بدع وهرطقات

3) الاستحالة



3) الاستحالة

3) الاستحالة

يتماهى
المعمدانيّون، ولو جزئيّاً، مع رفض مارتن لوثر
Martin Luther (1483- 1546) استحالة القرابين، أو “إظهارها”، باستدعاء الروح القدس
وحلوله عليها، جسد المسيح ودمه، كما تنصّ خدمة القدّيس باسيليوس الكبير. ولوثر هو
راهب ألمانيّ رفض بعض عقائد الكنيسة اللاتينيّة، وانشقّ عنها، وحرمه البابا لاون
العاشر في 15/6/1520. ونجد أنّ عودة سريعة إلى تعليمه، المتعلّق بسرّ الشكر،
تساعدنا على توضيح بعض أقوال المعمدانيّين في هذا السياق. وهذا لا يمنع الإشارة،
قبلاً، إلى أنّ المعمدانيّين يخطّئون لوثر لاعتبارات عديدة، ومنها، في موضوعنا،
اعتباره أنّ العشاء الربّانيّ سرّ، وأنّ المسيح يقدّم “بواسطة الخبز جسده
الحقيقيّ، وبواسطة الخمر دمه الحقيقيّ (حضوره الحقيقيّ)”، وغيرهما. غير أنّهم
جاروه برفضه الاستحالة. وفي الواقع أنّ لوثر، في سياق رفضه اللاهوت الكاثوليكيّ، ولا
سيّما مفهوم “التحوّل الجوهريّ” (أي أنّ ما يتحوّل في الإفخارستيّا هو
فقط جوهر الخبز والخمر، فيما أشكال الخبز والخمر تبقى على ما هي عليه)، استعمل،
تجنّباً لاستعماله لفظة استحالة، ثلاثة أحرف (في، مع، تحت
In, With, Under)، ليعبّر عن اتّحاد جسد المسيح ودمه بخبز القربان وخمره)، ليصبح،
عنده، أنّ جوهر الخبز والخمر لا يتحوّلان، بل يضاف إليهما جوهر جسد المسيح ودمه.
وهذا التعليم وذاك يأباهما اللاهوت الأرثوذكسيّ لأسباب عديدة. وسنبيّن بعضها
بردّنا المباشر على المعمدانيّين.

 

أوّل
تأكيد، لنا، أنّ “الاستحالة” (والأفضل “الإظهار” كما أشرنا
أعلاه) لم تدخل الكنيسة بتأثير وثنيّ، وليست هي سحراً، أو وليدة القرن الثالث عشر،
ولو أنّ المدرسة السكولاستيكيّة هي وراء مفهوم “التحوّل الجوهريّ”. فهذا
نقض للحقّ وتزوير للتاريخ. الاستحالة يؤكّدها الربّ في العشاء السرّي، ويثبتها
العهد الجديد الذي كشف أنّ الرسل، في اجتماعهم الأوّل، يوم العنصرة، كسروا الخبز
(أعمال 2: 42). ما معنى هذا؟ معناه أنّ الروح القدس الحالّ عليهم هو الذي أرشدهم
إلى هذه الخدمة التي تعطيهم أن يتيقّنوا أنّ الربّ الحيّ في وسطهم وفيهم، أي أنّ
الروح نفسه هو الذي يحقّق الخدمة، و”يظهر” الخبز والخمر جسدَ المسيح
ودمَهُ. وهذا ما أكده الرسول بطرس في رسالته الأولى، بقوله:

 

“كيما
تقرّبوا ذبائح روحيّة يقبلها الله عن يد يسوع المسيح” (2: 5). فالإفخارستيّا،
التي تأسّست في العشاء السرّيّ، تحقّقت في العنصرة، أي اكتملت بالروح، وأصبحت
“روحيّة”. وهذا عينه ما تعتني الكنيسة بأن تتمّمه في كلّ خدمة تقيمها.
وفي السياق عينه، لا بدّ من القول إنّ الكنيسة أدركت، بفعل الروح الإلهيّ، ما لا
يدركه عقل، ولا يحتجزه منطق، وهو أنّ الروح الذي يعطيها جسد المسيح ودمه
الحقيقيّين يجعلها، أيضاً، الكنيسة في حيّز هذا الوجود. فاللاهوت الأرثوذكسيّ،
المستند إلى تعليم العهد الجديد، كشف أنّ القرابين المرفوعة إلى الله الآب يقبلها
بروحه، ويردّها إلى رافعيها، ليغدوا هم جسد المسيح أيضاً. هذا ما أكّده الرسول
بولس في غير موضع: “فلمّا كان هناك خبز واحد، فنحن على كثرتنا جسد واحد، لأنّنا
نشترك كلّنا في الخبز الواحد” (1كورنثوس 10: 17)؛ وأيضاً: “فأقوم بخدمة
المسيح يسوع لدى الوثنيّين وأخدم بشارة الله خدمة كهنوتيّة، فيصير الوثنيّون
قرباناً مقبولاً عند الله قدّسه الروح القدس” (رومية 15: 16؛ أنظر أيضاً:
رومية 12: 5؛ 1كورنثوس 12 و13 و20 و27؛ أفسس 2: 16، 4: 12؛ كولوسي 3: 15). الذي
يتحوّل، في الخدمة، ليس فقط الخبز والخمر، بل الناس المبعثرون، الذين يلمّهم الله
ويجمعهم بنعمته، يغدون هم كنيسة الله أيضاً.

 

مشكلة
المعمدانيّين، الذين يستعملون الكتب المقدّسة ويدّعون أنّها مصدر تعاليمهم وحدها،
أنّهم يسقطون عليها أفكاراً مسبقة، أي مشكلتهم أنّهم لا يستوحون تعاليمهم من
الكتب، لكنّهم يلملمون أفكاراً رفضت في التاريخ، ويتبنّونها، ويعتبرون أنّها،
وحدها، الحقيقة، وأنّ كلّ ما هو غيرها خطأ وانحراف.

 

4)
فاعليّة الخلاص؛ 5) معنى أنّ المسيح مات مرّة واحدة, لا بدّ من التأكيد، بدءاً،
أنّه ليس، في الواقع، من فرق جوهريّ بين معنى هاتين النقطتين. إذ ليس من خلاص ممكن
لا يبنى على تدبير الله المحيي (أفسس 5: 2). ولكنّنا فصّلناهما للوقوف على المعنى
الواحد من زاويتين لا تختلفان في شيء.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى