علم

28- مجد البتولية



28- مجد البتولية

28- مجد البتولية

ويستكمِل
القديس ميثوديوس تأمُّله في المزمور، ويشرح قوله ”في إثرِها عذارى صاحِباتُها.
مُقدَّماتٍ إليكَ يُحضَرْنَ بفرحٍ وابتهاجٍ“ (مز 45: 14 – 15)، فيرى القديس أنَّ
الروح هنا يمدح البتولية بوضوح كعروس للرب، فقد وعد العذارى أن يقتربن في المكان
الثَّاني بعد العروس من الكُلِّي القُدرة بفرح وابتهاج، تحرسهُنَّ وتحميهُنَّ
الملائكة، ”لأنه عظيم جداً ومُشتهى حقاً هو مجد البتولية، فبعد الملِكة التي
يرفعها الرب ويُقدِّمها في مجد طاهِر بلا خطية إلى الآب، يأتي خورس العذارى ويجلِس
في مكان تالٍ لذلك الذي للعروس (الكنيسة)“.

ثم
يتساءل القديس عن أصل كلِمة بتولية، ولماذا دُعِيَت هذه الفضيلة الفائِقة العظيمة
”بتولية؟؟؟؟“ ويرى أنه من أصلها يُمكننا أن نعرِف ما تهدِف إليه، وما هي قُوَّتها،
وما هو ثمرها ونتائِجها، ”إذ أنَّ البتولية إلهية
Divine
بتغيير حرف واحد“ فبحذف حرف أل الموجود في كلِمة ”بتولية تصير الكلِمة هكذا التي
تعني ”إلهية
Divine“ لأنَّ هذه الفضيلة وحدها تجعل ذلك الذي يقتنيها والذي يُمارِس
طقوسها شبيه بالله، ”وبدونِها يستحيل إقتناء الصَّلاح العظيم، لأنها بعيدة تماماً
عن السرور والحُزن، بأجنحة النَّفْس تصير أقوى وأخف، وتعتاد على الإنطلاق والطيران
دوماً بعيداً عن الأهواء البشرية“.

 

ويقول
القديس أنَّ هؤلاء الذين صعدوا على جِناح خفيف إلى الحياة السمائية، يرونَ في
عُلوِهِمْ وبُعدِهِمْ ما لا يراه الآخرون، وينظرون نباتات الأبدية تحمِل زهوراً لا
يُمكن تخيُّل جمالها ولا يُوصف، ولهذا السبب يرونَ أنَّ كلّ هذه الأشياء التي نظُن
هنا في العالم أنها نبيلة وعظيمة، مثل الغِنَى والمجد والميلاد والزواج، كلّها
صغيرة وضئيلة، ولا يعودون يُفكِّرون فيها، وإذا كان على أحدهم أن يختار أن يترُك
جسده للوحوش الضارية أو للنيران أو أن يُعاقب، نجدهم مُستعدين لا يُبالون بالآلام
ولا يهابونها، لذلك مع أنهم في العالم إلاَّ أنهم ليسوا من العالم، بل ارتقوا
بفكرِهِم ورغبِة نِفوسِهِمْ، إلى جماعة الذينَ في السماء.

 

وجِناح
البتولية يُحلِّق عالياً نحو السماء، مُنطلِقاً إلى وفي المناخ النقي الطاهِر،
وإلى الحياة المُماثِلة للملائِكة، وهؤلاء الذينَ استمروا بتوليين أنقياء للسيِّد
المسيح سيحملون جائزة النُّصرة وسيُكلِّلهُم السيِّد المسيح بزهور الأبدية
Flowers of Immortality، لأنه ما أن تترُك نِفوسهم الجسد، حتّى تُقابلهم الملائكة بفرح
عظيم وتقودهم إلى المراعي التي نسمع عنها هنا، والتي إليها كان اشتياقِهِمْ،
وكانوا يتأمَّلون فيها في خيالهم لأمد طويل.

 

وعندما
يذهبون إلى هناك سيرونَ الأشياء الجميلة العجيبة المجيدة المُباركة التي لا يُمكن
الحديث عنها للبشر ولا يُعبَّر عنها، فهناك يرونَ البِّر نفسه، والتعقُّل والمحبة
نفسها، والحق والاعتدال والاحتمال، وكلّ زهور ونباتات الحِكمة الأخرى، وكلّها
مُشرِقة وساطعة إشراقاً لا نرى منه هنا على الأرض إلاَّ ظِلالاً وخيالات كما في
حلم، لأنه لم يرَ أحد قط بعينيهِ عِظَم أو جمال أو شكل البِّر نفسه أو الفهم نفسه
أو السلام نفسه، ولكن فيه هو الذي اسمه ”أنا الكائِن
I AM
(أهيه) يُرى كلّ هذا كامِلاً وواضحاً، وهناك شجرة للاحتمال نفسه وأخرى للمحبة
وأخرى للفهم، وهناك أيضاً نباتات تنبُت وتُجمع ثِمارِها ولا تذبُل ولا تفسد أو
تموت بل هؤلاء الذينَ يجمعونها ينمون إلى الأبدية وشِبْه الله، تماماً مثلما كان
آدم، عندما كان في الفِردوس قبل أن يسقُط في الخطية وتُعمى عينيه.

 

فقد
عيَّن الله الإنسان لكي يُهذِّب ويعتني بنباتات الحِكمة، لأنَّ عمل آدم الأوَّل
كان أن يهتم بثمارِها، وقد رأى إرميا النبي أنَّ هذه الأشياء توجد في مكان مُعيَّن
بعيداً جداً عن عالمنا، وفي اشفاقه على هؤلاء الذينَ سقطوا من الصلاح، يقول
”تعلَّم أين الفِطنة (الحِكمة) وأين القُوَّة وأين التعقُّل لكي تعلم أيضاً طُول
الأيام والحياة وأين نور العيون والسَّلام.مَنْ وَجَدَ موضِعها ومَنْ بَلَغَ إلى
كِنوزِها “ (با 3: 14 – 15)، والعذارى اللاتي دخلن إلى كِنوز الأشياء الصَّالِحة
يجمعنَ الثِمار العاقِلة التي للفضائِل الصَّالِحة، وهذه الثِمار مُشرِقة بأنوار
مُتعدِّدة ومُتنوعة، عندئذٍ تُسبِّح العذارى بهارمونية وتناغُم، مُعطِيات المجد
لله.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى