علم الخلاص

40- الاتحاد الأقنومي



40- الاتحاد الأقنومي

40-
الاتحاد الأقنومي

ودعى
الآباء هذا الإتحاد بأنه إتحاد إقنومي لأن إقنوم الكلمة إتخذ جسداً واتحد به
” هذا الذي أخذه منك، أيتها الغير الدنسة، واتحد به، كأقنوم” (ثيؤطوكية
الأحد)، فهو ليس إتحاد شخصين أحدهما شخص الكلمة والآخر شخص إنسان، لأن هذا يجعلنا
نتردى في البدعة النسطورية، ويقول نيافة الأنبا بيشوي سكرتير المجمع المقدَّس أن
” القديس كيرلس يرفض نقطتين:

 

1-
إن جسد الكلمة له وجود شخص مستقل سابق للإتحاد.

 

2-
أن يكون في المسيح شخصان: إله وإنسان، كل منهما له شخصية منفصلة، بهذا يكون هناك
إثنان، شخصان، ومسيحان، حسب تعليم نسطور. ولكننا نؤمن بمسيح واحد ورب واحد وإبن
واحد..

 

لذلك
هناك نقطة يهتم بها القديس كيرلس ويعتبرها الحد الفاصل بين النسطورية والأرثوذكسية
وهي: هل الإتحاد بحسب الطبيعة وبحسب الأقنوم، أم الإتحاد بحسب البروسويون أي
الشخص؟ بمعنى آخر: هل هو إتحاد أقنومي طبيعي أم إتحاد بروسوبوني؟

 

الإتحاد
الشخصاني (البروسوبوني) هو إتحاد خارجي في المنظر والشكل والهيئة والصورة، وهو ما
ينادي به نسطور. وقد قال القديس كيرلس عنه انه خدعة كبرى لا يمكن أن نقبلها، ولكن
الإتحاد حقيقة هو إتحاد بحسب الأقنوم ” كاث هيبوستاسين ”
henwsis kach hypostasin بمعنى إتحاد طبيعي enwsis
physihy ” (2
).

 

ويقول
نيافة الأنبا بيشوي أيضاً ” السيد المسيح لم يتخذ شخصاً من البشر بل اتخذ
طبيعة بشرية فقط، وظل هو هو نفسه كلمة الله المتجسد. ليس هو إله وإنسان، لكنه تأنس،
أخذ الطبيعة البشرية وشخصنها لنفسه لم يأخذ شخصاً لكنه هو بشخصه أصبح يجمع الطبيعة
البشرية والطبيعة الإلهية في إتحاد عجيب جداً يفوق العقل والإدراك، بأقنوم واحد هو
أقنوم كلمة الله المتجسد، الجنين الذي أخذه من العذراء لم يكن محتاجاً أن يكون له
شخص، لأنه إتحد به في نفس لحظة تكوينه. فلأن الكلمة هو نفسه شخص فهو غير محتاج
لشخص آخر، وإلاَّ يصبح هناك شحصان، لكنه هو بشحصه اتخذ الجسد ووحَّده بطبيعته
الإلهية بغير تغيّر ” (1).

 

كما
يتساءل نيافة الأنبا بيشوي ” س: كيف يكون المسيح إنساناً كاملاً بدون أن يتخذ
شخص إنسان في تجسده؟! أي بدون أن يأخذ من العذراء شخص إنسان. أي لا يأخذ إنساناً
من البشر ويحل فيه الكلمة. بمعنى أن يأتي بإنسان والكلمة يحل فيه من أول لحظة
للتجسد، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف يكون إنساناً كاملاً بدون أن يأخذ شخص
إنسان؟!

 

هو
أخذ طبيعة بشرية كاملة بجسد وروح عاقلة، وجعلها خاصة به
He made our nature His own لكن الطبيعة البشرية الكاملة في شخص كلمة الله هو إنسان كامل،
إنسان حقيقي وليس على سبيل المجاز.. كيف يكون إنساناً كاملاً وهو لم يأخذ من
العذراء شخص إنسان؟! وإنما أخذ طبيعة بشرية كاملة، هذه النقطة لا تختلف فيها
الكنائس الخلقيدونية وغير الخلقيدونية.

 

الإجابة
على هذا السؤال: أن كلمة شخص باليوناني برسوبون =
prosopon
معناها: من يتجه نحو الآخر ويتعامل معه ويتبادل العلاقة، فكلمة بروس معناها ”
نحو ” ويوجد أشخاص منفصلون في الجوهر والكينونة مثل البشر، ويوجد من هم غير
منفصلين في الجوهر والكينونة مثل أقانيم الثالوث القدوس، كل منهم هو في الآخر
ويملأ الكل.. فالبرسوبون الخاص بالإبن، والبروسوبون الخاص بالآب على الرغم من
انهما يحملان نفس الجوهر ونفس الطبيعة- الجوهر غير المتجزئ، وغير المنقسم – إلاَّ
أن الواحد يبادل الآخر العلاقة والحب.. إذاً من هو البروسوبون؟ هو من يحمل الطبيعة
بكل مقوّماتها وإمكانياتها ويتبادل العلاقة مع بروسوبا آخرين.. إذاً نقول أن
البروسوبون هو حامل الطبيعة ومالكها بكل ما لها من مقومات، وفيه تقوم الطبيعة
حينما توجد.. إذا شخص حمل طبيعة إلهية فهو إله، وإذا شخص حمل طبيعة إنسانية فهو
إنسان، وإذا شخص حمل طبيعة ملائكية فهو ملاك، وإذا شخص محدَّد حمل الطبيعة الإلهية
والإنسانية في نفس الوقت، فهو إله وإنسان في نفس الوقت، أي إله متجسد، وهذا ما حدث
في التجسد الإلهي.

 

فالسيد
المسيح بشخصه الخاص وهو يحمل الطبيعة الإلهية أصلاً منذ الأزل، حمل الطبيعة
الإنسانية الكاملة في نفس شخصه هذا. لذلك يقول معلمنا بولس الرسول “يسوع
المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد ” (عب 13: 8) فأصبح مالك الطبيعة
الإلهية، هو نفسه يملك الطبيعة البشرية، فهذا الشخص المالك للطبيعة، من حيث طبيعته
الإلهية هو إله كامل، إله حقيقي، ومن حيث طبيعته البشرية فهو إنسان كامل، وإنسان
حقيقي.

 

نفس
الشخص.. لم يضف إلى شخصه شخصاً آخر. إذاً لا يوجد هنا ضميرين للملكية، أحدهما يملك
اللاهوت، والآخر يملك الناسوت، ولكنه هو هو الذي كان إلهاً منذ الأزل ولازال إلهاً
إلى الأبد، صار إنساناً في ملء الزمان. إنساناً حقيقياً كاملاً { كلمة الله جاء في
شخصه الخاص } كما قال القديس أثناسيوس في كتابه عن التجسد، ولهذا فالإيمان السليم
أن شخص المسيح هو شخص واحد وهو نفسه شخص كلمة الله الأزلي ” (1).

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى