علم الكتاب المقدس

4- هل العهد القديم موثوق تاريخياً



4- هل العهد القديم موثوق تاريخياً

4- هل العهد القديم موثوق تاريخياً

موثوقية مخطوطات العهد القديم

النقل النصي: ما مدى دقة عملية النسخ؟

عدد المخطوطات

تاريخ نص العهد القديم

مخطوطات البحر الميت

برهان المخطوطات غير العبرية

ملخص

البرهان الأثري والتاريخي للعهد القديم

تمهيد وتعريف

كلمة تحذير

تفسير المعلومات الأثرية

الأسباب الأساسية للاهتمام المتزايد بعلم الأثار

الحجارة تصرخ: أمثلة للبرهان الأثري للعهد القديم

البرهان الوثائقي لروايات العهد القديم

شهادة العهد الجديد لصحة العهد القديم

شهادة يسوع

شهادة كتاب العهد الجديد

 

1(أ)
موثوقية مخطوطات العهد القديم

يركز
هذا الفصل على الموثوقية التاريخية للعهد القديم، حيث أن الكثير من البراهين التي
نتناولها هنا تختلف عن تلك التي للعهد الجديد. وفي الفصلين الثالث والرابع نتناول
الموثوقية التاريخية للكتاب المقدس وليس صحة وحيه. أما وحي الكتاب المقدس فيغطيه
الجزء الثاني من هذا الكتاب.

تظهر
موثوقية العهد القديم من خلال ثلاثة محاور رئيسية على الأقل: (1) النقل النصي (دقة
عمليات النسخ على مرّ التاريخ، (2) البراهين القاطعة التي كشف عنها علم الآثار
والتي تؤيد صحة العهد القديم، (3) البراهين الوثائقية التي كشف عنها أيضاً علم
الآثار.

 

1(ب)
النقل النصي: ما مدى دقة عملية النسخ؟

إن
جزءاً من دراسة الموثوقية التاريخية للعهد القديم يتعلق بفحص النقل النصي (انتقال
النصوص الأصلية للكتابات حتى تصل إلى النسخ المطبوعة لدينا اليوم). وكما هو الحال
بالنسبة لكتابات العصور القديمة، ليس لدينا الوثائق الأصلية للعهد القديم. ولكن
دقة النسَّاخ العبرانيين مذهلة إذا ما قارنَّا الكتاب المقدس بغيره من نصوص
الكتابات القديمة.

يقول
جليسن أركر:

ما
ينبغي علينا إدراكه في هذا المقام (أي موضوع انتقال النص)، هو أن العهد القديم
يختلف عن جميع الأعمال الأدبية الأخرى التي كتبت قبل المسيحية والتي نعرفها.
وننبِّر هنا على أنه ليس لدينا مثل هذا الكمّ الكبير من المخطوطات التي وصلت إلينا
من عصور متباعدة لأي من المؤلفات الوثنية كما هو الحال بالنسبة للعهد القديم.
وأينما وجدت مثل هذه المؤلفات، مثل «كتاب الموتى» المصري، فإن الاختلافات فيما
بينها كثيرة وخطيرة للغاية. إذ أن هناك فارق كبير مثلاً بين الفصل الخامس عشر
الموجود في بردية أني (التي كتبت في زمن الأسرة الثامنة عشرة) وبردية تورين (التي
ترجع إلى زمن الأسرة السادسة والعشرين أو ما بعد ذلك)، إذ أُدرجت جملاً بأكملها
وحُذفت أخرى. كما يتفاوت المعنى بين الأعمدة المتناظرة للنصوص بشكل كامل في بعض
الأحيان. وبغضّ الطرف عن العناية الإلهية التي حفظت النصوص العبرية حتى وصلت إلينا،
فليس هناك سبب لعدم وجود ظاهرة التنوع والاختلاف نفسها بين المخطوطات العبرية التي
دوِّنت في قرون متباعدة. فعلى سبيل المثال، رغم أن النسختين المكتشفتين لسفر
إشعياء في كهف قمران الأول بالقرب من البحر الميت عام 1947 كانتا أقدم بألف عام من
أقدم مخطوطة كانت معروفة آنذاك (980م)، إلا أنهما برهنتا على مطابقتهما لنص الكتاب
المقدس العبري الذي بين أيدينا بنسبة 95 بالمائة من مجمل النص. أما الخمسة بالمائة
الباقية فتشتمل بشكل رئيسي على زلات النسخ واختلافات في الأشكال الإملائية للكلمات.
ولا تؤثر هذه على رسالة الوحي بأي حال من الأحوال. (
Archer, SOT, 23-25)

ويتتبع
روبرت ديك ويلسون من خلال ملاحظاته الرائعة صحة وموثوقية الكتاب المقدس منذ زمن
الحضارات القديمة التي كانت تحيط بإسرائيل في العهد القديم:

تحوي
الأسفار المقدسة العبرية أسماء ستة وعشرين ملكاً أو أكثر ذُكرت أسماؤهم في وثائق
معاصرة لهؤلاء الملوك. وقد تبين أن هجاء أسماء معظم هؤلاء الملوك المنقوشة على
آثارهم أو المدونة في وثائق ترجع إلى العصر الذي كانوا يحكمون فيه هو نفس الهجاء
الوارد في نصوص العهد القديم. أما اختلافات الهجاء في البعض الآخر فهي تتفق مع
قواعد علم الصوتيات التي كانت سائدة وقت تدوين النصوص العبرية. وفي حالتين أو
ثلاثة فقط هناك حروف أو أشكال للهجاء لم يتم التأكد من تفسيرها حتى الآن. إلا أنه
حتى في هذه الحالات القليلة لا يمكن اعتبار الهجاء الذي ورد في النص العبري هجاءً
خاطئاً. ومن ناحية أخرى، فإن أسماء الكثيرين من ملوك يهوذا وإسرائيل وجِدت في
الوثائق الأشورية المعاصرة لهم بنفس الهجاء الذي ورد في النص العبري الموجود الآن.

وفي
144 حالة للنقل من اللغات المصرية والأشورية والبابلية والموآبية إلى اللغة
العبرية وفي 40 حالة أخرى للنقل في الاتجاه المعاكس، أي في 184 حالة تشير الأدلة
إلى أنه على مدى 2300-3900 عام تم نقل الأسماء بدقة بالغة في مخطوطات الكتاب
المقدس العبري. أما وأن الكتبة الأصليين قد دوَّنوها بهذه الدقة البالغة ومراعاتهم
للقواعد اللغوية الصحيحة، فهو دليل رائع على علمهم وحرصهم الشديد، فضلاً عن ذلك
فإن نقل النسَّاخ للنص العبري عبر هذه القرون الطويلة يعد ظاهرة لا مثيل لها في
تاريخ الأدب. (
Wilson, SIOT, 64,
71
).

ويواصل
ويلسون قائلاً:

ولا
ينبغي لدارسي نصوص الكتاب المقدس سواءً كانوا مهاجمين له أو مدافعين عنه أن
يفترضوا ولو لحظة واحدة أن هذه الترجمة الدقيقة وهذا النقل الصحيح لأسماء الأعلام
هو أمر سهل أو عادي. وفي هذا المقام أود أن ألفت انتباه القارئ الذي ليس له دراية
بهذه الأمور إلى أسماء ملوك مصر كما ذكرها مانيتو وكما تظهر على الآثار المصرية.
كان مانيتو رئيساً للكهنة لهياكل الأوثان في مصر في زمن بطلميوس فيلادلفيوس أي
حوالي 280 ق.م. وقد ألَّف عملاً عن أسر ملوك مصر، بقيت بعض أجزائه في أعمال
يوسيفوس ويوسابيوس وغيرهم. ومن بين ملوك 31 أسرة يذكر 40 اسماً من 22 أسرة. ومن
بين هذه يظهر 49 اسماً على الآثار بشكل يوافق الهجاء الذي ذكره مانيتو، وهناك 28
اسماً آخر يمكن التحقق منها جزئياً. أما الأسماء الثلاثة والستون الباقية فلا يمكن
التحقق من أي مقطع فيها. وإن كان صحيحاً أن مانيتو نفسه نقل هذه القوائم من
السجلات الأصلية -إذ أن نقله لتسعة وأربعين اسماً بشكل صحيح يؤيد هذا الفرض- فإن
مئات الاختلافات والأخطاء في خمسين أو أكثر من هذه الأسماء التي لم يمكن التحقق
منها لابد أنها ترجع إلى أخطاء مانيتو في النسخ أو أخطاء النسَّاخ الذين نقلوا النص
من بعده. (
Wilson, SIOT, 71-72).

ويضيف
ويلسون أن هناك ما يقرب من أربعين من هؤلاء الملوك عاشوا فيما بين عامي 2000 ق.م.
و400 ق.م. ويظهر كل منهم في تسلسل تاريخي: بالإشارة إلى ملوك هذه الدولة وملوك
الدول الأخرى.. ليس هناك دليل آخر يمكن تصوره على دقة روايات العهد القديم أقوي من
هذه المجموعة من الملوك. وفي ملاحظة هامشية يحسب ويلسون احتمال حدوث ذلك عن طريق
الصدفة: وحسابياً، فهناك احتمال من بين 750 ألف مليون مليون مليون احتمال أن تكون
هذه الدقة من قبيل الصدفة..(
Wilson,
SIOT, 74-75
)

وانطلاقاً
من هذه البراهين يصل ويلسون إلى النتيجة التالية:

لا
يمكن إنكار الدليل على أن نسخ الوثائق الأصلية قد وصلت إلينا بشكل صحيح تماماً على
مدى أكثر من ألفي عام. أما انتقال النسخ التي وجدت منذ ألفي عام على نحو مماثل
انحداراً من النسخ الأصلية فلا يُعد أمراً ممكناً فحسب، ولكنه، وكما أوضحنا، أصبح
كذلك عن طريق التماثل بين الوثائق البابلية التي توجد الآن، والتي لدينا النصوص
الأصلية لها والنسخ المنقولة عنها، حيث يفصل بينهما آلاف السنين، وكذلك التماثل
بين عشرات المخطوطات البردية التي تبين عند مقارنتها بالنسخ الحديثة للمؤلفات
الكلاسيكية أنه لم يطرأ على النصوص سوى تغييرات طفيفة على مدى أكثر من ألفي عام،
كما يتبين ذلك من البراهين العلمية على الدقة التي نقلت بها أسماء الملوك وطريقة
هجائها الصحيحة وكذلك المفردات الأجنبية الكثيرة الموجودة في النصوص العبرية. (
Wilson, SIOT, 65).

أما
ف.ف. بروس فيقول: وصل نص الكتاب المقدس العبري المكتوب بحروف ساكنة والذي حرره
علماء المازورا إلى العصر الذي عاشوا فيه بدقة تامة في النقل على مدى ما يقرب من
ألف عام. (
Bruce, BP, 178).

ويخلص
وليم جرين إلى أنه: يمكننا أن نقول بثقة إنه ليس هناك نص آخر باق من العصور
القديمة انتقل بمثل هذه الدقة البالغة. (
Green, GIOT, 81)

وفيما
يتعلق بدقة نقل النص العبري، يقول أتكينسون، الذي كان مشرفاً ثانياً لمكتبة جامعة
كمبريدج، أنها تكاد تكون معجزية.

ولمئات
من السنين، اهتم علماء اليهود بنقل النص العبري، والتزموا إجراءات الحيطة الشديدة.
ويلقي هذا الفصل الضوء على ما أسفر عنه ذلك.

 

1(ج)
عدد المخطوطات

رغم
أن العهد القديم لا يتمتع بمثل عدد مخطوطات العهد الجديد، إلا أن عدد المخطوطات
المتاحة له اليوم جديرة بالملاحظة. وقد اقترحت أسباب لقلة المخطوطات العبرية
القديمة. أول هذه الأسباب وأكثرها وضوحاً هو قِدم المخطوطات وقابليتها للفناء، إذ
أن فترة تصل إلى ما بين ألفين وثلاثة آلاف عام تعد فترة طويلة لا يتوقع معها بقاء
الوثائق القديمة. ومع ذلك تشير الشواهد العديدة إلى أن المخطوطات الباقية لا تزال
بحالة جيدة. ومن الأهمية بمكان أن نحدد أولاً عدد المخطوطات الباقية. هناك عدة
مجموعات هامة من المخطوطات العبرية اليوم. والمجموعة الأولي من المخطوطات العبرية
قام بجمعها بنجامين كينكوت (1776-1780م) ونشرتها جامعة أكسفورد وتضم 615 مخطوطة
للعهد القديم. وبعد ذلك قام جيوفاني دي روسي (1784-1788م) بنشر قائمة تحوي 731
مخطوطة. وأهم اكتشاف للمخطوطات في العصر الحديث هي مخطوطات جنيزة القاهرة (في
التسعينات من القرن التاسع عشر) ومخطوطات البحر الميت (1947م وما بعدها). وفي مخزن
المجمع اليهودي بالقاهرة (جنيزة) اكتشفت مخطوطات قديمة، حيث وجد مائتي ألف من
المخطوطات والقصاصات. (
Kahle, CG,
13, and Wurthwein,.TOT, 25
)
ومنها ما يقرب من عشرة آلاف مخطوطة لأسفار الكتاب المقدس..(
Goshen-Gottstein, BMUS, 35)

قرب
نهاية القرن التاسع عشر، اكتشفت الكثير من القصاصات التي ترجع إلى الفترة فيما بين
القرن السادس والثامن في مجمع يهودي قديم في القاهرة بمصر، والذي كان حتى عام 882م
كنيسة للملاك ميخائيل. ووجدت هذه المخطوطات في جنيزة أو مستودع كان يوضع به
المخطوطات التالفة وغير السليمة حتى يتم التخلص منها بشكل ملائم. وقد تم عزل هذا
المستودع ببناء حائط أمامه، فظل منسياً حتى تم الكشف عنه في ذلك الوقت. وفي هذه
الحجرة الصغيرة كان هناك ما يقرب من 200.000 قصاصة تضم نصوصاً للكتاب المقدس
بالعبرية والآرامية. وهذه المخطوطات الكتابية ترجع إلى القرن الخامس الميلادي. (
Dockery, FBI, 162-163).

وما
يقرب من نصف هذه المخطوطات التي وجدت بالمستودع تحفظ الآن بجامعة كمبريدج. أما
الباقي فيوجد في أماكن متفرقة حول العالم. ولقد تعرَّف بول كال، مدير جنيزة
القاهرة، على أكثر من 120 من المخطوطات النادرة كانت قد أعدتها مجموعة بابلية من
الكتبة المازوريين.

إن
أكبر مجموعة من المخطوطات العبرية للعهد القديم في العالم هي مجموعة فيركوفيتش في
ليننجراد. وهي تضم 1.582 مخطوطة للكتاب المقدس بحسب النص المازوري مدوَّنة على
الرقوق (725 مخطوطة مدونة على ورق)، هذا بالإضافة إلى 1.200 قصاصة من المخطوطات
العبرية في مجموعة أنطونين. (
Wurthwein,
TOT, 23
).كما يؤكد كاهل أيضاً على
أن هذه المجموعة من المخطوطات والقصاصات أخذت جميعها من جينزة القاهرة. (
Kahle, CG, 7). وفي مجموعة فيركوفيتش هناك أربع عشرة مخطوطة عبرية للعهد القديم
ترجع إلى ما بين عامي 929م، و1121م وكانت أصلاً في جنيزة القاهرة.

إن
مخطوطات جنيزة القاهرة موزعة في أنحاء مختلفة من العالم. ويوجد بعض من أفضل هذه
المخطوطات بالولايات المتحدة في مجموعة إنلو التذكارية بمعهد اللاهوت اليهودي
بنيويورك. (
Goshen- Gottstein,
BMUS, 44f
).

يحتوي
المتحف البريطاني على 161 مخطوطة عبرية للعهد القديم. وفي جامعة أكسفورد تحتوي
مكتبة بودليان على 146 مخطوطة للعهد القديم، وكل منهما به عدد كبير من القصاصات.(
Kahle, CG, 5) ويقدر جوشن جوتشتاين عدد المخطوطات الساميَّة الموجودة بالولايات
المتحدة وحدها بعشرات الآلاف، حوالي خمسة بالمائة منها خاصة بالكتاب المقدس – أي
أكثر من خمسمائة مخطوطة.(
Goshen-Gottstein,
BMUS, 30
).

إن
أهم المخطوطات العبرية للعهد القديم ترجع إلى ما بين القرن الثالث ق.م. والقرن
الرابع عشر الميلادي. وأهم هذه المخطوطات هي مخطوطات البحر الميت التي ترجع إلى ما
بين القرن الثالث ق.م. والقرن الأول الميلادي. وهي تضم مخطوطة كاملة لسفر إشعياء
وآلاف القصاصات التي تشكِّل معاً جميع أسفار العهد القديم ما عدا سفر أستير.
Geisler, BECA, 549 (انظر مخطوطات البحر الميت لاحقاً في هذا الفصل).

ترجع
الأهمية البالغة لمخطوطات البحر الميت إلى أنها تؤكد صحة المخطوطات الأخرى اللاحقة
لها. فمثلاً مخطوطة القاهرة (895م) هي أقدم مخطوطة مازورية قبل اكتشاف مخطوطات
البحر الميت. وهي توجد الآن في المتحف البريطاني، وتسمي أيضاً المخطوطة القاهرية.
وقامت بنسخها أسرة موسي بن أشير، وتضم الأنبياء المتقدمين والمتأخرين. أما باقي
أسفار العهد القديم الأخرى فلا توجد بها. (
Bruce, BP, 115-16)

مخطوطة
ليننجراد للأنبياء (916م) تضم إشعياء وإرميا وحزقيال والاثنى عشر نبياً الصغار.

أما
أقدم مخطوطة كاملة للعهد القديم فهي المخطوطة البابلية (1008م) وهي موجودة في
ليننجراد. وقد نسخت عن مخطوطة مضبوطة نسخها الحاخام هرون بن موسي بن أشير قبل عام
1000م. (
Geisler, GIB, 250)

مخطوطة
حلب (900م) وهي مخطوطة هامة جداً. وقد تعرَّضت للضياع مرة، واكتشفت مرة أخرى عام
1958. ولكنها لم تسلم من التلف. ففي أحداث الشغب التي حدثت في إسرائيل عام 1947
تعرضت للتلف جزئياً. ومخطوطة حلب هي أقدم مخطوطة مازورية كاملة للعهد القديم كله.

مخطوطة
المتحف البريطاني (950م) وتشتمل على أجزاء من التكوين إلى التثنية.

مخطوطة
روخلن للأنبياء (1105م) ونسخها المازوري ابن نفتالي. وهذه المخطوطات تثير تساؤلاً
بشأن مدى الأمانة في نقل نصوص الكتاب المقدس. هناك العديد من أشكال الأخطاء التي
يمكن أن تقع في المخطوطات، وهذه يلاحظها الناقد النصي للمخطوطات القديمة للعهد
القديم (نتناول هذا الموضوع لاحقاً في هذا الفصل)، ولكن هل هذه الأخطاء من الأهمية
والخطورة حتى تفسد الرسالة ذاتها أو تجعل من المستحيل نقل المعنى الصحيح؟ لو كانت
كذلك، لكان قصد الله قد خاب، إذ أنه لم يستطع أن يحفظ وحيه حتى تستطيع الأجيال
اللاحقة أن تدركه على النحو الصحيح. ولو أنه لم يهيمن بقدرته على الكتبة الذين
دونوا النسخ المعروفة والمعتبرة للأسفار المقدسة لأفسدوا وحرفوا رسالته. ولو حرفت
الرسالة، لفشلت خطة الله بأكملها لإعلان وحيه وتدوينه، ولكان الكتاب المقدس مزيجاً
من الحق والباطل وفقاً لحكم البشر عليه (بدلاً من أن يكون مُحكَماً لهم).

 

2(ج)
تاريخ نص العهد القديم

وقال
الحاخام أكيبا، القرن الثاني الميلادي، النقل الدقيق (المازوري) للنص يحافظ على
التوراة. (
Harrison, IOT, 211) وفي اليهودية، كان يعهد للعلماء المتعاقبين بوضع معايير ثابتة
للحفاظ على النص الكتابي ومن ثم استبعاد وقوع أي خطأ:


السوفريم (كلمة عبرية تعني الكتبة) وهم العلماء اليهود القائمون على حفظ النصوص
الكتابية بين القرنين الخامس والثالث ق.م.


الزوجوث (اثنان من علماء النصوص) وكانوا يعيَّنون لهذا الغرض في القرنين الثاني
والأول قبل الميلاد.


التنايم (المعيدون أو المعلمون) واستمر نشاطهم حتى عام 200 م. وبالإضافة إلى العمل
على حفظ وصيانة نص العهد القديم، نجد عملهم في المدراش (التفسير النصي)،
والتوسيفتا (إضافة)، والتلمود (التعليم)، وهذا الأخير ينقسم إلى المشنا
(التكرارات) والجيمارا (مادة التعليم). وقد تم جمع التلمود على نحو تدريجي بين
عامي 100م، و500م. وكان من الطبيعي أن يعمل التنايم على صيانة الكتاب المقدس
العبري إذ أن عملهم كان يتعلق بجمع تعاليم معلمي اليهود على مدى عدة قرون اعتماداً
على النص الكتابي.


علماء التلمود (100-500م)

يوضح
جايسلر ونيكس التقليد الثاني للكتبة الذي يمتد من حوالي 400 ق.م. إلى 1000م:

بعد
العصر الأول للتقليد الذي اتَّبعه كتبة العهد القديم في عصر السوفريم (حوالي 400 ق.م.
– 200م) ظهر عصر ثاني وهو العصر التلمودي (حوالي 100-500م) وهذا تلاه التقليد
المازوري الشهير (حوالي 500- 900م). وكان عزرا يعمل مع أول هذه المجموعات حيث
كانوا يعتبرون حافظي الكتاب المقدس حتى العصر الذي تلي عصر المسيح. وفيما بين
100-500م، نما التلمود (التعليم) كمجموعة من القوانين المدنية والدينية العبرية
التي تعتمد على التوراة. ويمثل التلمود بالأساس آراء وقرارات معلمي اليهود من
حوالي عام 300 ق.م. إلى حوالي عام 500م، وهو يشتمل على قسمين أساسيين: المشنا
والجيمارا. (
Geisler, GIB, 306)

وفي
ذلك العصر أمضي العلماء الوقت الكثير في وضع القوانين المدنية والدينية العبرية.
وضع علماء التلمود نظاماً معقداً بعض الشئ لنسخ كتبهم الدينية.

ويصف
صموئيل ديفيدسون بعضاً من النظم التي وضعها علماء التلمود فيما يتعلق بالأسفار
المقدسة. وهذه القواعد الصارمة – وسأستخدم هنا النظام الذي أورده جايسلر – وهو على
النحو التالي:

(1)
يجب أن يدون درج المجمع على جلد حيوان طاهر، (2) ويجب أن يعده للاستخدام الخاص من
قِبَل المجمع شخص يهودي. (3) يجب أن تُضَم صفحات الدرج معاً بخيوط مأخوذة من
حيوانات طاهرة. (4) يجب أن تحتوي كل صفحة من الجلد على عدد معين من الأعمدة ثابت
في المخطوطة كلها. (5) يجب ألا يقل طول أي عمود عن 48 سطراً وألا يزيد عن 60 سطراً،
ويجب أن يشتمل السطر على ثلاثين حرفاً. (6) يجب أن تحاذي أوائل السطور في النسخة
كلها، وإذا وجِدت ثلاث كلمات دون محاذاة لا يعتد بهذه النسخة. (7) يجب أن يستخدم
الحبر الأسود وليس الأحمر أو الأخضر أو أي لون آخر، ويجب أن يعد طبقاً لمواصفات
محددة. (8) يجب أن يتم النقل عن نسخة معتمدة لا يحيد عنها الناسخ بأي حال من
الأحوال. (9) يجب ألا يعتمد الناسخ على ذاكرته في تدوين أي كلمة أو حرف ولو كان
أصغر الحروف، ما لم يكن الكاتب قد نقل عن المخطوطة التي أمام عينيه.. (10) يجب أن
يفصل بين كل حرفين ساكنين مسافة شعرة أو خيط. (11) وأن يفصل بين كل فقرتين مسافة
تسعة حروف ساكنة. (12) وبين كل سفرين ثلاثة أسطر. (13) يجب أن ينتهي السفر الخامس
من أسفار موسى بسطر تام وليس هذا ضرورياً بالنسبة للأسفار الأخرى. (14) علاوة على
ذلك، يجب أن يرتدي الناسخ الثياب اليهودية كاملة. (15) وأن يغسل بدنه كله، (16)
وألا يبدأ في كتابة اسم الله بقلم حالما أخرجه من مدواة الحبر، (17) وإن خاطبه ملك
أثناء تدوينه لهذا الاسم يجب ألا يلتفت إليه. (
Davidson, HTOT, 89)

ويضيف
دفيدسون أن: الكتب التي لا يلتزم عند تدوينها بهذه القواعد كان مصيرها الدفن في
الأرض أو الحرق، أو كانت تؤخذ إلى المدارس حيث كانت تستخدم ككتب للقراءة.

كان
علماء التلمود مقتنعين تماماً أنهم إذا ما انتهوا من نسخ إحدى المخطوطات فإنهم
بذلك قد حصلوا على نسخة مطابقة للأصل، ومن ثم يمكنهم أن يعتمدوا النسخة الجديدة
ويعطوها نفس الصلاحيات.

وفيما
يتعلق بالتخلُّص من النسخ القديمة يضيف فريدريك كنيون في كتاب «كتابنا المقدس
والمخطوطات القديمة» إلى ما سبق:

إن
الحرص الشديد الذي كان يتَّبع عند نسخ المخطوطات هو نفسه السبب في اختفاء النسخ
القديمة. فعندما كانت تنسخ المخطوطة طبقاً للمواصفات الدقيقة المنصوص عليها في
التلمود، وبعد أن يتم التحقق من صحتها تماماً كانوا يقبلونها كنسخة معتمدة، لها
نفس قيمة النسخ الأخرى. وإذا تطابقت نسختان تماماً وبشكل صحيح فإن عنصر القِدَم لم
يكن عنصر إيجاب للإبقاء على المخطوطة بل عنصر سلْب، إذ أن المخطوطة كانت عرضة
للبلاء والتلف بمرور الوقت. وكانت النسخة التالفة أو غير السليمة تفرز حالاً وتعد
غير ملائمة للاستخدام.

وكان
ملحقاً بكل مجمع جنيزة
Gheniza وهي خزانة للأشياء القديمة كانت توضع بها المخطوطات التالفة
جانباً، ومن هذه الخزانات تم اكتشاف بعض المخطوطات الأكثر قِدَماً في العصور
الحديثة.

ومن
هنا لم تجري العادة اليهودية على اعتبار النسخة الأقدم من الأسفار المقدسة هي
الأكثر قيمة، ولكن على تفضيل النسخة الأحدث كنسخة سليمة لا يلحقها التلف. أما
النسخ القديمة التي كانت تودع في الجنيزة فكان يصيبها التلف والفناء بشكل طبيعي
إما بسبب الإهمال أو بسبب حرقها بشكل مقصود عندما كانت الجنيزة تمتلئ عن آخرها.

ومن
ثم فإن غياب النسخ القديمة جداً للكتاب المقدس العبري لا يجب أن تثير دهشتنا أو
قلقنا. وإذا أضفنا للأسباب التي ذكرناها عصور الاضطهاد المتكررة (بما فيها من
تدمير للممتلكات) التي تعرض لها اليهود، يمكننا تعليل اختفاء المخطوطات القديمة،كما
يمكننا قبول المخطوطات الباقية بما تحفظه لنا – أي النص المازوري. (
Kenyon, OBAM, 43).

المازوريون
هم علماء اليهود الذين قاموا فيما بين 500-900م بإخراج الشكل النهائي لنص العهد
القديم. كان خراب الهيكل عام 70م، تشتت اليهود بعيداً عن أرضهم دافعاً قوياً،
أولاً: لوضع نظام ثابت للنص الذي يعتمد على الحروف الساكنة، وثانياً: لوضع نظام
ثابت للترقيم واستخدام حروف العلة لضبط عملية النطق والقراءة. وقد أطلق عليهم اسم
المازوريين لأنهم قاموا بحفظ التقليد الشفهي (المازورا) مكتوباً وذلك فيما يختص
بحروف العلة وعلامات النطق الصحيحة وعدد مرات ورود الكلمات النادرة ذات الأشكال
الإملائية الغريبة. لقد تسلموا النص المدوَّن بحروف ساكنة غير مشكَّلة (مثل
الإنجليزية المكتوبة بدون حروف علة) من السوفريم وأدخلوا عليه علامات التشكيل التي
أعطت لكل كلمة نطقها المضبوط وشكلها النحوي. كما أنهم اهتموا بالنقد النصي. وأينما
ساورهم الشك في وقوع خطأ بكلمة معينة في النص المكتوب بحروف ساكنة، أصلحوه ببراعة
تامة. إذ أنهم كانوا يتركون الحروف الساكنة الأصلية للكلمة كما أخذوها عن السوفريم.
ولكنهم كانوا يدخلون عليها علامات التشكيل التي تظهر في الشكل الجديد للكلمة ثم
يدخلون الحروف الساكنة للكلمة الجديدة ذاتها حيث يدونها بحروف صغيرة في حاشية النص.
(
Archer, SOT, 63)

كان
هناك مدرستان أو مركزان رئيسيان للنشاط المازوري – مستقل أحدهما عن الآخر –
المدرسة البابلية والمدرسة الفلسطينية. وأشهر المازوريين هم علماء اليهود الذين
عاشوا في طبرية بالجليل، موسي بن أشير (وابنه هارون) وموسي بن نفتالي في أواخر
القرن التاسع والقرن العاشر. والنص الذي دوَّنه ابن أشير هو النص العبري القياسي
اليوم وأفضل ما يمثله مخطوطة ليننجراد ومخطوطة حلب.

وقد
أخذ المازوريون (من المازورا أي التقليد) على عاتقهم العمل المضني لتحرير وتقنين
النص. وكانوا يتمركزون في طبرية. والنص الذي ضبطه المازوروين يسمى النص المازوري.
وهذا النص يحوي علامات التشكيل التي أضيفت لضبط النطق. ويعد النص المازوري هو النص
العبري القياسي اليوم.

كان
المازوريون على درجة عالية من العلم، وتعاملوا مع النص بأقصى درجات الاحترام
والتبجيل ووضعوا نظاماً معقداً لحفظه من زلات الكتبة. فعلى سبيل المثال قاموا
بإحصاء عدد المرات التي ورد فيها كل حرف من حروف الهجاء في كل سفر، وحددوا الحرف
الأوسط في الأسفار الخمسة الأولى والحرف الأوسط في الكتاب المقدس العبري كله. كما
قاموا بحسابات أخرى أكثر دقة وتفصيلاً من هذه. ويقول ويلر روبنسون إنهم أحصوا كل
ما هو قابل للإحصاء. ولقد ألَّفوا عبارات قصيرة تيسر لهم تذكر الإحصاءات المختلفة.
(
Bruce, BP, 117)

كان
الكتبة يعرفون ما إذا كان سفر إشعياء أو العهد القديم كله مثلاً خالياً من حرف
ساكن معين. لقد وضعوا الكثير من القواعد التي تضمن لهم الحصول على نسخة طبق الأصل
عند الانتهاء من نسخها.

ويقول
السير فريدريك كنيون:

إضافة
إلى تسجيلهم للقراءات التقليدية والحديثة المختلفة، قام المازوريون بعدد من
الإحصاءات التي لا تقع في نطاق النقد النصي العادي. لقد أحصوا آيات وكلمات وحروف
كل سفر. كما حسبوا موقع الكلمة الوسطى والحرف الأوسط في كل منها. كما أحصوا الآيات
التي اشتملت على كل حروف الهجاء أو عدد معين منها. وهذه الإجراءات التي لا قيمة
لها، من وجهة نظرنا،كان لها رغم ذلك أثر في توفير العناية التامة للنقل الصحيح
للنصوص، وهي تدل على الاحترام البالغ للأسفار المقدسة الذي لا يستحق إلا الثناء.
لقد كان المازوريون حقاً حريصين على ألا يسقط أو يضيع أي شئ ولو كان نقطة أو حرفاً
صغيراً أو حتى جزء من حرف الناموس. (
Kenyon,
OBAM, 38
).

ونستخلص
مما سبق ذكره عن المخطوطات العبرية تبجيل اليهود للأسفار المقدسة. فبالنسبة
للأسفار المقدسة لدى اليهود، لم يكن التزام الكتبة بالدقة التامة هو وحده المسئول
عن سلامتها، بل بالأحرى تبجيلهم الشديد والمبالغ فيه للكتاب المقدس. وطبقاً
للتلمود كانت هناك مواصفات ليس فقط لنوع الجلد المستخدم وحجم الأعمدة، ولكن الكاتب
كان عليه أن يؤدي طقساً دينياً معيناً قبل تدوين اسم الله. كما نصت القواعد على
نوع الحبر المستخدم والمسافة بين الكلمات وحظرت تدوين أي شئ من الذاكرة. كان يتم
إحصاء السطور – وكذلك الحروف – بأسلوب منهجي. ولو وجد بالمخطوطة خطأ واحد كان يتم
التخلص منها. كانت الإجراءات الشكلية التي تمسَّك بها الكتبة مسئولة، ولو بشكل
جزئي على الأقل، عن الحرص الشديد الذي كان يتبع عند نسخ الأسفار المقدسة. وهذا هو
السبب في قلة عدد المخطوطات (إذ كانت القواعد تنص على التخلص من النسخ المعيبة). (
Geisler, BECA, 552).

في
القرن الأول الميلادي كتب فلافيوس يوسيفوس المؤرخ اليهودي يقول:

لقد
برهنا عملياً على تبجيل أسفارنا المقدسة. إذ أنه على الرغم من مرور القرون الطويلة،
لم يجرؤ أحد على إضافة أو حذف أو تعديل أي مقطع فيها، وهي فطرة لدى كل يهودي منذ
يوم ميلاده أن يعتبرها أوامر الله ويعمل بها، وإن اقتضت الضرورة أن يموت من أجلها
بسرور وفرح. فكم من المرات شهدنا الأسرى وهم يكابدون ألوان العذاب والموت في
المسارح مفضلين ذلك على أن ينبثوا بكلمة واحدة. (
Josephus, FJAA, as cited in JCW, 179, 180)

ويواصل
يوسيفوس قوله مقارناً بين احترام العبرانيين للكتاب المقدس واحترام الإغريق لأدبهم:

إلى
أي مدى يمكن أن يحتمل الإغريق مثل هذا النهج؟ ولو كان بذلك سوف ينقذ أدب الأمة
بأكمله من الدمار، ما قبل الشخص الإغريقي أن يتحمل ألماً شخصياً ضئيلاً. إذ أن
الإغريق يعتبرونها مجرد قصص ألَّفها أدباؤهم وفقاً لإبداعهم، وهم يقنعون بهذه
الرؤية حتى بالنسبة لأقدم مؤرخيهم، إذ أنهم يرون بعض معاصريهم يخوضون في وصف أحداث
ليس لهم فيها طرف، دون أن يتكلفوا عناء البحث والسؤال لدى من يضطلعون على الحقائق.
(
Josephus, FJAA, as cited in JCW,
181
).

ومع
ذلك ظلت أقدم المخطوطات المازورية الموجودة والتي ترجع إلى حوالي 1000م وما بعدها،
في انتظار ما يؤكد صحتها. وهذا ما أكده الاكتشاف المذهل بالقرب من شواطئ البحر
الميت في فلسطين.

 

3(ج)
مخطوطات البحر الميت

لو
سئل أي عالم كتابي، قبل اكتشاف مخطوطات البحر الميت، ما هو تصورك لاكتشاف يمكن أن
يثبت موثوقية العهد القديم لأجاب: لابد أن تكون مخطوطات أصلية أكثر قِدَماً تبرهن
على صحة العهد القديم. سأل السير فريدريك كنيون هذا السؤال الهام: هل هذا النص
العبري، الذي نسميه النص المازوري، والذي أوضحنا أنه ينحدر من نص يرجع إلى 100م،
يمثل بأمانة النص العبري الأصلي الذي دوَّنه كَّتاب أسفار العهد القديم؟ (
Kenyon, OBAM, 47)

وقبل
اكتشاف مخطوطات البحر الميت كان السؤال على النحو التالي: ما مدى صحة النسخ التي
لدينا اليوم مقارنة بنسخ القرن الأول وما قبله؟ وترجع أقدم نسخة كاملة للعهد
القديم إلى القرن العاشر. ومن هنا يظهر التساؤل التالي: هل يمكننا أن نثق في نص
العهد القديم وقد تم نسخه مرات ومرات؟ وتعلن مخطوطات البحر الميت الإجابة المذهلة
على هذا التساؤل.

1(د)
ما هي مخطوطات البحر الميت؟

تتكون
هذه المخطوطات من حوالي أربعين ألف قصاصة مدوَّنة. ومن هذه القصاصات أمكن جمع أكثر
من خمس مائة كتاب. وضمن هذه المخطوطات تمَّ اكتشاف كتب وقصاصات غير كتابية تلقي
الضوء على المجتمع الديني لقمران على شواطئ البحر الميت من القرن الثاني قبل
الميلاد إلى القرن الأول الميلادي. وتساعدنا كتابات مثل «وثائق صادوق» و«قانون
المجتمع» و«دليل التعليم» على فهم طبيعة الحياة اليومية في قمران. ففي كهوف قمران
المختلفة كانت هناك شروحات نافعة جداً للأسفار المقدسة. ولكن أهم مخطوطات البحر
الميت هي نسخ نص العهد القديم التي ترجع إلى ما قبل ميلاد المسيح بحوالي مائة عام.

2(د)
كيف اكتشفت مخطوطات البحر الميت؟

ويقدم
لنا رالف إيرل جواباً معبِّراً ومختزلاً عن هذا السؤال، إذ يحكي قصة تنمّ عن
العناية الإلهية:

تُعَد
قصة هذا الاكتشاف أحد أروع القصص في العصر الحديث. في فبراير أو مارس من عام 1947
كان هناك راعي بدوي صبي اسمهُ محمد يبحث عن عنزة ضالة. فرمى حجراً في ثقب في تل
على الجانب الغربي للبحر الميت، على بعد ثمانية أميال جنوب أريحا، واندهش لسماع
صوت تحطُّم آنية فخارية. ولما تفحَّص الأمر شاهد منظراً مدهشاً. كان في الكهف
العديد من الأواني الفخارية التي تحتوي على مخطوطات جلدية ملفوفة في قماش من
الكتَّان. ولأن الأواني كانت مغلقة بإحكام، فقد حفظت المخطوطات بحالة جيدة لما
يقرب من 1.900 عاماً (تشير الأدلة إلى أنها وضعت في الكهف حوالي سنة 68م).

وقد
اشترى رئيس أساقفة دير السريان الأرثوذكس في أورشليم خمسة من هذه المخطوطات التي
وجدت في الكهف الأول للبحر الميت، كما يطلق عليه الآن. بينما اشتري الأستاذ
«سوكينيك» بالجامعة العبرية هناك ثلاث من هذه المخطوطات.

وعندما
اكتشفت هذه المخطوطات لأول مرة، لم يعلن عنها. وفي نوفمبر من عام 1947، وبعد أن
اشترى الأستاذ سوكينيك بيومين ثلاث من هذه المخطوطات واثنين من الأواني الفخارية
التي كانت بالكهف، كتب في مذكراته يقول: لعل هذا واحداً من أعظم الاكتشافات في
فلسطين، وهو اكتشاف لم نكن لنطمح إليه. ولكن هذه الكلمات لم تنشر آنذاك.

وفي
فبراير من عام 1948 اتَّصل رئيس أساقفة الدير، الذي لم يكن يعرف العبرية، بالمدرسة
الأمريكية للبحوث الشرقية في أورشليم وأخبرهم عن المخطوطات. وشاءت العناية الإلهية
أن مدير المدرسة في ذلك الوقت كان عالماً شاباً يُدعي جون تريفر، وكان مصوراً
هاوياً محترفاً. وبجهد شاق ومخلص قام بتصوير كل عمود من أعمدة المخطوطة الكبيرة
لسفر إشعياء التي يصل طولها إلى 24 قدماً وعرضها 10 بوصات. كما قام بتحميض الأفلام
بنفسه وأرسل بعض الصور منها بالبريد الجوي إلى الدكتور و.ف. ألبرايت في جامعة جونز
هوبكنز، الذي كان يعتبر عميداً لعلماء الآثار الكتابية في أمريكا. وفي الحال أرسل
رده بالبريد الجوي قائلاً: تهاني القلبية على اكتشاف أعظم مخطوطة في عصرنا الحديث.
يا له من اكتشاف مذهل! لا يمكن أن يوجد ظل شك في العالم كله في أصالة هذه المخطوطة.
وقال إنها ترجع إلى حوالي 100 ق.م. (
Earle,
HWGB, 48, 49
)

3(د)
قيمة المخطوطات

ترجع
أقدم مخطوطة عبرية كاملة للعهد القديم قبل اكتشاف مخطوطات البحر الميت إلى 900م.
كيف يمكننا التأكد من انتقالها إلينا بشكل صحيح منذ عصر ما قبل المسيح في القرن
الأول الميلادي؟ يمكننا الآن التأكد من ذلك بفضل علم الآثار ومخطوطات البحر الميت.
كانت إحدى مخطوطات كهوف البحر الميت نسخة كاملة للنص العبري لسفر إشعياء. ويقدِّر
العلماء تاريخ نسخها إلى حوالي 125 ق.م. إن هذه المخطوطة أقدم بألف عام من أي
مخطوطة أخرى حصلنا عليها قبلاً.

وترجع
أهمية هذا الاكتشاف إلى التطابق التام بين مخطوطة سفر إشعياء (125 ق.م.) مع النص
المازوري لسفر إشعياء (916 م) أي بعد ألف عام. وهي تدل على الدقة غير العادية
لنسَّاخ الكتاب المقدس على مدى أكثر من ألف عام.

من
بين 166 كلمة يحتوي عليها أصحاح 53 من سفر إشعياء، هناك فقط سبعة عشر حرفاً موضع
تساؤل. وعشرة من هذه الحروف يتعلق بالأشكال الإملائية للكلمات بما لا يؤثر على
المعنى. وأربعة حروف أخرى تتصل بالأسلوب مثل استخدام حروف العطف. أما الحروف
الثلاثة الباقية فتشكل كلمة نور المضافة في آية 11 دون تأثير يذكر في المعني.
علاوة على ذلك، فإن هذه الكلمة وردت في الترجمة السبعينية وفي مخطوطة
IQ (وهي إحدى مخطوطات سفر إشعياء المكتشفة في كهوف البحر الميت). أي
أنه في أصحاح يحتوي على 166 كلمة هناك كلمة واحدة (من ثلاثة حروف) موضع تساؤل بعد
مرور ألف عام من النقل – وهذه الكلمة غير ذات قيمة تذكر بالنسبة لمعنى النص. (
Burrows, TDSS, 304)

ويقول
جليسون أركر إن مخطوطات سفر إشعياء التي اكتشفت في كهوف قمران: ثبت أنها تطابق
النص العبري الذي بين أيدينا فيما يزيد على 95% منه. أما الخمسة بالمائة الباقية
فهي اختلافات ناتجة عن زلات النسْخ أو اختلافات في أشكال الكلمات. (
Archer, SOT, 19)

ويخلص
ميللر باروز إلى ما يلي: من الأمور العجيبة أنه على مدى ما يقرب من ألف عام لم
يطرأ على النص تغيير يذكر. وكما أشرت في بحثي الأول عن هذه المخطوطة فإن أهميتها
الرئيسية تكمن في إثباتها لصحة التقليد المازوري. (
Burrows, TDSS, 304).

4(د)
ماذا تحتوي مخطوطات البحر الميت؟

لا
يمكننا هنا الحديث عن جميع مخطوطات البحر الميت التي يزيد عددها عن ثماني مائة
مخطوطة. ولكننا سنتناول فيما يلي بعض أمثلة من تلك المخطوطات التي تمت دراستها على
مدى الأربعين عاماً الماضية بما في ذلك نصوص الأسفار الأكثر قدماً التي تعتمد
عليها هذه المخطوطات، وكذلك المخطوطات التي اكتشفت في الكهف الرابع والتي نشرت
محتوياتها حديثاً. وهذه النصوص يمكن تصنيفها على النحو التالي: النصوص الكتابية –
الشروحات الكتابية – النصوص الطائفية (أي التي تنتمي إلى طائفة أو شيعة معينة) –
النصوص الموضوعة – النصوص الأبوكريفية – النصوص النسكية أو الطقسية. (
Price, SDSS, 86).

اكتشافات
مخطوطات البحر الميت: اكتشف الكهف الأول صبي عربي كان راعياً. وهناك وجد سبع
مخطوطات كاملة تقريباً وبعض القصاصات:

إشعياء
أ: (
IQIs a) تعتبر مخطوطة دير القديس مرقس لسفر إشعياء مخطوطة شهيرة وبها
إصلاحات كثيرة فيما بين السطور أو في الهامش. وهي أقدم نسخة معروفة لسفر كامل
بالكتاب المقدس.

إشعياء
ب (
IQIs b): تعد نسخة سفر إشعياء بالجامعة العبرية نسخة غير كاملة، ولكن
نصها يطابق النص المازوري أكثر من إشعياء أ.

قصاصات
أخري بالكهف الأول: اكتشف بهذا الكهف أيضاً أجزاء من التكوين واللاويين والتثنية
والقضاة وصموئيل وإشعياء وحزقيال والمزامير، وأعمال أخرى غير كتابية مثل أخنوخ وأقوال
موسى (ولم تكن معروفة قبلاً)، وسفر اليوبيل وسفر نوح، وشهادة لاوي وطوبيا وحكمة
سليمان. وهناك أيضاً أجزاء من سفر دانيال وتشمل دانيال 2: 4 (حيث تتغير اللغة من
العبرية إلى الآرامية)، وقد وجد أيضاً في الكهف الأول أجزاء من شروحات لأسفار
المزامير وميخا وصفنيا.

الكهف
الثانى: وقد اكتشف أولاً على يد البدو. وفي عام 1952 تم التنقيب عن محتوياته. وهذه
تشتمل على أجزاء من حوالي مائة مخطوطة، منها مخطوطتان لسفر الخروج وواحدة لسفر
اللاويين وأربع مخطوطات للعدد واثنتين أو ثلاثة للتثنية ومخطوطة واحدة لكل من
إرميا وأيوب والمزامير ومخطوطتان لراعوث.

الكهف
الرابع: ويسمي كهف الحجل أو الكهف الرابع. وبعد أن عبث البدو بمحتوياته، تم الكشف
عنه في سبتمير من عام 1952 وتبين أنه أكثر الكهوف عطاءً إذ تمَّ استعادة آلاف
القصاصات عن طريق شرائها من البدو أو تنقيب الأثريين في أرض الكهف. وتمثل هذه
القصاصات مئات المخطوطات، وقد تم التعرف على ما يقرب من أربع مائة منها. وهي تحتوي
على مائة نسخة لأسفار الكتاب المقدس تشمل العهد القديم كله ما عدا أستير.

وهناك
قصاصة من صموئيل وجدت في الكهف الرابع (4
qsam b) ويعتقد أنها أقدم
مخطوطة معروفة لنص كتابي عبري. وهي ترجع إلى القرن الثالث قبل الميلاد. كما تمَّ
اكتشاف بعض قصاصات لشروحات أسفار المزامير وإشعياء وناحوم. وتمثل محتويات الكهف
الرابع معظم مكتشفات وادي قمران، وبالنظر إلى النسبة بين أعداد الكتب المكتشفة،
يمكن القول بأن الأسفار المفضلة لدى مجتمع قمران كانت على الترتيب التثنية وإشعياء
والمزامير والأنبياء الصغار وإرميا. وفي إحدى القصاصات التي تحوي دانيال 7: 28، 8:
1 تتغير اللغة من الآرامية إلى العبرية.

الكهوف
من السابع إلي العاشر: تم فحصها عام 1955 ولم يسفر ذلك عن أي مخطوطات هامة للعهد
القديم، إلا أن الكهف السابع كان يشتمل على بعض قصاصات لمخطوطات، يقول جوسي
أوكالاهان إنها أجزاء من العهد الجديد. ولو صحَّ ذلك فإنها تُعد أقدم مخطوطات
العهد الجديد إذ ترجع إلى 50-60م.

الكهف
الحادي عشر: تم اكتشاف هذا الكهف في آوائل عام 1956. ووجد به مخطوطات بحالة جيدة
لستة وثلاثين مزموراً بالإضافة إلى المزمور 151 وهي إحدى كتابات الأبوكريفا، ولم
يكن يعرف قبلاً إلا في نصه اليوناني. كما وجد درجاً بحالة جيدة يحوي جزءاً من سفر
اللاويين وأجزاءً كبيرة من رؤيا أورشليم الجديدة وترجوماً (ترجمة) آرامياً لسفر
أيوب.

وهناك
العديد من الدراسات الحديثة لمخطوطات البحر الميت، وهي تورد وصفاً مفصلاً لهذه
المخطوطات. ويضيف جليسن ل. أركر ملحقاً إلى كتابه «مدخل إلى العهد القديم» يتناول
فيه هذا الموضوع.

اكتشافات
Murabba’at: . لما كانت هذه الاكتشافات تدرّ الربح على البدو في قمران، فقد
واصلوا بحثهم واكتشفوا كهوفاً أخرى جنوب شرق بيت لحم وكان بها وثائق ومخطوطات التي
استنتجت تاريخها من الثورة اليهودية الثانية (132-135م). وقد بدأ البحث والتنقيب
المنظم لهذه الكهوف في يناير من عام 1952. وقد ساعدت هذه المخطوطات اللاحقة
لمخطوطات البحر الميت في التعرف على أقدمية مخطوطات البحر الميت. وفي هذه الكهوف
تم اكتشاف مخطوطة أخرى للأنبياء الصغار بدءً من النصف الثاني ليوئيل إلى حجي،
وتؤيد هذه المخطوطة النص المازوري. واكتشفت أيضاً أقدم بردية سامية معروفة وقد
أعيد النقش عليها مرة ثانية بكتابة عبرية (ترجع إلى القرن السابع أو الثامن ق.م.)

ويمكننا
أن نرى أهمية مخطوطات قمران بالنسبة للنقد النصي من خلال آراء علماء العهد القديم:

أولاً:
ترجع مخطوطات البحر الميت بالدارس لنصوص الكتاب المقدس حوالي ألف عام من تاريخ
المخطوطات العبرية المعروفة سابقاً. قبل اكتشافات قمران،كانت نسخ أسفار العهد القديم
الكاملة والأكثر قِدَماً ترجع إلى حوالي بداية القرن العاشر الميلادي. وكانت أقدم
نسخة كاملة للعهد القديم كله ترجع إلى بداية القرن الحادي عشر الميلادي. ومن ثم
فإن مخطوطات البحر الميت قد قدمت وثائق أكثر قِدَماً لنصوص العهد القديم من أي نسخ
أخرى كانت معروفة قبلاً. (
Brotzman,
OTTC, 94-95
)

قبل
اكتشاف مخطوطات قمران كانت أقدم المخطوطات الموجودة ترجع إلى حوالي 900م. أما بعض
مخطوطات البحر الميت، ومنها نسخ لأسفار إشعياء وحبقوق وغيرها، فترجع إلى حوالي 125
ق.م.، أي قبل ألف عام من التاريخ السابق. وانتهت نتائج البحث إلى أنه ليس هناك
اختلاف يذكر بين مخطوطة إشعياء التي وجدت في قمران والنص العبري المازوري الذي دون
بعد ذلك بألف عام. وهذا يؤيد موثوقية النص العبري الذي لدينا الآن. (
Enns, MHT, 173).

سوف
تعمل مخطوطات البحر الميت مع غيرها من الوثائق الأخرى الباقية على توسيع آفاق
المعرفة في مجالات التاريخ والدين والنصوص المقدسة. (
Harrison, AOT, 115).

ليس
من شك في أن مخطوطات البحر الميت قد بدأت عصراً جديداً لدراسة الكتاب المقدس سوف
تتأكد فيه الكثير من الحقائق المسلم بها ويتم تعديل الكثير من المفاهيم الأخرى.
وعلى نفس القدر من الأهمية سوف تكون هناك حركة لإعادة بناء النص الأصلي للعهد
القديم في عصور ما قبل المسيحية، الأمر الذي ييسر للقارئ في العصر الحديث فهْم
كلمة الله بشكل أكثر وعياً. (
Harrison,
AOT, 115
).

والخلاصة
هي أننا يجب أن نثني على المازوريين لمثابرتهم وحرصهم الشديد على الحفاظ على النص
الأصلي للسوفريم الذي عهد به إليهم. وقد أولوا عناية كبيرة، شأنهم شأن السوفريم،
بالحفاظ على الأسفار المقدسة العبرية، وهذا ما لم تشهده أي كتابات قديمة أخرى سواء
علمانية أو دينية في تاريخ الحضارة البشرية. لقد كانوا على وعي تام بأنهم وكلاء
على النصوص المقدسة حتى أنهم لم يجرؤوا على القيام بأية تعديلات فيما يتعلق
بالحروف الساكنة للنص، فتركوا شكل النص كما تسلموه تماماً.

وبسبب
أمانتهم، لدينا اليوم النصوص العبرية التي تطابق – في كل الجوهريات – النصوص التي
كانت توجد في أيام المسيح والرسل أو ما قبل ذلك بنحو مائة عام، وكانت هذه النصوص
تعتبر موضع ثقة في ذلك الوقت. وهذه بدورها، كما تبين مخطوطات قمران، ترجع إلى نسخة
أقدم لنصوص العهد القديم نقلت عن مخطوطات موثوق بها من قرون سابقة. وهذه تقربنا
جداً من الكتابات الأصلية ذاتها وتقدم لنا أقرب تصور للنصوص الأصلية لوحي الله.
وعلى حد قول و.ف. ألبرايت: يمكننا أن نطمئن إلى أن النص الأصلي للكتاب المقدس
العبري، رغم إمكانية وقوع التغيير فيه، قد حفظ بدقة شديدة ربما لم تتوفر لأي من
كتابات الشرق الأدنى. (
Archer,
SOT, 65
)

 

4(ج)
برهان المخطوطات غير العبرية

تقدم
الترجمات القديمة المختلفة (والتي تسمى نسخاً) للعهد القديم لدارس النصوص الكتابية
مصادر هامة لتحقيق النص. فهناك مثلاً نص الترجمة السبعينية الذي يرجع إلى القرن
الثالث ق.م. ونص التوراة السامرية ويرجَّح أنها ترجع إلى القرن الخامس ق.م. وهاتان
النسختان جنباً إلى جنب مع النص المازوري تعد ثلاثة نسخ تقليدية لنص العهد القديم.
وتبرهن، عند دراستها نقدياً، على صحة نص العهد القديم. وتعد التوراة السامرية
والترجمة السبعينية على نحو خاص، بما مرت به من مراحل التنقيح، برهاناً أساسياً
على صحة نص العهد القديم.

1(د)
الترجمة السبعينية

كما
أهمل اليهود لغتهم العبرية وتحدثوا بالآرامية في الشرق الأدنى، هكذا أهملوا
الآرامية وتحدثوا باليونانية في مراكز الحضارة الإغريقية، مثلما هو الحال في
الإسكندرية بمصر. وأثناء حملات الإسكندر الأكبر لقي اليهود استحساناً كبيراً. لقد
كان الإسكندر متعاطفاً معهم نتيجة لسياساتهم معه أثناء حصار مدينة صور (322 ق.م.)
وقيل أيضاً إنه سافر إلى أورشليم ليقدم فروض الولاء والطاعة لإلههم. وعندما كان
يغزو بلدان جديدة، كان يؤسس المدن التي كثيراً ما كان يقطنها بعض اليهود، وكانت
هذه المدن يطلق عليها غالباً الإسكندرية.

ولأن
اليهود كانوا مشتتين بعيداً عن أرضهم، فقد كانت هناك حاجة لترجمة أسفارهم المقدسة
للغة الشائعة في ذلك الوقت. ومن ثم فقد أطلق اسم السبعينية (والتي تعني سبعين
ويشار إليها اختصاراً بالأرقام اللاتينية
LXX) على الترجمة اليونانية
للكتب المقدسة العبرية التي جرت أثناء حكم الملك بطليموس فيلادلفيوس في مصر.
(285-246 ق.م.)

ويحدثنا
ف.ف. بروس عن أصل تسمية هذه الترجمة بهذا الاسم. ففي معرض حديثه عن رسالة كتبها
أريستياس، أحد رجال الدولة عند الملك بطليموس فيلادلفيوس، لأخيه فيلوكراتيس حوالي
عام 250 ق.م. (أو على الأصح قبل عام 100ق.م بوقت قصير) كتب بروس يقول:

اشتهر
بطليموس برعايته للأدب وتحت رعايته افتتحت مكتبة الإسكندرية العظيمة وكانت إحدى
عجائب الدنيا الثقافية على مدى 900 عام. وتصف هذه الرسالة كيف أثار ديمتريوس
الفاليروم، الذي قيل إنه كان أميناً لمكتبة بطليموس، شغف الملك بالشريعة اليهودية
وأشار عليه بإرسال بعثة لرئيس الكهنة أليعازار في أورشليم. انتخب رئيس الكهنة ستة
شيوخ من كل سبط من أسباط إسرائيل الاثنى عشر للعمل كمترجمين وأرسلهم إلى
الإسكندرية وأرسل معهم مخطوطة من أجمل وأدق مخطوطات التوراة. وهناك كانت تقدم لهم
الأطعمة الملكية، وبعد أن برهنوا على حكمتهم وعلمهم تم نقلهم للسكن في منزل بجزيرة
فاروس (وهي الجزيرة الشهيرة بفنارها) حيث أتموا في مدة اثنين وسبعين يوماً ترجمة
التوراة إلى اللغة اليونانية وقدموا نسخة اتفقوا عليها جميعاً بعد الكثير من
المداولة والمقارنة. (
Bruce, BP,
146, 147
).

تختلف
الترجمة السبعينية اليونانية للعهد القديم عن النسخة العبرية في مستوى الترجمة وفي
محتواها وترتيب الأسفار بها. إذ أنه بالإضافة إلى الأسفار الاثنين والعشرين للعهد
القديم العبري، تحتوي الترجمة السبعينية على عدد من الأسفار التي لم تكن جزءاً من
الأسفار القانونية العبرية. ويبدو أن هذه الأسفار كانت منتشرة في العالم المتحدث
باللغة اليونانية، ولكنها لم تكن ضمن الأسفار القانونية العبرية. ويعكس مستوى
الترجمة في النسخة السبعينية هذا الأمر، ويمكن أن نستخلص منه عدة ملاحظات: (1)
يتراوح مستوى الترجمة في النسخة السبعينية من الترجمة الحرفية في التوراة (الأسفار
الخمسة الأولى) إلى الترجمة الحرة في الكتب (القسم الثالث من الأسفار المقدسة
العبرية). (انظر المرجع التالي:

(Sir Frederic Kenyon,The Text of the Greek
Bible, 3rd ed., revised and augmented by A.W. Adams, pp. 16-99
)

ويشير
أدامز إلى أن نص سفر أيوب في النسخة الأصلية للترجمة السبعينية أقل من مثيله
العبري بنحو السدس. وهناك تفاوت كبير في أسفار يشوع وصموئيل الأول والملوك الأول
والأمثال وأستير وإرميا، ويقل هذا التفاوت في الأسفار الأخرى. ويرجع هذا إلى
الصعوبات الكبيرة التي واجههتها الترجمة السبعينية. (2) لم يكن الغرض من الترجمة
السبعينية هو نفس الغرض من النص العبري الذي كان يستخدم في الخدمة الدينية في
المجامع وليس في الأغراض التعليمية. (3) كانت الترجمة السبعينية نتاجاً لتجربة
رائدة لنقل أسفار العهد القديم وثمرة رائعة لهذا الجهد. (4) التزمت الترجمة
السبعينية بوجه عام بقراءات النص العبري الأصلي رغم قول البعض بأن المترجمين لم
يكونوا جميعهم من العلماء العبرانيين الثقاة.

ويعلق
بول إنز على الترجمة السبعينية قائلاً: تعد النسخة السبعينية غير متكافئة كترجمة
ولكن قيمتها تكمن في أنها تعتمد على نص عبري أقدم من المخطوطات العبرية الموجودة
لدينا بنحو ألف عام. علاوة على ذلك، كان كتَّاب العهد الجديد يقتبسون منها أحياناً،
وهذا يعطينا رؤية أكثر عمقاً لنص العهد القديم. (
Enns, MHT, 174)

وبالنسبة
لتأثير الترجمة السبعينية، فإن جميع صفحات القاموس اليوناني الإنجليزي للعهد
الجديد والأدب المسيحي المبكر تبين أنه يفوق جميع التأثيرات الأخرى على الأدب في
القرن الأول الميلادي (
Bauer,
GELNT, xxi
)

تأتي
الترجمة السبعينية في المرتبة الثانية بعد النص المازوري من حيث الأهمية. وكانت
تستخدم على نطاق واسع في زمن كتابة العهد الجديد كما يتبين من الاقتباسات المائتين
والخمسين للعهد الجديد من العهد القديم والتي يأتي معظمها من هذه النسخة. وأينما
اختلفت الترجمة السبعينية عن النص المازوري كان بعض الدارسين يفترضون أن مترجميها
قد جاوزوا الحد في نقلهم للنص. ولكننا نعرف الآن من خلال اكتشافات قمران أن الكثير
من هذه الاختلافات نشأت لأن المترجمين كانوا ينقلون عن نص عبري مختلف بعض الشيء
ينتمى إلى ما يمكن أن نسميه العائلة السبعينية الأولية. (
Yamauchi, SS, 130, 131).

بسبب
تشابهها مع النص المازوري (916م) الذي بين أيدينا اليوم، تساعدنا الترجمة السبعينية
في التحقق من موثوقية انتقاله على مدى ثلاثة عشر قرناً.

تُعَد
الترجمة السبعينية والاقتباسات الكتابية الموجودة بأسفار الأبوكريفا مثل حكمة يشوع
بن سيراخ وسفر اليوبيل وغيرها دليلاً على أن النص العبري الذي بين أيدينا الآن هو
نفسه النص الذي كان يوجد حوالي عام 300 ق.م.

يقدم
لنا جايسلر ونيكس أربعة إسهامات هامة للترجمة السبعينية: (1) كانت بمثابة الجسر
الذي ربط بين الشعوب المتحدثة بالعبرية وتلك التي تتحدث اليونانية ملاشية بذلك
الفجوة الدينية وملبية لاحتياجات يهود الإسكندرية، (2) كانت بمثابة الجسر الذي
ألغى الفجوة التاريخية بين العهد القديم العبري لليهود وبين المسيحيين المتحدثين
باللغة اليونانية الذين استخدموا هذه الترجمة جنباً إلى جنب مع العهد الجديد،
(3)كانت بمثابة سابقة سارت على نهجها البعثات التبشيرية في ترجمة الأسفار المقدسة
ونقلها إلى مختلف اللغات واللهجات، (4) تعد بالنسبة للنقد النصي الجسر الذي يلغي
الفجوة الزمنية بسبب اتفاقها مع النص العبري للعهد للقديم.(
Geisler, GIB, 308)

ويذكر
ف.ف. بروس سببين لعدم اهتمام اليهود بالترجمة السعبينية:

1-
بدءً من القرن الأول فصاعداً اتخذ المسيحيون من الترجمة السبعينية مرجعاً للعهد
القديم واستخدموها كثيراً في البشارة بالإيمان المسيحي والدفاع عنه. (
Bruce, BP, 150).

2-
حوالي عام 100م قام العلماء اليهود بتحقيق نص قياسي منقَّح للكتاب المقدس العبري.
(
Bruce, BP, 151)

إن
هذه الترجمة التي بدأت كترجمة يهودية شائعة للعهد القديم فقدت أخيراً كثيراً من
مكانتها بالنسبة للشعب اليهودي.

2(د)
الهكسابلاَّ

تعد
الهكسابلاَّ (أي السداسية)، التي ألفها أوريجانوس في القرن الثاني، مؤلَّفاً وثيق
الصلة بالترجمة السبعينية.

وتحمل
الهكسابلاَّ وكتابات يويسيفوس وفيلو ووثائق صادوق (وهي من المؤلفات الأدبية التي
وجدت ضمن مخطوطات البحر الميت) شهادة تؤكد وجود نصّ مشابه تماماً للنص المازوري
ويرجع إلى ما بين عامي 40 و100م. (
Skilton,
“The Transmission of the Scripture” in The Infallible Word (a
symposium, 148
)

هكسابلاَّ
أوريجانوس (حوالي 240-250م): أدت أعمال الترجمة للعهد القديم إلى وجود أربعة
تقاليد نصيَّة بحلول القرن الثالث الميلادي ألا وهي الترجمة السبعينية وترجمات
أكويلا وتيوداتيان وسيماخوس. وقد مهدت هذه التعددية إلى ظهور أول محاولة بارزة
للنقد النصي متمثلة في الهكسابلاَّ (السداسية) التي ألفها أوريجانوس الإسكندري
(185-254م). وبسبب التنوع الكبير في مخطوطات الترجمة السبعينية المتواجدة
والاختلافات بين النصّ العبري والترجمة السبعينية، وبسبب محاولات تنقيح الترجمات
اليونانية للعهد القديم، أخذ أوريجانوس على عاتقه أن يقدم للعالم المسيحي نصاً
يونانياً مرضياً للعهد القديم، فجاء عمله تنقيحاً أكثر منه ترجمة، إذ قام بتصحيح
الأخطاء النصَّية وحاول أن يوحد بين النص اليوناني والعبري. ومن ثم كان هدفه
مزدوجاً متمثلاً في بيان صحة النسخ المنقحة المختلفة للعهد القديم عن الترجمة
السبعينية غير السليمة، وفي أن يقدم رؤية مقارنة بين النصّ العبري الصحيح والترجمة
السبعينية المختلفة عنه. وفي عمل هذا كان يؤيد الرأي القائل بأن النص العبري للعهد
القديم كان نوعاً ما النسخة المعصومة للحق الإلهي الموحي به للإنسان..

وكانت
الهكسابلاَّ عبارة عن ستة أعمدة متجاورة تحتوي على النص العبري الأصلي للعهد القديم
أو إحدى النسخ الأخرى له، ومن ثم فقد عظم حجم هذه المخطوطة جداً حتى أصبحت غير
رائجة في ذلك العصر. وكان ترتيب الأعمدة الستة على النحو التالي: العمود الأول
يحوي النصّ العبري الأصلي، العمود الثاني يحوي النصّ العبري الأصلي مكتوباً بحروف
يونانية، العمود الثالث يحوي الترجمة الحرفية التي قام بها أكويلا، العمود الرابع
يحوي الترجمة المنقحة لسيماخوس، العمود الخامس يحوي التنقيح الذي قام به أوريجانوس
نفسه للترجمة السبعينية والعمود السادس وهي النسخة اليونانية المنقحة لتيوداتيان.
(
Geisler, GIB, 507-508).

ورغم
الأهمية البالغة للعمل الذي قام به أوريجانوس، إلا أنه ينبغي على الناقد النصي في
العصر الحديث أن يلاحظ الفرق بين هدفه الشخصي وأهداف أوريجانوس، وفي ذلك يقول
كنيون بإيجاز:

لقد
كان هذا العمل كافياً بالنسبة لأوريجانوس الذي كان يهدف من ورائه إلى تقديم نسخة
يونانية دقيقة قدر الإمكان للنصّ العبري المعتمد آنذاك، ولكن بالنسبة لهدفنا الذي
يرمي إلى استعادة النص الأصلي للترجمة السبعينية.. حتى يمكننا معرفة ما كان عليه
النصّ العبري قبل كتابة النص المازوري، فإن هذا العمل غير ملائم لأن أوريجانوس كان
يميل بشكل طبيعي إلى تدوين نسخته الجديدة دون الرموز اللغوية ومن ثم تظهر الإضافات
التي أدخلها نقلاً عن تيوداتيان كجزء من الترجمة السبعينية الأصلية. (
Kenyon, OBAM, 59)

وللأسف
فقد حدث هذا، وأدى تدوين النصّ المنقح للترجمة السبعينية دون وضع العلامات الصوتية
إلى انتشار نصّ يوناني غير صحيح للعهد القديم بدلاً من تحقيق نسخة منقحة للترجمة
السبعينية تتفق مع النص العبري في ذلك الوقت. (
Geilser, GIB, 509)

وكتب
ف. ف. بروس يقول: لو بقيت الهكسابلاَّ التي ألفها أوريجانوس كاملة، لكانت بمثابة
كنز لا يقدَّر بثمن. (
Bruce, BP,
155
)

3(د)
التوراة السامرية

انفصل
السامريون عن اليهود حوالي القرن الخامس أو الرابع ق.م. بعد صراع ديني وثقافي مرير
استمر لفترة طويلة. ويعتقد البعض أنه في زمن هذا الانقسام أخذ السامريون معهم
الأسفار المقدسة التي كانت توجد آنذاك ثم قاموا بتدوين النصّ المنقح الخاص بهم
للتوراة. إن التوراة السامرية ليست نسخة من التوراة بالمعني الدقيق للكلمة، ولكنها
إحدى مخطوطات النص العبري ذاته. وهي تضم أسفار موسى الخمسة، وقد تم تدوينها
بالكتابة العبرية القديمة. وبعض مخطوطات الكتاب المقدس الأكثر قدماً التي وجدت في
قمران مدوَّنة بهذه الكتابة التي تم إحياؤها في القرن الثاني ق.م. أثناء الثورة
المكابية على الحكم الإغريقي. ويعتقد الناقد النصي فرانك م. كروس أنه ربما كانت
التوراة السامرية ترجع إلى عصر المكابيين.

ويبدو
أن إحدى نسخ التوراة السامرية كانت معروفة لآباء الكنيسة مثل يوسابيوس القيصري
(حوالي 265-339) وجيروم (حوالي 345-419). ولم تعرف التوراة السامرية للعلماء
المعاصرين في الغرب حتى عام 1616 عندما اكتشف بيترو ديلا فال مخطوطة التوراة
السامرية في دمشق. وقد أثارت هذه المخطوطة اهتمام دارسي الكتاب المقدس، فقد كانوا
يعتبرون هذا النص ذا قيمة أكبر من النص المازوري حتى أعلن فيلهلم جسنيوس في عام
1815 أنه غير ذي قيمة من الناحية العملية بالنسبة للنقد النصي. إلا أن مؤخراً أكد
علماء مثل أ. جايجر وكال وكنيون من جديد على أهمية التوراة السامرية.

لا
توجد مخطوطات باقية للتوراة السامرية ترجع إلى ما قبل القرن الحادي عشر. وتقول
المصادر السامرية إن إحدى المخطوطات دونها أبيشا حفيد موسي في السنة الثالثة عشرة
من غزو كنعان، وهذه المصادر ليست موثوقة وبالتالي يمكن رفض هذا الادعاء. وأقدم
مخطوطات التوراة السامرية مدوَّن عليها ملاحظة تشير إلى بيعها في عام 1149-1150،
ولكن المخطوطة نفسها أقدم من ذلك التاريخ بكثير. إحدي المخطوطات تمَّ نسخها عام
1204. بينما ترجع مخطوطة أخرى إلى عام 1211-1212 وهي موجودة بمكتبة جون رايلاندز
في مانشستر. بينما توجد مخطوطة أخرى ترجع إلى حوالي عام 1232 في مكتبة نيويورك
العامة.

هناك
ما يقرب من ستة آلاف اختلاف بين التوراة السامرية والنص المازوري وأكثرها غير ذي
قيمة تذكر. وفي حوالي 1900 حالة منها، يتفق نصّ التوراة السامرية مع الترجمة
السبعينية خلافاً للنصّ المازوري. وبعض هذه الاختلافات قام بها السامريون بشكل
مقصود للاحتفاظ بتقاليدهم الدينية ولهجتهم. بينما يعتمد النص المازوري اللهجة
والتقاليد اليهودية.

ويلاحظ
أن نصّ التوراة السامرية مدوَّن بكتابة عبرية أكثر قِدَماً من النص المازوري أو
الأدب اليهودي العبري بشكل عام. وحوالي عام 200 ق.م حلَّت الآرامية أو الحروف
المربعة محل الكتابة العبرية القديمة في المجتمع اليهودي. ولا زالت بعض المخطوطات
الكتابية الأقدم التي وجدت في قمران تبين ذلك. وهذه الكتابة العبرية القديمة تكتب
بنفس أسلوب الكتابات التي وجدت على حجر موآب، ونقش سلوام، ورسائل لخيش، ولكن
الكتابة السامرية تتميز بالزخرفة. (
Bruce,
BP, 120
)

ويقول
بول إنز عن التوراة السامرية إنها تعد شاهداً مهماً على نصّ العهد القديم. (
Enns, MHT, 174) وهذا النصّ يشتمل على أسفار موسى الخمسة ويُعد ذا أهمية بالنسبة
لتحديد قراءات النصّ. ويقول بروس أن الاختلافات بين التوراة السامرية والنسخة
المازورية 916م في هذه الأسفار غير ذات قيمة بالمقارنة بأوجه الاتفاق(
Bruce, BP, 122).

ويقول
السير فريدريك كنيون إنه عندما تتفق الترجمة السبعينية والتوراة السامرية في مقابل
النصّ المازوري، فإنهما يمثلان معاً القراءة الأصلية، ولكن عندما تختلف الترجمة
السبعينية عن النصّ المازوري فيرجح أحدهما على الآخر في بعض الأحيان أو العكس في
أحيان أخرى، ولكن الاختلاف على أي حال يتعلق بالتفسير وليس بالنصّ.

5(ج)
شهادات أخرى لنص العهد القديم

1(د)
التراجم الآرامية

ظهرت
التراجم (النسخ) المكتوبة حوالي عام 500م.

والمعنى
الأساسي لكلمة ترجوم
Targum هو تفسير. والترجوم هو ترجمة للعهد القديم باللغة الآرامية.

ويوضح
جايسلر ونيكس كيف نشأت التراجم:

هناك
أدلة على أن الكتبة كانوا ينقلون الأسفار المقدسة العبرية شفهياً إلى اللهجة
الآرامية العامية منذ زمن عزرا (نحميا 8: 1-8). وهذه التفاسير لم تكن ترجمات
بالمعنى الدقيق للكلمة، ولكنها كانت وسائل مساعدة لفهم اللغة العتيقة للتوراة..
وترجع الحاجة إليها إلى أن العبرية أصبحت شيئاً فشيئاً غير مألوفة كلغة للحديث بين
عامة الشعب. وبانتهاء القرن الأول قبل الميلاد استمرت هذه الظاهرة بالتدريج حتى
شملت كل أسفار العهد القديم وأصبح لكل منها تفسيره الشفهي (الترجوم).

وفي
خلال القرون الميلادية الأولي، دوَّنت هذه التراجم وانتشر النصّ الرسمي لها، إذ أن
الأسفار القانونية العبرية ونصوصها وتفسيرها كان قد تمَّ إقرارها قبل انعقاد مجمع
جامنيا لعلماء اليهود (حوالي 90م) وطرد اليهود من فلسطين عام 135م. ويبدو أن أقدم
نسخ الترجوم قد دوِّنت بالآرامية الفلسطينية إبان القرن الثاني الميلادي، إلا أن
هناك أدلة تشير إلى وجود نسخ من الترجوم سابقة على العصر المسيحي. (
Geisler, GIB, 304, 305)

ويذكر
جايسلر ونيكس تفاصيل أكثر عن بعض التراجم الهامة:

إبان
القرن الثالث الميلادي، ظهر في بابل ترجوماً آرامياً للتوراة.. وينسب التقليد هذه
النسخة إلى أونكيلوس.. كما وجد ترجوماً بابلياً آرامياً آخر مع أسفار الأنبياء
(الأولين والمتأخرين) ويعرف باسم ترجوم يوناثان بن عزئيل. وهو يرجع إلى القرن
الرابع الميلادي، وهو فضفاض فيما يتعلق بتفسيره للنص. وكل من هاتين النسختين كانت
تقرأ في المجامع. ولأن الأسفار المعروفة بالكتب لم تكن تقرأ في المجامع، لم يكن
هناك داع للاحتفاظ بنسخ رسمية منها، رغم أنه كانت هناك نسخاً غير رسمية يستخدمها
الأفراد. وإبان منتصف القرن السابع الميلادي ظهر ترجوم للتوراة أُطلق عليه اسم
ترجوم يوناثان المزيف.. كما ظهر ترجوم أورشليم أيضاً حوالي عام 700م ولكن لم يتبق
سوى بعض أجزائه. (
Geisler, GIB,
304, 305
).

وبعد
أن أخذ اليهود إلى السبي، حلَّت اللغة الكلدانية محل اللغة العبرية. ومن ثم كان
اليهود بحاجة إلى ترجمة الأسفار المقدسة إلى اللغة الجديدة التي يتحدثون بها.

ويحدثنا
ف.ف. بروس عن الترجوم بشكل أكثر تشويقاً:

إبان
القرون التي اختتمت عصر ما قبل الميلاد تنامت ظاهرة مصاحبة التفسير الشفهي باللغة
الآرامية العامية للقراءات العامة للأسفار المقدسة في المجامع. وكان من الضروري
إزاء تضاؤل معرفة العامة من الشعب باللغة العبرية كلغة للحديث أن يكون هناك تفسير
لنصّ الأسفار المقدسة بلغة يعرفونها حتى يمكنهم فهم ما كان يُقرأ. وكان المسئول عن
إلقاء هذا التفسير الشفهي يسمي الميتورجمان (المترجم أو المفسر) وكان التفسير نفسه
يسمي الترجوم.

ولم
يكن يسمح للميتورجمان أن يقرأ من خلال درج مكتوباً، حتى لا يعتقد جمهور الحاضرين
خطأً أنه يقرأ الأسفار المقدسة الأصلية. أما بالنسبة للدقة، فلم يكن يسمح إلا
بترجمة آية واحدة فقط من التوراة وما لا يزيد عن ثلاث آيات من أسفار الأنبياء في
المرة الواحدة. وبمرور الوقت دوَّنت هذه التفاسير. (
Bruce, BP, 133)

ويشير
ج. أندرسون في كتابه «الكتاب المقدس هو كلمة الله» إلى أن: الفائدة العظمى لكتب
الترجوم الأكثر قدماً تكمن في البرهان على أصالة النص العبري عن طريق إثبات أن
النص العبري الذي كان يوجد في عصر تدوين كتب الترجوم هو نفسه النصّ الذي لدينا
اليوم. (
Anderson, BWG, 17).

ويخلص
جايسلر ونيكس إلى أنه: لا يعد أي من كتب الترجوم هذه ذا أهمية بالنسبة للناقد
النصّي، ولكنها جميعاً ذات أهمية بالنسبة لدراسة علم التفسير إذ أنها تشير إلى
الطريقة التي كان يفسر بها علماء اليهود الأسفار المقدسة. (
Geisler, GIB, 305).

2(د)
المشنا (200م)

اكتمل
تدوين المشنا (تكرار أو تفسير أو تعليم) حوالي عام 200م، وكانت عبارة عن خلاصة
الشريعة الشفهية منذ عصر موسى. وتمَّ تدوينها باللغة العبرية، وكانت تتضمن
التقاليد والتفاسير الشفهية للشريعة. (
Geisler, GIB, 502).

وما
تحويه من اقتباسات كتابية تشابه النصّ المازوري إلى حد بعيد وتعدّ شاهداً على
موثوقيته.

3(د)
الجيمارا

(الجيمارا
الفلسطينية 200م، الجيمارا البابلية 500م). دوَّنت الجيمارا (وتعني يكمل أو ينجز
أو يتعلَّم) باللغة الآرامية، وكانت في الأساس شرحاً مكملاً للمشنا. وقد وجد منها
نسختان: الجيمارا الفلسطينية (حوالي 200م) والجيمارا البابلية وهي الأكبر حجماً
والأكثر مرجعية (حوالي 500م). (
Geisler,
GIB, 502
)

وتسهم
هذه الشروحات (المدونة بالآرامية) التي ارتبطت بالمشنا في تحقيق موثوقية النصّ
المازوري.

وتشكل
المشنا مع الجيمارا الفلسطينية التلمود الفلسطيني، ومع الجيمارا البابلية التلمود
البابلي.

المشنا
+ الجيمارا الفلسطينية = التلمود الفلسطيني

المشنا
+ الجيمارا البابلية = التلمود البابلي

4(د)
المدراش

كان
المدراش (100 ق.م. – 300 م) عبارة عن الدراسات العقائدية للنصّ العبري للعهد
القديم. والاقتباسات الكتابية في المدراش مأخوذة عن النصّ العبري.

كان
المدراش (الدراسة أو التفسير النصّي) تفسيراً عقائدياً ووعظياً للأسفار العبرية
المقدسة مدوناً بالعبرية والآرامية. وتم جمع المدراشيم (جمع مدراش) بين عامي 100 ق.م.
و300 م. وينقسم المدراش إلى جزئين رئيسيين الهلاكا
Halakah
أي إجراء، وهو يختص بالتوراة فقط، والهاجادا
Hagada
إعلان أو تفسير، وهي شروحات للعهد القديم كله، وقد اختلفت كتب المدراش عن الترجوم،
فالأولى كانت في الحقيقة شروحات أما الأخيرة فكانت ترجمات. ويشتمل المدراشيم على
بعض العظات التي كانت تُلقي قديماً في المجامع والتي تدور حول العهد القديم وما به
من أمثال ومواعظ. (
Geisler, GIB,
306
).

5(د)
اكتشافات أخرى هامة

برديات
ناش: من بين المخطوطات القديمة للعهد القديم العبري، هناك نسخة غير سليمة للشيما
(وهي الآيات الواردة في تثنية 6: 4-9) وقصاصتان للوصايا العشر (خروج 20: 2-17،
تثنية 5: 6-21). وترجع برديات ناش إلى ما بين القرن الثاني ق.م. والقرن الأول
الميلادي.

المخطوطة
القاهرية: وهي مخطوطة على شكل كتاب به صفحات. وطبقاً لكتابة وردت في آخر هذه
المخطوطة، دوَّنت المخطوطة القاهرية وشكَّلت حوالي عام 895 م على يد موسى بن أشير
في طبرية بفلسطين. وهي تحتوي على أسفار الأنبياء الأولين (يشوع والقضاة وصموئيل
الأول والثاني والملوك الأول والثاني) والأنبياء المتأخرين (إشعياء وإرميا وحزقيال
والأنبياء الصغار).

مخطوطة
حلب: وقد دونها شيلومو بن بايا (
Kenyon,
OBAM, 84
). ولكن وفقاً لما ورد
بملاحظة ختامية بها، قام موسى بن أشير (حوالي عام 930م) بتشكيلها. وتعتبر هذه
النسخة نسخة نموذجية رغم عدم السماح بنسخها لفترة طويلة،كما قيل أيضاً أنها فقدت.
(
Wurthwein, TOT, 25).، وقد تم تهريبها من سوريا إلى إسرائيل وتم تصويرها في وقتنا
الحالي وهي تُعد الأساس الذي يعتمد عليه الكتاب المقدس العبري الذي أصدرته الجامعة
العبرية. (
Goshen-Gottstein, BMUS,
13
) وتعتبر مرجعاً صحيحاً
للنص الذي دوَّنه ابن أشير.

مخطوطة
لننجراد: وفقاً لما ورد بملاحظة ختامية بها فقد قام صموئيل بن يعقوب في القاهرة
القديمة بنسخها عام 1008 نقلاً عن مخطوطة (مفقودة الآن) دوَّنها هارون بن موسى بن
أشير حوالي عام 1000 م (
Kahle, CG,
110
).، وهي تمثل إحدى
المخطوطات القديمة للكتاب المقدس العبري كاملاً.

المخطوطة
البابلية للأنبياء المتأخرين: وتسمى أحياناً مخطوطة ليننجراد للأنبياء (
Kenyon, 85) أو مخطوطة بطرسبرج. (Wurthwein, TOT, 26
وهي تشمل إشعياء وإرميا والأسفار الاثنى عشر. وترجع إلى عام 916 م، ولكن أهميتها
الرئيسية تكمن في إعادة اكتشاف علامات الترقيم التي أضافها الكتبة المازوريون في
المدرسة البابلية. أما مخطوطة روخلن التي ترجع إلى عام 1105 فهي الآن في كارلزروه.
ومثلها مثل مخطوطة المتحف البريطاني (حوالي 1150 م) فهي تحوي تنقيحاً أجراه ابن
نفتالي وهو مازوري من طبرية. وتعتبر هذه المخطوطات ذات أهمية بالغة بالنسبة لتحقيق
نص ابن أشير (
Kenyon, OBAM, 36).

مخطوطات
إيرفورت: توجد مخطوطات إيرفورت (
E1,
E2, E3
). في مكتبة جامعة توبنجن.
وتمثل إلى حد ما (وخصوصاً نص
E3التقليد
النصي لابن نفتالي. وترجع مخطوطة
E1 إلى القرن الرابع عشر. أما مخطوطة E2
فيرجَّح أنها ترجع إلى القرن الثالث عشر. أما مخطوطة
E3
فهي أقدم المخطوطات الثلاث وتعود إلى ما قبل عام 1100 (
Wurthwein, TOT, 26).

 

2(ب)
ملخص

1(ج)
قواعد النقد النصّي

وضع
العلماء معايير ثابتة لتحديد القراءة الصحيحة أو الأصلية. وهناك سبعة معايير
نذكرها على النحو التالي:

دليل
اختيار القراءة الصحيحة:

1-
تُفضَّل القراءة الأقدم على الأحدث لأنها أقرب للأصل.

2-
تُفضَّل القراءة الأكثر صعوبة لأن الكتبة كانوا يميلون إلى تبسيط القراءات الصعبة.

3-
تُفضَّل القراءة الأقل حجماً لأن النساخ كانوا عرضة لإدخال بعض المواد أكثر من حذف
جزء من النص المقدس.

4-
تُفضَّل القراءة التي تفسر القراءات الأخرى المختلفة.

5-
تُفضَّل القراءة التي يؤيدها المدى الجغرافي الأكثر اتساعاً لأنه من غير المرجح أن
تكون مثل هذه المخطوطات أو النسخ قد أثرت على بعضها البعض.

6-
تُفضَّل القراءة التي تتفق أكثر مع أسلوب الكاتب المعتاد.

7-
تُفضَّل القراءة التي لا تعكس انحيازاً عقائدياً معيناً. (
Wurthwein, TOT, 80-81)

2(ج)
مقارنة الفقرات المتكررة

وهناك
دليل آخر على صحة مخطوطات العهد القديم نجده عندما نقارن بين الفقرات المتكررة في
النص المازوري نفسه، إذ تتكرر العديد من المزامير (مثل مزموري 14، 53)، كما نجد
الكثير من إشعياء 36-39 في ملوك الثاني 18-20، وهناك تماثل كبير بين إشعياء 2: 24
وميخا 4: 1-3، ونجد أجزاء كثيرة من أخبار الأيام في صموئيل والملوك. ويتضح من
دراسة هذه النصوص الاتفاق الأساسي بينها وفي بعض الأحيان التطابق التام بينها. ومن
ثم يمكن القول بأن نصوص العهد القديم لم تشهد تغيراً جذرياً، حتى مع افتراض أن هذه
النصوص المتماثلة ترجع إلى مصادر متطابقة.

3(ج)
البرهان الأثري

قدم
علم الآثار أدلة مادية على صحة نصوص العهد القديم، إذ أكدت الكثير من الاكتشافات
على الدقة التاريخية لوثائق الكتاب المقدس حتى بالنسبة للأسماء القديمة لملوك
البلدان الأجنبية التي وردت به بشكل عرضي. وقد ألفت الكتب الكثيرة التي سجلت هذه
البراهين الأثرية التي تؤكد صحة الكتاب المقدس. ويؤكد عالم الآثار نلسون جلوك ما
يلي: يمكن القول بأن الاكتشافات الأثرية في قطاعاتها المختلفة لم تناقض أبداً أي
إشارة كتابية. بل أن هناك عشرات الاكتشافات التي تؤيد، إجمالاً وتفصيلاً، الإشارات
التاريخية في الكتاب المقدس. (
Glueck,
RDHN, 31
). للمزيد من التفاصيل عن
هذا الموضوع انظر البرهان الأثري والتاريخي لاحقاً في هذا الفصل).

4(ج)
الترجمة السبعينية والنصَّ المازوري

كانت
الترجمة السبعينية هي نسخة العهد القديم التي استخدمها الرب يسوع والرسل. فالكثير
من اقتباسات العهد الجديد مأخوذة عنها، حتى في المواضع التي تختلف فيها عن النص
المازوري. وتتفق الترجمة السبعينية بوجه عام مع النص المازوري وتعد شاهداً على صحة
النص العبري في القرن العاشر.

لو
لم تكن هناك أية شواهد أخرى، يمكن الاستدلال على صحة النصَّ المازوري والتيقن من ذلك
عن طريق مقارنة النصوص وفهم النظام الخاص الذي استعمله الكتبة اليهود. ولكن بعد
اكتشاف مخطوطات البحر الميت، بدءً من عام 1947، أصبح هناك شواهد قوية على صحة النص
العبري الذي دوَّنه المازوريون. لقد اتهم نقاد النصَّ المازوري المخطوطات، بأنها
قليلة وترجع إلى عصور متأخرة. وباكتشاف مخطوطات البحر الميت، شهدت المخطوطات
القديمة على صحة العهد القديم كله تقريباً. وتسبق هذه المخطوطات المخطوطات
المازورية العظيمة للقرن العاشر بحوالي ألف عام. وقبل اكتشافات جنيزة القاهرة
وكهوف البحر الميت كانت بردية ناش (وهي قصاصة مدوَّن عليها الوصايا العشر والشيما)
(تثنية 6: 4-9) التي ترجع إلى ما بين عامي 150 و100 ق.م.، هي المخطوطة الوحيدة
المعروفة للنصَّ العبري التي ترجع إلى ما قبل العصر المسيحي.

5(ج)
الاتفاق مع التوراة السامرية

رغم
الاختلافات الكثيرة والقليلة الشأن بين التوراة السامرية والنص العبري للعهد
القديم، هناك اتفاق أساسي بينهما. فكما أشرنا سلفاً، فإن الاختلافات التي يصل
عددها إلى ستة آلاف اختلاف عن النصّ المازوري ترجع معظمها إلى اختلاف الأشكال
الإملائية للكلمات والتنوع الثقافي. ويتفق 1900 من هذه الاختلافات مع الترجمة
السبعينية (كما هو الحال بالنسبة لأعمار الآباء الأولين المذكورة في تكوين 5 و11).
وبعض اختلافات التوراة السامرية ترجع إلى أسباب طائفية مثل الأمر ببناء الهيكل على
جبل جرزيم، وليس في أورشليم (جاء ذكرها بعد خروج 20: 17). إلا أنه يجب ملاحظة أن
معظم مخطوطات التوراة السامرية ترجع إلى عصر متأخر (القرنين الثالث عشر والرابع
عشر) ولا يرجع أي منها إلى ما قبل القرن العاشر (
Archer, SOT, 44) ومع ذلك فهي تؤكد مجمل النص الذي نقلت عنه قبل مئات السنين.

6(ج)
مقارنة مع مخطوطات البحر الميت

باكتشاف
مخطوطات البحر الميت، توفرت للعلماء مخطوطات عبرية أقدم من مخطوطات النصّ المازوري
العظيم بنحو ألف عام. ومن ثم استطاعوا التحقق من سلامة النصّ العبري. هناك تطابق
تام فيما بينهما يصل إلى 95 بالمائة، أما 5% المتبقية فيرجع معظمها إلى زلات
النسَّاخ والاختلافات الإملائية. إن مخطوطة سفر إشعياء (
IQIs a)
التي اكتشفت في قمران حدت بمترجمي النسخة القياسية «المنقحة للكتاب المقدس (
Revised Standard Version)» لتسجيل ثلاث عشرة اختلاف فقط بينها وبين النصّ المازوري، ثمانية
من هذه الاختلافات عُرِفت في النسخ القديمة، والقليل منها له أهمية تذكر. (
Burrows, WMTS, 30-59). ومن بين 166 كلمة عبرية في إشعياء 53، هناك سبعة عشر حرفاً فقط
في المخطوطة ب لسفر إشعياء تختلف عن النصّ المازوري. وعشرة من هذه الحروف تتعلق
باختلافات في الهجاء، وأربعة منها تتصل بالأسلوب، والثلاثة الأخرى تشكل حروف كلمة
نور (الزائدة في آية 11)، مما لا يؤثر على المعني. (
Harris, IC, 124) علاوة على ذلك فقد وجدت هذه الكلمة في الآية نفسها في الترجمة
السبعينية وفي المخطوطة (أ) لسفر إشعياء.

7(ج)
خاتمة

إن
آلاف المخطوطات العبرية التي تؤكد صحتها الترجمة السبعينية والتوراة السامرية،
والشواهد العديدة من خارج وداخل النص الكتابي تقدم براهين قاطعة على موثوقية نصّ
العهد القديم. ومن ثم يمكنني القول مع كنيون إن المسيحي يستطيع أن يمسك بالكتاب
المقدس قائلاً دون خوف أو تردد أنه يمسك بكلمة الله الحقيقية التي وصلت إلينا ولم
يفقد منها شيئاً عبر الأجيال. (
Kenyon,
OBAM, 23
).

ولما
كان نصّ العهد القديم يرتبط على نحو وثيق بالعهد الجديد، فإن موثوقيته تدعم
الإيمان المسيحي. وهذا صحيح ليس فقط بالنسبة لتأكيد النبوات الفائقة للطبيعة عن
المسيح، ولكن أيضاً بالنسبة لدعم الموثوقية التاريخية للعهد القديم التي شهد بها
الرب يسوع وكتَّاب العهد الجديد. (
Geisler,
BECA, 552-553
)

لمزيد
من القراءة يمكن الرجوع للمصادر التالية:

Allegro, I. M. The Treasure of the Copper Scroll, 2nd
rev.ed
.

Archer, G.L., Jr. A Survey of Old Testament,
Indtroduction, Appendix 4
.

Barthelemy, D. and J. T. Milik. Ten Years of Discovery
in the Judean Wilderness

Cass, T. S. Secrets from
the Caves
.

Elliger, K. and W. Rudolph, eds. Biblia Hebraica..

Geisler, N. L. زBible ManuscriotsIn Wycliffe Bible Encyclopedia.

Geisler, N. L. and W. E. Nix. General Introduction to the
Bible
.

Glueck, N. Rivers in the Desert: A History of the Negev.

Goshen-Gottstein, M. زBiblical Manuscripts in
the United States

Textus 3 (1962).

Harris, R.L. Inspiration and Canonicity. Kahle, P.E. The
Cairo
Geniza
.

Kenyon, F.G. Our Bible and the Ancient Manuscripts.

Kittel, R. and P. Kahle, eds. Biblia Hebraica, 7 th ed.

Vermes, G. trans. The Dead Sea Scrolls in English.

Wurthwein, E. The Text of the Old Testament: An
Introduction to the Biblia Hebraica
.

 

2(أ)
البرهان الأثري والتاريخي للعهد القديم

1(ب)
تمهيد وتعريف بعلم الآثار

لقد
بدأ علم الآثار يحتل مكانة هامة بين العلوم الطبيعية في الفترة الأخيرة. فقد كانت
له إسهامات هامة في الكثير من المجالات ومنها نقد الكتاب المقدس ودراسات موثوقية
النص الكتابي.

تتكون
كلمة
archaeology (علم الآثار) من كلمتين يونانيتين: Archaios
وتعني قديم أو عتيق، و
Logos وتعني كلمة أو بحث أو دراسة. فالمعنى الحرفي لها هو دراسة الآثار
القديمة. ويرد التعريف التالي لها في قاموس وبستر: الدراسة العلمية للآثار (مثل
الحفريات والأبنية القديمة وغيرها من الآثار القديمة) التي نتجت عن الحياة والنشاط
البشري في الماضي. ومن ثم فإن مهمة عالم الآثار هي أن يجمع ما تخلف من آثار من
مجتمع معين ثم يعيد بناء هذه الآثار من جديد.

يختلف
علم الآثار عن معظم العلوم الحديثة في أنه يحاول إثبات فرضية معينة لا أن يخرج
بنتائج علمية أكيدة. إن أساس أي تجربة في العلم الحديث هو أنه لو تكرر حدوث الشئ
فلابد أنه صحيح. وعلى النقيض من ذلك لا يمكن لعلم الآثار أن يعيد نتائجه. لذلك فهو
يقدم أطروحات فقط -وليس نتائج أكيدة- فيما يتعلق بمكتشفاته ما لم يكن هناك دليل
آخر خارجي سواءً كان هذا الدليل نصي أو ما شابه ذلك. وهذا هو ما ينفرد به علم
الآثار وحده.

وخلال
القرنين التاسع عشر والعشرين واجه الكتاب المقدس موجة عنيفة من النقد العالي. لقد
سعى النقاد إلى تقويض الأساس التاريخي للكتاب المقدس، فافترضوا أن به أخطاءً يجب
تصحيحها لتلائم حقائق علم الآثار. ولكن هذا الموقف قد تبدَّل الآن. قال العالم
اليهودي الذي صار مسيحياً نلسون جلوك: ينبغي تأكيد أنه ليس هناك أي اكتشاف أثري
يناقض أي عبارة واضحة المعنى في الكتاب المقدس. (
Glueck, as cited in Montgomery, CFTM, 6). لاحظ أن هذه العبارة قالها عالم يهودي صار مسيحياً. فرغم أنه لم
يكن مسيحياً فقد شهد أن علم الآثار يؤكد الكتاب المقدس.

وفي
هذا الكتاب نقسِّم البرهان الأثري إلى برهان القِطَع الأثرية والبرهان الوثائقي.
ويمكن تعريف برهان القطع الأثرية على أنه قِطَع أثرية لمجتمعات قديمة تشهد بشكل
مباشر لأحداث معينة في الكتاب المقدس. ومن ناحية أخرى يمكن تعريف البرهان الوثائقي
على أنه نصوص غير كتابية (وثائق مدوَّنة) تؤيد الأحداث التاريخية للعهد القديم
بشكل مباشر أو غير مباشر. وكل من هذين البرهانين يعتبر أثرياً بطبيعته.

 

2(ب)
كلمة تحذير

رغم
أن علم الآثار لم يناقض الكتاب المقدس أبداً، إلا أننا يجب أن نشير إلى التحذير
التالي. نسمع كثيراً العبارة التالية: «علم الآثار يثبت الكتاب المقدس». لا يمكن
لعلم الآثار أن يثبت الكتاب المقدس لو كان يقصد بذلك أنه يثبت إعلان الله ووحيه.
ولكن إن كنا نقصد بذلك أنه يبين أن حدثاً كتابياً معيناً يوافق التاريخ. فعندها
نقول إن علم الآثار يثبت الكتاب المقدس. وأعتقد أن علم الآثار يسهم في مجال
الدراسات الكتابية، ليس فيما يختص بإثبات وحيه، ولكن لأنه يؤكد صحة ومصداقية
الأحداث التاريخية التي سجلها لنا. ولنفترض أن الأحجار التي نقشت عليها الوصايا
العشر قد تمَّ العثور عليها. فيمكن لعلم الآثار أن يؤكد أنها أحجار وأن الوصايا
العشر قد كتبت عليها وأنها ترجع إلى زمن موسى، ولكنه لا يستطيع إثبات أن الله
أعطاها لموسى.

كتب
ميللر باروز يقول إن علم الآثار يمكن أن يخبرنا الكثير عن طبوغرافية حملة عسكرية
ولكنه لا يستطيع أن يخبرنا أي شئ عن طبيعة الله. (
Burrows, WMTS, 290).

وهناك
قيد آخر يتقيد به علم الآثار وهو قلة الآثار. كتب إدوين ياموتشي يقول: في
استخدامهم للشواهد الأثرية لم يستطع مؤرخو العصور القديمة أن يدركوا مدى ندرة
الشواهد التي لدينا. ولا أكون مغالياً إذا قلت إن ما لدينا ليس إلا جزءاً بسيطاً
جداً من الشواهد المطلوبة. (
Yamauchi,
SSS, 9
).

ويناقش
جوزيف فري في كتابه «علم الآثار وتاريخ الكتاب المقدس» مسألة علم الآثار وعلاقته
بالكتاب المقدس:

أشرنا
إلى أن الكثير من نصوص الكتاب المقدس التي طالما حيرت المفسرين قد اتضح معناها في
ضوء الاكتشافات الأثرية. وبعبارة أخرى ألقى علم الآثار الضوء على النصوص الكتابية
ومن ثم قدم إسهامات هامة في مجال التفسير الكتابي. فضلاً عن ذلك فقد أكد علم
الآثار عدداً لا يحصى من النصوص الكتابية التي كان يرفضها النقاد لعدم صحتها
التاريخية أو تناقضها مع الحقائق المعروفة. (
Free, ABH, 1).

وينبغي
للمرء أيضاً أن يدرك أن علم الآثار لم يدحض تماماً آراء النقاد الراديكاليين إذ أن
هؤلاء النقاد لديهم من الافتراضات المسبقة ما يمنعهم من تبنِّي وجهة نظر موضوعية.
ويوضح باروز هذا الأمر قائلاً: ليس صحيحاً أن نقول إن الاكتشافات الأثرية قد فنَّدت
جميع النظريات التي قال بها النقاد. وليس صحيحاً أيضاً أنه قد تم دحض جميع المواقف
والمناهج الأساسية التي تبناها النقد العلمي الحديث. (
Burrows, WMTS, 292)

ومع
ذلك، وعلى نحو ما هو موضَّح في هذا الفصل، فإن علم الأثار قد بَّين أن الكثير من
عقائد النقد الراديكالي غير صحيحة مما أثار التساؤلات حول ما كان يُدرس باعتباره
النتائج الأكيدة للنقد العالي. ولذلك فمن الأهمية بمكان عند التعامل مع علم الآثار
ليس فقط السعي لمعرفة الحقائق ولكن أيضاً فحص الافتراضات المسبقة لمن يعرضون هذه
الحقائق.

ويعلق
ألبرايت، على سبيل المثال، على البراهين التي أكدت مملكة سليمان المترامية الأطراف
والتي طالما شكَّك فيها النقاد الراديكاليون. وكتب يقول: ومرة أخرى نجد أنه ينبغي
تصحيح مسار النقد الراديكالي الذي شهدته الخمسون عاماً الماضية. (
Albright, NLEHPC, 22)

ويؤكد
البعض على غير أساس أن من يؤمنون بقوى ما وراء الطبيعة لا يمكن لهم أبداً أن
يتفقوا مع من لا يؤمنون بها فيما يختص بنتائج علم الآثار، إذ أن كل منهما يقف في
معسكر مختلف عن الآخر. ويفترض هؤلاء أن المرء يفسر الاكتشافات الأثرية وفقاً
لرؤيته الخاصة.

ويرد
على هذا الإدعاء جوزيف فري في كتابه: «علم الأثار والنقد العالي» بشكل مقنع قائلاً:

وطبقاً
لهذا الرأي فإن اكتشافاً أثرياً معيناً يعني شيئاً ما بالنسبة لمن يؤمن بالقوى
الخارقة للطبيعة ويعني شيئاً آخر بالنسبة لمن لا يؤمن بها، ومن ثم فإن علم الآثار
ليس ذا أهمية كبيرة بالنسبة للدفاع عن العقيدة.

وليس
هذا هو كل شئ. ولأوضح الأمر، كان الناقد الكتابي في القرن التاسع عشر يمكنه أن
يقول إن سرجون لم يكن له وجود، وأنه لم يكن هناك وجود للحثيين أو كان وجودهم غير
ذي قيمة وإن الروايات الخاصة بالآباء الأولين كان بها إشارات لعصور متأخرة، وإن
المنارة ذات الأفرع السبعة في خيمة الاجتماع عرفت في عصر متأخر، وأن إمبراطورية
داود لم تكن بهذا الاتساع المشار إليه في الكتاب المقدس، وإن بيلشاصر لم يكن له
وجود، إلى غير ذلك من الأخطاء الكثيرة التي افترض وجودها في النص الكتابي.

وعلى
العكس من ذلك فقد دلت، الاكتشافات الأثرية على أن سرجون قد وجِد وعاش في قصر فخم
على بعد ما يقرب من اثني عشر ميلاً شمال نينوي، وأن الحثيين وجِدوا وكانوا شعباً
له شأن، وأن الروايات الخاصة بالآباء الأولين تناسب العصر المشار إليه في الكتاب
المقدس، وأن المنارة ذات السبعة أفرع قد عرِفت في بدايات العصر الحديدي، وأنه كانت
هناك مدينة هامة ذكرت ضمن ما ذكِر عن مملكة داود، وجِدت على مسافة بعيدة شمالاً،
وأن بيلشاصر وجِد وحكم بابل، وأن سائر الأخطاء والتناقضات الأخرى المفترضة لم تكن
أخطاء على الإطلاق.

وبالطبع
فإن عقيدة المرء يمكن أن تؤثِر على تفسيره لحقيقة معينة أو كشف أثري معين بعض
الشيء. ولكن بالنسبة للخطوط العريضة والكمّ الهائل من التفاصيل الدقيقة، تظل
الحقائق هي الحقائق سواء كان مكتشفها يؤمن بما فوق الطبيعة أم لا. ولست أعرف شخصاً
من هؤلاء الذين لا يؤمنون بالقوى الخارقة للطبيعة، لا يزال يفترض أن سرجون لم يكن
له وجود أو أن الحثيين لم يكن لهم وجود أو أن بيلشاصر كان شخصية أسطورية. هناك
الكثير من الأشياء التي يتفق عليها جميع العلماء المنصفين بغض النظر عن عقيدتهم
الدينية. إلا أن هناك مجالات معينة لم يأخذ فيها الناقد الليبرالي البراهين، سواءً
كانت أثرية أم لا، بعين الاعتبار بشكل كافِ. واعتقد أن هذا صحيح بالنسبة لمجالات
النظرية الوثائقية وفي المسائل المتعلقة بكتَّاب أسفار الكتاب المقدس وتاريخ
كتابتها وصحتها. (
Free, AHC, 30,
31
).

 

3(ب)
تفسير المعلومات الأثرية

هناك
ثلاثة خطوط إرشادية مفيدة لدراسة المعلومات الأثرية التي تتصل بالمسيحية. أولاً: يمكن
الوصول إلى المعنى من خلال السياق. فالبرهان الأثري يعتمد على عوامل السياق من
تاريخ ومكان ومادة وأسلوب. وهنا يعتمد المعنى على الافتراضات المسبقة للمفسر. ومن
ثم فليست جميع التفسيرات المقترحة للشواهد تؤيد المسيحية. ومن الأهمية بمكان أن
نتأكد من أن الافتراضات المسبقة للشخص صحيحة قبل تفسير هذه المعلومات.

ثانياً:
يعد علم الآثار نوعاً خاصاً من العلوم. فالفيزيائيون والكيميائيون يمكنهم إجراء
كافة أنواع التجارب لإعادة تخليق العمليات التي يقومون بدراستها ويلاحظونها المرة
تلو الأخرى. أما علماء الآثار فلا يمكنهم ذلك. إذ ليس أمامهم سوى الشواهد التي
تركتها لهم مرة واحدة حضارة معينة. فهم يقومون بدراسة أحداث ماضية فريدة وليس
نظماً حاضرة. ولأنهم لا يستطيعون إعادة تشكيل المجتمعات التي يقومون بدراستها،
فإنه لا يمكن اختبار ما يتوصلون إليه من نتائج كما هو الحال في العلوم الأخرى. إن
علم الآثار يحاول أن يجد تفسيرات مقبولة ومحتملة الحدوث للشواهد التي يكتشفها. ولا
يمكن لعلم الآثار أن يصيغ القوانين كما هو الحال بالنسبة للعلوم الطبيعية. ولهذا
السبب فإن النتائج التي يتوصل إليها عرضة للتنقيح. وأفضل التفسيرات هو الذي يفسر
جميع الشواهد على أكمل وجه.

ثالثاً:
يعد الشاهد الأثري شاهداً جزئياً. فهو يتضمن فقط جزءاً صغيراً من مجمل الأحداث.
ومن ثم فإن اكتشاف المزيد من الشواهد يمكن أن يغير النتائج تماماً، وخاصة إذا كانت
النتائج تستند أكثر إلى غياب الشواهد والافتقار للأدلة. وقد أدَّت الاكتشافات
الأثرية إلى دحض الكثير من الآراء النقدية للكتاب المقدس. فمثلاً: طالما ساد
الاعتقاد بأن الكتاب المقدس أخطأ عندما تحدَّث عن الحثيين. (تكوين 23: 10) ولكن
بعد اكتشاف المكتبة الحثية في تركيا (1906) لم يعد الحال كذلك.(
Geisler, BECA, 48, 49).

 

4(ب)
الأسباب الأساسية للاهتمام المتزايد بعلم الآثار

لماذا
حظي علم الآثار بهذا الاهتمام الكبير في السنوات الأخيرة؟ يذكر وليم ف. ألبرايت
أربعة عوامل للتقدم المتواصل في مجال علم الآثار:

1-
الزيادة السريعة في عدد البعثات الأثرية القادمة من مختلف الأقطار بما فيها
اليابان. وتماشى مع ذلك الزيادة في أعداد المتاحف ونشر المجلدات. ومن ثم فإن
الزيادة لم تكن فقط في أعمال التنقيب الأثرية ولكن فيما ينشر عنها من بحوث كذلك.

2-
استحداث وسائل أفضل للتنقيب الأثري بشكل لافت للنظر. وينطبق هذا على كل من تحليل
الطبقات المتراصة فوق بعضها (علم الطبقات) وتصنيف وتأريخ المكتشفات (دراسة الرموز
الكتابية).

3-
استخدام الكثير من التقنيات الحديثة للعلوم الطبيعية ومنها استخدام الكربون المشع
(نظير الكربون 14) لتحديد الأعمار.

4-
فهم وتفسير الكمَّ الهائل من النصوص والنقوش الأثرية الجديدة والمدوَّنة بالعديد
من اللغات والكتابات التي لم يكن الكثير منها معروفاً قبل عقود قليلة. وقد أتاح
تطبيق القواعد اللغوية والفيلولوجية السليمة على ألواح الكتابة المسمارية
والبرديات الهيراطيقية المصرية نشر هذه النصوص بشكل سريع وصحيح. لقد أصبح تفسير أي
كتابة جديدة يتم بشكل سريع إذا ما توفرت بعض الأدلة التي تسمح بذلك. وهناك عدد لا
يحصي من الألواح المسمارية التي ترجع إلى الألفية الثالثة ق.م. والتي حفظت تحت
أنقاض مستعمرة في غرب آسيا ومصر. كما قللت الأساليب الأثرية المستحدثة نسبة الفاقد
الأثري إلى حد كبير.

بمساعدة
علم الطبقات والتحليل العلمي والبحث الأثري يمكن لعالم الآثار اليوم أن يعيد تشكيل
الحياة اليومية للشعوب القديمة بدقة كبيرة (
Albright, ADS, 3).

 

5(ب)
الحجارة تصرخ: أمثلة للبرهان الأثري لصحة روايات العهد القديم

يعزِّز
علم الآثار معرفتنا بالخلفية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية للنصوص
الكتابية. كما أنه يساعدنا على فهم الديانات الأخرى التي كانت لدى الشعوب المحيطة
بإسرائيل.

1(ج)
سدوم وعمورة

كان
يعتقد أن دمار مدينتي سدوم وعمورة قصة غير حقيقية حتى دلت الاكتشافات على أن المدن
الخمسة التي يذكرها الكتاب المقدس كانت في الواقع مراكز للتجارة في المنطقة وكانت
تقع جغرافياً كما قال الكتاب تماماً. أما الدمار الذي حل بهذه المدن والذي ذكره
الكتاب المقدس فلم يكن أقل دقة. تشير الشواهد إلى حدوث نشاط زلزالي أسفَرَ عن تشقق
طبقات الأرض المختلفة وانفجار الحِمم البركانية. ويكثر القار في هذه المدن، مما
يشير إلى تساقط المواد الكبريتية على هذه المدن التي رفضت الله. هناك أدلة على أن
طبقات الصخور الرسوبية قد انصهرت معاً بفعل الحرارة الشديدة. وتمّ هذا الاكتشاف
على قمة جبل أوسدوم (جبل سدوم). وهذا برهان قوي على الحريق الهائل الذي حدث في
الماضي ربما بسبب اشتعال البترول وانفجاره تحت البحر الميت. ولا ينفي هذا التفسير
بأي حال من الأحوال الصفة المعجزية للحدث لأن الله هو المهيمن على قوى الطبيعة.
ويبين توقيت الحدث، في ظل أحداث زيارة الملائكة وتحذيراتهم، الطبيعة المعجزية لهذا
الحدث. (
Geisler, BECA, 50, 51).

2(ج)
أريحا

خلال
أعمال التنقيب التي جرت في أريحا (1930- 1936) اكتشف جارستنج شيئاً مذهلاً، فأصدر
بياناً وقَّع عليه هو واثنان آخران من أعضاء فريق البحث يصف فيه هذا الاكتشاف.
ويقول جارستنج فيما يتعلق بهذا الكشف: لقد أكدت الاكتشافات بما لا يدع مجالاً للشك
أن الأسوار سقطت متجهة إلى الخارج حتى تمكَّن الغزاة من الصعود على حطامها والدخول
إلى المدينة. وتكمن غرابة هذا الحدث في أن أسوار المدن لا تسقط إلى الخارج بل إلى
الداخل. ولكننا نقرأ في (يشوع 6: 20) «فسقط السور في مكانه وصعد الشعب إلى المدينة
كل رجل مع وجهه وأخذوا المدينة». ومن ثم تكون الأسوار قد سقطت إلى الخارج (
Garstang, FBHJJ, 146).

ويذكر
بريانت وود في صحيفة «الآثار الكتابية» عدداً من أوجه الإتفاق بين الكشف الأثري
والنص الكتابي على النحو التالي:

1-
كانت المدينة محصَّنة للغاية. (يشوع 2: 5 و7، و15؛ 6: 5 و20).

2-
حدث الغزو عقب موسم الحصاد مباشرة في فصل الربيع. (يشوع 2: 1؛ 3: 15؛ 5: 16).

3-
لم تسنح الفرصة لسكان المدينة للهرب بمزاودهم. (يشوع 6: 1).

4-
كان الحصار قصيراً (يشوع 6: 15).

5-
سقطت الأسوار ربما بفعل زلزال. (يشوع 6: 20).

6-
لم تنهب المدينة (يشوع 6: 17 و18).

7-
أحرقت المدينة (يشوع 6: 24).

3(ج)
شاول وداود وسليمان

كان
شاول أول ملك لإسرائيل وكان له حصن في جبعة تمَّ الكشف الأثري عنه. وأحد أهم
الاكتشافات أن المقلاع كان واحداً من الأسلحة الأساسية التي استخدمت في تلك الأيام.
ولا يرتبط هذا فقط بحادثة انتصار داود على جليات ولكن أيضاً بالإشارة التي وردت في
القضاة 20: 16 إلى أنه كان هناك سبع مائة رجل من الرماة المحنكين الذين يرمون
الحجر بالمقلاع على الشعرة ولا يخطئون.

وعند
موت شاول، يخبرنا سفر صموئيل أن عتاده وضع في معبد عشتاروث (إلهة الخصب عند الكنعانيين)
في بيت شان، بينما يسجل لنا سفر أخبار الأيام أن رأسه وضِعت في معبد داجون إله
الغلَّة عند الفلسطينيين. وكان يعتَقَد أن هذه الأحداث ليست صحيحة. إذ كيف يمكن
للشعوب المتعادية أن يكون لها معابد في نفس الموضع. إلا أن الاكتشافات الأثرية
أعلنت وجود معبدين في نفس الموقع يفصل بينهما رواق، أحدهما لداجون والآخر لعشتاروث.
ويبدو أن الفلسطينيين قد اتخذوا من آلهة الكنعانيين آلهة لهم.

إن
أحد أهم الإنجازات التي تمت في عهد الملك داود هو الاستيلاء على أورشليم. وكان
الشك في رواية الكتاب المقدس يرتكز على أن الإسرائيليين دخلوا المدينة عن طريق نفق
يؤدي إلى بِرْكة سلوام. إلا أنه كان يعتَقَد أن البِرْكة كانت تقع خارج أسوار
المدينة في ذلك الوقت. ولكن الاكتشافات التي جرت في 1960م كشفت على أن الأسوار
كانت تمتد إلى ما وراء البِرْكة.

ولم
يكن عهد سليمان أقلّ عطاءً. لم تستطع البعثات الأثرية أن تعمل في موقع هيكل سليمان
لأنه يقع بالقرب من أحد الأماكن الإسلامية المقدسة وهو قبة الصخرة. إلا أن ما تمَّ
الكشف عنه بالنسبة لمعابد الفلسطينيين التي شيدت في عصر سليمان يتطابق مع الأوصاف
المذكورة لها في الكتاب المقدس فيما يتعلق بالتصميم والزخرفة والمواد المستخدمة.
أما الأثر الوحيد الذي تبقي من الهيكل وتمَّ اكتشافه هو إحدي التحف الأثرية
الصغيرة وكان عبارة عن رمانة في نهاية قضيب تحمل النقش التالي: خاص بهيكل يهوه.
وتمَّ اكتشافه لأول مرة في متجر بأورشليم عام 1979 وتمَّ التحقق منه عام 1984 ووضع
في المتحف الإسرائيلي عام 1988م.

أما
الاكتشافات التي تمت في جازر عام 1969 فقد شملت التنقيب في طبقة كثيفة من الرماد
كانت تغطي ذلك التل. وقد أسفر التنقيب في هذا الرماد عن اكتشاف قِطَع أثرية عبرية
ومصرية وفلسطينية. وهذا يوحي بأن الحضارات الثلاث قد وجدت هناك في وقت واحد. وقد
حير ذلك الباحثين كثيراً حتى أدركوا أن الكتاب المقدس يؤكد هذا الكشف تماماً: «صعد
فرعون ملك مصر وأخذ جازر وأحرقها بالنار وقتل الكنعانيين الساكنين في المدينة
وأعطاها مهراً لابنته امرأة سليمان». (1 ملوك 9: 16). (
Geisler, BECA, 51, 52).

ورد
في مقال كتبه آلان ميلارد عام 1989 في صحيفة «الآثار الكتابية» تحت عنوان: هل
يبالغ الكتاب المقدس في ثروة الملك سليمان؟ ما يلي: إن من يطالع نصوص الكتاب
المقدس بغرض إصدار الأحكام الذاتية على صحته يتوصل إلى أن – وهو أمر يمكن فهمه –
الأوصاف المذكورة به بشأن ذهب الملك سليمان يعد من الأمور المبالغ فيها جداً، إذ
أن كمية الذهب التي ينسبها الكتاب القدس إلى الملك سليمان غير معقولة ولا يمكن
تصورها.

إننا
لم نبرهن على أن التفاصيل الواردة بالكتاب المقدس فيما يتعلق بذهب سليمان صحيحة.
ولكننا إذا ما وضعنا النصّ الكتابي إلى جوار النصوص القديمة الأخرى والكشوف
الأثرية،يتضح لنا أن النصوص الكتابية تتفق تماماً مع عادات وممارسات العالم القديم
التي أطلعنا عليها، ليس فقط فيما يتعلق باستخدام الذهب، ولكن أيضاً بالنسبة لكميته.
فبينما لا يقطع ذلك بصحة روايات الكتاب المقدس، إلا أنه يبين معقوليتها. (
Millard, DBEKSW, 20)

4(ج)
داود

ويقدم
لنا عالم الآثار س.ه. هورن مثالاً جيداً يوضح كيف يمكن لعلم الآثار أن يساعد في
دراسة الكتاب المقدس:

لقد
ألقت الاكتشافات الأثرية الضوء على استيلاء داود على أورشليم. إن الروايات
الكتابية لهذا الحدث (2 صموئيل 5: 6-8، 1أخبار الأيام 11: 6) غامضة إلى حد ما إذا
ما أغفلنا الأدلة الأثرية التي تمَّ التوصل إليها. ولنأخذ مثلاً (2 صموئيل 5: 8)،
«وقال داود في ذلك اليوم إن الذي يضرب اليبوسيين ويبلغ إلى القناة والعرج والعمي
المبغضين من نفس داود»، أضف إلى هذه العبارة ما ورد في أخبار الأيام الأول 11: 6: «يكون
رأساً وقائداً فصعد أولاً يوآب ابن صروية فصار رأساً».

منذ
بضعة سنوات شاهدت رسماً لغزو أورشليم عرَض فيه الرسام لرجل يتسلق ماسورة معدنية
على السور الخارجي للمدينة. كانت هذه الصورة غير معقولة إذ أن أسوار المدن القديمة
لم يكن بها مواسير أو مياذيب رغم أنه كان بها مجاري لصرف المياه. وبعد أن اتضح
الأمر من خلال الكشوف الأثرية التي تمت في المنطقة، صدرت الترجمة القياسية المنقحة
The Revised Standard Version ووردت بها الترجمة كما يلي: «وقال داود في ذلك اليوم: من يضرب
اليبوسيين فليصعد قناة المياه ويضرب العرج والعمي المبغضين من نفس داود. فصعد يوآب
بن صروية أولاً فصار رأساً». فماذا كانت يا تري قناة المياه هذه التي صعدها يوآب؟

كانت
أورشليم في ذلك الوقت مدينة صغيرة تقع أعلى قمة التلال التي شيدت عليها المدينة
الكبيرة فيما بعد. وكانت إحدى الحصون الطبيعية إذ أنها كانت محاطة بأودية عميقة من
ثلاث جهات. وهذا هو السبب في افتخار اليبوسيين بأنه حتى العمي والعرج يمكنهم الزود
عن المدينة ضد أي جيش عظيم. ولكن موارد المدينة من المياه كانت ضئيلة، فكان السكان
يعتمدون كليةً على عين للماء تقع خارج المدينة على المنحدر الشرقي للتل.

وحتى
يمكنهم الحصول على الماء دون الهبوط إلى مكان العين، شيَّد اليبوسيون نظاماً
معقداً للأنفاق عبر الصخور. فقد حفروا أولاً نفقاً أفقياً يبدأ عند العين ويصل إلى
مركز المدينة. وبعد الحفر لمسافة تسعين قدماً وجدوا كهفاً طبيعياً. ومن هذا الكهف
حفروا مجرى رأسياً طوله خمسة وأربعون قدماً، وفي نهاية هذا المجرى حفروا نفقاً
منحدراً بطول 135 قدماً وأقاموا سلماً ينتهي عند سطح المدينة، على ارتفاع 110
قدماً عن مستوى المياه في العين. وبعد ذلك قاموا بإخفاء العين من الخارج حتى لا
يستطيع الأعداء اكتشافها. وللحصول على الماء كانت النساء اليبوسيات يهبطن عبر
النفق العلوي ويدلين بجرارهن في القناة لرفع المياه من الكهف الذي وصلت إليه
المياه بشكل طبيعي عبر النفق الأفقي الذي يربط بين الكهف والعين.

ومع
ذلك فقد بقي سؤال حائر. كشفت أعمال التنقيب التي قام بها ر.أ. س. ماكليستر وج. ج.
دانكن منذ ما يقرب من أربعين عاماً مضت عن سور وبرج. وكان يعتقد أن الأول شيَّده
اليبوسيون والثاني شيده داود. وكان هذا السور بمحاذاة حافة تل أوفيل غربي مدخل
النفق. ومن ثم كان المدخل خارج نطاق السور الواقي للمدينة وبالتالي كان معرَّضاً
لهجوم الأعداء. فلماذا لم يتم حفر النفق حتى ينتهي داخل المدينة؟ توصلت كاثلين
كنيون إلى حل هذا اللغز من خلال أعمال التنقيب التي قامت بها مؤخراً في أوفيل. لقد
اكتشفت أن ماكليستر ودانكن لم يحالفهما الصواب في تقدير تاريخ كل من السور والبرج
اللذين قاما باكتشافهما، إذ أنهما في حقيقة الأمر ظهرا في العصر الهلِّيني. لقد
اكتشفت كنيون سور اليبوسيين الحقيقي على مسافة أبعد بأسفل منحدر التل شرقي مدخل
النفق، ومن ثم يقع هذا النفق داخل نطاق المدينة القديمة.

أما
داود، الذي كان من بيت لحم، التي تبعد عن أورشليم غرباً بمسافة أربعة أميال، فقد
وعد بأن أول رجل يدخل إلى المدينة عبر قناة المياه سوف يصبح رئيساً للجيش. فقام
يوآب، الذي كان قائداً للجيش، بقيادة هذا الغزو بنفسه إذ لم يكن يريد أن يفقد
مركزه. ومن الواضح أن الإسرائيليين قد مرّوا عبر النفق وصعدوا عبر القناة ودخلوا
المدينة قبل أن يخطر على فكر أهل المدينة المحاصرين أن تدبر ضدهم مثل هذه الخطة
الجريئة. (
Horn, RIOT, 15, 16)

ويحدثنا
أفراهام بيرام (
Biram, BAR, 26) عن كشف جديد تمّ عام 1994:

يشير
أحد النقوش الهامة التي ترجع إلى القرن التاسع قبل الميلاد إلى (بيت داود)، و(ملك
إسرائيل). وهذه أول مرة نجد فيها اسم داود في أي نقش أثري قديم غير الكتاب المقدس.
ومن الجدير بالملاحظة أن النقش لا يشير فقط إلى داود بل إلى بيت داود، الأسرة
الملكية للملك الإسرائيلي العظيم.. ولعل هذا أقدم الشواهد غير الكتابية التي كتبت
باللغات السامية والتي تشير إلى إسرائيل. وإن دلَّت هذه الكتابة على شيء، فإنها
تدُّل على أن كلاً من إسرائيل ويهوذا كانتا مملكتين هامتين في ذلك الوقت، وهذا
بخلاف ما يدَّعيه بعض الدارسين الذين يقللون من شأن الكتاب المقدس.

5(ج)
ملخص ونتائج ما سبق

يقول
هنري م. موريس: بالطبع فإن هناك مشكلات لا زالت قائمة للتوفيق الكامل بين مكتشفات
علم الآثار والكتاب المقدس. ولكن هذه المشكلات ليست من الخطورة التي يصعب معها حل
هذه المشكلات من خلال المزيد من البحث. ومن الأمور الهامة هنا أنه مع وجود كمٍ
هائلٍ من الأدلة التي تثبت التاريخ الكتابي لهذه العصور، فليس هناك أي اكتشاف مؤكد
لعلم الآثار يفيد أن الكتاب المقدس أخطأ في أي أمر. (
Morris, BMS, 95)

في
كل عصر من عصور تاريخ العهد القديم نجد أن هناك أدلة قوية لعلم الآثار على أن
الكتاب المقدس يخبرنا بالحق. بل وأنه في كثير من الأحيان تعكس الأسفار المقدسة
المعرفة المباشرة للعصور والعادات التي تصفها. وبينما تشكك البعض في صحة الكتاب
المقدس، ثبت بمرور الوقت ومن خلال البحث العلمي أن كلمة الله أشمل معرفة من
نقَّادها.

وفي
الواقع فإنه بينما تدعِّم آلاف الاكتشافات للعالم القديم الصورة الكتابية في شكلها
العام وتفاصيلها الدقيقة، ليس هناك اكتشاف مؤكد يناقض الكتاب المقدس. (
Geisler, BECA, 52).

ويضيف
هنري موريس:

أدَّي
قِدَم ما ورد بالكتاب المقدس من أحداث تاريخية مقارنة بغيره من الكتابات، ومع وجود
الأفكار المسبقة للقرن التاسع عشر، إلى إصرار الكثير من الدارسين على أن الأحداث
التاريخية للكتاب المقدس هي أيضاً في معظمها مجرد أساطير. ولما لم تكن هناك أدلة
كافية، غير بعض نسخ المخطوطات القديمة، لتقييم الأحداث التاريخية القديمة، فقد
كانت هذه الآراء مقنعة. أما الآن فلم يعد بالإمكان رفض موثوقية الأحداث التاريخية
للكتاب المقدس، على الأقل بداية من زمن إبراهيم بسبب الاكتشافات المذهلة لعلم
الآثار. (
Morris, MIP, 300)

 

6(ب)
البرهان الوثائقي لروايات العهد القديم

1(ج)
موثوقية تاريخ العهد القديم

إن
نسخ مخطوطات العهد القديم التي لدينا ليست فقط صحيحة ولكن محتوياتها أيضاً موثوقة
تاريخياً.

ويقول
وليم ف. ألبرايت أحد أبرز علماء الآثار: ليس هناك أدنى شك في أن علم الآثار قد
أثبت الموثوقية التاريخية للعهد القديم. (
Albright, ARI, 176)

أما
الأستاذ ه. ه. رولي فيقول: يكنّ العلماء اليوم احتراماً أكبر لقصص الآباء أكثر من
ذي قبل، ولا يرجع ذلك إلى أنهم يعتنقون أفكاراً أكثر اعتدالاً ولكن لأن البراهين
أكدت ذلك. (
Rowley, as cited in
Wiseman, ACOT, in Henry, RB, 305
).

وهذا
يلخصه لنا ميريل أونجر قائلاً: لقد أعاد علم آثار العهد القديم اكتشاف أمم بأكملها
وأحيا صورة شعوب هامة وبصورة مذهلة جداً سد ثغرات تاريخية مضيفاً الشيء الكثير إلى
الصورة الكتابية. (
Unger, AOT, 15)

يقول
السير فريدريك كنيون: ومن ثم يمكننا القول بأنه فيما يتعلق بهذا الجزء من العهد
القديم الذي كان يوجه إليه بشكل رئيسي النقد اللاذع في النصف الثاني من القرن
التاسع عشر، فإن البراهين التي أتى بها علم الآثار قد أعادته إلى وضعه الأول كما
رفعت من قيمته فأصبح أكثر وضوحاً في ضوء معرفة خلفياته وأطره. ولم يقل علم الآثار
كلمته الأخيرة بعد، ولكن النتائج التي حققها حتى الآن تؤكد ما يدل عليه الإيمان من
أن الكتاب المقدس لا يلقى سوى التأييد من المعرفة المتزايدة. (
Kenyon, BA, 279)

لقد
قدَّم علم الآثار كماً غزيراً من البراهين التي تثبت بالدليل المادي صحة النص
المازوري الذي لدينا. كتب برنارد رام يقول عن ختم إرميا:

قدم
علم الآثار أيضاً البراهين على صحة النص المازوري الذي لدينا. إن ختم إرميا، الذي
كان يستخدم لوضع أختام القار على جرار الخمر ويرجع إلى القرن الأول أو الثاني
الميلادي، منقوش عليه كما في إرميا 48: 11، وهو يوافق بوجه عام النص المازوري.
ويشهد هذا الختم للدقة التي انتقل بها النص منذ العصر الذي صنع فيه هذا الختم وعصر
تدوين هذه المخطوطات. علاوة على ذلك تؤكد كل من بردية روبرتس التي ترجع إلى القرن
الثاني ق.م.، وبردية ناش التي ترجع، طبقاً لتقدير ألبرايت، إلى عام 100 ق.م.، النص
المازوري الذي لدينا. (
Ramm,
CITOT, 8-10
)

ويؤكد
وليم ألبرايت أنه يمكننا الاطمئنان إلى أن النص الأصلي للكتاب المقدس العبري، رغم
إمكانية تعرضه للتغير، قد حفظ لنا بدقة لا تضاهى في أي من آداب الشرق الأدنى..
تؤكد الأضواء الكثيرة التي تلقى الآن من قِبَل الأدب الأوجاري
Ugaritic على الكتابات الشعرية العبرية للكتاب المقدس في مختلف عصورها على
قِدَم كتابتها والدقة المذهلة التي انتقلت بها (
Albright OTAAE, as cited in Rowley, OTMS, 25)

كتب
الأثري ألبرايت بشأن صحة الأسفار المقدسة التي كشف عنها البحث الأثري قائلاً: ترجع
أحداث التوراة التي بين أيدينا الآن إلى زمن أقدم بكثير من التاريخ التي نُقِلت
وحِرِّرت فيه أخيراً، ولا زالت الاكتشافات الجديدة تؤكد الدقة التاريخية وقِدَم
المادة الأدبية للتفاصيل الموجودة بها.. وبناء عليه يكون من المغالاة في النقد
إنكار السمة الموسوية الأساسية للتقليد التوراتي. (
Dodd, MNTS, 244)

ويعلق
ألبرايت علي ما اعتاد النُقَّاد قوله:

حتى
وقت قريب سرت العادة بين المؤرخين الكتابيين على اعتبار قصص الآباء في سفر التكوين
من اختلاق الكتبة الإسرائيليين في المملكة المنقسمة أو أنها قصصاً رواها الرواة
ذوي الخيال الواسع في حفلات السمر الإسرائيلية إبان القرون التي أعقبت احتلالهم
للبلاد. ويمكن ذكر أسماء لعلماء بارزين كانوا ينظرون إلى كل أحداث سفر التكوين
11-50 على أنها تعكس تدويناً لأحداث مختلفة كتبت في فترة متأخرة أو على الأقل أنها
تصور للأحداث والظروف التي وقعت في الماضي البعيد في ظل المملكة الحالية، وهي
الأحداث التي لا يعرف عنها الكتَّاب اللاحقون شيئاً. (
Albright, BPFAE, 1, 2)

إلا
أن هذا كله قد تغيَّر الآن، يقول ألبرايت: غيَّرت الاكتشافات الأثرية التي جرت منذ
عام 1925م كل هذا. وفيما عدا بعض العلماء القلائل المتعنتين فيما مضى، ليس هناك
مؤرخ كتابي واحد لم يتأثر بالتراكم السريع للمعلومات التي تؤيد الموثوقية
التاريخية لقصص الآباء. فطبقاً لما ورد في سفر التكوين كان الآباء الإسرائيليين
الآوائل على صلة وثيقة بالشعوب شبه البدوية في عبر الأردن وسوريا وحوض نهر الفرات
وشمال الجزيرة العربية في القرون الأخيرة من الألفية الثانية ق.م. والقرون الأولي
من الألفية الأولي ق.م. (
Albright,
BPFAE, 1, 2
)

ويمضي
ميللر باروز قائلاً:

لنستوضح
الأمر يجب أن نميز بين نوعين من البراهين العام والخاص. فالبرهان العام هو مسألة
توافق دون إثبات نقاط محددة. ومعظم ما ناقشناه من تفسير وتوضيح يمكن اعتباره كذلك
برهاناً عاماً. وهنا تتفق الصورة مع الإطار ويتناغم اللحن مع الإيقاع. وقوة هذا
البرهان تراكمية، فكلما وجدنا أن ملامح صورة الماضي التي يقدمها لنا الكتاب المقدس،
حتى لو لم تكن الإشارة إليها مباشرة، تتفق مع ما نعرفه من خلال علم الآثار، كلما
كان انطباعنا لمصداقية الكتاب المقدس بشكل عام أقوى، إذ أن الأساطير والقصص
الخيالية لابد لها من التكشف أخيراً من خلال الأخطاء والتناقضات التاريخية. (
Burrows, WMTS, 278).

وينوه
ريموند أ. بومان الأستاذ بجامعة شيكاغو إلى أن علم الآثار يساعد على تحقيق التوازن
بين الكتاب المقدس وفرضيات النقد: إن البراهين على الأحداث الكتابية أدت في كثير
من الأحيان إلى احترام التقليد الكتابي مرة أخرى وفهم التاريخ الكتابي على نحو
أكثر اعتدالاً (
Bowman, as cited
in Willoughby, SBTT, 30
)

ويقول
ألبرايت في كتابه «علم الآثار يواجه النقد الكتابي»: أيدت المعلومات والنقوش
الأثرية المكتشفة الصدق التاريخي لعدد غير محدود من نصوص العهد القديم. (
Albright, ACBC, 181).

لا
يثبت علم الآثار أن الكتاب المقدس هو كلمة الله. فكل ما بوسعه هو أن يؤكد على صحة
النصوص وموثوقيتها تاريخياً. فيمكنه أن يبين أن حدثاً معيناً يناسب الوقت الذي
يعتقد أنه وقع فيه. وفي هذا يقول ج. إ. رايت: ربما لا يمكننا أبداً أن نثبت أن
إبراهيم شخصية حقيقية.. ولكن ما يمكن أن نثبته هو أن حياته والعصر الذي عاش فيه،
كما يقول الكتاب المقدس عنه، تتفق تماماً مع عصر بداية الألفية الثانية قبل
الميلاد ولا تتفق مع أي عصر آخر لاحق. (
Wright, BA, 40)

ولقد
أدرك ميللر باروز أهمية علم الآثار في تأكيد موثوقية الكتاب المقدس حينما قال:

أكدت
الشواهد الأثرية على موثوقية الكتاب المقدس مراراً وتكراراً. وبشكل عام أنه ليس
هناك شك في أن نتائج عمليات التنقيت الأثرية قد زادت من احترام العلماء للكتاب
المقدس باعتباره مجموعة من الوثائق التاريخية. ومن هذه البراهين ما هو عام ومنها
ما هو خاص. إذ يبين تفسير وتوضيح السجل التاريخي في ضوء المعلومات الأثرية أنه
يتفق مع الإطار التاريخي العام. باعتباره فقط منتجاً أصيلاً يمكن للحياة القديمة
أن تفرزه. وفضلاً عن هذا البرهان العام، نجد البراهين على صحة هذا السجل التاريخي
بشكل متكرر في نقاط محددة كإنطباق أسماء الأماكن والأشخاص على الأماكن الصحيحة وفي
العصور الصحيحة المقصودة. (
Burrows,
HAHSB, 6
).

ويقول
جوزيف فري أنه يوماً تصفَّح سفر التكوين فوجد أن كل أصحاح من أصحاحاته الخمسين
تؤيده أو توضحه بعض الكشوف الأثرية – وينطبق الأمر ذاته على معظم أصحاحات الكتاب
المقدس بعهديه القديم والجديد. (
Free,
AB, 340
)

2(ج)
الخلق

هناك
اعتقاد بأن الأصحاحات الافتتاحية من سفر التكوين (1-11) تصورات أسطورية مأخوذة عن
تصورات أقدم لقصة الخلْق لدى الشعوب القديمة للشرق الأدنى. ولكن هذا الرأي يقتصر
فقط على ملاحظة أوجه التشابه بين سفر التكوين وقصص الخلْق في الثقافات القديمة
الأخرى. وإذا افترضنا انحدار الجنس البشري من أسرة واحدة مع وجود الوحي الإلهي
العام، يمكننا أن نتفهم وجود بعض الآثار للرواية التاريخية الصحيحة لدى الشعوب
الأخرى. أما الاختلافات بين الروايات فهي أكثر أهمية. فالروايات البابلية والسومرية
تصف الخلْق باعتباره ناتجاً للصراعات التي نشأت بين الآلهة المحدودين. فعندما دحر
أحد الآلهة وانشطر إلى نصفين، أصبح نهر الفرات ينبع من إحدى عينيه ونهر دجلة ينبع
من العين الأخرى. والبشرية مخلوقة من دم إله شرير مخلوط بالطين. وتبين هذه القصص
التكلف والتشويه المتوقع في الرواية التاريخية عند صياغتها في هيئة أساطير.

وليس
من المعقول أن يمر النصّ الأدبي بعملية تطور من هذه الأساطير إلى هذه الصورة
النقية وغير المتكلفة في تكوين 1. فالافتراض الشائع بأن الرواية العبرية في الكتاب
المقدس ليست إلا صورة مبسطة وأكثر نقاءً من الأساطير البابلية هو افتراض غير صحيح.
وفي الشرق الأدنى القديم فإن القاعدة هي تطور التقاليد والروايات البسيطة (من خلال
ما يطرأ عليها من عوامل الزيادة والتزيين) إلى أساطير أكثر تركيباً وليس العكس.
ومن ثم فإن الأدلة تشير إلى أن سفر التكوين لم يكن أسطورة تحولت إلى تاريخ، ولكن
الروايات غير الكتابية كانت تاريخاً تحوَّل إلى أساطير. (
Geisler, BECA, 48, 49).

1(د)
تل مردوخ: اكتشاف إبلا

إن
أحد أعظم الاكتشافات الأثرية لهذا القرن هو اكتشاف مدينة إبلا. في عام 1964 بدأ
باولو ماثيا الأستاذ وعالم الأثار في جامعة روما، كشفاً أثرياً منظماً لمدينة لم
تكن معروفة آنذاك. وبفضل تصميمه ونفاذ بصيرته، أسفرت عمليات التنقيب في عامي 1974
و1975 عن اكتشاف قصر ملكي عظيم، وما يزيد على خمسة عشر ألفاً من الألواح
والمخطوطات. وقد عمل جيوفاني باتيناتو المتخصص في النقوش الأثرية مع ماثيا من أجل
تحديد الأهمية الأثرية للنقوش والكتابات في هذا الكشف. وحتى الآن لم يتم ترجمة إلا
بعضاً من هذه الألواح. ومن المعروف والثابت الآن أنه من هذا الموقع القديم كانت
مدينة إبلا ذات الأهمية الكبيرة مركزاً لإمبراطورية عظمى تحكم الشرق الأدني. وتقع
هذه المدينة بالقرب من مدينة حلب الحالية شمال سوريا.

وبلغت
مدينة إبلا أوج عظمتها في الألفية الثالثة ق.م. (في عصر الآباء الأولين). ورغم أن
نصوص مخطوطات مدينة إبلا الحالية لا تذكر أسماء أشخاص أو أحداث كتابية معينة (رغم
وجود جدل واسع النطاق حول هذا الأمر) فإنها تقدم الكثير من المعلومات التاريخية
وأسماء المدن التي تستخدم في تقييم النصوص الكتابية. وتعد مدينة إبلا ذات أهمية
كبيرة بالنسبة للتاريخ السوري. كما أن لها أهمية خاصة بالنسبة للدارسات الكتابية.
ونحن لم نري سوي القليل من الأدلة حتى الآن. وقد استغرقت هذه الأدلة وقتاً كبيراً حتى
ظهرت. وفيما يلي بعض من هذه الأدلة التي تؤيد النصوص الكتابية:

1(ه)
المدن الكتابية

ويقول
كيتشن مشيراً إلى تحقيق المدن الكتابية في مخطوطات إبلا:

هناك
عدد غير قليل من المدن الكتابية الهامة التي تظهر في الألواح الأثرية لمدينة إبلا
التي تحوي نصوصها (في معظم الحالات) أقدم ما ذكر عن هذه المدن.

ولعلَّ
الأهم من ذلك ذكْر بعض المخطوطات للأماكن الفلسطينية المعروفة مثل حاصور ومجدو
وأورشليم ولخيش ودور وغزة وعشتاروث (قرانايم) وغيرها. والعديد من هذه الأماكن
معروفة لدى علماء الآثار بأنها كانت مدن سكنية في الألفية الثالثة ق.م. (بداية
العصر البرونزي الثالث والرابع). وتؤكد الألواح الأثرية على أهمية هذه المدن كمدن
رئيسية كانت تتمتع بالاستقلالية. وتظهر كنعان في هذه المخطوطات ككيان جغرافي منذ
أواخر الألفية الثالثة ق.م.، أي في وقت سابق على أي تاريخ آخر ذكر لهذه المدينة –
ومن الأهمية بمكان أن نعلم إلى أي مدى كانت كنعان تحظي بالاهتمام في نصوص مدينة
إبلا. (
Kitchen, BIW, 53, 54).

2(ه)
الأسماء الكتابية

وأهم
اسهامات نصوص مدينة إبلا في هذا المجال هي (1) التأكيد مرة أخرى على أن هذه
الأسماء كانت لأشخاص حقيقيين من البشر (وليس لآلهة أو شخصيات أسطورية أو قبائل
معينة)، (2) للدلالة على قدم هذه الأسماء بوجه خاص. (
Kitchen, BIW, 53)

ويقدم
الدكتور جيوفاني باتيناتو قراءات متنوعة في نصوص مدينة إبلا للأسماء العبرية مثل
إسرائيل وإسماعيل وميخا. (
Pettinato,
RATME, 50
)

3(ه)
هدايا الشرق الأدني قديماً

يعتبر
البعض أن الهدايا التي قبلها سليمان عندما بلغت إمبراطوريته مداها لم تكن إلا قصة
خيالية مغالى فيها. ولكن كشْف مدينة إبلا يقدم لنا تفسيراً مختلفاً للأحداث:

كان
لمدينة إبلا الملكية في أوج مجدها مصادر عظيمة للدخل. فقد فرضت على ملك مدينة ماري
Mari المهزوم وحده جزية قدرها 11000 رطلاً من الفضة و880 رطلاً من
الذهب في إحدي المرات. وهذه الكمية التي تقدَّر بعشرة أطنان من الفضة وما يزيد على
ثلث طن ذهب لم تكن شيئاً قليلاً. ولكنها كانت فائضاً بالنسبة لما كانت تحتوي عليه
خزائن مدينة إبلا. وفي ظل هذا الرخاء الاقتصادي، فإن الدخل الأساسي لسليمان من
إمبراطوريته كلها بعد حوالي 15 قرناً، والذي بلغ 666 وزنة (حوالي 20 طناً) من
الذهب (1 ملوك 10: 14، 2 أخبار الأيام 9: 13) لا يعد مبالغاً فيه بل ويبدو واقعياً
كجزء من الصورة العريضة للثروات الضخمة (وإن لم تستمر طويلاً) للممالك العظمى
للعالم القديم كما يظهر في الكتاب المقدس.

إن
هذه المقارنات لا تثبت أن سليمان تلقي فعلاً 666 وزنة ذهب أو أن مملكته كانت
تماماً مثلما وصفها سفر الملوك. ولكنها تشير بوضوح إلى ما يلي: (1) إن ما ورد
بالعهد القديم من معلومات يجب دراسته في ضوء السياق الذي وردت به وليس بمعزل عنه.
(2) أن ما وصف من أنشطة في كتابات العهد القديم ليست مستحيلة أو حتى بعيدة
الاحتمال بالنظر إلى الشواهد والمعايير الخارجية ذات الصلة. (
Kitchen, BIW, 51, 52)

4(ه)
الممارسات الدينية

تعلن
نصوص مدينة إبلا أن الكثير من الممارسات الدينية للعهد القديم لم تظهر في مرحلة
متأخرة كما يعتقد بعض نقَّاد الكتاب المقدس.

فيما
يتعلق بأمور الدين والكهنة والقرابين تؤكد سجلات نصوص إبلا المكتشفة حتى الآن
بالنسبة لسوريا وفلسطين ما كنا نعرفه قبلاً عن مصر وما بين النهرين وأناتوليا في
الألفية الثالثة والثانية والأولى ق.م. أي أن أموراً مثل الجماعات الدينية
والذبائح والطقوس كانت سمة أساسية للحياة الدينية في الشرق الأدنى قديماً في جميع
عصورها منذ عصر ما قبل التاريخ حتى العصور اليونانية الرومانية. ولا علاقة لذلك
بنظريات القرن التاسع عشر التي ليس لها أساس من الصحة والتي تعتبر هذه السمات
المميزة للحياة الدينية ليست إلا تطوراً ظهر في عصور متأخرة، ولم يظهر لدى
العبرانيين – وحدهم من بين شعوب الشرق القديمة – حتى ما بعد السبي البابلي. وليس
هناك مبرر معقول للفكرة الغريبة التي مفادها أن الطقوس البسيطة التي كانت تمارس في
خيمة الاجتماع التي صنعها موسى (طالع سفر اللاويين) أو هيكل سليمان، ويرجع كل
منهما إلى زمن متأخر عن الزمن الذي كانت تمارس فيه الطقوس في العديد من المعابد في
إبلا بأكثر من ألف عام، كانت من اختراع الكتَّاب المثاليين في القرن الخامس ق.م. (
Kitchen, BIW, 54).

ويعلق
جيوفاني باتيناتو على ذلك قائلاً:

وبالنظر
إلى الطوائف الدينية نلاحظ وجود هياكل داجون وعشتار وكاموس وراساب، وهذه كلها تشهد
بها نصوص إبلا. ومن بين القرابين التي تقدم هناك الخبز والخمر والحيوانات أيضاً.
وفي هذا الشأن هناك لوحان لهما أهمية خاصة (
TM, 75, G, 1974, TM, 75, G, 2238) لأنهما يسجلان القرابين الحيوانية المختلفة التي كانت تُقَدم
للآلهة المختلفة من قبل أفراد الأسرة الملكية خلال شهر واحد. فمثلاً: 11 خروفاً
للإله أداد كتقدمة و12 خروفاً للإله داجون كتقدمة و10 خراف للإله راساب لمدينة
إداني كتقدمة.

ومن
السمات الهامة الأخرى للديانة في إبلا وجود طوائف مختلفة للكهنة والكاهنات ووجود
طبقتين من الأنبياء ال ماهو وال نبيوتوم، وهذا الأخير له ما يماثله في العهد
القديم. لتفسير الظواهر الكتابية لجأ العلماء، حتى هذا اليوم، إلى فحص الشواهد
التاريخية لمدينة ماري
Mari ولكن في المستقبل فإن مدينة إبلا سوف تسترعي هي الأخرى انتباههم.
(
Pettinato, RATME, 49)

5(ه)
الكلمات العبرية

يتحدث
ك.أ. كيتشن عن النظرة النقدية للكتاب المقدس التي يتبناها الكثير من العلماء
الليبراليين: منذ ما يقرب من سبعين أو مائة عام مضت، لم تكن هذه الرؤية العميقة متوفرة،
وحتى يتم التوفيق بين التصورات النظرية المستنبطة من أسفار العهد القديم وبين
التاريخ الذي وضعه العلماء الألمان للعهد القديم على نحو خاص، فقد نسبت الكثير من
الكلمات العبرية إلى عصر متأخر حوالي 600 ق.م. وما بعدها. وبهذه الطريقة السهلة،
أصبحت الآراء الفلسفية غير المنصفة تظهر في صورة رؤى «علمية» حتى هذا اليوم. (
Kitchen, BIW, 50)

ورداً
على هذا يمضي كيتشن قائلاً:

إلا
أن الزيادة الكبيرة في معرفتنا بالتاريخ القديم للكلمات العبرية للعهد القديم أدى
إلى تغيير هذا الموقف. فإذا استخدمت كلمة معينة في مدينة إبلا عام 2300 ق.م. وفي
مدينة أوجاريت عام 1300 ق.م.، فلا يمكن تصور أنها كلمة من عصر متأخر (300 ق.م.) أو
أنها مصطلح آرامي في الوقت الذي لم تكن فيه اللغة الآرامية القياسية قد تطورت بعد،
بل أنها تصبح حينئذ كلمة من عصر مبكر، وجزءاً من التراث الآبائي للعبرية الكتابية.
وعلى نحو أكثر إيجابية، فإن ازدياد أعداد النصوص التي نحصل عليها والتي تشتمل على
الكلمات الأكثر ندرة يمكن أن تؤيد – أو تعدِّل – فهمنا لمعاني هذه الكلمات. (
Kitchen, BIW, 50)

ويقول
كيتشن مشيراً إلي بعض الكلمات:

ومن
ثم، فإذا نظرنا إلى رؤساء المدن في إبلا، فإن التعبير المستخدم للإشارة إليهم هو
nase وهي مشابهة لكلمة nasi التي استخدمت في الكتاب المقدس للإشارة إلى رؤساء أسباط إسرائيل
(كما في العدد 1: 16 و44) كما استخدمت للإشارة إلى الحكَّام مثل سليمان (1 ملوك 11:
34). وقد افترضت نظريات النقد الكتابي السابقة أن الكلمة من عصر متأخر وأنها إحدى
علامات التقليد الكهنوتي المفترض.

وكلمة
«
hetem» «ذهبْ» هي مرادف شعري نادر الاستعمال في اللغة العبرية لكلمة «zahab» ويعتبرها الكثيرون من عصر متأخر. إلا أن ما ينفي هذا الرأي هو أن
الكلمة قد انتقلت إلى اللغة المصرية من اللغة الكنعانية في القرن الثاني عشر ق.م.،
وهي تظهر على الشكل التالي «
kutim» في النقوش الكنعانية لمدينة إبلا2300 ق.م، أي قبل أكثر من 1000
عام من التاريخ السابق.

ويواصل
قائلاً:

إن
الكلمة العبرية
tehom «عميق» لم تؤخذ عن البابليين، ليس فقط لأنها تظهر في اللغة
الأوجارية «
thmt » القرن الثالث عشر ق.م. ولكن لأنها تظهر أيضاً في مدينة إبلا قبل
ذلك بنحو ألف عام «
ti’amatum». وهي كلمة شائعة في اللغات السامية.

ومن
أمثلة الكلمات نادرة الاستعمال والتي تأكد وجودها ومعناها نذكر الكلمة العبرية
ereshet (شهوة) وهي ترد مرة واحدة في الكتاب المقدس في مزمور 21: 2، كما
أننا نجدها في النصوص الأوجارية في القرن الثالث عشر ق.م.، وهي تظهر في نصوص مدينة
إبلا قبل ذلك بألف عام «
irisatum» في (اللغة الإبلية أو الأكادية القديمة) في الألواح الأثرية
السومارية والإبلية.

وأخيراً
فإن الفعل
hadash أو hiddesh الذي يُعْتَقد أنه ظهر في عصر متأخر والذي يعني
(يجدد أو يتجدد) ينحدر من الكلمة الإبلية
h edash (u) مروراً بالكلمة الأوجارية hadath.
ونفس الكلام يقال عن الكثير من الكلمات الأخرى. (
Kitchen, BIW, 50, 51)

وينتهي
كيتشن إلى ما يلي:

وما
يجب أن نتعلمه هنا هو أنه في ظل ألفي عام من التطور التاريخي للهجات السامية
الغربية، هناك حاجة إلى إعادة دراسة التواريخ الموضوعة للمفردات العبرية في الكتاب
المقدس. والحقيقة هي أن اللغات السامية الغربية في الألفية الثالثة والثانية ق.م.
كانت تشترك في كمِّ كبير من المفردات اللغوية، وهذه المفردات توارثتها اللهجات
اللاحقة مثل الكنعانية والعبرية والفينيقية والآرامية وغيرها من اللهجات – ولكن
على نحو غير متكافئ. فالكلمات التي نجدها في لغة الحياة اليومية في إحدى هذه
اللغات نجدها مستخدمة في اللغة الشعرية الرفيعة أو في التعبيرات الكلاسيكية للغة
أخرى. ومن ثم فإن الكثير من الكلمات التي يعتقد أنها ظهرت في عصر متأخر أو أنها
تعبيرات آرامية في اللغة العبرية (وخاصة في الشعر) ليست إلا كلمات تنحدر عن
السامية الغربية القديمة وهذه الكلمات لم تستخدم على نحو شائع في اللغة العبرية
ولكنها بقيت حية في اللغة الآرامية. (
Kitchen,
BIW, 51
)

3(ج)
طوفان نوح

وكما
هو الحال بالنسبة لقصة الخلْق، فإن قصة الطوفان في سفر التكوين تتسم بالواقعية
والخلو من الأسطورة بالمقارنة بروايات هذه القصة لدى الشعوب القديمة الأخرى، مما
يدل على صدقها. وتدل أوجه التشابه بين هذه الروايات على وجود أساس تاريخي لها وليس
على انتحال موسى لها. وتختلف الأسماء بين هذه الروايات. فنوح يدعي (زيوسودرا) عند
السومريين ويدعي (أوتنابيشتيم) عند البابليين. أما القصة الأساسية فلا تختلف.
فهناك رجل يأمره الله أن يبني فلكاً بمواصفات معينة لأن الله سوف يهلك العالم بالطوفان.
وبالفعل يقوم هذا الرجل بذلك فينجو من الطوفان ويقدم الذبائح عند خروجه من الفلك.
وعندئذ يستجيب الإله (أو الآلهة) نادماً على إهلاك الحياة ويقطع عهداً مع الإنسان.
وهذه الأحداث الأساسية تشير إلى الأصل التاريخي للقصة.

ونجد
قصة مشابهة لتلك في أنحاء العالم المختلفة. فقصة الطوفان يذكرها الإغريق والهندوس
والصينيون وسكان المكسيك والهنود الحمر وسكان هاواي. وتشير إحدى قوائم الملوك
السومريين إلى الطوفان كعلامة تاريخية فاصلة. فبعد ذكر أسماء ثمانية ملوك عاشوا
لفترات طويلة (عشرات الآلوف من السنين)، نجد هذه العبارة التي تقطع التسلسل السردي
للملوك: ثم (أغرق الطوفان الأرض)، (وعندما هبطت الملكية مرة أخرى من السماء، كانت
أولاً في كيش).

هناك
أسباب قوية للاعتقاد بأن سفر التكوين يقدم القصة الأصلية. أما الصور الأخرى للقصة
فتشتمل على الكثير من الزيادات والتفصيلات التي تدل على تشويه القصة. وفي سفر
التكوين وحده نجد سنة الطوفان، بالإضافة إلى التواريخ الخاصة بحياة نوح. وفي
الواقع فإن سفر التكوين يبدو وكأنه يوميات أو سجلاً للأحداث التي مر بها الفلك.
فالسفينة البابلية المكعبة لم تكن لتنقذ أحداً، إذ أن الأمواج المتلاطمة كانت
ستضربها من كل جانب. ولكن فلك الكتاب المقدس كان على شكل مستطيل واسع وطويل ومنخفض
حتى يمكنه أن يقاوم عنف الأمواج جيداً. أما فترة سقوط الأمطار في القصص الوثنية
(سبعة أيام) فلا تعد فترة كافية لما تشير إليه هذه القصص من دمار. فقد ارتفعت
المياه فوق قمم الجبال لمسافة سبعة عشرة ألف قدم، ومن المنطقي أن تكون فترة هطول
الأمطار أطول من ذلك. أما الفكرة البابلية التي مفادها أن مياه الطوفان انحسرت في
يوم واحد فهي أيضاً غير منطقية.

وأحد
الاختلافات الهامة بين سفر التكوين والصور الأخرى لهذه القصة هو أن البطل في هذه
القصص يمنح الخلود والمجد. أما الكتاب المقدس فينتقل إلى ذكر خطية نوح. والقصة
التي تسعى إلى تقديم الحق هي فقط التي يمكن أن تشتمل على الإقرار بهذه الواقعة.

4(ج)
برج بابل

هناك
أدلة كثيرة على أن العالم كان له حقاً لغة واحدة في وقت من الأوقات. ويشير الأدب
السومري إلى هذه الحقيقة في مرات عديدة. كما يعتبر اللغويون هذه النظرية مفيدة في
تصنيف اللغات. ولكن ماذا عن برج بابل وبلبلة الألسنة آنذاك (تكوين 11)؟ لقد دلت
الكشوف الأثرية على أن أور-نامو، ملك أور من عام 2044 حتى عام 2007 ق.م.، قد تلقى
أوامر، كما يعتقد، ببناء برج عظيم (زيجورات) كنوع من العبادة لإله القمر نانات.
ويسجل لنا أحد الأعمدة الحجرية الأثرية الذي يصل عرضه إلى خمسة أقدام وطوله إلى
عشرة أقدام الأعمال التي قام بها أور-نامو، ففي إحدى اللوحات يظهر ومعه وعاء للطمي
حتى يبدأ في تشييد البرج العظيم، وهكذا يعرب عن ولائه للآلهة إذ يتخذ مركز العامل
المتواضع. كما تبين لوحة طينية أخرى أن تشييد البرج أثار استياء الآلهة، فهدموا ما
قام البشر ببنائه وشتتوهم وجعلوا لغتهم غريبة. ومن الواضح أن هذا مماثل لما سجله
لنا الكتاب المقدس.

وطبقاً
لما ورد بالكتاب المقدس: وكانت الأرض كلها لساناً واحداً ولغة واحدة (تكوين 11: 1)،
قبل بناء برج بابل. وبعد بناء البرج وتدميره، بلبل الله ألسنة الأرض كلها (تكوين
11: 9). ويشهد الكثير من اللغويين المعاصرين لرجحان هذه القصة كأصل للغات العالم.
ويقول ألفريدو ترومبيتي أنه يستطيع أن يتتبع ويثبت الأصل المشترك لجميع اللغات.
ويشهد ماكس مولر أيضاً للأصل المشترك للغات. أما أوتو جاسبرسن فيذهب إلى القول بأن
اللغة أعطيت للإنسان الأول من قِبَل الله مباشرة. (
Free, ABH, 47).

5(ج)
الآباء الأولون

إن
الروايات الخاصة بحياة إبراهيم وإسحق ويعقوب ليس لها الصعوبات التي نواجهها في
الأصحاحات الأولى من سفر التكوين، ومع ذلك فطالما ساد الاعتقاد بأنها روايات
أسطورية لأنها لم تكن تتناسب فيما يبدو مع ما كان يعرف من شواهد على هذا العصر.
وكلما ظهرت المزيد من الشواهد،كلما ثبت صدق هذه الروايات. وتبين الشرائع القضائية
في زمن إبراهيم لماذا كان يتردد في طرد هاجر من محل إقامته، إذ أنه كان ملتزماً من
الناحية القانونية بإعالتها. فلم يرغب إبراهيم في طردها حتى أمره الله بذلك.

وتذكر
رسائل مدينة ماري أسماء مثل أبامرام (إبراهيم) ويعقوب-إيل والبنيامينيين. ورغم أن
هذه لا تشير إلى أشخاص كتابيين، إلا أنها تبين على الأقل أن هذه الأسماء كانت
مستعملة. وتؤيد هذه الرسائل ما ورد في تكوين 14 عن الحرب التي قامت وواجه فيها
خمسة من الملوك أربعة آخرين. وتبدو أسماء هؤلاء الملوك متفقة مع الأمم البارزة في
ذلك الوقت. فمثلاً يذكر سفر التكوين 14: 1 الملك الأموري أريوك، بينما تذكر وثائق
ماري أن اسم الملك هو أريووك. وتدل كل هذه الشواهد على أن المادة المدوَّنة في سفر
التكوين كانت روايات مباشرة لشخص عاش في زمن إبراهيم. (
Geisler, BECA, 50)

وفي
دراسة أخرى أجراها كيتشن (
Kitchen,
TPAMH, 48-95
) يقدم لنا أمثلة لشواهد
أثرية لتحديد زمن الآباء الأولين في العصر البرونزي الأوسط:

إن
المعلومات الكتابية تطابق الشواهد المادية للعالم القديم بشكل عجيب مبرهنة بذلك
على موثوقية ما ورد بالكتاب المقدس من فترات وعصور.

وأحد
أهم هذه الشواهد ما ذكر عن أسعار الرقيق التي كانت تقدَّر بشواقل الفضة. فإننا
نعرف من مصادر الشرق الأدنى القديم بعض التفاصيل عن أسعار الرقيق لفترة تمتد إلى
2000 عام، من عام 2400 ق.م. حتى عام 400 ق.م.. وهذه المعلومات تقدم لنا شاهداً
مادياً قوياً يمكننا أن نقارنه مع ما ورد من أرقام في الكتاب المقدس في مواضع عدة
بخصوص سعر الرقيق (تكوين 37: 28؛ خروج 20؛ خروج 21: 32؛ 2 ملوك 15: 20).. وفي كل
هذه المواضع يلائم ثمن العبد في النص الكتابي الفترة العامة التي يرتبط بها.

وهناك
أدلة متزايدة على أن المحتوى الأساسي المتوارث للكتاب المقدس صحيح – بدءاً من
الآباء الأولين ومروراً بالخروج ودخول إسرائيل إلى كنعان والمملكة الموحدة ثم
تقسيم المملكة إلى مملكتي إسرائيل ويهوذا ثم السبي والعودة منه.

1(د)
سلسلة نسب إبراهيم

إننا
نجد أن سلسلة نسب إبراهيم هي سلسلة تاريخية. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه، هل
تمثل هذه الأسماء أسماء أشخاص أم مدن قديمة، على أن المدن القديمة كانت غالباً
تسمى بأسماء مؤسسيها. ومن الثابت أن إبراهيم كان شخصاً حقيقياً عاش فعلاً. وعلى حد
قول باروز: تشير الأدلة كلها إلى أنه كان شخصاً حقيقياً. وكما أشرنا سلفاً، ليس
هناك ذكْر له في أي مصدر أثري معروف، ولكن اسمه يظهر في بابل كاسم لشخص في نفس
الفترة التي كان يعيش فيها. (
Burrows,
WMTS, 258, 259
).

كانت
هناك محاولات سابقة لتحديد زمن إبراهيم على أنه القرن الخامس عشر أو القرن الرابع
عشر ق.م. وهو عصر متأخر جداً بالنسبة له. إلا أن ألبرايت يشير إلى أنه بفضل
المعلومات المذكورة سلفاً وغيرها من الشواهد، لدينا كمَّاً كبيراً من الأدلة
والشواهد لأسماء أشخاص وأماكن تتعارض جميعها مع التجاهل غير المبرر للمعلومات
التقليدية. (
Garstang, FBHJJ, 9)

(2)
سلسلة نسب عيسو

يرد
ذكر الحوريين في سلسلة نسب عيسو (تكوين 36: 20). وكان يعتقد قبلاً أن هؤلاء هم
سكان الكهوف بسبب التشابه بين كلمة حوري وبين الكلمة العبرية التي تعني كهف، ومن
هنا جاءت الفكرة بأنهم كانوا يسكنون الكهوف. إلا أن الاكتشافات الحديثة دلَّت على
أنهم كانوا جماعة بارزة من المحاربين الذين عاشوا في الشرق الأدنى زمن الآباء
الأولين. (
Free, ABH, 72)

3(د)
إسحق والبركة الشفهية (تكوين 27)

يشير
جوزيف فري إلى أنه قد يبدو أمراً غريباً ألا يتراجع إسحق عن بركته الشفهية ليعقوب
عندما اكتشف خداعه. إلا أن ألواح نوزي تخبرنا أن مثل هذا التصريح الشفهي كان
ملزماً تماماً. ومن ثم لم يستطع إسحق التراجع عن بركته الشفهية. ويسجل لنا أحد
ألواح نوزي قصة لقضية إمراة كانت ستتزوج من أحد الأشخاص، ولكن الغيرة دفعت إخوته
إلى مقاومة الأمر. إلا أن الرجل ربح القضية لأن أباه كان قد قدَّم وعداً شفهياً له
بأن يزوجه هذه المرأة. كانت التصريحات الشفهية آنذاك تحمل أهمية خاصة وليس كما هو
الحال اليوم. لقد أتت نصوص نوزي من ثقافة مماثلة لتلك المذكورة في سفر التكوين (
Free, AL, 322, 323).

ويصف
ج. إرنست رايت هذا الأمر قائلاً: كانت تصريحات البركة الشفهية أو وصايا ما قبل
الموت معروفة ومقبولة في نوزي وفي مجتمع الآباء الأولين. وكانت هذه التصريحات ذات
أهمية كبيرة حتى أنه لا يمكن الرجعة فيها. ونحن نذكر كيف أن إسحق قد صدَّق على
كلمته حتى بعد أن اغتصب يعقوب هذه البركة بأساليب الخداع: «فارتعد إسحق ارتعاداً
عظيماً جداً. وقال فمن هو الذي اصطاد صيداً وأتي به إلىَّ فأكلت.. نعم ويكون
مباركاً». (تكوين 27: 33) (
Wright,
PSBA, as cited in Willoughby, SBTT, 43
).

وتعليقاً
على سجلات نوزي يشير سيرس جوردون إلى ثلاثة أمور: يتفق هذا النص مع البركات
الكتابية الخاصة بالآباء في أنها (1) وصية شفهية، (2) لها صلاحيات قانونية، (3)
كانت موجهة للابن من قِبل أباه وهو مشرف على الموت. (
Gordon, BCNT, 8)

ومن
ثم كان ذلك ضوءاً مشرقاً على ثقافة لا نعرف عنها الكثير.

4(د)
يعقوب

1(ه)
شراء بكورية عيسو

يعلق
جوردون على القصة المذكورة في تكوين 25 قائلاً: تعد قصة بيع عيسو بكوريته لأخيه
التوأم يعقوب إحدى أغرب الأحداث في الحياة الأسرية. لقد أشرنا إلى أن أحد الألواح
لمدينة نوزي.. تصور حدثاً مشابهاً. (
Gordon,
BCNT, 3, 5
).

وهذا
اللوح الأثري الذي يشير إليه جوردون يقول عنه رايت: هناك حادث مماثل لبيع عيسو
بكوريته ليعقوب في ألواح نوزي التي تذكر أن أحد الأشخاص باع لأخيه بستاناً كان قد
ورثه مقابل ثلاثة من الأغنام. وقد تبدو هذه صفقة غير عادلة كما في حادثة عيسو: «قال
عيسو ليعقوب أطعمني من هذا الأحمر.. فقال يعقوب بعني اليوم بكوريتك. فقال عيسو ها
أنا ماضٍ إلى الموت (جوعاً) فلماذا لي بكورية. فقال يعقوب احلف لي اليوم. فحلف له.
فباع بكوريته ليعقوب. فأعطي يعقوب عيسو خبزاً وطبيخ عدس. فأكل وشرب» (تكوين 25: 30-43).
(
Wright, PSBA, as cited in
Willoughby, SBTT, 34
).

ويوضح
فري قائلاً: في أحد ألواح نوزي، هناك قصة عن رجل يدعي توبكيتيلا نقل حقوق ميراثه
في بستان إلى أخيه كوربازا في مقابل ثلاثة من الأغنام. وقد فعل عيسو الشئ نفسه
عندما قايض حقوق ميراثه بوجبة طعام. (
Free,
ABH, 68, 69
).

وفي
بحث بعنوان «أضواء جديدة على العهد القديم» (نشر بمجلة المسيحية اليوم) يرسم س. ه.
هورن صورة معبرة قائلاً: باع عيسو حقوقه في مقابل وجبة طعام جاهزة، بينما باع
توبكيتيلا حقوقه في مقابل وجبة طعام لم تجهز بعد. (
Horn, RIOT, 14, 15)

2(ه)
قصة يعقوب ولابان (تكوين 29)

ويقول
سيرس جوردون إننا نستطيع فهم ما ورد في تكوين 29 من خلال القصص التي وردت في ألواح
نوزي: يوافق لابان أن يعطي ابنته ليعقوب زوجة عندما يقبله كأحد أفراد بيته: ‘أن
أعطيك إياها أحسن من أن أعطيها لرجل آخر. أقم عندي (تكوين 29: 19). إن انضمام
يعقوب لبيت لابان يماثل ما فعله ‘ولَّو’ وهو شخصية ذُكرت في هذه الألواح الأثرية،
كما أنه يماثل حالات أخرى مشابهة وردت في وثائق نوزي. (
Gordon, BCNT, 6)

3(ه)
قصة الأصنام المسروقة (تكوين 31)

وهذه
الحادثة تفسرها مكتشفات نوزي الأخرى. ويقدم ج. ب. فري في مجلة «علم الآثار والكتاب
المقدس» توصيفاً ملائماً ليس فقط لهذه القصة ولكن أيضاً للخلفية التاريخية لألواح
نوزي نفسها:

في
عام 1925 تمَّ اكتشاف ما يزيد على 1000 لوح طيني أثناء التنقيب في أحد المواقع
بمنطقة ما بين النهرين وهو يعرف اليوم باسم يورجان تيب. كما أسفرت أعمال التنقيب
اللاحقة عن اكتشاف 3000 لوح آخر، وأعلنت عن الموقع الأثري تحت اسم نوزي وتلقي هذه
الألواح، التي دوِّنت حوالي عام 1500 ق.م.، الضوء على الخلفية التاريخية للآباء
الأولين في الكتاب المقدس: إبراهيم وإسحق ويعقوب. ومن أمثلة ذلك حادثة سرقة راحيل
أصنام عائلة أبيها لابان أو الترافيم، عندما غادرت مع يعقوب بيت أبيها. وعندما
اكتشف لابان ذلك سعى في إثر ابنته وزوجها وبعد رحلة طويلة أدركهما (تكوين 31: 19-23).
ولطالما تساءل المفسرون لماذا يتكبد مثل هذا العناء لاستعادة أصنام يمكن أن يحصل
على غيرها بسهولة. وتسجل ألواح نوزي قصة لأحد الأشخاص استحوذ على أصنام العائلة
فكان له الحق في المطالبة القانونية بممتلكات حميه، وهذا يفسر موقف لابان. وهذه
القصة وغيرها مما نجده في ألواح نوزي توضح موافقة الخلفية التاريخية لقصص الآباء
الأولين للعصر المبكر الذي عاشوا فيه وتناقض رأي النقاد بأن هذه الروايات دونت بعد
1000 عام من ذلك الوقت. (
Free, AB,
20
)

وبفضل
علْم الآثار، فقد بدأنا نتفهم الخلفية التاريخية لمعظم أجزاء الكتاب المقدس.

5(د)
يوسف

1(ه)
بيعه كعبد

يشير
ك. أ. كيتشن في كتابه «الشرق القديم والعهد القديم» إلى أن (تكوين 37: 28) يورد
ثمناً واقعياً للعبد في القرن الثامن عشر ق.م.: إن الثمن الذي بيع به يوسف في
(تكوين 37: 28) والذي بلغ عشرون شاقلاً من الفضة هو ثمن معقول بالنسبة لعبد في
القرن الثامن عشر ق.م. وقبل ذلك كان ثمن العبد أقل (من عشرة إلى خمسة عشر شاقلاً
في المتوسط)، ثم أخذ ثمن العبد يرتفع فيما بعد. وهذه الحادثة توافق العصر الذي
تنتمي إليه في التاريخ الحضاري. (
Kitchen,
AOOT, 52-53
)

2(ه)
زيارته إلى مصر

لقد
شكك البعض في إمكانية زيارة يوسف لمصر. يقول ميللر باروز: إن القصص التي تروي
الارتحال إلى مصر في وقت المجاعات (تكوين 12: 10؛ 42: 1-2) تستحضر إلى الذهن
الشواهد المصرية التي تشير إلى ارتحال الآسيويين إلى مصر لهذا السبب. ويمكن مشاهدة
إحدى الصور لزيارة الساميين على جدار المعبد القائم في بني حسن والذي يرجع إلى عصر
يقترب من عصر إبراهيم. (
Burrows,
WMTS, 266, 267
).

ويشير
هوارد فوس في كتاب «سفر التكوين وعلم الآثار» إلى وجود الهكسوس في مصر:

ولكن
لدينا شواهد أخرى كثيرة تفوق الصور المرسومة على قبر اخناتون، وتلك تؤيد الدخول
المبكر للأجانب إلى أرض مصر. هناك الكثير من الإشارات إلى أن الهكسوس بدأوا
يتسللون إلى وادي النيل حوالي عام 1900 ق.م. وفي عام 1730 ق.م. جاءت مجموعات أخرى
منهم وقهرت الحكام المصريين الوطنيين. ولذلك فإذا افترضنا دخول العبرانيين إلى أرض
مصر في وقت مبكر، فقد يكون ذلك أثناء غزو الهكسوس -عندما كان الكثيرون من الأجانب
يدخلون مصر على ما يبدو. وإذا ما سلَّمنا بأن العبرانيين دخلوا حوالي 1700-1650 ق.م.،
فلعل الهكسوس كانوا يحكمون مصر آنذاك ولعلهم استضافوا شعوباً أجنبية أخرى. (
Vos, GA, 102)

ويري
فوس أن هناك ارتباطاً بين عشائر الهكسوس والكتاب المقدس من أربعة أوجه. أولاً: أن
المصريين اعتبروا الهكسوس والعبرانيين شعبين مختلفين. ثانياً: هناك احتمال أن
الملك المصري الذي كان يعادي شعب يوسف (خروج 1: 8) كان ملكاً مصرياً وطنياً. ومن
الطبيعي ألا تكون هذه النزعة الوطنية في صالح أي أجنبي. ثالثاً: يأتي ذكر الخيول
لأول مرة في الكتاب المقدس في تكوين 47: 17 والهكسوس هم الذين أدخلوا الخيول إلى
مصر. رابعاً: بعد طرد الهكسوس، تركزت معظم الأراضي في أيدي الملوك، وهذا يوافق
أحداث المجاعة التي تنبأ عنها يوسف ثم دعم خلالها مركز الملك. (
Vos, GA, 104)

5(ه)
ارتقاء يوسف للمناصب العليا

فيما
يلي ملخص لما أورده هوارد فوس بشأن مسألة ترقي يوسف، الفريد من نوعه في كتابه
«التكوين وعلم الآثار»:

إن
ارتقاء يوسف من العبودية إلى منصب رئيس الوزراء في مصر قد آثار نقد بعض الأقلام،
ولكن هناك بعض القصص الأثرية لأحداث مشابهة حدثت في وادي النيل.

أصبح
الكنعاني ميري-رع حامل سلاح فرعون،كما عين كنعاني آخر هو بن-مات-أنا في منصب المفسر
وهو منصب رفيع، وأصبح أيضاً يانهامو أو جوهامو السامي الأصل نائباً لأمنحوتب
الثالث، وكان مسئولاً عن مخازن القمح في الدلتا، وهذا يماثل ما كان عليه يوسف قبل
وأثناء المجاعة.

وعندما
قام فرعون بتعيين يوسف رئيساً للوزراء، أعطاه خاتماً وقلادة أو سلسلة ذهبية، وهذا
إجراء عادي لدى المصريين عند ترقيهم في المناصب. (
Vos, GA, 106)

وفي
تعليقه على عصر العمارنة، يلقي إ. كامبل المزيد من الضوء على هذه الحادثة المماثلة
لحادثة يوسف وارتقائه لهذا المنصب الرفيع:

أحد
الشخصيات التي تظهر في مكاتبات الملك ريب- عدا يمثل حلقة وصل هامة مع كل من أمراء
مدن جنوب فلسطين والكتاب المقدس. وهي شخصية يانهامو الذي يصفه ريب-عدا ب مصلل
الملك وهو مصطلح يعني على الأرجح حامل مروحة الملك، وهي رتبة شرفية تشير إلى قربه
من الملك، ومشاركته بإسداء النصح والمشورة في شئون البلاد. إذن فقد كان يانهامو
يحتل منصباً رفيعاً بين رجال السياسة في مصر. ويظهر اسمه في المكاتبات التي كانت
تصل من أمراء فلسطين وسوريا شمالاً وجنوباً. وفي بداية عهد ريب-عدا يبدو أن
يانهامو كان مسئولاً عن شئون تموين الغلال من منطقة ياريموتا في مصر، ولقد رأينا
بالفعل أن ريب-عدا كان بالفعل بحاجة إليه.

وكان
ليانهامو اسماً سامياً. وهذا يعد أمراً مماثلاً لما كان عليه يوسف كما ورد في سفر
التكوين، هذا فضلاً عن أن كل منهما كان له علاقة بتوفير المواد الغذائية للأجانب.
إن يانهامو يقدم دليلاً قوياً على الخلفية التاريخية المصرية الأصيلة لقصة يوسف،
ولكن هذا لا يعني أن هذين الرجلين كانا متطابقين أو أنهما وجدا في عصر واحد.
ولعلَّ يوسف كان في عصر سابق لأسباب عدة، رغم أن الأدلة المتوفرة حتى الآن لا تؤكد
ذلك تماماً. إنه لمن الواضح أن الساميين كان يمكن لهم أن يرتقوا إلى المناصب
العليا في مصر، ولعلَّهم كانوا يُفَضلون على غيرهم عندما كان يزداد نفوذ الرؤساء
الوطنيين جداً. (
Campbell, as
cited in Burrows, WMTS, 16, 17
).

ويقول
كيتشن فيما يتعلق بتولي الساميين للمناصب العليا في الحكومة المصرية، مشيراً إلى
المخطوطات البردية القديمة:

عرفت
الدولة الوسطى في مصر (حوالي 1850- 1700 ق.م.) في أواخر عهدها العبيد الآسيويين
الذين كانوا يخدمون في بيوت رجال الدولة، وكان يمكن للساميين أن يرتقوا إلى
المناصب العليا (وحتى إلى العرش قبل عصر الهكسوس)، كما حدث مع المستشار حور.
ولعلَّ يوسف قد عاصر أواخر الأسرة الثالثة عشرة وأوائل الأسرة الرابعة عشرة. وكان
للأحلام دور هام في جميع العصور.

ولدينا
نسخة من كتاب لقراءة الأحلام في مصر ترجع إلى حوالي 1300 ق.م.، بينما ترجع النسخة
الأصلية له إلى ما قبل ذلك بعدة قرون، وعرفت هذه الأعمال كذلك في أشور في الألفية
الأولي. (
Kitchen, BW, 74)

4(ه)
قبر يوسف

يقول
جون إلدر في كتابه «الأنبياء والأوثان والحفريات»:

في
الآيات الأخيرة من سفر التكوين نقرأ أن يوسف استحلف أقاربه أن يأخذوا عظامه إلى
كنعان متي أعادهم الله إلى وطنهم الأصلي، وفي يشوع 24: 32 نقرأ كيف نقل جثمانه إلى
فلسطين ودفن في شكيم. ولقرون عديدة كان هناك قبر في شكيم عرف على أنه قبر يوسف.
وقد تم فتح هذا القبر منذ عدة سنوات، فوجد به جثمان محنط على الطريقة المصرية.
وضمن ما وجد في القبر كان هناك سيف من النوع الذي كان مع رجال الدولة في مصر. (
Elder, PID, 54)

6(د)
الآباء الأولين والأدلة الأثرية

لعبت
الكشوف الأثرية في نوزي دوراً محورياً في إلقاء الضوء على أجزاء كثيرة من العهد
القديم. وفي هذا يذكر س. ه. هورن ستة أشياء كشفت عنها هذه النصوص:

دلت
نصوص نوزي الأخرى على أن العروس كان يتمّ اختيارها من قِبَل الأب لابنه كما فعل
الآباء، وأن الرجل كان عليه أن يدفع مهراً لحميه أو أن يعمل لديه إذا لم يستطع
توفير المهر كما فعل يعقوب، وأن الوصية الشفهية للأب لا يمكن أن تنقض بعد النطق
بها، كما حدث مع إسحق إذ رفض أن يغيِّر بركته ليعقوب رغم أنه استخدم وسائل الخداع
للحصول عليها، وأن الأب كان يهدي لابنته العروس إحدى الإماء كخادمة شخصية لها كما
حدث مع ليئة وراحيل عندما زوجت كل منهما ليعقوب، وأن سرقة المتعلقات الدينية أو
الآلهة كان يعاقب بالموت، وهذا هو السبب في أن يعقوب قد أقرَّ بموت من يوجد لديه
الآلهة المسروقة لحميه. كما تتضح أيضاً العلاقة الغريبة بين يهوذا وكنته ثامار من
خلال شرائع الأشوريين والحثيين القدماء. (
Horn, RIOT, 14)

لقد
كان لعلم الآثار أثره في إطلاعنا على الخلفية التاريخية للكتاب المقدس.

6(ج)
الغزو الأشوري

لقد
تكشفت الكثير من الحقائق عن الأشوريين بعد اكتشاف ستة وعشرين ألفاً من الألواح
الأثرية في قصر أشور بانيبال، ابن أسرحدون، الذي سبى الممالك الشمالية عام 722 ق.م.
وتخبرنا هذه الألواح عن الكثير من غزوات الأمبراطورية الأشورية كما تسجل ألوان
العقاب الفظيعة التي كانوا ينزلونها بمن يقاوموهم.

وتؤيد
العديد من هذه السجلات صحة الكتاب المقدس. لقد ثبت صحة كل إشارات العهد القديم
لملوك أشور. ورغم أن سرجون لم يكن معروفاً لفترة من الزمن، إلا أنه بعد اكتشاف
قصره وفحص محتوياته، وجد رسماً جدارياً لمعركة ذكرت في إشعياء 20. كما تخبرنا
المسلة السوداء لشلمنأسر بالمزيد من المعلومات عن الشخصيات الكتابية، فيظهر ياهو
(أو مبعوثه) وهو ينحني أمام ملك أشور.

ومن
أهم الاكتشافات ما يختص بحصار سنحاريب لأورشليم. إذ مات الآلاف من جنوده وتشتت
الباقون عندما حاول الاستيلاء على المدينة، وكما تنبأ إشعياء لم يكن قادراً على
غزوها. وإذ لم يستطع المفاخرة بانتصاره العظيم آنذاك، وجد سنحاريب ما يحفظ به ماء
وجهه دون الاعتراف بالهزيمة: (
Geisler,
BECA, 52
)

أما
حزقيا، اليهودي، فإنه لم يخضع لقوتي. فقد حاصرت 46 من مدنه القوية وحصونه ذات
الأسوار وعدداً لا يحصى من القرى الصغيرة المجاورة. وأخذت إلى السبي منهم 150، 200
من البشر صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً، ومن الخيول والبغال والحمير والجمال
والماشية الكبيرة والصغيرة ما لا يعد واعتبرتها غنيمة. أما هو فقد جعلته أسيراً في
أورشليم، المقر الملكي له، مثل عصفور في قفص. (
Pritchard, ANET, as cited in Geisler, BECA, 52).

7
(ج) السبي البابلي

لقد
تأكدت العديد من حقائق العهد القديم التاريخية والتي تتعلق بالسبي البابلي. وقد
أثبتت السجلات التي وُجدت في الحدائق المعلقة أن يهوياكين وأبناءه الخمسة قد
أُعطوا مؤناً ومكاناً ليعيشوا فيه، وكانوا يُعاملون معاملة طيبة (2ملوك 25: 27-
30). وقد تسبَّب اسم بيلشاصر في مشاكل عديدة ليس فقط بسبب عدم وجود أي ذكر له، بل
أيضاً لأنه لم يكن مدرجاً في سجل ملوك بابل. على كل حال إن نبونيدس (آخر ملوك
الكلدانيين)ترك سجلاً أنه عين ابنه، بيلشاصر (دانيال 5)، ليحكم لعدة سنوات أثناء
غيابه، ومعنى ذلك فإن نبونيدس كان لايزال ملكاً، أثناء حكم بلشاصر للعاصمة. وأيضاً
فإن مرسوم (سيرس) كما هو مسجل على يد عزرا يبدو متناسباً مع نبوات إشعياء إلى درجة
كبيرة تقترب من التطابق، وبذلك تكون الدائرة قد اكتملت وأكدت المذكور في الكتاب
المقدس في كل التفاصيل الهامة. (
Geisler,
BECA, 52
)

8(ج)
رسائل لخيش

1(د)
خلفية الاكتشاف

هذا
الاكتشاف يقدمه لنا وليم ف. ألبرايت في بحث بعنوان: «الكتاب المقدس بعد عشرين
عاماً من الاكتشافات الأثرية»:

ونأتي
لذكر الوثائق الجديدة التي ترجع إلى القرنين السادس والخامس ق.م. والتي ظهرت منذ
عام 1935. في عام 1935 اكتشف الراحل ج. ل. ستاركي فخاريات لخيش، التي تشتمل بشكل
رئيسي على رسائل كتبت بالحبر على قطع من الخزف. وتشكل هذه مع العديد من الفخاريات
الأخرى التي اكتشفت عام 1938، مجموعة فريدة من النثر العبري ترجع إلى عصر إرميا.
كما ألقت قوائم مقررات الطعام لنبوخذ نصر المزيد من الضوء على فترة السبي، وهذه
القوائم اكتشفها الألمان في بابل ونشر بعضها إ. ف. فايدر عام 1939.. أما
الاكتشافات المتواصلة التي ظهرت في وقت لاحق للفخاريات والبرديات الآرامية في مصر
فتعدّ ذات أهمية محورية بالنسبة لفهمنا لتاريخ وأدب اليهود في زمن عزرا ونحميا.
وينشر حالياً أربع مجموعات كبيرة من هذه المكتشفات، وبنشرها جميعاً سوف يتضاعف عدد
الوثائق عما كان عليه منذ عشرين عاماً مضت. (
Albright, BATYA, 539).

كتب
ر. س. هوبرت بحثاً عن هذه المكتشفات بعنوان «لخيش – الحصن الحدودي ليهوذا» وهو
يتحدث عن مناسبة هذه الرسائل وكاتبها:

وأكثر
المكتشفات التي ظلت كما هي رسائل كتبها شخص يدعي هوشعيا (وهو اسم كتابي: نحميا 12:
32، إرميا 42: 1، 12: 1، 43: 2) وهو على ما يبدو ضابط عسكري يعمل في منطقة حدودية
أو نقطة مراقبة لا تبعد كثيراً عن لخيش، وكان يعمل تحت رئاسة ياعوش قائد لخيش.
وهذه الرسائل كتبت جميعها في غضون بضعة أيام أو أسابيع كما تدل على ذلك القطع
الخزفية التي دونت عليها إذ أنها متماثلة في الشكل والتاريخ كما أن خمسة منها
تتواءم معاً كأجزاء من إناء واحد. وقد وجدت جميع هذه الرسائل فيما عدا اثنين منها
على أرضية غرفة الحرَّاس مما يدل على أن ياعوش قد أودعها بنفسه هناك بعد أن تسلمها
من هوشعيا. (
Haupert, LFFJ, 30, 31).

2(د)
زمن الكتابة والسياق التاريخي لها

كتب
ألبرايت بحثاً خاصاً عن هذا الاكتشاف تحت عنوان: «أقدم الرسائل العبرية: فخاريات
لخيش» في نشرة المدارس الأمريكية للبحوث الشرقية وفي هذا البحث يتعرض للسياق الذي
دُونت فيه هذه الرسائل:

وفي
هذا السياق يتضح للقارئ الواعي أن لغة وثائق لخيش هي العبرية الكلاسيكية. وما نجده
فيها من استخدامات لغوية مختلفة عن التعبيرات الكتابية هو أقل حجماً وأهمية عما
يعتقد توركزنر. وفي هذه الرسائل نجد أنفسنا في عصر إرميا مع ظروف اجتماعية وثقافية
تتفق تماماً مع الصورة التي يرسمها لنا السفر الذي يحمل اسمه. تحتل رسائل لخيش
مكانتها بين الفخاريات السامرية برديات معبد الفيلة
Elephantine Papyri كنقوش أثرية في التاريخ العبري للكتاب المقدس. (Albright, OHL, 17)

ويحدد
ج. إ. رايت في كتاب «الوضع الحالي لعلم الآثار الكتابي» تاريخ هذه الرسائل من خلال
دراسة الأدلة الداخلية:

نجد
في الرسالة العشرين، الكلمات التالية: «السنة التاسعة» أي السنة التاسعة للملك
صدقيا. وهي نفس السنة التي جاء فيها نبوخذ نصر وبدأ في إخضاع اليهودية: «في السنة
التاسعة.. في الشهر العاشر» (2 ملوك 25: 1، وكان ذلك في حوالي شهر يناير من عام
588 ق.م.، واستمر حصار أورشليم حتى يوليو 587 ق.م. – 2 ملوك 25: 2، 3). (
Wright, PSBA, as cited in Willoughby, SBTT,
179
).

ويتفق
ميللر باروز في كتابه «ماذا تعني هذه الأحجار!» مع رايت: عُثِرَ في لخيش على شواهد
لفترتين من الدمار لا يفصل بينها وقت كبير، ومما لا شك فيه أنهما ترجعان إلى غزوتي
نبوخذ نصر في عامي 598 و587 ق.م. وقد عُثِرَ على رسائل لخيش الشهيرة الآن بين حطام
ما أحدثه الغزو الثاني من دمار. (
Burrows,
WMTS, 107
)

ويلخص
ألبرايت مسألة تأريخ هذه المكتشفات قائلاً: قدم ستاركي وصفاً مفيداً لهذا الاكتشاف
حيث أوضح ظروف اكتشاف هذه الفخاريات وحدد تاريخها في وقت يسبق مباشرة الدمار
الأخير الذي حلَّ بلخيش في نهاية حكم صدقيا. وهذه الحقائق واضحة للغاية حتى أن
توركزنر قد تخلَّى عن اعتراضاته بشأن هذا التاريخ الذي يقبله الآن جميع الدارسين.
(
Albright, OHL, 11, 12)

3(د)
الخلفية التاريخية لرسائل لخيش بالعهد القديم

نقرأ
في إرميا 34: 6،7 ما يلي: فكلَّم إرميا النبي صدقيا ملك يهوذا بكل هذا الكلام في
أورشليم. إذ كان جيش ملك بابل يحارب أورشليم وكل مدن يهوذا الباقية لخيش وعزيقة.
لأن هاتين بقيتا في مدن يهوذا مدينتين حصينتين.

قامت
مملكة إسرائيل بتمرد لم يأت بثمر ضد نبوخذ نصر، ولم تشترك يهوذا في هذا العصيان.
وقد دعا إرميا إلى الاستسلام والخضوع بينما كان القادة اليهود يتحدثون عن المقاومة
– وبالفعل قاوموا ولكنهم هُزموا هزيمة منكرة على أيدي قوات نبوخذ نصر. وفي الأيام
الأخيرة من هذه التمرد، كانت آخر مظاهر استقلال العبرانيين تتمثل في اثنين من
القواعد هما لخيش وعزيقة، على مسافة تبعد خمسة وثلاثون ميلاً جنوب غربي أورشليم.
ومن لخيش أرسلت سلسلة من الرسائل التي تقدم صورة حية للوضع هناك. وهذه تضيف الكثير
إلى الخلفية التاريخية التي نعرفها من خلال الكتاب المقدس. وعرف هذا الاكتشاف باسم
رسائل (أو فخاريات) لخيش.

4(د)
محتوى رسائل لخيش وختم جدليا

لتيسير
الرجوع إليها تم ترقيم هذه الرسائل. ويلقي هوبرت نظرة عامة على الرسائل من 2-5
قائلاً: في هذه المجموعة من الرسائل من 2-5 يقوم هوشعيا على نحو مستمر بالدفاع عن
نفسه لدى رئيسه رغم أن التهم الموجهة إليه ليست واضحة تماماً. ويمكن القول بأنه
كان متعاطفاً مع المؤيدين لرأي إرميا الذين كانوا يرغبون في الاستسلام للبابليين
بدلاً من التمرد ولكننا بالطبع لا يمكننا الجزم بذلك. (
Haupert, LFFJ, 31)

ثم
يتناول هوبرت عدداً من هذه الرسائل:

1(ه)
الرسالة الأولى

والرسالة
الأولى.. رغم أنها عبارة عن قائمة للأسماء، إلا أنها تُعد ذات أهمية بالغة، إذ أن
ثلاثة من الأسماء التسعة الواردة بها – وهي جمريا ويازنيا ونيريا – تظهر في العهد
القديم في زمن إرميا. وهناك اسم رابع وهو إرميا، وهو غير محدود في العهد القديم
على النبي إرميا ولا يشير بالضرورة إليه. واسم خامس، لا يقتصر كذلك على هذه الفترة،
هو متنيا، وهذا يعرف دارسو الكتاب المقدس أنه اسم الملك صدقيا قبل جلوسه على العرش.
(
Haupert, LFFJ, 31)

2(ه)
الرسالة الثالثة

ويمضي
هوبرت قائلاً:

في
الرسالة الثالثة يخبر هوشعيا ياعوش أن بعثة ملكية في طريقها إلى مصر، وأن فرقة
منها قد أرسلت إلى قاعدته (أو إلى لخيش) للتزود بالمؤن، وهي إشارة مباشرة
للمؤامرات التي كان يقوم بها الحزب المناصر لمصر في ظل حكم صدقيا. ومن الأمور ذات
الأهمية الخاصة في هذه الرسالة الإشارة إلى النبي. ويعرف بعض الكتَّاب هذا النبي
على أنه إرميا. وهذا أمر وارد، ولكن لا يمكن الجزم بذلك وينبغي لنا الحذر وتجنب
المبالغة في استخدام الأدلة. (
Haupert,
LFFJ, 32
)

3(ه)
الرسالة الرابعة

يتحدث
ج. ب. فري في كتاب «علم الآثار وتاريخ الكتاب المقدس» عن الرسالة الرابعة، وهي
رسالة كثيراً ما يتردد ذكرها:

في
أيام إرميا عندما كان الجيش البابلي يقوم بالاستيلاء على المدن الواحدة تلو الأخرى
في يهوذا (حوالي 589-586 ق.م.) يخبرنا الكتاب المقدس أنه حتى ذلك الوقت لم تكن
مدينتي لخيش وعزيقة قد سقطتا (إرميا 34: 7). وتقدم رسائل لخيش دليلاً قوياً على أن
هاتين المدينتين كانتا من بين المدن التي لا تزال صامدة. فيرد في الرسالة الرابعة،
التي كتبها ضابط الجيش في قاعدة عسكرية إلى رئيسه في لخيش ما يلي: إننا نترقب
إشارات لخيش طبقاً لتعليماتكم سيدي الرئيس لأننا لا نستطيع رؤية عزيقة. وهذه
الرسالة لا تبين فقط أن جيش نبوخذ نصر يحكِم الحصار حول أرض يهوذا، ولكنها أيضاً
تقدم الدليل على العلاقة الوثيقة بين لخيش وعزيقة كما تظهر على نحو مماثل في سفر
إرميا. (
Free, ABH, 223)

ويرى
هوبرت ذلك من زاوية أخرى: إن العبارة الأخيرة من الرسالة الرابعة تعطينا رؤية
قريبة لمملكة يهوذا في أيامها الأخيرة. فيقول هوشعيا في الختام: تحقق من الأمر
وسوف تعرف (سيدي) أننا نترقب الإشارات النارية من لخيش، طبقاً للعلامات التي
أعطيتموها لنا، لأننا لا نستطيع أن نرى عزيقة. وهذه العبارة تستحضر إلى الذهن
مباشرة العبارة التي وردت في إرميا 34: 7. (
Haupert, LFFJ, 32)

أما
رايت فيعلق على الإشارة إلى عدم رؤية عزيقة قائلاً: عندما قال هوشعيا إنه «لا
يستطيع رؤية عزيقة» ربما كان يعني أنها قد سقطت ولم تعد ترسل الإشارات. وعلى أي
حال إننا نعرف من ذلك أن يهوذا كان بها نظاماً للإشارات يعتقد أنها إشارات نارية
أو من الدخان، والسياق العام لهذه الرسائل يعكس حالة القلق والفوضى التي تمر بها
بلد محاصرة. وهناك اقتراح بأن هذه الرسائل ترجع إلى خريف عام 589 (أو 588) ق.م. (
Wright, PSBA, as cited in Willoughby, SBTT,
179
).

4(ه)
الرسالة السادسة

يشير
جوزيف فري إلى العلاقة الوثيقة بين الرسالة السادسة وكتابات إرميا قائلاً:

عثر
ج. ل. ستاركي (عام 1935) على مجموعة مكوَّنة من ثماني عشرة قطعة خزفية عليها
العديد من الرسائل العسكرية كتبها ضابط جيش لرئيسه في لخيش. وقد أشار و. ف.
ألبرايت إلى أنه في أحد هذه الرسائل (الرسالة السادسة) كان ضابط الجيش يشكو من أن
الضباط الملكيين (الساريم) قد قاموا بتوزيع رسائل تضعف أيدي الشعب. وقد استخدم
ضابط الجيش الذي أرسل هذه الرسالة عبارة تضعف الأيدي ليصف الأثر الذي أحدثه
التفاؤل المغالي فيه لدى الضباط الملكيين، بينما الضباط المشار إليهم في سفر إرميا
(38: 4) قد استخدموا بدورهم نفس التعبير لوصف تأثير نبوة إرميا الواقعية والخاصة
بالسقوط الوشيك لمدينة أورشليم. وقد اُتهم الضباط الملكيون بنفس الأمر الذي حاولوا
أن ينسبوه إلى إرميا. (
Free, ABH,
222
)

5(ه)
ختم جدليا

يشير
جون إلدر إلى اكتشاف آخر بالإضافة إلى الفخاريات، مما يؤكد صحة قصة لخيش كما وردت
في الكتاب المقدس:

يقدم
حصن مدينة لخيش القريبة دليلاً واضحاً على أنها أحرقت مرتين في فترة زمنية قصيرة
تتفق مع فترتي سبي أورشليم. وقد عثر في لخيش على دمغ بأحد الأختام الطينية ولا
تزال تظهر عليه ألياف أوراق البردي التي كان يعلق بها. وهذا الدمغ يقول: «ملك
جدليا الذي على البيت» ونحن نجد هذا الشخص المتميز في 2 ملوك 25: 22 حيث نقرأ: وأما
الشعب الذي بقي في أرض يهوذا الذين أبقاهم نبوخذ نصر ملك بابل فوكَّل عليهم جدليا.
(
Elder, PID, 108, 109).

5(د)
أهمية مكتشفات لخيش والختم

يخلص
هوبرت إلى ما يلي: إن أهمية رسائل لخيش أمر لا يمكن المبالغة فيه. إذ ليس هناك
اكتشاف أثري حتى الآن (قبل اكتشاف مخطوطات البحر الميت) له هذه الصلة المباشرة
بالعهد القديم. إن الكتبة الذين دوَّنوا هذه الرسائل (إذ كان هناك العديد منهم)
استخدموا أساليب فنية أصيلة في العبرية الكلاسيكية، فنحن أمام جزء آخر من أدب
العهد القديم مكملاً لسفر إرميا.(
Haupert,
LFFJ, 32
)

إن
علم الآثار لا يبرهن على صحة الكتاب المقدس. فهو لا يثبت بما لا يدع مجالاً للشك
كافة أوجه تاريخ السبي. إلا أنه مع ذلك يضع أصحاب وجهات النظر التقليدية مع أصحاب
مذهب الشك على قدم المساواة. فلم يعد المرء يشعر بضرورة اعتناقه لدراسات مثل
دراسات توري.

وقد
اختتم فري دراسته لهذا الموضوع بهذه العبارة البسيطة: وبالاختصار فإن اكتشافات علم
الآثار أكَّدت مراراً وتكراراً أن النص الكتابي صحيح وموثوق. وهذا التأكيد لا
ينحصر في عدد قليل من الحالات العامة. (
Free, AHAS, 225).

 

3(أ)
شهادة العهد الجديد لصحة العهد القديم

من
بين الأدلة التي تؤكد صحة العهد القديم تلك الموجودة بين دفتي العهد الجديد. هناك
الكثير من الإشارات ليسوع نفسه وللرسل وشخصيات كتابية أخرى في العهد الجديد تؤكد
صحة نصوص العهد القديم.

 

1(ب)
شهادة يسوع

من
بين نصوص العهد الجديد التي تشير إلى أن يسوع كان يؤمن بأن التوراة كتبت على يد
موسى ما يلي:

مرقس
7: 10؛ 10: 3-5؛ 12: 26

لوقا
5: 14؛ 16: 29-31؛ 24: 27 و44

يوحنا
7: 19 و23

وخاصة
في يوحنا 5: 45-47 يصرِّح يسوع بأن موسى هو كاتب التوراة: «لا تظنوا أني أشكوكم
إلى الآب. يوجد الذي يشكوكم وهو موسى الذي عليه رجاؤكم. لأنكم لو كنتم تصدقون موسى
لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني. فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك فكيف تصدقون كلامي».

ويقول
أيسفيلد: إن الاسم المستخدم في العهد الجديد إشارة إلى التوراة كلها – سفر موسى –
كان يقصد به أن موسى هو كاتب التوراة. (
Eissfeldt, OTAI, 158)

 

1(ب)
شهادة كتَّاب العهد الجديد

كان
كتَّاب العهد الجديد أيضاً يعتقدون أن التوراة أو الناموس كُتب على يد موسى.

كان
الرسل يؤمنون أن موسى هو كاتب الناموس (مرقس 12: 19).

كان
يوحنا يؤمن أن الناموس بموسى أعطي (يوحنا 1: 17).

ويقول
بولس في إشارة إلى أسفار موسى الخمسة أن موسى يكتب.. (رومية 10: 5).

ومن
النصوص الأخرى التي تؤكد ذلك ما يلي:

لوقا
2: 22؛ 20: 28

يوحنا
1: 45؛ 8: 5؛ 9: 29

أعمال
3: 22، 6: 14، 13: 39، 15: 1، 21، 26: 22، 28: 23

1
كورثوس 9: 9

2
كورنثوس 3: 15

عبرانيين
9: 19

رؤيا
15: 3

ويمدنا
جايسلر ونيكس بقائمة تتضمن نصوص العهد الجديد التي تشير إلى العهد القديم (انظر
الجدول).

وبعد
فحص البراهين السابقة فإنني موقن بأنني أستطيع أن أمسك بالكتاب المقدس (بعهدية
القديم والجديد) وأعلن أنة كلمة الله الصادقة.

 

الحدث في العهد القديم

الإشارة إليه في العهد الجديد

1- خلق الكون (تك 1)

 يو 1: 3؛ كو 1: 16

2 – خلق آدم وحواء (تك 1
– 2)

 1 تى 2: 13 و14

3 – زواج آدم وحواء (تك
1 – 2)

 1 تى 2: 13

4 – غواية المرأة (تك 3)

 1 تى 2: 14

5 – العصيان وخطية آدم
(تك 3)

 رو 5: 12؛ 1 كو 15: 22

6 – تقدمتى هابيل وقايين
(تك 4)

 عب 11: 4

7 – قتل قايين لهابيل
(تك 4)

 1 يو 3: 12

8 – ميلاد شيث (تك 4)

 لو 3: 38

9 – انتقال أخنوخ (تك 5)

 عب 11: 5

10 – الزواج قبل الطوفان
(تك 6)

 لو 17: 27

11 – الطوفان وهلاك
الإنسان (تك 7)

 مت 24: 39

12 – نجاة نوح وأسرته
(تك 8 – 9)

 2 بط 2: 5

13 – سلسلة نسب سام (تك
10)

 لو 3: 35 و36

14 – ميلاد ابراهيم (تك
12 – 13)

 لو 3: 34

15 – دعوة ابراهيم (تك
12 – 13)

 عب 11: 8

16 – تقديم العشور لملكي
صادق (تك 14)

 عب 7: 1-3

17 – تبرير إبراهيم (تك
15)

 رو 4: 3

18 – إسماعيل (تك 16)

 غل 4: 21-24

19 – الوعد بإسحق (تك
17)

 عب 11: 18

20 – لوط وسدوم (تك
18-19)

 لو 17: 29

21 – ميلاد اسحق (تك 21)

 أع 7: 9 و10

22 – تقديم إسحق (تك 22)

 عب 11: 17

23 – العليقة المتقدة
(خر 3: 6)

 لو 20: 32

24 – الخروج وعبور البحر
الأحمر (خر 14 – 22)

 1 كو 10: 1 و2

25 – إعالة الشعب بالماء
والمن (خر 16: 4، 17: 6)

 1 كو 10: 3-5

26- رفع الحية النحاسية
فى البرية (عدد 21: 9)

 يو 3: 14

27- سقوط أريحا (يش 6: 22-25)

 عب 11: 30

28- معجزات إيليا (1 مل
17: 1؛ 18: 1)

 يع 5: 17

29- يونان فى بطن الحوت
(يونان 2)

 مت 12: 40

30- الفتية العبرانيين
الثلاث فى أتون النار (دا 3)

 عب 11: 34

31- دانيال فى جب الأسود
(دا 6)

 عب 11: 33

32- قتل زكريا (2 أخ 24:
20-22)

 مت 23: 35