اللاهوت الروحي

5- بين السرعة والبطء



5- بين السرعة والبطء

5- بين السرعة والبطء

 هل الصالح الإسراع في العمل أم البطء فيه؟ انه
سؤال حير الكثيرين، وتعددت فيه الآراء، وتناقضت، وبقى الناس حائرين بين السرعة
والبطء.

نسمع أحد الشعراء يشجع
على التروي والتأني فيقول:

قد يدرك التأني بعض
حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل

ولكن هذا الكلام لا
يعجب شاعراً آخر فيرد عليه قائلاً:

 وكم أضر ببعض الناس بطؤهمو وكان خيراً لهم لو
أنهم عجلوا

وهكذا بقى الأمر كما،
هو، موضع حيرة: هل نبت في الأمر بسرعة، أم نتأنى ونتروى.. فما هو الحل؟

 

 لا شك أن كثيراً من الأمور لا يمكن أن تقبل
التباطؤ. وقد يكون البطء فيها مجالاً للخطر والخطأ، ويحسن فيها الحزم والبت
السريع.

 

 فمثلاً لا يصح أن يتباطأ إنسان في التوبه. لأن
كل وقت يمر عليه في الخطيئة، إنما يزيد عبوديته لها.

 

و يحول الخطأ إلى عادة،
وقد يحول العادة إلى طبيعة. وربما وربما يحاول الخاطئ أن ينحل من رباط شهواته فلا
يستطيع، أو قد يستطيع أخيراً بمرارة وصعوبة وبعد جهاد مميت. كل ذلك لأنه أبطأ في
توبته وفى معالجة أخطائه..

 

 وبالمثل فإن التباطؤ في معاجلة الأمراض
الجسدانية، قد ينقلها إلى مراحل من الخطر يصعب فيها علاجها أو يستحيل.. وبالمثل في
مسائل التربية، حيث يؤدى التباطؤ في تقويم الطفل أو الشاب إلى إفساده.

 

 وقد صدق الشاعر الذي قال:

 

إن الغصون إذا قومتها
اعتدلت و لا يلين -إذا قومته- الخشب

 

 هناك إذن مواقف تحتاج إلى بت سريع وإلى حزم قبل
أن تتطور إلى أسوأ، وقبل أن يسبق السيف العزل.. وربما تحتاج إلى تصرف قد يكون مؤلماً،
ولكنه يكون لازماً وحاسماً بقدر ما يكون سريعاً وحازماً. وهناك علاقات ضارة
وصداقات معثرة ينبغي أن تؤخذ من أولها بحزم. كذلك قد توجد اتجاهات فكرية مخزية، أو
اتجاهات سلوكية منحرفة، إن لم يسرع المجتمع في التخلص منها، فقد تقاسى هذا التباطؤ
أجيال وأجيال..

 

 ومع هذا الفضل الذي ننسبه إلى السرعة، هناك
مواقف كثيرة تحتاج إلى التباطؤ وإلى التأني والتروي، ويتلفها الإسراع أو الاندفاع.

 فمتى يصلح التباطؤ إذن؟

 

من النصائح الجميلة في
الكتاب المقدس، قول الوحي الإلهي: “ليكن كل إنسان مسرعاً في الاستماع، مبطئاً
في التكلم، مبطئاً في الغضب. لأن غضب الإنسان لا يصنع بر الله”.

 

 نعم إن التباطؤ في الغضب فضيلة عظمى. فإن الذي
يسرع به الغضب، قد يصل إلى الاندفاع، وفى اندفاعه قد يفقد سيطرته على أعصابه، أو
قد يفقد سيطرته على تفكيره.. وهكذا يخطئ..

 

 لذلك حاذر من أن تأخذ قراراً حاسماً في ساعة
غضبك، لئلا بذلك تضر نفسك أو تضر غيرك.. إنما تحاول أن تهدئ نفسك أولاً.. ثم بعد
ذلك فكر وأنت في حالة هدوء.. أو يبطأ في الموضوع وأجل الأمر إلى أن تهدأ. إن
القرارات السريعة التي تصدر في حالة غضب، تكون في غالبيتها عرضة للخطأ.

 

 قد يطلق إنسان امرأته، إن أسرع باتخاذ قرار في
ساعة غضب.. وقد يفقد أعز أصدقائه، وقد يتخلى عن عمله، بل قد يهاجر أيضاً من وطنه،
كل ذلك لأنه أخذ قراراً سريعاً في ساعة انفعال، ولم يتباطأ، ولم يؤجل الموضوع إلى
أن يهدأ.

 

 بل قد ينتحر إنسان ويفقد حياته، لأنه أسرع
باتخاذ قرار في ساعة انفعال، أو قد يسرع بقتل غيره، أو يأخذ ثأره، كل ذلك في ساعة
انفعال.. لذلك أمر الله أن يكون الشخص منا بطيئاً في غضبه.. لا يغضب بسرعة. وإن
غضب لا يقرر شيئاً بسرعة..

 

 وإن قرر إنسان شيئاً بسرعة، فلا مانع من أن يرجع
في قراره. وقد يظن البعض أنه ليس من الرجولة ولا من حسن السمعة أن يرجع إنسان في
كلمته، أو يلغى قراراً له. ولكن الحكمة تقتضي منا أن يراجع الإنسان نفسه فيما
اتخذه من قرارات سريعة..

 اترك القيادة لعقلك، ولا لأعصابك. إن أسرعت في
التصرف في حالة انفعال، تكون مقاداً بأعصابك لا بعقلك، وفى هذا خطر عليك وعلى
غيرك.

 وحاذر من أن تكتب رسالة إلى غيرك في ساعة غضب،
لأنك ستندم على ما كتبته ويؤخذ وثيقة ضدك.. وإن لم تستطع أن تقاوم نفسك، وكتبت مثل
هذه الرسالة، فنصيحتي لك أن تتباطأ في إرسالها. اتركها في مكتبك يومين أو ثلاثة،
ثم عاود قراءتها مرة أخرى، فستجد أنها تحتاج إلى تعديل وتغيير أو تجد أنك استغنيت
عنها ولم تعد تتحمس لإرسالها..

 أن التباطؤ في الغضب قد يصرفه.. الغضب يحركه
شيطان سريع الحركة، والتباطؤ يشل حركته ويوقفه عن العمل.. فإن دخلت في نقاش أدى بك
إلى الغضب، أجله لوقت آخر، حتى تهدأ..

كذلك البطء في التكلم
نافع ومفيد.. استمع كثيراً قبل أن تتكلم.. حاول أن تفهم غيرك.. حاول أن تلم
بالموضوع إلماماً كاملاً. أعط نفسك بهذا البطء فرصة لمعرفة ما ينبغي أن تقوله.
وهكذا يكون كلامك عن دراسة، وبرؤية وهدوء، فلا تخطىء.

 وأن تكلمت فليكن كلماتك هادئة.. لا تسرع في
حديثك، بل تخير ألفاظك. زنها جيداً بميزان دقيق قبل أن تلفظها. وأن تلفظها. وإن
وجدت عبارة منها غير مناسبة، أبدلها بغيرها.. وهذا لايتأتى لك إلا إذا كنت مبطئاً
في التكلم، غير مندفع فيه.

 إن الكلمة الخاطئة التي تقولها، لا تستطيع أن
تسترجعها مرة أخرى. لقد خرجت من فمك وانتهى الأمر، ووصلت إلى آذان سامعيك، وتسجلت،
وحسبت عليك.. ربما يمكنك أن تعتذر عنها، أو تندم عليها، ولكن لا يمكنك أن تسترجعها
داخل فمك. لقد حسبت عليك.. لذلك تباطأ في كلامك..

 

 إن العربة المندفعة بسرعة هائلة، لا تستطيع أن
تقف فجأة، أو تغير اتجاهها وهى مسرعة، كذلك المسرع في كلامه: ربما لا يمكنه أن
يغير أسلوبه فجأة إن أحس بخطئه، وقد لا يحس.. أما الذي يبطئ في كلامه ويتخير
ألفاظه، فما أسهل عليه أن يعدل أسلوبه إن شعر بخطأ..

 

 الهادئ في كلامه يناقش الفكرة قبل أن يتكلم بها.
أما المسرع في حديثه، فيقول الفكرة تم يناقشها بعد ذلك، وقد تكون خاطئة! وقد يضطر
إلى أن يسحب فكرته، أو يتنازل عنها، أو يعترف بخطئها. وقد يصيبه حرج في كل ذلك
بسبب إسراعه..

 

 وكما ينفع البطء في الغضب والكلام، كذلك ينفع
البطء في إصدار الأحكام. لا تحكم بسرعة. ولا تصدق كل ما يقال. ولا تقبل وشاية أو
دسيسة ضد إنسان. إنما فكر كثيراً، ولا تصدر حكمك إلا بعد مزيد من التروي والفحص،
فهناك أخبار ربما تصلك من أصدقائك أو من أبنائك أو من مرؤوسيك أو من رؤسائك، أو من
مصادر غير موثوق بها، لذلك تباطأ في حكمك.

 

و مما ينفع فيه البطء
أيضاً، البطء في الرغبات.. إذا أتتك رغبة، فلا تسرع في تنفيذها، لأنك لا تضمن
فربما تكون من الشيطان. وأن كانت رغبة مقدسة، فلا تلهبك السرعة إليها لأن السرعة
تورث القلق واللهفة والاضطراب وتوقعك في تعب الانتظار..

 

 اطرح رغبتك بين يدي الله، وهو سيختار لها الموعد
المناسب بحكمته الإلهية. وفى بطء رغباتك تعلم الصبر. وانتظر الرب.. وإذا طلبت من
أحد شيئاً، فلا تلح عليه الحاحاً أن ينفذ بسرعة، لئلا يتضايق منك، ولئلا تكون هناك
عوائق أمامه تحتاج إلى وقت وأنت لا تدرى.

 

 

المقال مع
بعض التعديلات نُشِر في وقتٍ لاحق

بين السرعة والبطء

نحن في زمن يتميز
بالسرعة. كل ما فيه سريع: توجد سرعة في تلاحق الأحداث. وسرعة في تناقل الأخبار.
وسرعة نتيجة للمخترعات الحديثة مثل الإنترنت. والفاكس وال
Mobile Phone. والكمبيوتر. وحتي في الطيران وُجدت السرعة التي توصل إلي القمر
والمريخ. وسرعة طائرات ال
Concorde. وفي الماكينات توجد سرعة: سرعة
في الإنتاج. وسرعة في المطابع وفي استخدام الآلة الكاتبة.

 

وكثيرون جرفهم تيار
السرعة في كل مجالات حياتهم. ونتيجة لكل ذلك. يقف البعض أمام سؤال هام: هل من
الصالح الإسراع أم البطء. والبعض يقول هناك فرق بين السرعة والتسرع. وبين البطء
والتباطؤ..!

 

والسؤال مازال موضع
حوار. ونود هنا أن نوضحه…

 

نقرأ لأحد الشعراء يشجع
علي التروي والتأني فيقول:

قد يدرك المتأني بعض
حاجته.. وقد يكون مع المستعجلِ الزللُ

 

ولكن هذا الرأي لا يعجب
شاعراً آخر. فيرد عليه قائلاً:

 

وكم أضر ببعض الناس
بطؤهمو.. وكان خيراً لهم لو أنهم عجلوا

 

وهكذا بقي الأمر كما هو
موضع حيرة: هل نبتّ في أمر بسرعة. أم من الأفضل التأني والتروي؟… فما هو الحل؟

 

لا شك أن كثيراً من
الأمور لا يمكن أن تقبل التباطؤ

 

وقد يكون البطء فيها
مجالاً للخطر والخطأ. ويحسن فيها الحزم والبتّ السريع.. وسنضرب لذلك أمثلة:

 

فمثلاً لا يصح أن
يتباطأ إنسان في التوبة:

 

لأن كل وقت يمر عليه في
الخطيئة. إنما يزيد عبوديته لها. ويحوّل الخطأ إلي عادة. وقد يحوّل العادة إلي
طبع. وربما يحاول الخاطئ فيما بعد. أن ينحل من رباطات شهواته فلا يستطيع. أو قد
يستطيع أخيراً بمرارة وصعوبة وبعد جهاد مميت. وكل ذلك لأنه أبطأ في التوبة وفي
معالجة أخطائه..

 

فالذي يتباطأ في اقلاعه
عن التدخين أو شرب الخمر. قد يتحول كل منها إلي إدمان يجاهد في علاجه إن جاهد
ويصعب الأمر عليه…

 

وبالمثل التباطؤ في
معالجة الأمراض الجسدية والروحية:

 

فالمرض إذا تباطأنا في
علاجه. قد ينتقل إلي مراحل من الخطأ يصعب فيها العلاج أو يستحيل. وبالمثل في وسائل
التربية. حيث يؤدي التباطؤ في تقويم الطفل أو الشاب إلي إفساده. وصدق الشاعر الذي
قال:

 

إن الغصون إذا قوّمتها
اعتدلت.. ولا يلين إذا قوّمته الخشبُ

 

سهل عليك أن تصلح
تصرفاً سيئاً في طفل. فإذا شبّ علي ذلك وكبر. يكون من الصعب معالجة ذلك فيه. وقد
تحوّل إلي عادة أو طبع.

 

المسائل التي قد تتحول
إلي خطر. تصلح لها السرعة بل تجب:

 

كإسعاف مريض. أو انقاذ
غريق. أو اطفاء حريق…

 

لذلك فسيارات الإسعاف.
وسيارات المطافئ. يُفسح لها الطريق لتسير بسرعة. حتي لو أدّي الأمر إلي مخالفة
إشارة المرور. لأن سرعتها لازمة لانقاذ نفس إنسان أو عدة نفوس. وفي بعض بلاد الغرب
يُوجد لها طريق جانبي يسمي
Shoulder تجتازه بحرية. وكذلك بعض سيارات
الشرطة..

 

أما باقي السيارات
فالسرعة الزائدة فيها خطأ. وهو ضد قواعد المرور.

 

ولذلك فإن صاحب السيارة
قد يقول للسائق ذلك المثل “امشِ علي مهلك. لكي نصل بسرعة”! أي لكي نصل
بدون حوادث تعطلنا…

 

أيضا هناك مواقف تُمتدح
فيها السرعة. وكأنها فضائل أو مزايا:

 

مثل السرعة في الفهم.
وسرعة البديهة في الرد السليم. والسرعة في الطاعة. والسرعة في التشهيلات وتيسير
الأمور. والسرعة في التصرف قبل فوات الفرصة. وكذلك السرعة في التصالح. والسرعة في
تنفيذ الوعود. والسرعة في الوفاء بالنذر. وفي رد الديون. وما أشبه…

 

كذلك السرعة التي فيها
حزم وَبتّ سريع. قبل أن تتطور الأمور إلي اسوأ. وقبل أن يسبق السيف العزل. ومثل
هذا الحزم يحتاج إلي تصرف سريع قد يكون مؤلماً. ولكنه في نفس الوقت يكون لازماً
وحاسماً. بقدر ما يكون سريعاً وحازماً…

 

وهناك علاقات ضارة.
وصداقات معثرة. ينبغي أن تؤخذ من بادئ الأمر بحزم. كذلك قد توجد اتجاهات فكرية
مخربة. أو اتجاهات سلوكية منحرفة: إن لم يسرع المجتمع في التخلص منها. فقد تقاسي من
التباطؤ في علاجها أجيال وأجيال…

 

كذلك من الأمور التي
تلزمها السرعة: الإغاثة.

 

سواء إغاثة الفرد
المحتاج. أو إغاثة المجتمع بالاصلاح المنشود.. ومنها السرعة في نظر الشكاوي.
والسرعة في إنصاف المظلوم. والسرعة في إعطاء كل ذي حق حقه. والبعد في الإدارة عن
أمور الروتين. وعدم ترك صاحب الطلب ينتظر طويلا حتي يُنظر في أمره..

 

وقد كتب في أمثال
سليمان الحكيم “لا تمنع الخير عن أهله. حين يكون في طاقة يدك أن تفعله. لا
تقل لصاحبك اذهب وتعالَ غداً لاعطيك. وطلبه موجود عندك”… بل إن المرتل يصلي
في المزمور ويقول “اللهم التفت إلي معونتي. إسرع وأعني”. ويطلب السرعة
في الاستجابة.

 

تكلمنا عن المجالات
التي تلزم فيها السرعة. ونتحدث الآن عن المجالات التي يحسن فيها التأني والتروي.
فنقول.

 

ليست أفضل الحلول هي
أكثرها سرعة. إنما أفضلها هي أكثرها إتقاناً..

 

فالسرعة ليست هي مقياس
الأفضلية. إنما الأفضلية في الاتقان.. ولنأخذ مثالاً لذلك في الكلام والغضب. إذ
يقول الكتاب المقدس: “ليكن كل إنسان مسرعاً إلي الاستماع. مبطئاً في التكلم.
مبطئاً في الغضب. لأن غضب الإنسان لا يصنع بر الله”. حقاً. إن التباطؤ في
الغضب هو فضيلة سامية. لأن الذي يُسرع إلي الغضب. قد يصل إلي الاندفاع. وفي
اندفاعه قد يفقد سيطرته علي أعصابه. بل قد يفقد السيطرة علي سلامة تفكيره أيضاً.
فيخطئ…

 

لذلك احذر من أن تأخذ
قراراً حاسماً في ساعة غضبك…

 

لئلا بذلك تضر نفسك. أو
تضر غيرك… إنما حاول أن تهدئ نفسك أولاً. ثم بعد ذلك فكرّ وأنت في حالة هدوء…
أو تباطأ وأجّل الموضوع إلي أن تهدأ… فالقرارات السريعة التي تصدر في حالة غضب.
تكون في غالبيتها عرضة للخطأ.

 

أما التباطؤ فيعطي فرصة
للتفكير والدراسة والفحص…

 

قد يطلق إنسان امرأته.
إن أسرع باتخاذ القرار في ساعة غضب!

 

وقد يفقد أعز اصدقائه. وقد
يتخلي عن عمله. وربما يهاجر من وطنه.. كل ذلك لأنه أخذ قراراً سريعاً في ساعة
انفعال.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى