن “مجموعة الشرع الكنسي” للأب حنانيا الياس كساب ص (301-306). مترجمة
عن: مين، الآباء اليونانيون، المجلد 77، الحقل 105 وما يليه. ومن هذه الرسالة مع
الرسالة إلى يوحنا الأنطاكي استمد مجمع خلقيدونية تعليمه الخريستولوجي (طبيعتين في
المسيح الواحد) عند فحصه لطومس لاون.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى