علم

التعليم الإفخارستى للقديس كيرلس الأسكندرى [1]



التعليم الإفخارستى للقديس كيرلس الأسكندرى [1]

التعليم
الإفخارستى
للقديس كيرلس
الأسكندرى[1]
[1]

القس
عزرا جبريمدهين

الأستاذ
بجامعة أوبسالا بالسويد

نبذة
تاريخية

بحسب
المذكرات التاريخية (
Chronicles) ليوحنا أسقف نقيوس، فقد وُلد القديس كيرلس الأسكندرى فى بلدة
ثيئودوسيون بمصر السفلى وهى بلدة تقع بالقرب من موقع المحلة الكبرى الحالية أو
ربما فى نفس موقعها [2]
[2].
سنة
ميلاده غير معروفة بالضبط، وقد اقتُرحت سنة 378 كتاريخ محتمل لميلاده. وبعد وفاة
خاله (البابا ثاؤفيلس) فى 15 أكتوبر سنة 412 أُقيم القديس كيرلس أسقفًا لكرسى
الأسكندرية فى 17 أكتوبر سنة 412. وتوفى القديس كيرلس سنة 444 بعد 32 سنة من
قيادته للكنيسة وتميزت سنوات قيادته بإنتاج ضخم من الكتابات فى خدمة شرح الإيمان
المسيحى ومحاربة الهراطقة [3]
[3].

 

تأثير
القديس كيرلس على كنائس العالم المسيحى

تجاوز
تأثير كيرلس حدود موطن ميلاده (مصر). فالكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية تعتبره
معلمها الأول. وأقدم وأهم كتبها العقائدية يحمل اسم “كيرلوس” (
Qêrillos). وهذا الكتاب يحوى ترجمات لكتبه إلى لغة “الجيز” (Geez): “الإيمان المستقيم إلى الإمبراطور ثيئودوسيوس” (De Recta fide)؛ “خطاب إلى ريجيناس”، و”المسيح واحد” كما
يحوى ترجمات لمجموعة من العظات ومقتطفات من أعمال عدد من الآباء باليونانية مترجمة
إلى “الجيز”.

وكنيسة
روما الكاثوليكية تعتبر القديس كيرلس بطل الإيمان الجامع والمدافع عن هذا الإيمان
فى الشرق. وقد أعطى ” المجمع المقدس للعقائد ” بروما للقديس كيرلس لقب
” دكتور الكنيسة ” فى 28 يوليو 1882. ولا يزال اللاهوتيون الكاثوليك
يمسكون بموقف القيادة كتلاميذ للقديس كيرلس.

ويجدر
بالملاحظة أن ممثلاً بارزًا للاهوت اللوثرى، ” مارتن شيمنتز” (
Martin Chemnitz) فى شرحه للتعليم العقائدى عن المسيح (Christology) يستند إلى 3 مراجع هم: كيرلس، ويوحنا الدمشقى ولوثر. وبعد مرور
أكثر من 1500 سنة على نياحة القديس كيرلس، فإن دوره المؤثر كصانع للوحدة فى
الكنيسة فى عصرنا لا يزال معترفًا به ومحترمًا على نطاق واسع.

 

لاهوت
القديس كيرلس الإفخارستى وأساسه الخريستولوجى

تعليم
القديس عن الإفخارستيا هو إيضاح لجهد نشيط وثابت ومتين لتطبيق التعليم
الخريستولوجى على مجال العبادة والحياة [4]
[4]. فتعليم كيرلس عن التجسد (الخريستولوجى) مبنى على فهمه ليوحنا(14:
1) وفيلبى(7: 28). وبالنسبة للقديس كيرلس فإن عجيبة التجسد تظهر ليس فقط حقيقة أن
“الكلمة صار جسدًا”؛ بل أيضًا فى “أنه هو فعلاً وحقًا صار
جسدًا”[5]
[5]. وهذا التأكيد يشرح لنا لماذا يستطيع القديس كيرلس أن يستعمل لغة
جريئة جدًا فى حديثه عن ما هو جسد المسيح وما الذى يستطيع جسده أن يحققه كما سنرى
فيما بعد فى هذه الدراسة. فالقديس كيرلس يقول إن التجسد يعطى للاهوتى المسيحى حرية
فى التعبير لا سابق لها. فالتجسد لم يحطم فقط الحاجز الروحى بل حطم أيضًا حاجز
اللغة بين الله والإنسان. وبالنسبة له فإن التدبير لم يقم فقط بجعل الله أقرب إلى
الإنسان، بل أيضًا أعطى الإنسان الضوء الأخضر ليجرؤ على الحديث عن الخصائص
الإنسانية لله، وعن الخصائص الإلهية للإنسان رغم أن هذا الحديث ينبغى أن يتم فى
داخل إطار التجسد حصرًا. هذه ربما تكون أكثر مساحات تعليم القديس كيرلس
الخريستولوجى حسمًا ودقة. وبالنسبة له فإن “تبادل الخصائص (
Communicatio idiomatum) لا ينبغى أن تفهم بمعنى مجازى بل بمعنى واقعى ملموس إذ تشترك
الطبيعة البشرية فى الخصائص الإلهية والطبيعة الإلهية تشترك فى الخصائص البشرية.

وبالنسبة
للقديس كيرلس، فإن الإنسان المائت يشترك فى جسد ذاك ” الذى هو الحياة
بالطبيعة ” لكى يعود إلى حالة ” عدم الفساد ” (عدم الفناء).

 

جسد
الكلمة الذاتى (الخاص به)

يكرر
القديس كيرلس كثيرًا تلقيب جسد المسيح بأنه ” خاصة الكلمة ” أو ”
خاص بالكلمة ذاته” أو “جسد الكلمة الذاتى”. وفى رسالته الثالثة إلى
نسطوريوس يكتب: “ونحن نكرز بموت ابن الله الوحيد، يسوع المسيح، ونعترف
بقيامته من بين الأموات وصعوده إلى السموات، فإننا نقدم الذبيحة غير الدموية فى
الكنائس، وهكذا نتقبل البركات السرية ونتقدس، ونصير مشتركين فى الجسد المقدس والدم
الكريم للمسيح مخلصنا جميعًا، ونحن نفعل هذا لا كأناس يتناولون جسدًا عاديًا
(حاشا) أو جسد رجل متقدس ومتصل بالكلمة حسب اتحاد الكرامة، ولا كواحد قد حصل على
حلول إلهى، بل هو الخاص للكلمة نفسه المعطى الحياة حقًا. وهو كإله، فهو بالطبيعة
الحياة أو بسبب أنه صار واحدًا مع جسده الخاص، أعلن أن جسده معطى الحياة [6]
[6].

هذه
الكلمات تعطينا ملخصًا مختصرًا لتعليم القديس كيرلس الإفخارستى وأساسه
الخريستولوجى، كما أن هذه الكلمات تكشف عن خلاف بين نوعين من التعليم عن التجسد
كما فهمهما القديس كيرلس: أى التعليم الذى تمثله كنيسة الأسكندرية وفهمها للتجسد
أساسًا بلغة ” اتحاد ” (
Henosis) اللاهوت بالجسد، والتعليم الآخر الذى تمثله كنيسة إنطاكية وفهمها
للتجسد أساسًا بلغة “حلول”(
enoikesis) اللاهوت فى الجسد الإنسانى أو اتصال(Synaphia)
الطبيعتين الإلهية والبشرية فى المسيح.

 

وصفه
للجسد إنه خاصة الكلمة أو خاص به

استعمال
القديس كيرلس لتعبير أن الكلمة ” جعل الجسد البشرى خاصًا به ” لا
يعنى أن الجسد خاص بالكلمة فى ألوهيته. الجسدية ليست إحدى خصائص الله كإله.
فالكلمة بظهوره فى الجسد لا يتخلى عن ألوهيته. والجسد الذى يتخذه الكلمة لا يتحول
إلى لاهوت. إن استعمال القديس كيرلس لتعبير ” خاص به ” هو مرتبط حصرًا
بالتجسد، أى بالاتحاد الفريد بين الله والإنسان المتمثل فى هذا الحدث. وبقوله إن
الكلمة جعل الجسد البشرى خاصًا به، فإن القديس كيرلس يعنى بذلك أن الكلمة يدع
مقاييس الإنسانية تعم عليه. إن ظهوره فى الجسد هو شهادة لكونه أنزل نفسه بإرادته
وأخذ صورة عبد. ورغم أنه ملفوف بالأقماط، فهو لا يزال يملأ الكون كله.

وبالاختصار
فحقيقة أن القديس كيرلس يتحدث عن جسد الكلمة الخاص، لا تعنى اختلاطًا للجسد باللاهوت
(وهذه هرطقة أبوليناريوس أسقف اللاذقية) ولا مجرد حلول اللاهوت فى جسد بشرى (كما
عَلَّم نسطور وبعض الإنطاكيين بذلك)، بل بالحرى اتحاد حقيقى وحميم ويفوق الفهم.
ويدافع القديس كيرلس عن تعليمه بأن ما يستطيع وحده أن يحيى الإنسان المائت ويهبه
عدم الفساد هو فقط الطبيعة البشرية المتحدة باللاهوت ” اتحادًا أقنوميًا
” أو “بحسب الأقنوم “. ولذلك فإن اتحاد الطبيعتين فى المسيح الذى
بفضله يمكن أن يصير جسد المسيح ” معطيًا الحياة ” يوفر الأساس لتسمية
جسد المسيح فى الإفخارستيا بأنه ” معطى الحياة ” أو ” محيى “.

ويؤكد
القديس كيرلس الدافع الخلاصى وراء التجسد حينما يقول: ” نؤكد، إذن أنه بسبب
كون الطبيعة البشرية فسدت كنتيجة لتعدى آدم، وصار ذهننا خاضعًا تحت سيطرة الميول
الجسدانية، صارت هناك حاجة أن يصير كلمة الله إنسانًا لأجل خلاصنا نحن البشر
الأرضيين وليجعل الجسد البشرى الخاضع للاضمحلال والذى تلوث بالشهوات الحسية، يجعله
خاصًا به (حيث إنه الحياة ومعطى الحياة)، لكى يبيد الفساد الذى فيه “.

وقبل
القديس كيرلس، فإن مرجعه القديس أثناسيوس وصف أسباب تجسد الكلمة بعبارات مشابهة: “..
إن حالتنا كانت الدافع لنزوله بيننا، وتعدينا، استدعى محبة الكلمة لجنس البشر
“.

 

وصف
القديس كيرلس لجسد المسيح بأنه جسد الكلمة المحيى (واهب الحياة)

القديس
كيرلس هو اللاهوتى الأسكندرى الذى يتميز بأنه يستعمل مفهوم الحياة (
Zoé) بالتحديد على أنها الحياة الإلهية، الحياة الفائقة للطبيعة، وفعل
” إعطاء الحياة ” أو ” إحياء” يُستعمل كثيرًا جدًا فيما يتصل
بالتجسد وبالإفخارستيا. المسيح هو معطى الحياة ليس فقط على مستوى طبيعى وفيزيقى بل
أيضًا على المستوى فوق الطبيعى. وفى أكبر كتاباته (شرح إنجيل يوحنا)، يؤكد القديس
كيرلس بقوة على الناحية الفائقة للطبيعة للحياة التى تُنقل بواسطة المعمودية
والإفخارستيا. فمن خلال الإفخارستيا يُمنح(الخلود) أو عدم الفساد للإنسان المائت.

عبارات
“محيى” و”حياة” يستعملها القديس كيرلس فى كل تسمياته تقريبًا
عن الإفخارستيا. وهكذا نجد تعبيرات ” اللحم معطى الحياة ” أو ” لحم
الحياة “. الجسد المعطى الحياة، ” جسد الحياة “. وتوجد عند القديس
كيرلس تسمية سائغة جدًا للإفخارستيا، وهى ” البركة المعطية الحياة ” (
eulogia Zoopion) كما أنه يتحدث أيضًا عن ” ذبيحة معطية الحياة “,
“تقدمات محيية”، أو حتى ” بذرة معطية الحياة “.

 

تشبيهات
للطريقة التى بها يعمل الجسد والدم المحييان فى نفوس الذين يشتركون فى الإفخارستيا

هذه
التشبيهات مأخوذة من العالم الطبيعى. أحد هذه التشبيهات هى العلاقة بين النار
والماء
ويُستعمل هذا التشبيه فيما يتصل بتفسير يوحنا (54: 6) “من يأكل
جسدى ويشرب دمى، له حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الأخير “. ويُفسر هكذا: ”
المياه بطبيعتها باردة ولكن عندما تُسكب فى إناء وتُوضع على النار فإنها تترك
طبيعتها وتكتسب قوة النار. بالمثل، نحن رغم أننا فاسدون (مائتون) بسبب طبيعة اللحم،
إلاّ أننا نفلت من ضعفنا ونتحول إلى الحياة باختلاطنا بالحياة الحقيقية “.

تشبيه
آخر، الشرارة والقش: فالشرارة تُدفن فى القش لحفظ ” بذرة ” النار.
هكذا المسيح يخفى جسده الإفخارستى فى داخل حياة المؤمن كبذرة الخلود التى تحطم كل
فساد واضمحلال.

وهناك
تشبيه آخر يستعمله القديس كيرلس وهو قطعة الخبز التى تُغمس فى الخمر أو فى
الزيت لدرجة أنها تصل إلى التشبع، وبهذا يوضح فاعلية قوة الإفخارستيا المعطية فى
حياة المؤمن.

وإضافة
إلى ذلك يستخدم التشبيه المعروف عن علاقة الحديد بالنار لنفس الغرض. فرغم
أن الحديد ليس سوى حديد بطبيعته فإنه يمكن أن يمتلئ بقوة النار حينما يتحد بها.

هذه
التشبيهات تعطى فقط تلميحات إلى ما يفعله ” جسد المسيح المعطى الحياة ”
فى الإفخارستيا فى حياة المؤمنين. ففى كل التشبيهات نجد أن أصل ومصدر القوة
والطاقة، وعدم القابلية للفساد، وعدم الموت هو الطبيعة الإلهية. الطبيعة البشرية
هى دائمًا الطرف المُستقبل (المتلقى) المتقبل. الطبيعة البشرية هى متقبل وبواقع
التقبل نفسه تُرفع إلى مستوى المشاركة فى الطبيعة الإلهية، التى لم يكن ممكنًا أن
تصل إليها من ذات طبيعتها الخاصة.

ويعتبر
القديس كيرلس هذه المشاركة فى الطبيعة الإلهية إنها ” الحياة ” بأعمق
معنى للكلمة وأكثر أصالة. “جسد المسيح” وكذلك “الخبز والخمر”
بالمثل كلها تحمل هذه الحياة الإلهية لأنها متحدة بالكلمة الذى هو ” الحياة
بالطبيعة”. المؤمنون يصيرون مشاركين فى هذه الحياة الإلهية بواسطة نوال
الإفخارستيا.

 

هيمنة
اللوغوس على فهم القديس كيرلس لتقديس عنصرى الخبز والخمر

إن
ممارسة استدعاء الروح القدس على عنصرى الخبز والخمر فى الإفخارستيا كانت ممارسة
معروفة وثابتة فى الليتورجيات المصرية فى عصر القديس كيرلس. وفى كتابه “الرد
على يوليانوس ” يصور القديس كيرلس الروح القدس نازلاً من السماء ليتقبل
التقدمات الروحية للمؤمنين الملتفين حول الإفخارستيا. ويعتبر القديس كيرلس أن
الروح القدس يقابل النار الملموسة (أى النار الطبيعية) لمذابح العهد القديم، ولكن
على مستوى روحانى أعلى من العهد القديم. ولكن من الجهة الأخرى فإن القديس كيرلس
يؤكد أيضًا مرارًا على دور اللوغوس فى الإفخارستيا. وتفسير كيرلس لإنجيل (لوقا 19:
2220) إنما يعكس فهمه للتجسد فى إطار الإفخارستيا. فهو يتحدث بكل وضوح عن دور
اللوغوس فى تقديس القرابين. وفى رسالته إلى الشماس طيباريوس يكتب القديس كيرلس: ”
ولكننا نؤمن أن المسيح يقدس ويبارك ويكمل القرابين التى تُقدم ويُحتفل بها فى
الكنائس “. وهذا لا يعنى طبعًا أنه يوجد تناقض بين ” استدعاء الروح
” وبين ” استدعاء اللوغوس ” فى تعليمه اللاهوتى. ولكنه يبين كيف أن
فكره الإفخارستى مملوء تمامًا بتعليمه عن التجسد.

 

حضور
المسيح فى الإفخارستيا

يعتبره
القديس كيرلس أمرًا مسلّمًا به، أن ” صعود المسيح وتمجيده ” فى السماء
يفصل بين أيام المسيح على الأرض وبين حضوره فى الكنيسة فى الإفخارستيا. فهو يصرح
أنه كان من الضرورى أن ينطلق المسيح إلى أبيه وأن يحفظ تلاميذه بعد ذلك ملتصقين به
بواسطة الروح القدس. وأن ما يناله المؤمنون فى الإفخارستيا هو المسيح المُمجد. ومع
ذلك فإنه يبدو أن كيرلس لا يسمح للمعانى المتضمنة فى القيامة والصعود أن تؤثر على
اللغة التى يستعملها فى تعليمه عن الإفخارستيا. فبالنسبة لكيرلس فإن المسيح هو
اللوغوس، أولاً وأساسًا، وهو قوة الله الآتى المعطية للحياة الذى يتحرك دائمًا بين
الناس بقدرة غير منتقصة بالرغم من تجسده. فالكلمة (اللوغوس) هو الذى يعمل بلا
انقطاع فى المعجزات التى ترويها الأناجيل، فى خدمته للناس قبل قيامته أم بعد
قيامته. ولهذا يشعر كيرلس بحرية تامة عندما يستعمل إشارات تاريخية أو كتابية عن
حضور المسيح وعمله بين الناس، كنقطة انطلاق لحديثه عن حضور وعمل المسيح فى
ليتورجية الإفخارستيا.

وفى
تعليقه على يوحنا (53: 6) يشير القديس كيرلس إلى إقامة يسوع لابنة رئيس المجمع من
الموت (لو54: 8) وكذلك إلى إقامة ابن أرملة نايين (لو12: 7). ويكتب: ” وإن
كان بلمس جسده المقدس، هو يعطى الحياة (للجسد) الذى مات، فكيف لا ننتفع نحن
بغنى أكثر بالبركة المعطية للحياة حينما نذوقها نحن أيضًا؟
“.

هذه
الكلمات تؤكد لنا أمرين. الأول أن القديس كيرلس يؤمن بالاستمرارية بين جسد المسيح
المعطى الحياة الذى أقام الفتاة الصغيرة وأقام الشاب وبين الجسد الحاضر والذى يؤكل
فى الإفخارستيا. والأمر الثانى، أن الاختلاف بين أحداث خدمة المسيح فى الأناجيل
وبين الإفخارستيا يكمن فى الطرق المتنوعة للمشاركة كما تتضح من اختبار لمس جسده
(فى حالة المعجزات المذكورة) بالمقارنة بأكل جسده (فى الإفخارستيا). ولكن كيرلس لا
يميز بين فاعلية جسد المسيح فى صنعه للمعجزات وبين حضور المسيح فى الإفخارستيا.

ويظهر
عدم ميل القديس كيرلس للتمييز بين كيفية حضور المسيح بين المؤمنين أيام خدمته على
الأرض وبين حضوره وسط المؤمنين وهو فى حالته المُمجدة، يُظهر عدم ميله هذا، فى
تفسيره لإنجيل يوحنا (17: 20) ” قال لها يسوع لا تلمسينى لأنى لم أصعد بعد
إلى أبى “، فيكتب معلقًا: ” إذن فهذا المثال يُطبق فى الكنائس. لذلك
فنحن أيضًا نمنع عن المائدة المقدسة أولئك الذين لم يؤمنوا بعد بألوهية المسيح ولم
يقدموا اعترافًا بالإيمان، أى أولئك الذين لا يزالون موعوظين، والذين لم يغتنوا
بعد بنوال الروح القدس. لأنه (الروح القدس) لا يسكن فى الذين لم ينالوا المعمودية.
ولكن حينما يصيرون مشتركين فى الروح القدس، فحينئذ لا يوجد أى شئ يعوقهم عن لمس
مخلصنا المسيح.. “.

يتضح
تمامًا من هذا الشرح أن كيرلس يجعل هناك توازيًا بين جسد المسيح المُقام (الذى لم
يُسمح لمريم بلمسه)، وبين قدسات الوليمة الإفخارستية أى الخبز والخمر اللذين تقدسا،
والذين لا يُسمح لغير المُعمّدين بلمسهما، فهو يسوّى بين جسد المسيح المُقام وبين
القدسات.

 

حضور
القوة
(dynamis) والطاقة (enérgeia) اللتان
للطبيعة الإلهية

يكشف
القديس كيرلس عن فهمه لجسد المسيح ودمه ك” معطيين للحياة ” باستعمال
مفهومى “القوة الإلهية” (
dynamis) والطاقة(enérgeia) الإلهية. هذان التعبيران يستخدمان كمؤشران للدلالة على وحدة
الفعل فى الثالوث الإلهى. وقد استخدم آباء الكنيسة هذين التعبيرين، أيضًا لشرح اتحاد
الطبيعتين الإلهية والإنسانية فى التجسد. فالقوة والطاقة الإلهية التى جعلت جسد
المسيح “معطيًا للحياة” أثناء حياته وخدمته على الأرض، جعلت الإفخارستيا
” معطية للحياة “.

حقيقتان
ينبغى أن نضعهما فى ذهننا ونحن نتحدث عن هذه الناحية من تعليمه عن الإفخارستيا.
فالعبادة المسيحية هى عبادة ” بالروح وبالحق ” بعكس طقوس وعبادات العهد
القديم، هذه الفكرة هى ملمح مهيمن فى فهم القديس كيرلس لليتورجية الإفخارستيا.
ولذلك فهو يدعو الإفخارستيا ” عبادة روحية ” و”ذبيحة روحية”
و” غذاء روحى “. ويشترك القديس كيرلس مع آباء عديدين غيره من كنيسة
الأسكندرية فى التعليم بأن ما تمنحه الإفخارستيا إنما نناله ” روحيًا ”
(
pneumatikos). هذه التعبيرات يمكن أن تعطى الانطباع بسهولة بأن فهم القديس
كيرلس لطريقة حضور جسد المسيح فى الإفخارستيا هى ” ديناميكية ” أو
” روحية ” أكثر منها “جسمية” أو ” مادية “.

وتعليم
القديس كيرلس فى هذه القضية ينبغى أن نعتبره جزءً لا يتجزأ من فهمه للتجسد. فعلى
مستوى التعليم الخريستولوجى (أى الخاص بالتجسد)، يؤكد القديس كيرلس أنه بعد التجسد،
فإن الطبيعتين الإنسانية والإلهية لا تقبلان الانفصال. وهذه النظرة ينبغى تتبعها
فى تعليم القديس كيرلس عن طريقة حضور المسيح فى الإفخارستيا. بالنسبة للقديس كيرلس،
فإن “المسيح واحد”. المسيح هو دائمًا إله وإنسان، روح وجسد؛ وفى
الإفخارستيا أيضًا، هو حاضر حضورًا كاملاً لوحدة الإله والإنسان ووحدة الروح
والجسد، رغم أنه بعد قيامته، فإن حالة وجوده وفعله بكمالهما هى حالة ”
روحانية “. ولكن هذه الحقيقة (أى حالته الروحانية بعد القيامة) لا تعنى أن
المسيح هو كائن إلهى بدون جسد. فالمسيح عند القديس كيرلس لا يمكن روحنته أبدًا إلى
الدرجة التى يكف فيها عن أن يكون حاضرًا ” جسديًا ” (
Somatikos) فى الإفخارستيا. فالمسيح نناله فى الإفخارستيا
“روحيًا” (
pneumatikos) و”جسديًا” (Somatikos). وهذا يعنى أنه
حاضر روحيًا وجسديًا معًا.

 

الهبات
التى تُمنح بواسطة الإفخارستيا

1
اشتراك فى حياة المسيح

أن
نشترك فى الإفخارستيا معناه أننا نشترك فى حياة المسيح. الإفخارستيا عند القديس كيرلس
هى طعام وشراب. هى ” بذرة معطية للحياة “، و” بذرة للخلود”.
وتأثيراتها ليست روحية فقط بل جسمية أيضًا. فأكل الإفخارستيا هو اتصال أكيد
بالمسيح الحى كما كانت لمسة يديه حينما شفى حماة بطرس أو حينما أقام ابنة يايرس أو
ابن أرملة نايين. فعن طريق الإفخارستيا يصير المؤمنون مشاركين جسميًا مع المسيح.
هم يصيرون شركاء طبيعة الله من خلال الروح القدس.

والمعمودية،
السر الذى يميل القديس كيرلس إلى ربطه أساسًا بمنح الروح القدس والذى يعتبره شرطًا
لا بديل عنه قبل نوال الإفخارستيا، هذا السر، (المعمودية) رغم ذلك، هو بداية فقط
للدخول إلى الحياة غير المضمحلة. الإفخارستيا، ” بذرة الخلود ” هى التى
تنفع الجسد وتخصبه بعدم الاضمحلال وعدم الفناء. ولكن ينبغى تناول الإفخارستيا
بانتظام لأجل تحقيق هذا الهدف. فهم القديس كيرلس لفعل الإفخارستيا هو فهم ”
فيزيقى ” (طبيعى) لدرجة أنه يعتبر عدم الانتظام فى تناول الإفخارستيا أنه
يعرض الحياة الأبدية للخطر (أو خطر يهدد الحياة الأبدية).

 

2
المائدة مكان لإعادة الإنسان

اعتبر
القديس كيرلس أن الحياة المسيحية كمعركة ضد قوات الشر وضد أهواء الجسد. فمائدة
الإفخارستيا بالنسبة له هى مكان لإعادة الإنسان إلى وضعه السابق ولإحيائه ولإعطائه
الراحة والغفران، ولتجهيزه للقتال ضد أهواء الجسد. إنها المكان الذى فيه تجابه قوة
اللوغوس (الكلمة)، نزوات الجسد وتنتصر عليها.

فى
الإفخارستيا، يدخل المسيح حياة المؤمنين ويهدئ الناموس الذى يثور فى أعضاء الجسد.
ويشعل التقوى نحو الله ويحطم الأهواء. المسيح لا يلصق تهمة التعديات بالخطاة بل
بالحرى يشفى مرضهم. وكراعى صالح، فهو يعصب جراح الذى يُسحق ويقيم الذى يسقط. يكتب
القديس كيرلس هكذا: ” فلندعه يمسك بنا أو بالحرى فلنمسك نحن به بواسطة
الأولوجية السرية، لكى يحررنا من أمراض النفس ومن هجمات الشياطين وعنفهم “[7]
[7] وإضافة إلى ذلك يؤكد القديس كيرلس أن: ” المائدة المقدسة،
جسد المسيح، تجعلنا أقوياء ضد الأهواء وضد الشياطين، لأن الشياطين تخاف من الذين
يتناولون الأسرار بوقار وتقوى”. وباختصار، فعن طريق الاشتراك فى الإفخارستيا،
فإن المؤمنين ينالون ما تصلى لأجله أنافورا القديس سرابيون قائلة: ” وأجعل يا
إله الحق كل الذين يشتركون فيها أن ينالوا دواء للحياة لأجل شفاء كل مرض ولأجل
التقوية فى كل تقدم وكل فضيلة، لا للدينونة، ولا للوم ولا للخزى “.

 

3
الإفخارستيا هى موحّدة للمؤمنين معًا

بالتوازى
مع تفكيره عن الإفخارستيا كصانعة للاتحاد بين المسيح والمؤمنين، يتحدث القديس
كيرلس عن اتحاد يتم بين المؤمنين بعضهم ببعض على أساس اشتراكهم فى جسد المسيح
الواحد. وبعبارة أخرى فإن تعليم القديس كيرلس يتحدث ليس فقط عن الاتحاد الذى تعطيه
الإفخارستيا فى اتجاهه الرأسى بين المسيح والمؤمنين بل يتحدث أيضًا عن هذا الاتحاد
فى اتجاهه الأفقى بين المؤمنين بعضهم ببعض. فيقول: ” من يستطيع أن يفصل ويفرق
هذا الاتحاد الطبيعى بين المؤمنين بعضهم ببعض أولئك الذين عن طريق جسد المسيح
المقدس هم مندمجون فى الوحدة مع المسيح؟ “. فمن خلال اشتراكهم فى الإفخارستيا،
يصير المؤمنون ” جسدًا واحدًا ” (
sussmoi)
مع المسيح. وأيضًا، فإن المؤمنين يصيرون ” جسدًا واحدًا ” (
sussmoi) بعضهم مع بعض بسبب أنهم يشتركون فى نفس جسد المسيح الطبيعى.
وهكذا، يمكن أن يُقال إن الاتحاد بالمسيح (وتبعًا لذلك الاشتراك فى الطبيعة
الإلهية) وكذلك الاتحاد بجماعة الإيمان، هما كلاهما هبتان مرتبطتان معًا وتُمنحان
بواسطة الإفخارستيا.

 

4
شروط الاشتراك فى الإفخارستيا والالتزمات المترتبة على تناولها

من
هو الذى يستحق أن يتقدم إلى وليمة الإفخارستيا؟ ما هى الشروط التى يضعها القديس
كيرلس لأجل التناول من السر بطريقة سليمة؟ القديس كيرلس لديه الاقتناع التام بأن
الاشتراك فى الإفخارستيا بالنسبة للمولودين من الله (يقصد المُعمّدين)، يعطيهم
بركة روحية. ومن الناحية الأخرى، بالنسبة لأولئك الذين لا يزالون يعانون من ازدواج
الفكر، أى التشكك، وأولئك الذين يتجهون إلى الارتداد (عن الإيمان)، فإن
الإفخارستيا تؤدى بهم إلى اللعنة والدينونة. الإنسان الذى يعيش فى الخطية علنًا
يجب أن يُمنع من الاشتراك فى الإفخارستيا. أما الذين يخطئون بسبب ” ضعف مختفى
فى العقل الباطن ” فيمكنهم أن يشتركوا فى بركة المسيح. فالتمييز المقصود هنا
واضح أنه تمييز بين خطية علنية بوقاحة وبين نوع من الخطية لا يشعر به المؤمنون
بوعى واضح، أو خطية لا يتغاضون عنها.

ومن
الواضح أنه توجد التزامات مترتبة على الاشتراك فى الإفخارستيا فينبغى على
المشترك أن يحيا كتلميذ تابع للمسيح. يحتاج الإنسان أن يكون له فكر المسيح وأن
يكون محبًا للفضيلة. وإحدى هذه الفضائل الأساسية هى ” ضبط النفس ” (
engkratia).

موقف
القديس كيرلس من نحو الذين يشعرون أنهم غير مستحقين للاشتراك فى الإفخارستيا هو
موقف رعائى وإنجيلى. وعندما يعلق على الآية (يو56: 6) ” من يأكل جسدى ويشرب
دمى يثبت فىَّ وأنا فيه ” وإذ يشير إلى للذين يقولون: ” أنا، بعد أن
فحصت نفسى أرى أننى غير مستحق ” يقول القديس كيرلس: [ متى، إذن ستكون مستحقًا..
متى ستقدم نفسك للمسيح؟ فإذا كنت دائمًا فى حالة خوف بسبب تعثرك، فإنك لن تكف عن
التعثر (لأنه، ” من هو الذى يعرف خطاياه “، كما يقول المرنم) وألاّ تكون
خاليًا تمامًا من التقديس الذى يحفظك (من التعثر) كلية؟ قرّر إذن أن تحيا حياة
مقدسة موافقة لوصايا الرب، وهكذا تناول من البركة، واثقًا أن الإفخارستيا لها
القوة أن تطرد ليس الموت فقط بل تطرد أيضًا المرض الذى فينا ].

وما
يؤكده القديس كيرلس هنا هو الحاجة إلى نية إيجابية، وإلى رغبة صادقة وتصميم على
السعى لنوال ما تقدمه الإفخارستيا وباختصار، إلى: إيمان وموقف نبيل متفتح، وليس
قائمة بالمؤهلات.

 

5
الإفخارستيا كزاد لرحلة روحية

يصور
القديس كيرلس أولئك الذين يتحدون بالمسيح وببعضهم البعض بواسطة الإفخارستيا كمن
يقومون برحلة روحية فى حياتهم وهى رحلة هدفها العظيم هو موهبة الخلود وبطلان
الفساد والاضمحلال كلية. ويشير القديس كيرلس إلى الحياة المسيحية كرحلة وإلى دور
الإفخارستيا فى تجهيز المؤمنين لهذه الرحلة وإن كان بطريقة غير مباشرة فى تعليقه
على الفصح كعبور من نوع للحياة إلى نوع آخر. يكتب القديس كيرلس: [ يجب أن نشرح إذن
ما هو الذى نعبر منه، وما هى البلد التى تتجه إليها رحلتنا، وما هى الطريقة التى
نحقق بها هذه الرحلة. فكما أن إسرائيل أُنقذ من طغيان المصريين، ولما انفك من نير
العبودية، صار حرًا ؛ وبهروبه من عنف الطاغية عبر دون أن تبتل قدماه بطريقة عجيبة
لا يمكن وصفها بالكلام وعبر فى وسط البحر وسار نحو أرض الموعد؛ هكذا ينبغى أيضًا أننا
نحن الذين قد قبلنا الخلاص الذى فى المسيح، لا نكون راغبين بعد أن نبقى فى خطايانا
السابقة ولا أن نستمر فى طرقنا الشريرة؛ بل نعبر بشجاعة بحر اضطرابات هذا العالم
الباطلة وعواصف الاهتمامات التى فيه. نحن نعبر من محبة الجسد إلى الاعتدال ومن
جهلنا السابق إلى معرفة الله الحقيقية، نعبر من الضعف إلى الفضيلة، ونعبر بالرجاء
على الأقل من عار الخطية إلى أمجاد التبرير، ومن الموت إلى الخلود. لذلك، فاسم
العبور الذى فيه حمل عمانوئيل صليب الخلاص لأجلنا هو ” العبور ” (الفصح).

الإفخارستيا
إذن، هى طعام المسيحى ومؤونته طوال رحلة الحياة. إنها الغذاء الروحى الذى يقوى
النفس وينيرها لمجابهة الأرواح الشريرة ومواجهة التعاليم المُضِلَة. وبعكس المنّ
الذى كان الإسرائيليون يتغذون به أثناء رحلتهم فى البرية، فإن الابن هو الخبز
الحقيقى الذى يهب الحياة الأبدية ؛ والذين اشتركوا فيه واندمجوا فيه واختلطوا به
من خلال الإفخارستيا قد صاروا أقوى من رباطات الموت “.

 

6
الإفخارستيا تعطى موهبة الحكمة

هذه
الرحلة الروحية التى فى أثنائها يطعم المسيح المؤمنين ويجهزهم بالإفخارستيا،،
تتضمن أيضًا موهبة الحكمة والاستنارة. وفى تعليقه على (لو7: 2): وقمطته وأضجعته فى
المذود “، يكتب القديس كيرلس: [ لقد وجد الإنسان قد انحدر إلى مستوى البهائم
؛ لذلك وضع نفسه كعلف فى مذود، لكى بتركنا لحياتنا الوحشية، نرتفع إلى تلك الدرجة
من الحكمة والاستنارة العقلية التى تليق بطبيعة الإنسان ؛ وبعد أن كنا متوحشين فى
النفس، فإننا باقترابنا الآن من المذود أعنى مائدته الخاصة، لا نجد علفًا، بل
الخبز الذى من السماء الذى هو جسد الحياة ]. وهذا معناه أن الإفخارستيا تنقل
الإنسان بعيدًا عن طبيعته الوحشية، ومن غرائزه وميوله الحيوانية، وتجدد عقله
واتجاهاته.

7
عدم الفساد أهم هبات الإفخارستيا

إن
تسلط الموت والفساد على الجنس البشرى الخاطئ، وقهر هؤلاء الأعداء بواسطة الاشتراك
فى جسد ودم المسيح، هما أهم ما يركز عليه تعليم القديس كيرلس عن الإفخارستيا. وهو
يستعمل اصطلاح عدم الفساد (
aphtharsia)، (=عدم الاضمحلال = عدم الفناء = الخلود) واصطلاح عدم الموت (athanasia) بالتبادل للتعبير عن هبة الحياة والخلود التى تهبها الإفخارستيا،
ولكنه يستعمل اصطلاح (
aphtharsia) عدم الفساد أكثر جدًا من اصطلاح عدم الموت لهذا الغرض.

الإنسان
المائت يجب أن يشترك فى جسد ذاك الذى هو الحياة بطبيعته، لكى يستعيد عدم الفساد
الذى فقده. ويعكس كلام القديس كيرلس هذا، فهمه لنتائج سقوط الإنسان كما يكشف آراءه
عن هدف التجسد. إن أوضح ناحية من صورة الله فى الإنسان هى خاصية عدم الفساد أى الخلود.
إن الموت الذى هاجم المسيح، الذى هو ” جسد الحياة ” قد هُزِمَ وحُطِمَ
بواسطة المسيح. وفى المسيح وحده فقط حسب القديس كيرلس يستطيع الإنسان أن يهزم
الموت. هذه النصرة على الموت تُنقل إلى المؤمنين بواسطة الإفخارستيا. حيث يكتب
القديس كيرلس: [منذ الأزمنة الأولى، أى منذ بداية العالم الحاضر ساد الموت على
الذين كانوا يعيشون على الأرض إلى أن جاءت وقت المائدة (مائدة الإفخارستيا). ولكن
حينما ظهرت المائدة المقدسة لأجلنا، تلك المائدة التى فى المسيح وهى مائدة سرية
Mystical، التى منها نأكل الخبز الذى من السماء، الخبز المعطى الحياة،
حينئذ تحطم الموت الذى كان منذ القديم مخيفًا وقويًا جدًا. ولذلك، يُقال إن المسيح
طرد الموت الذى سكن فى جسد الإنسان وأزاحه. المسيح يخبأ الحياة فى المؤمنين من
خلال جسده الخاص. المسيح يدخل الحياة داخل المؤمنين كبذرة خلود ].

ولكن
حالة عدم الفساد لا تكتمل ونحن فى هذه الحياة. إن حالة عدم الفساد توجد كاملة فى
جسد المسيح فقط. وهى ستصير كاملة أيضًا فى كل مؤمن فى الدهر الآتى. الإفخارستيا هى
شهادة مستمرة ليس فقط لموت المسيح بل أيضًا لقيامة المسيح وصعوده.

إن
تعليم القديس كيرلس هو ظل غير منتقص لتعليمه عن التجسد. والقديس كيرلس يهتم فى
تعليمه اللاهوتى ليس بالمفاهيم الخاصة بشخص المسيح والتعقيدات المتصلة ”
بكيفية ” حضوره فى الإفخارستيا، بل هو يهتم بالحرى بشخص المسيح كما هو، أى
“الإله الإنسان” الذى يحضر حضورًا كاملاً ويفعل فى الإفخارستيا بالضبط
كما كان حينما كان يسير بين الناس ويخدم على الأرض.

ومن
هذه الوجهة فإن تعليمه اللاهوتى عن الإفخارستيا هو تعليم ديناميكى وذو معنى، وهو
وثيق الصلة بعصرنا ومناسب له.



[2][2] Durand 1964,7

[3][3] Jouassard, 1956, 499ff (RACH).

[4][4] Ref. To Y. Congar “Doctrines Christologiques
et Theologie de L’Eucharistie” 1982.

[5][5]  هذا التأكيد
فى تعليم القديس كيرلس الخريستولوجى نجده فى كتاب
J. Doherty
إذ يقول “.. إن كيرلس إذ هو بعيد تمامًا عن أن يكون فيلسوفًا مسيحيًا فهو
بالحرى لاهوتى إنجيلى يكره الفلسفة ويحترس من تأثيرها الذى يمكن أن يشوه صيغة
الكرازة المسيحية الأساسية. وهذا ما يجعل كيرلس ضمن التقليد البولسى أكثر من أن
يكون من تقليد الأفلاطونية الجديدة ، ويبحث عن جذور تعليم كيرلس الخريستولوجى
ليجده فى تعبير الرسول عن التجسد فى الرسالة أهل فيلبى “. هذه الدراسة تؤكد
فى الحقيقة على أن كيرلس هو الطليعة السابقة للتقليد اللوثرى البارثيانى
Luthern- Barthian tradition  الذى تسير عليه البروتستانتية الأرثوذكسية المعاصرة ! Doherty 1992.

[6][6]  أنظر
رسائل القديس كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكى ، رسالة 17 فقرة 12 ص 29،28 مركز
دراسات الآباء 1988.

[7][7]  أنظر
تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس الأسكندرى ـ الجزء الأول ـ عظة 12 ص 108 ترجمة د.
نصحى عبد الشهيد، إصدار مركز دراسات الآباء سنة 1990.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى