بدع وهرطقات

5) معنى أنّ المسيح مات مرّة واحدة



5) معنى أنّ المسيح مات مرّة واحدة

5) معنى أنّ المسيح مات مرّة واحدة

كان
يمكن أن نردّ على قولهم: “والرأي القائل إنّ المسيح يقدّم ذبيحة كلّما مورس
العشاء يناقض مباشرة قول الكتاب إنّ المسيح مات مرّة واحدة”، بقولنا: هاتوا
نصّاً واحداً قالت فيه المسيحيّة القويمة إنّها، في الخدمة الإلهيّة، تذبح ابن
الله مرّة ثانية! ولكنّنا وعدنا بتبيان معنى عبارة “أنّ المسيح مات مرّة
واحدة”.

 

من
المعروف، بدءاً، أنّ هذه العبارة، أو مضمونها، وردت في العهد الجديد، في غير موضع
(رومية 6: 10؛ عبرانيّين 7: 27؛ 9: 26 و28، 10: 2 و10؛ 1بطرس 3: 18). ومن غير
المعقول أن تكون الكنيسة المقدّسة غضّت الطرف عن هذه الآيات جملةً، وبنت لاهوت
الخدمة الإلهيّة على ما يخالفها. إذاً، لها، في الخدمة، قصد. ولا قصد لها إلاّ ما
قصده ابن الله في إتمامه “التدبير الذي من أجلنا”. فبولس، في كلامه على
هذا السرّ، قال: “فإنّكم كلّما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تعلنون موت
الربّ إلى أن يأتي” (1كورنوثس 11: 26). ومن تابع نصّ الخدمة، في الكنيسة
الأرثوذكسيّة، لا يشكّ في أنّها وعت أنّ المسيح نفسه هو “المقرِّب والمقرَّب
والقابل والموزّع” (قابل مع 1بطرس 2: 5). فما يجري لا تجريه قدرة بشر، ولا
يجري في حدود الزمن. لكن، وبكلام دقيق، “يتجاوز الزمن من دون أن يلغيه”.
فالكنيسة المجتمعة، التي تستعيد لقاء الربّ ورسله في العشاء السرّيّ، لا تذبح
المسيح مرّة ثانية. بل إنّما تؤمن بأنّ المسيح يحيي هو نفسه، معها وفيها، ما أسّسه
في علّيّة صهيون. فالمسيح هو مخلّص العالم. وهذا لا يعني أّنه مخلّص الذين كانوا
في زمنه، بل جميع الناس في كلّ زمان ومكان. هذا، في السرّ، يكشفه الروح على أنّه
يتمّ، “الآن وهنا”، للذين جمعهم الله في “لقاء الأبد”.
والمؤمنون المتّحدون يعلنون قبولهم “موت الربّ” في لقائهم، وفي كلّ
لقاء. ولا يشكّ فاهم في أنّ الخدمة الإلهيّة، في لاهوت الكنيسة الأرثوذكسيّة، خدمة
واحدة لا تتكرّر (وهذا يعني أنّ ذبيحة المسيح لا تتكرّر)، ولو أنّها تجري في كلّ
أحد وعيد. هي خدمة واحدة يقبل الذين يجمعهم بركاتها موت الربّ المحيي وقيامته
المجيدة كلّ مرّة يلتقون فيها. فلاهوت الخدمة مبنيّ على الحدث الخلاصيّ الواحد،
ولا يضيف شيئاً إليه. وهكذا يقدر كلّ مؤمن، يجمعه هذا اللقاء، على أن يردّد مع
بولس: “وقد صُلبت مع المسيح، فما أنا أحيا بعد ذلك، بل المسيح يحيا فيّ”
(غلاطية 2: 19 و20). أي أن يقول إنّ المسيح، الذي أحيا العالم، أحياني أنا شخصيّاً،
ويحييني، الآن ودائماً، بدمه. الخدمة الإلهيّة تجمع الأزل والأبد في آن واحد،
وتحمل المشتركين فيها إلى مرتع المجد الذي هو صليب الربّ الذي قال فيه المسيح حبّه
مرّة وإلى الأبد. هذه الردود الثلاثة، التي نشرناها بتتابع، تختصر بعض ما تعلّمه
الكنيسة الأرثوذكسيّة التي فهمت، بإرشاد الروح الحيّ، ما لم يفهمه الذين غرفوا من
ماء التاريخ العكر، وتركوا الماء الحيّ المتدفّق، بغزارة، في ربوع الأسرار
المقدّسة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى