علم

26- جعالة البتولية



26- جعالة البتولية

26- جعالة البتولية

وعلى
لِسان إحدى العذارى يقول القديس البتول: ”إني مخطوبة للكلِمة الإلهي، وجعالتي هي
إكليل الأبدية والغِنَى الذي من عند الآب، وأنا أنتصِر في الأبدية وأُتوج بزهور
الحكمة المُشرِقة التي لا تذبُل.. إني واحدة في الخورس مع المسيح الذي يُوزع مُكافآته
في السماء، ذلك الخورس الواقِف حول الملِك غير المُبتدِئ الأبدي.. لقد صِرتِ حاملة
لمصباح ذي أنوار لا يُدنى منها، وأشترك في تسبحة رُؤساء الملائكة الجديدة، مُعلِنة
النِعمة الجديدة التي للكنيسة“، ثم يُقدِّم سبب حديثه هذا، وهو أنَّ جماعة العذارى
يتبعنَ الرب دوماً ومعه أينما يكون، وهذا ما رَمَزْ إليه يوحنَّا البتول الرَّائي
بحديثه عن الأربعة والأربعين ألفاً البتوليين (رؤ 7: 4)، ثم يحِث العذارى قائِلاً:

 

”إمضينَ
إذاً أيتها العذارى واملئنَ آنيتكُنْ بالبِّر لأنَّ الساعة آتية عندما يجب أن
تقومنَ وتُقابِلنَ العريس، اذهبنَ واترُكنَ بخِفَّة ملذات ومسرَّات الحياة التي
تُربِك النَّفْس وبذا يُمكنكُنْ أن تحصُلنَ على الوعود الإلهية“.

 

بعد
ذلك يُوضِح القديس أنه لن يُقدِّم مدحاً للبتولية من مُجرَّد كلام بشري بل من ذاكَ
الذي يهتم بالإنسان ويعتني به، فهو الذي زرع هذه النبتة السمائية (البتولية) وهو
مُحِب لجمالها، وكما يفعل ميثوديوس في كلّ صفحات كِتابه، هكذا هنا أيضاً يُعضِد
حديثه بأدلة وشواهِد كِتابية، وهنا يتحدَّث من سِفْر نشيد الأنشاد، فيقول أنَّ
كلامه واضِح تماماً في سِفْر النشيد لمن يُريد أن يراه، حيث يمدح المسيح بنفسه هؤلاء
الذينَ يعيشون بثبات في بتولية قائِلاً: ”كالسُّوسنة بين الشَّوكِ كذلك حبيبتي بين
البنات“ (نش 2: 2) مُشبِهاً العِفة بالسَّوسن بسبب نقاوته وشذاه العَطِر وحلاوته
وبهجته، فالعِفة مثل نبات ربيعي دائِماً تخرُج أبدية من بَتَلاَتِها وزنَابِقها
البيضاء، لذلك يُحِب الرب جمال تفتُّحها قائِلاً: ”قد سبيتِ قلبي يا أُختي العروس
قد سبيتِ قلبي بإحدى عينيكِ بقلادةٍ واحدةٍ من عُنقِكِ. ما أحسن حُبَّكِ يا أُختي
العروس كم محبَّتُكِ أطيبُ من الخمر وكم رائحة أدهانِكِ أطيبُ من كلِّ الأطياب.
شفتاكِ يا عروس تقطُرانِ شهداً. تحت لِسانِكِ عسل ولبن ورائحةُ ثيابِكِ كرائحة
لُبنان. أُختي العروس جنَّة مُغلقة عين مُقفلة ينبوع مختوم“ (نش 4: 9 – 12).

 

فهذا
المديح يقوله السيِّد المسيح لهؤلاء الذين يحيون البتولية مُسمياً إيَّاهم جميعاً
بالاسم الواحِد الذي لعروسه، لأنَّ العروس يجب أن تُخطب للعريس وتُدعى باسمه، ويجب
أن تكون طاهرة نقية كحديقة مُغلقة تفوح فيها روائِح وشذا السموات، والمسيح وحده
يأتي ويجمعهم وهم يُزهِّرون ويحملون بِذاراً روحية، لأنَّ الكلِمة لا يُحِب أي شيء
من أشياء الجسد، لأنه ليس من هذه الطبيعة لكي يُسَرْ بأيٍ من الأشياء الفاسِدة الجِسدانية
الفانية، مثل الأيدي أو الوجه أو الأقدام، ولكنه ينظُر إلى الداخِل ويُسَرْ
بالجمال الروحي الغير مادي.

 

ويُعلِّق
القديس ميثوديوس الأوليمبي قائِلاً أنه من الواضِح للجميع أنه توجد قُوَّتان
للنظر، واحدة للنَّفْس وأخرى للجسد، ولكن الكلِمة اختار تلك التي للفهم فقط
قائِلاً: ”قد سبيتِ قلبي بإحدى عينيكِ بقلادةٍ واحدةٍ من عُنقِكِ“ (نش 4: 9)، وهذا
يعني: أنَّ نظر ورؤية عقلِك الجميلة، قد جعلت قلبي يُحِبِك، فجمال العِفة المجيد
البهي يُشرِق من داخِلِك..

 

فقلائِد
العُنُق تتكوَّن من أحجار كريمة مُتنوعة، والنَّفْس التي تهتم بالجسد تضع حول
عُنُقها الخارجي الجسدي هذه الزينة المنظورة لتخدع هؤلاء الناظرين إليها، أمَّا
هؤلاء الذين يحيون في عِفة وبتولية فيُزينون أنفسهم في الداخل بزينة مُكونة حقاً
من أحجار كريمة مُتعدِّدة الأنواع أي الحُرية والحِكمة والمحبة و.. ولا يهتمون
بالزينة الوقتية التي، مثل أوراق الشجر التي تزهر وتينع لمُدة ساعة، تجِف بحدوث
تغيُّرات الجسد، لأنَّ في الإنسان جمالين، لكن الرب لا يقبل إلاَّ الجمال الأبدي
الذي في الداخِل، يقبله قائِلاً: ”قد سبيتِ قلبي بقلادةٍ واحدةٍ من عُنقِكِ“ وهو
يُريد بهذا أن يقول أنَّ ما يجعله يُحِب الإنسان هو بهاؤه الداخلي الذي أشرق في
مجده، كما يقول المزمور ”كلّ مجد ابنة الملِك من الداخِل“ (مز 45: 13).

 

وخوفاً
من أن يظُن البعض من كلامه أنَّ العذارى وحدهُنْ سيخلُصنَ ويتبرَّرنَ، أوضح القديس
ميثوديوس أنه يجب أن لا يظُن أحد أنَّ باقي جماعة المُؤمنين ستُدان، وأنَّ العذارى
وحدهُنْ سينِلنَ المواعيد الإلهية، لأنه سيكون هناك أُمم وقبائِل وألسِنة بمقدار
إيمان كلٍّ منهم، ويقول القديس بولس الرَّسولل: ”مجد الشمس شيء ومجد القمر آخر
ومجد النجوم آخر. لأنَّ نِجماً يمتازُ عن نجمٍ في المجد، هكذا أيضاً قيامة
الأموات“ (1كو 15: 41 – 42) والرب نفسه لم يعِد بأنه سيُعطي نفس المجد والكرامة
للجميع، بل وَعَدْ البعض أنهم سيُحصَونَ في ملكوت السموات، وآخرين بأنهم سيرِثون
الأرض وآخرين بأنهم سوف يرونَ الآب: ”وهنا أيضاً يُعلِن أنَّ خورس العذارى المُقدس
سيدخُل أولاً في مَعِيته هو إلى الحياة العتيدة في الملكوت، كما إلى حُجرة
العُرْس، لأنهُنْ كُنَّ شهيدات ليس باحتمال ألامات الجسد لفترة قصيرة وجيزة بل
باحتمالها طُوال حياتِهِنْ، لم يتمزقن من المُصارعة في السَّاحات والمُجتلِدات
أملاً في الفوز بجائزة العِفة، بل قاومنَ عذابات الشهوات والمخاوِف والأحزان
الشرِسة، لذا يأخُذنَ مُكافأتهِنْ أوِّل الكلّ ويجلسنَ في المكانة الأولى التي
لهؤلاء الذين ينالون الوعد“ وهذه بلا شك هي النِفوس التي دعاها الكلِمة عروسه
وأُخته، ولكن عن باقي السَّراري والعذارى كتب: ”هُنَّ سِتُّونَ مَلِكَةً وثمانون
سُرِّيَّةً وعذارى بلا عددٍ. واحدة هي حمامتي كامِلتي. الوحيدة لأُمِّها هي.
عقيلةُ والِدتها هي. رأتها البناتُ فطَّوبنها. المَلِكَاتُ والسَّراري فمدحنها“
(نش 6: 8 – 9) ”لأنه من الواضِح أنَّ هناك بنات كثيرات للكنيسة، ومِنهُنْ كُلَّهُنْ
واحدة فقط هي المُختارة، الأعظم في عينيها من الكلّ، أعني جماعة وخورس العذارى“.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى