علم

8- سخف تلك الإشاعات



8- سخف تلك الإشاعات

8- سخف تلك الإشاعات

 لكي
أُحَكّم الطّبيعة نفسها ضدّ من يرون تلك الإشاعات جديرة بالتّصديق، ها نحن نعرض
عليكم جزاء تلكم الفعال: إنّها تعد بالحياة الأبديّة؛ صدّقوا ذلك مؤقّتا؛ أسألك
عندئذ، أنت الّذي تؤمن بذلك، أتعطي مثل تلك الأهمّية لأن تصل إليها بهذا الوزر على
ضميرك. تعال أغمد سيفك في هذا الطّفل الّذي ليس عدوّا لأحد ولا مذنبا بشيء، الّذي
هو ابن الجميع، وإلاّ إن تركت لغيرك هذه المهمّة، فلتحضر فقط إلى جانب بشر يلفظ
الأنفاس قبلما عاش، وانتظر أن تفارق بدنه روحه الغضّة، واجمع دمه الزّكيّ الجنيّ
فأغمس فيه خبزك، وهنيئا خذ منه وطرك. ثمّ استلق أمام المائدة واحفظ مكانيْ أمّك
وأختك حولها، تبيّنهما جيّدا حتّى لا تخطئ لمّا ينزل بفضل الكلاب ظلام اللّيل؛
فستكون ارتكبت جرما شنيعا إن لم تزن بمحارمك. وتعيش بعدما ولجت إلى هذه الحياة
وحملت ختمها حياة أبديّة. أودّ أن تجيبني إن كانت الحياة الأبديّة تساوي هذا
الثّمن؛ وإلاّ فلا ينبغي تصديق ذلك. وحتّى لو صدّقتَ أُنكر أن تكون لك فيه رغبة،
وحتّى لو رغبتَ أنفي أن يكون بمقدورك فعله. فلِم تصدّق والحال تلك أن يكون بوسع
الآخرين إتيانه، ما دمتم أنتم لا تستطيعون فعله؟ ولِم لا تستطيعون إن كان غيركم
يستطيع؟ ما أظنّنا إلاّ من طينة مختلفة، فهل نحن من أشباه الكلاب أو من الوحوش
والأغوال [1]؟ ألدينا
تشكيلة مختلفة من الأسنان، أننفرد بغرائز تدفعنا إلى الشّبق الحرام؟ ما دمتَ تصدّق
هذه الأشياء عن بشر يمكن أن تفعلها أنت أيضا؛ أنت إنسان كالمسيحي تماما؛ وما لا
يمكن أن تفعله يجب ألاّ تصدّقه؛ فالمسيحي إنسان مثلك. لكن قد يقال إنّ ذلك يُعرض
ويُفرض عليهم وهم يجهلون؛ فعلا لم يكونوا يعلمون بما يؤكّد حول المسيحيين، بينما كان
المفروض أن يحقّقوا حوله بأنفسهم ويتثبّتوا منه باحتياط. عادة من يريدون الدّخول
في ديانة ما، في اعتقادي، الحضور أوّلا عند الأب حافظ أسرارها لوصف ما يتعيّن
جلبه. سيقول المعلّم حينئذٍ: “عليك بطفل ما زال غضّ الإهاب يجهل الموت ويبتسم
تحت شفرة الموسى، وبخبز تثرده في دمه، وكذلك شمعدان وفوانيس وعدد من الكلاب ولُقَم
لتنطّ لالتقافها فتوقع الشّموع؛ ويجب بالأخصّ أن تأتي مع أمّك وأختك”. ماذا
إذن لو لم تريدا مرافقتك، بل لو لم توجدا أصلا؟ ماذا عن المسيحيين الّذين يعيشون
فرادى بلا أقارب؟ لن يكون المريد مسيحيّا إذن، على ما أرى، ما لم يكن ابنا أو أخا.
والآن ماذا لو أُعدّت لهم كلّ هذه الأشياء بغير علمهم؟ لا شكّ إذن أنّهم سيعلمونها
بعدئذ ويرتضونها. أتراهم سيخافون العقاب إن بلّغوا عنها وهم حينئذٍ سيستحقّون
حماية القانون بل وسيؤثرون الموت على العيش وتلك الجرائم تثقل ضمائرهم. هبهم جدلا
يخافون الآن، فلم يتمادون في تلك الممارسات؟ فبيّن أنّ المرء لا يرضى بالاستمرار
على وضعٍ ما كان يرضاه لنفسه لو كان يعلمه.



[1]  أشباه
الكلاب والوحوش والأغوال:
في النّصّ Cynopaene aut Sciapodes.

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى